‏إظهار الرسائل ذات التسميات أشياء في الخاطر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أشياء في الخاطر. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 15 مايو 2016

مصر مش تونس..وعُمان ليست لندن



حين اندلعتْ أحداثُ الثورة المصرية في يناير 2011م، ظهر في وسائل الإعلام المصرية إعلاميون وكتّاب يقولون "مصر مش تونس"، تعبيرا عن رفضهم للمظاهرات الاحتجاجية التي قد تصل إلى المطالبة بإسقاط النظام كما حدث في تونس. كان هؤلاء يحاولون "إفهام" المصريين أنّ مصر لها "خصوصيّتها"، وأنّ أوضاع مصر ليست كتونس، وأنّ رئيس مصر ليس مثل زين العابدين بن علي. لا أريد الخوض هنا في تفاصيل الثورة المصرية ولا أحاول إسقاط ما حدث هناك على الواقع العُماني، بيد أنّني أقتبس عبارة "مصر مش تونس" وما تنطوي عليها من مفاهيم لتحليل خِطابٍ بدأ يتزايد في عُمان مع أحداث الاعتقالات الأخيرة.

تابعتُ كغيري كثيرا من الكتابات والتعليقات التي ظهرت في وسائل التواصل الاجتماعي حول موضوع اعتقالات الكتّاب ومسألة انتقاد الحكومة، وقرأتُ مجموعة من التعليقات التي تصبّ في فكرة واحدة مفادها أنّ المثقّفين والكتّاب في عُمان كثيرا ما يقعون في مشكلة فِكرية حين يجهلون أو يتجاهلون خصوصية الدولة التي ينتمون إليها والمجتمع الذي يعيشون فيه، وأنّهم ببراءة أو سذاجة يريدون استجلاب نموذج من بيئات سياسية غربية وإسقاطه دفعةً واحدة على الواقع العماني، غافلين عن أنّ لكل دولةٍ قوانينها التي تراعي خصوصية مجتمعها وظروفه، وأنّ ما يصلح في نيويورك ولندن (مثلا) لا يصلح في عُمان. فطبيعةُ المجتمع وثقافته ومستوى تعليمه وطريقة تعامله مع الآراء الأخرى لا تتناسب مع ما قد يكون أمرا معتادا في دول أخرى قطعت أشواطا بعيدة في العمل السياسي والتشريعي والتقدّم التعليمي وما إلى ذلك.

أودّ قبل كل شيء أنْ أوضّح بأنني حين أستعير مقولة "مصر مش تونس" فإنني لا أشكّك في نوايا أحد بل أفترض دائمًا حُسن النوايا والرغبة الصادقة في مصلحة الوطن، كُلاً من منظوره. لكنّ هذا لا يعني أنّ هذه المقولة وما تجرّه من دلالات تخلو من مشكلات فِكرية ينبغي التنبّه عليها.

فأولا: هذا الرأي في حقيقته لا يقول شيئا ذا معنى؛ فمن البديهي أنّ لكل دولة قوانينها التي تخصّها ولا تخصّ غيرها، ولا توجد دولتان في العالم تتطابقان في القوانين. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإننا حين نسلّمُ بوجود تشريعات لا تنسجم مع مجتمعاتنا (لأسباب متعددة دينية وثقافية وغيرها)، فهذا لا يعني أن نترك ما تُحاول تلك التشريعات تحقيقه من حفظ الحقوق والحرية والكرامة الإنسانية، بل علينا أن نضع اجتهادنا التشريعيّ الخاص الذي يتلاءم مع ظروفنا وتطلعاتنا شريطة أن يحافظ على مبادئ الحقوق والحرية والكرامة الإنسانية، إذْ لا يجوز القول إنّ هذه المبادئ الإنسانية تحقّ لغيرنا ولا تحق لنا!

ثانيا: القولُ بأنّ مجتمعا ما ليس مستعدًا أو جاهزًا للحرية أو الديمقراطية لا يستند إلى أي دليل منطقيّ أو تاريخي، ولا يعدو أن يكون مُغالطةً فكرية ينبغي مراجعتها. فالتغييرُ لا ينظرُ في الاستعداد المفتَرض بقدر نظرته إلى دفع الضرر وجلب المنفعة؛ إذ إنّ حجم الضرر والمنفعة للإنسان هو الذي يحدّد ما إذا كان الوضع يستحق التغيير أم لا. والتغييرُ الذي أتحدّث عنه ليس بالضرورة تغييرا جذريا، وإنما يُمكن أن يكون تدريجيا، بشرط الاتفاق على ذلك بين أطراف المعادلة. ولمن يقول إنّ مجتمعاتنا العربية ليست جاهزة للديمقراطية وحرية التعبير (وهو قولٌ طافح بالعنصريّة الذاتيّة) أستعير حجّة المفكر العربي عزمي بشارة حين قال فيما معناه: "من قال أصلا إنّ شعبًا من الشعوب على مرّ التاريخ كان جاهزًا للديمقراطية؟ الديمقراطية تأتي دائما عن طريق طليعةٍ أو نخبةٍ تنادي بالحقوق والحريات عبر جهودٍ سياسية طويلة إلى أن تفرض الديمقراطية على النظام الذي لم يكن ديمقراطيا". والأمرُ نفسه ينطبق على حرية التعبير، التي ما يزال لها معارضون ومقاومون حتى في الدول الراسخة في الديمقراطية، لكنّ المبدأ نفسه يظلّ قائمًا في حفظ الحقوق.

نعم، عُمان ليست لندن، لكنّ العُمانيّ لا ينبغي أن يكون أقل كرامة من اللندنيّ. فلتكن لنا تشريعاتنا وخصوصيّتنا، لا بأس، لكن من غير المقبول أن نجعل هذه الخصوصية مبررا لانتهاك الحقوق والكرامة.

الاثنين، 2 مايو 2016

عن الأيادي الأمينة



عن الأيادي الأمينة

من المقلق جدًا في أي مجتمع مدنيّ أنْ تكثُر الأصوات التي تشجّع الأجهزة الأمنية وتقرُّها على اعتقال الكتّاب، بدعوى أنّ هذه الأجهزة إنما تعمل على حماية الوطن، وأنها تعرف ماذا تفعل، وأنّ لها الحق في التحقيق مع الكتّاب وغيرهم، وأنّ المعتقلين في "أيادٍ أمينة" وسيخرجون بسلام، فلا داعي للتهويل. ثمة كلام هنا ينبغي أن يُقال لإعادة التفكير في بعض المفاهيم.

لئن كانت الأجهزة الأمنية تسعى إلى حماية الوطن، فهذا هو الهدف من وجودها أساسا، ولا ينبغي التشكيك في وطنية العاملين فيها أو التحريض عليهم. هذا كلام مفروغ منه، لكنّه لا يعني بأي حال من الأحوال أنّ هذه الأجهزة هي وحدَها من يريد الحفاظ على الوطن، أو أنها معصومةٌ وعلى حقٍ دائما. فالأجهزة الأمنية جزء من مؤسسات الحكومة، تلك المؤسسات التي لا يكاد يمرّ يومٌ دون أن نلومها وننتقدها على صفحات الجرائد وفي البرلمانات ووسائل التواصل الاجتماعي، خاصةً حين يتعلق الأمر بمظلمة شخصية أو أوجه قصور نتضرر منها. إذًا فالأجهزة الأمنية مؤسسات بشرية لها ما لها وعليها ما عليها، نحيّيها على القيام بواجبها، وننتقدها في جوانب أخرى.  

أما القولُ بأنّ المعتقلين في "أيادٍ أمينة" فلا معنى له إطلاقًا؛ إذْ من الطبيعي أن يكون كل مُعتَقلٍ أو مُحتَجَزٍ أو سجين في أيادٍ أمينة، ولو حصل غير ذلك يكون خرقًا للقانون وتنبغي المحاسبةُ عليه. أن تكون في "أيادٍ أمينة" هو حقٌ مكفول لك أساسا، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يكون مبرِّرا لاعتقالك أو حبسك. ولا ينبغي أن نبرّر الاعتقال بدعوى أنّ الأجهزة الأمنية عندنا لا تمارس التعذيب؛ فهذا كلام بائس للغاية يوحي بأنّ المشكلة الوحيدة التي تجعلنا لا نقبل السجن هي التعذيب!

قد نتفهّم أن يبرّر بعض الإخوة التحقيق مع الكتّاب، ولكن ما يصعب تفهّمه هو التبرير لاحتجازك (وأنت بريء حتى تثبت إدانتك) أيامًا وأسابيع بدعوى التحقيق، وكأنك إرهابي ستهرب من البلاد أو تشكّل خطرًا على سلامة المواطنين.  

وأما القولُ بأنّ حرية التعبير ليست مُطلقة، فهذا كلام مفروغٌ منه أساسا، ولا يوجد بين أعتى دعاة الليبرالية وحرية التعبير من يفكّر بهذه الدرجة من الصبيانية. المنادون بحرية التعبير ينطلقون أساسا من مبدأ الحفاظ على الحقوق والحريات، لذلك من الطبيعي أن توجد قوانين تُدين بعض أنواع التعبير العنصرية والطائفية مثلا للحفاظ على حقوق الآخرين وسلامتهم.

من المؤسف أن تظهر أصوات من بينها أصوات كُتّاب تغمز بتأييد الاعتقالات، بدعوى أن الوطن خطٌ أحمر. والسؤال هنا، من خوّلكَ قاضيا تحكم بأنّ الكاتب الفلاني قد تجاوز الخط الأحمر؟ وهل هذا الخطّ الأحمر واضح تماما أصلا؟ وهل تستطيعُ أنتَ أن تُقسم قسما قانونيا على أنّ الكاتب كان يقصد المعنى الذي فهمته أنت؟ ثمة جانب أخلاقي ينبغي علينا مراجعته قبل التحريض على اعتقال شخص بريء. 

من واجبي كإنسان نحو كل البشر أن أستنكر وأعترض على اعتقال أي شخص بسبب رأيه. ليس معنى ذلك أن نتساهل مع كل أشكال التعبير العنصرية والطائفية مثلا، ولكن علينا -كما يقول تشومسكي- الحذر من أن نمنح جهةً تنفيذية الحقّ الكامل والحصريّ في تفسير ما يكتبه الكتّاب وتحديد ما ينبغي أن يُقال وما لا يُقال وما هو التاريخ الصحيح، وأن تُعاقب من يحيد عن ما تريده. ببساطة، ومن أجل حفظ القانون وكرامة الإنسان، لا أريد لحكومةٍ، أيا كانت تلك الحكومة، أن تملك سلطة بهذا الحجم. من حقّ الناس أن يكون لهم رأي (عبر برلماناتهم) في القوانين، وأن يكون الفيصل في أي نزاع هو القضاء المستقل. 

الأربعاء، 20 أبريل 2016

عبدالله حبيب...وحرّية التعبير


عبدالله حبيب..وحرية التعبير

يقول لي أحد زملائي مستنكرًا: "أوتريدني أن أتضامن مع عبدالله حبيب؟ ما كتبه عن انفصال ظفار كريهٌ وبغيضٌ ولا يمكن أن أدعو لحرّيته في قول شيء كهذا". فقلتُ له: "بل لهذا السبب تحديدًا يجدر بك أن تتضامن معه؛ فلا معنى لأن تتضامن مع حرّيته إن كنتَ توافقه على رأيه. وإن تضامنتَ معه لأي سببٍ آخر (لأنّه كاتب وسينمائي كبير، أو لأنه يمكنك تفسير ما قاله بحسن نية، أو لأنه صديقك) فيجدر بك أن تراجع نفسك فورًا، وتنسحب من مهنة التدريس الجامعي!".

لا يكادُ يكون هناك معنى لـ"حرية التعبير" إن لم يكن ذلك التعبير خارج المألوف والمقبول؛ فنحنُ إنّما نختبرُ إيماننا بالحرية حين يكون المستفيدُ منها هو الآخر الذي نختلف معه ولا نرتاح لما يقوله. أمّا إنْ كنا نسمح بحرية التعبير لمن يوافقنا الرأي ويسير على نهجنا، فنحن في الحقيقة ندعو لشيء آخر لا يمكننا أن نسميّه "حرية".

بإمكانك أن تفسِّر ما قاله عبدالله حبيب كما تشاء، وأن تصفه بما تشاء، فمن حقّك أن تعتبره كلاما غيرَ مسؤول، أو غيرَ منطقيّ، أو حتى سخيفًا، من حقّك أن تعتقد فيه ما تشاء، ما دام هذا رأيك أنت، دون أن تحتاج إلى من يفكّر عنك أو يحميك من ذلك "الرأي" الذي طرحه عبدالله حبيب. فهو (أي عبدالله حبيب) لم يدخل عقلك ليفرض رأيه، ولم يحمل سلاحًا أو يحرّض على عنفٍ كي تحتاج إلى حكومةٍ تحميك منه.

وإن كنتَ ترى أنّ حرية التعبير لها حدود وأنّ الدولة من حقها أن تمنع انتشار بعض الآراء التي تعتبرها خطيرة، فأنتَ في حقيقة الأمر لا تنظرُ إلى مجتمعك إلا على أنه مجموعة من الأطفال الذين ينبغي حمايتهم أو السُذّج الذين ينبغي حمايتنا من حماقتهم. إن كنتَ تخشى من انتشار فكرة، فلأنك تشعر بعجزٍ من مواجهتها ودحضها بفكرة أخرى أقوى منها، أو لأنك تعلم أنّ هناك عقولا مستعدة لتقبّل تلك الفكرة، وهنا ينبغي أن تشغل نفسك بتصحيح الفكرة وليس بإسكاتها.

بعد ستة وأربعين عامًا من التعليم في عُمان، ليس من المشرّف أبدًا أن نشعر بحاجةٍ إلى من يحمينا من الأفكار والآراء، وليس من المشرّف أبدًا اعتقالُ صاحب رأي. قُل ما تشاء، ولديّ عقلٌ أميّزُ به، عقلٌ يحميني وليس جهاز أمن.

أتضامنُ مع حرية عبدالله حبيب، احترامًا لعقلي أولا.
   

  

الأربعاء، 7 أكتوبر 2015

كيف يؤثر الانتحال على الإبداع في المجتمع؟



في مقال منشور في موقع "علم النفس اليوم"[1] بعنوان "الانتحال وأثره على الإبداع"، كتبت د. شيلي كارسن عن تجربتها كأستاذة جامعية مع حالات الانتحال لدى الطلاب، وذكرتْ الأعذار التي يسوقونها حين يُكتشف انتحالهم، والتي كان من أبرزها "الكل ينتحل، فلمَ لا أفعل ذلك أيضا؟". ترى الكاتبة أنّ التصدّي لثقافة الانتحال أمرٌ ضروريّ للغاية لمن يعتقد أنّ الإبداع مكوّنٌ أساسيّ في صحّة المجتمع ونموّه ثقافيًا. وكجوابٍ على السؤال أو العذر المذكور أعلاه، تورد الكاتبة ثلاثة أسباب تجعلنا نحارب هذه الظاهرة، سأترجمها فيما يلي.
----------

أولا، تؤدي سرقة الملكية الفكرية للآخرين إلى إضعاف الدافعية لإنتاج مادةٍ أصيلة إبداعية، وذلك من جانبين. فحتى لو كنتَ تمتلك قدرات كبيرة في الكتابة وأفكارًا ألمعية، سينطفئ دافعك لبذل الجهد والوقت ما دام بإمكانك ببساطة أن تختلس إنتاج الآخرين وتنسبه إلى نفسك. ولو عرفتَ أنّ أحدًا آخر يمكنه أن ينسب لنفسه إنتاجَك أنتَ دون أية تبعات، فلن تجد في نفسك رغبةً كبيرة في أن تُنتج شيئا وتنشره. حين ترى إنجازك يُنسَب لغيرك تشعُر بالانتهاك، والنتيجة هي أنّ بعض الأشخاص الذين لديهم القدرة على الإسهام بإبداعات حقيقية سيصابون بخيبة أمل ويقولون في أنفسهم "لماذا أتعب نفسي إذًا؟".

ثانيًا، تجاهُل ذكر المراجع والمصادر التي أُخِذَت منها الأفكار والمقولات يُضعف مفهوم المسؤولية في النشر؛ إذ يسمح ذلك بانتشار المعلومات الخاطئة وإعادة نشرها دون وجود طريقة لمعرفة مصدرها. وهذا بدوره يقلّل من قدرتنا على التحقق والتصرّف مع المعلومات المقدّمة لنا على أنها حقائق وهي لا تستند إلى دليل أو تأكيد. حريّ بالذكر أنّ المعلومات المغلوطة حين تلقى رواجًا كبيرًا لا تضرّ بالأفراد فحسب، بل إنّ أثرها قد يفضي إلى عواقب وخيمة يمكن أن تضلّل باحثين بل حقولا معرفية بأكملها.

ثالثا، محاولة ادّعاء الفضل لنفسك في أمر ليس من عملك هو تزوير صريح، فالشهادةُ الجامعية تعني أنك بذلتَ المطلوب منك من جهدٍ في البحث والدراسة وأداء الاختبارات، وأنّك قد تمكّنتَ من المهارات التي ينطوي عليها الحصول على الدرجة الجامعية. أما إنْ ظللتَ في مسيرتك الدراسية تتقافزُ على المهام المطلوبة منك، فعلى الأرجح إنك لم تتحصل على المهارات البحثية والكتابية المتوقعة منك، فتدخل إلى سوق العمل ناقص المهارات [بخدعةٍ اسمها شهادة].
هكذا يُسهم الانتحال في "تسطيح" ثقافتنا بدلا من الارتقاء بها إلى عصرٍ ذهبي أصبح من الممكن الوصول إليه عبر ما قدّمته لنا التقانة. علينا أن نتخذ القرار فيما إذا كنا نريد لنفسنا عصرًا سطحيًا أم ذهبيًا. إن كنتَ كاتبًا، سواء أكنت تلميذا في المرحلة الثانوية أم مدوّنًا على الإنترنت، فرجاءً احرص على توثيق المصادر. وإن كنتَ والدًا أو معلمًا، فرجاءً لا تغضّ الطرف عن محاولة انتحالٍ ممكنة. علّم أطفالك/طلابك أنّ الأمانة في الكتابة مهمّة جدًا لشخصية الفرد، ولشخصية المجتمع.



1 https://www.psychologytoday.com/blog/life-art/201010/plagiarism-and-its-effect-creative-work

لماذا يُقْدمُ الأذكياء على الانتحال (السرقة الأدبية)؟


كتب جوناثن بيلي مقالًا في موقع "الانتحال اليوم" [1] يتحدث فيه عن الأسباب التي تدفع أشخاصًا أذكياء متميّزين إلى المخاطرة بسمعتهم ومكانتهم ومستقبلهم المهنيّ حين يُقدمون على ما يُعرف بالانتحال أو السرقة الأدبية. ولعلّ هذا يذكّرنا بحوادث سمعنا عنها لشخصيات شهيرة مثل الداعية عائض القرني (الذي انتحل كتابا لسلوى العضيدان)، والإعلامي الشهير باسم يوسف (الذي انتحل مقالة نشرها في الصحف)، وغيرهما. في ما يلي ترجمةٌ لمقتطف من مقال جوناثن بيلي حول الأسباب الثلاثة التي تدفع الأذكياء إلى الانتحال.

المشكلة الأولى: صعوبة الكتابة
كون المرء موهوبًا وذكيًا لا يعني بالضرورة أن يكون كاتبًا رائعًا؛ إذ قد يكون أحدهم عالِـمًا مدهشًا أو أستاذًا أو باحثًا أو فنانًا أو موسيقيًا، الخ، دون أن يكون كاتبًا جيدًا.
نرى ذلك كثيرًا في البحوث العلمية، حيث يُبدع العلماء في عملهم لكّنهم يعانون في كتابة ما توصلوا إليه بطريقة مقبولة للنشر، ما يدفعهم في كثير من الأحيان إلى الاستعانة بكاتبٍ مأجور خفيّ، أو إلى الانتحال.
ولكن حتى لو كان المرءُ قادرًا على الكتابة فقد لا يجد متعةً فيها، ما يدفعه إلى البحث عن طرقٍ تخلّصه من هذه المهمّة كيما يركّز على أشياء أخرى يفضّلها. وللأسف قد يقود هذا من يفتقر إلى التأسيس الأخلاقي إلى الانتحال رغم كل المخاطر المحيطة به.
في النهاية، من المجحف أن نحكم على قدرات الآخرين بطريقة قاسية وفقًا لمستوى كتابتهم، بيد أنّ الكتابة مكوّن أساسي من طريقة تواصل الناس مع بعضهم البعض، ما يجعلها ضرورةً لنجاح مهمةٍ قد تبدو غير مرتبطة بها (أي التواصل).
وما دمنا نطالب أشخاصًا قد لا يشعرون بالراحة في الكتابة في أن تكون جزءًا مهمًا من وظيفتهم، سيستمر الانتحالُ موجودًا، رغم وجود العديد من الناس الذين يستطيعون تأدية مهامهم دون اللجوء إلى سلوك غير أخلاقي.



المشكلة الثانية: عامل الضغط
الأشخاص الذين يُنظر إليهم بوصفهم أكثر ذكاء وثقافة يتعرّضون لضغطٍ أكبر من الآخرين كي يتميّزوا، كي يُنجزوا، وكي يصبحوا الأفضل في كل شيء يقومون به، حتى وإن كان ذلك غير ممكن عمليًا.
وما بين مطرقة التوقعات العالية والوقت المحدود وسندان الرغبة في الحفاظ على صورتهم، قد يحدث أن يشعر هؤلاء الأذكياء (أو على الأقل من يُنظر إليهم بوصفهم أذكياء) بأنهم متورّطون في محاولةٍ لتحقيق منجزات غير منطقية أو غير ممكنة.    
وكما هو الأمر مع الكتابة، فإنّ الذكاء وحده لا يضمن أن يكون المرء ناجحًا في إدارة وقته وأعماله؛ فالألمعيوّن كثيرًا ما يعانون في تنظيم وقتهم، كبقية الناس تمامًا.
بيد أنّ هذا ليس عذرًا، فكثير من الناس يواجهون هذه الضغوط نفسها دون اللجوء إلى الانتحال. حريّ بالذكر أنّ هذا العذر واحد من أكثر الأعذار التي يبديها المنتحلون رغم أنّ الضغوط لا تتعلق بهم وحدهم بصرف النظر عن مستوى الذكاء أو النجاح.

المشكلة الثالثة: الزهو بالنفس
حين يعُدّك الكثيرون واحدًا من أذكى الناس في محيطك، وحين يُكثرون من الإطراء على روعتك، فمن السهل أن تعتقد بأنك مهما فعلتَ فلن يكتشف أحدٌ فعلتك.
وفي حين أنّ الزهو قد لا تكون تفسيرًا مقنعًا للبدء في الانتحال، إلا أنه قد يفسّر لماذا يستمرّ بعض الناس في الانتحال، بل ويصنعون سجل إنجاز اعتمادًا على الانتحال.
تتبدّى صحةُ ذلك إن أخذنا في الاعتبار أنّ قليلا جدًا من الناس يُكتشفون عند ارتكابهم الانتحال للمرة الأولى، ما يمنحهم شعورًا زائفًا بالأمان بأنهم لن يُكتشفوا إن عادوا إلى الفعلة نفسها مرارًا وتكرارًا، على الرغم من أنهم في كل مرة يقامرون بسمعتهم.

يقود ذلك إلى درجة من الشعور بالارتياح والألفة مع فعل الانتحال، وهو شعور قد يأتي بالويل عليهم حين يُكتشف خطأ ما في عملهم ويُصبحون تحت المجهر. 

1 https://www.plagiarismtoday.com/2013/01/14/3-reasons-smart-people-plagiarize/

الاثنين، 5 أكتوبر 2015

أبو فراس، واستهبال القارئ مرة أخرى

قبل أكثر من عامين كتبتُ مقالًا أكشفُ فيه عن سرقةٍ أدبية في مقالٍ لكاتبٍ شاب لم أكن أعرف عنه إلا اسمًا بدأ يتردد بوصفه كاتبًا ذكيًا واعدًا رغم صغر سنّه، فأصبتُ بخيبة أملٍ حين اكتشفتُ سرقته في المقال ذاك. حينها انتشر ما كتبتُه وأصبحتْ "فضيحةً" مُتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي، وكثرتْ الردود ما بين مصابٍ بخيبة أمل وشامتٍ في هذا الشاب ومُهاجِم لي يتّهمني بالتعالي والتقصّد والقسوة بحقّ شابٍ يُعدّ في مرتبة الطلاب الذين أدرّسهم. أوضحتُ حينها أنّه أولا ليس طالبًا عندي، وثانيًا لم يكن ما كتبه في مقرر دراسي بل مقالا منشورًا للعامة، وثالثًا لا بدّ من كشف هذه الممارسات المسيئة بحقّ القرّاء. 
بعد سنة من تلك الحادثة كتبتُ موضوعًا اعتذاريًا على "الفيس بوك"؛ لا اعتذارًا عن كشف السرقة بل لأنّ المقال هيّأ الفرصة لشامتين ظهروا بوجوهٍ كريهة بعد ذلك المقال، وقلتُ بأنّ المقصود هو العقاب وليس القتل المعنوي، والمخطئ يستحقّ فرصةً لإعادة الثقة. كتبتُ ذلك رغم أنّ هذا الشاب نفسه لم يكتب اعتذارًا عمّا فعل. على أية حال، كنتُ أحسنتُ النيّة ولم أتعامل مع منشورات هذا الشاب (في الفيس بوك) بأي تشكيك، بل كنتُ أشارك بالتعليقات أحيانًا. كانت تلك رسالة بأنّ الماضي قد انتهى وأنّي كقارئ مستعدّ لنسيان الخطأ السابق الذي بدر منه.
مرّت الأيامُ وتلقّيتُ دعوةً من "مختبر السرديات" لتقديم ورقةٍ حول مجموعة "الإشارة برتقالية الآن" للكاتبة هدى حمد، واعتذرتُ لارتباطاتٍ أخرى ثم عرفتُ أنّ هذا الشاب مدعوّ أيضًا لتقديم ورقةٍ في الجلسة نفسها، ففرحتُ لهذه الثقة التي استطاع أن يستعيدها مع المؤسسة الثقافية في عُمان، وأنّه سيصبح بإمكانه العودة للكتابة في الصحف المحلية التي أغلقت أبوابها في وجهه بعد الحادثة إياها. بالأمس، وقعت بين يديّ نسخةٌ من ملحق "أشرعة" الذي لا أتابعه عادةً لكنني حرصتُ على قراءته بحثًا عن مقالٍ قيل لي أنه سيُنشر نقدًا على ترجمتي لكتاب علي الأمين المزروعي، فلم أجد المقال لكنني وجدتُ مقال صاحبنا الشاب عن مجموعة "الإشارة برتقالية الآن". ولأنني كنتُ مدعوًّا للحديث عن هذه المجموعة انتابني فضولٌ لقراءة الورقة التي قدّمها هذا الشاب في جلسة "مختبر السرديات". قرأتُ المقال بحسن نيّة لكنّ جملةً في بداية المقال أثارت شكوكي؛ إذ لا يمكن لأحدٍ أن يكتب مثل تلك الجملة إلا إن كان "بروفيسورًا" متخصصًا في الأدب ومطّلعًا اطلاعًا كبيرًا على الدراسات الاجتماعية في عُمان. وتبيّن لي بعد بحث سريع أنّ المقال هذا مسروق أيضًا، ومن عدّة مقالات.
وإذْ لا أطيقُ استغفال الناس كتبتُ تحذيرًا على "الفيس بوك" دون الإشارة إلى الاسم، مطالبًا صاحب المقال بالاعتذار العلني للقرّاء والتراجع عن نشر الجزء الثاني من المقال، لولا أنّ محررًا في جريدة الوطن كشف الأمر وأعلن الاسم. كنتُ أتمنى أن يقدّم الشاب اعتذارًا يجعله يواجه القرّاء بشجاعة كي لا يعود إلى مثل هذا الأمر.
استأتُ كثيرًا حين رأيتُ ردّه وما ساقه من كلام ليبرّر الأمر، قائلا بأنّ "هذه دراسة كاملة . وموثقة بالمصادر. الجريدة قامت بنشرها على شكل مقالة على جزئين. وقائمة المصادر موجودة لدي ومستعد لعرضها على الجميع في شكل الورقة كاملة" وبأنّ "بالنسبة للنص المطابق لدراسة سابقة وضعت حاشية كاملة في الدراسة عن قياس النص بمثله والتحدث عن دراسات مشابهة تعرضت لمثل هذه القضية. وأقصد أن سياق الدراسات الاجتماعية في عمان يتماثل مع ما أورد في سياق الدراسات الأخرى المنجزة عن الأدب في دول الجوار". أما عن الجزء الأول من الكلام فهذا ردّه عند الجريدة وعند مختبر السرديات، وكان بإمكان صاحب المقال توجيه اللوم للجريدة لأنها لم تنشر المصادر، لكنّه هو نفسه نشر وصلة للمقال المنشور في الجريدة دون أن يذكر شيئا عن تقصير الجريدة. وأما عن الجزء الثاني، فهذا كلام مردود عليه من أي شخصٍ يعي معنى البحث العلمي. ليس فقط من حقّ الكاتب الاستعانة بدراسات سابقة، بل هذا واجبه، لكنّه لا يكون بالقصّ واللصق وتغيير بعض المفردات هنا وهناك بل بالإشارة الواضحة إلى أنّ الدراسة الفلانية قالت كذا وكذا، وباستخدام علامات التنصيص المناسبة. كما أنّ أي فكرةٍ مأخوذة عن دراسة سابقة لا بدّ أن يتبعها توثيق مصغّر بين قوسين أو على الأقل رقم يحيل إلى قائمة المصادر. وهذا غير موجود أبدًا في المقال. أضف إلى ذلك وجود مقولات أخرى في المقال منقولة حرفيًا بحذافيرها دون تلاعب في النص، وهذه تحديدًا كانت بين علامات تنصيص.
لستُ هنا في موقع الدفاع عن نفسي، لكنني سأوردُ الأجزاء المسروقة كي لا يُقال بأنني ظلمتُ أحدًا وكي يحكم القارئ بنفسه.
 -----------------------------------------------------------
 المقال وبيان الأجزاء المسروقة (باللون الأحمر)




نحو أنطقة المسكوت عنه اجتماعيًّا

وأنا أشرع في كتابة هذه الورقة كنت أفكر جلياً فيما قاله لنا استاذ علم الاجتماع في إحدى محاضرات علم الاجتماع التطبيقي في معرض حديثه عن بعض إصدارات السرد العماني حين قال : “وجدت في السرد العماني ما لم أجده في الدراسات الاجتماعية المنجزة عن المجتمع في عمان، هناك الكثير من الأعمال السردية تعطي فهماً سوسيولوجيا للمجتمع تجاوز بمراحل ما ظلت تدور حوله الدراسات الاجتماعية وتحصر نفسها فيه …” وكان حينها يتحدث عن بعض الأعمال القصصية للقاص عبدالعزيز الفارسي. ونحن اليوم أمام عمل أدبي لا يقل في ثرائه السوسيولوجي عن أعمال الفارسي، أننا أمام عمل يمثل مشرحة اجتماعية مصغرة لبعض المشكلات والظواهر (المعقدة والمركبة) في آن واحد والتي أكاد أقول أن كثيراً من الدراسات لا تجرأ أن تقترب من حدود مناقشتها، وفي أحسن الأحوال تعتبرها قضايا هامشية لا تشكل سوى ظواهر لا ترتقي إلى أن يبحث فيها الدارسون ويحللونها.
لعلي ابتدئ هنا بمقدمة عامة عن تلك العلاقة التي تؤسس لسوسيولوجيا النتاج السردي في عُمان لنستعين بها كمدخل للمفهم وأداة للتفهم أمام هذه المجموعة القصصية التي خطتها هدى حمد والتي حللت من خلال 14 قصة قصيرة فسيفساء من المشكلات والظواهر الاجتماعية على نهجين أساسيين أولهما : (إعادة التفكير في اللامفكر فيه من إشكالات النسق القيمي) ، والآخر (فضح المسكوت عنه بالدلالات الرمزية والإمساك بخيط التناقض الاجتماعي الكامن فيه).
لقد تناولت معظم الأعمال الأدبية المنتجة في السياق العماني تطورات الأوضاع الاجتماعية في عُمان على نحو لم تستطع أن تقدمه الدراسات الاجتماعية، فيلاحظ أن الدراسات الاجتماعية المنجزة عن المجتمع العماني تواجه أوضاعا جعلتها تبتعد بدرجة أو بأخرى عن كثير من القضايا الجوهرية، ففي ظل إعوجاج المنهج وغلبة الدراسات الاستطلاعية المسحية على عمل الباحثين نجد أن الظواهر الاجتماعية المتولدة عن سياق تاريخي اجتماعي محدد، تتحول إلى ما يشبه الأساطير، فالظواهر التي تولدت بفعل عوامل اجتماعية وتاريخية محددة تختلط بتصورات غير واقعية تجعل منها لغزا غير قابل للإدراك، وفي ذلك الوضع نجد أن الأعمال الأدبية من المصادر الأكثر واقعية في تناول القضايا المتعلقة بالتاريخ الاجتماعي للمجتمع الحديث. الأدب يرصد استمرار أوضاع من مخلفات الماضي [تناولت معظم الأعمال الأدبية تطورات الأوضاع الاجتماعية في اليمن علي نحو لم تستطع أن تقدمه الدراسات الاجتماعية، فيلاحظ أن الدراسات الاجتماعية في اليمن تواجه أوضاعا جعلتها تبتعد بدرجة أو بأخري عن كثير من القضايا الجوهرية، ففي ظل المنهج الخاطئ لتلك الدراسات نجد أن الظواهر الاجتماعية المتولدة عن سياق تاريخي اجتماعي محدد، تتحول إلي ما يشبه الأساطير، فالظواهر التي تولدت بفعل عوامل اجتماعية وتاريخية محددة تختلط بتصورات غير واقعية تجعل منها لغزا غير قابل للإدراك، وفي ذلك الوضع نجد أن الأعمال الأدبية من المصادر الأكثر واقعية في تناول القضايا المتعلقة بالتاريخ الاجتماعي لليمن الحديث. الأدب يرصد استمرار أوضاع من مخلفات الماضي [1]] وكذلك يرصد في الآن ذاته حال الصدام الكامن بين أطراف ثلاثة في تكوين البنية الاجتماعية التي تشكلها في تقديري اليوم ثلاث مفاعلات رئيسية (قيم المجتمع المزعومة) و (حالة البحث المضطربة عن هوية مستحدثة) وكذلك (حالة المواجهة مع العصر بقيمه المعولمة وإشكالاته المعقدة وتفاعلاته المتشابكة).
هذه البنية الاجتماعية بنية كامنة في إطار التكوين السايكولوجي العام للفرد والمجتمع وهي بالضرورة تنطبع على سياق العديد من الأفعال الاجتماعية. وفي تقديري ما المجموعة القصصية المعنونة بـ “الإشارة برتقالية الآن” إلا محاولة جادة لكشف هذا الإنطباع على حالة الفعل الاجتماعي وقياس الإنعكاسات التطبيقية لحالة البنية الاجتماعية كما نفهما راهناً.
(2)
ومن هنا فإننا نرى ضرورة استحضار منهاج سوسيولوجي للفهم والتقصي يسير جنباً إلى جنب مع منهاج النقد الثقافي الذي ابتدعه علامه النقد العربي “عبدالله الغذامي”. 
فإذا كان الغذامي ركز على مسألة إدخال (الوظيفة النسقية) إضافة إلى الوظائف الست للغة، كما حددها رومان ياكوبسون، في النفعية والتعبيرية والمرجعية والمعجمية والتنبيهية والشاعرية أو الجمالية [إدخال الوظيفة النسقية إضافة إلى الوظائف الست للغة، كما حددها رومان ياكوبسون، في النفعية والتعبيرية والمرجعية والمعجمية والتنبيهية والشاعرية أو الجمالية.[2]] فنحن بحاجة ماسة اليوم للكشف عن الوظيفة السوسيولوجية في خط متواز مع الوظائف الأخرى. وحين أتحدث عن الوظيفة السوسيولوجية، وأركز على المصطلح بتركيبته الغربية فإنني أقصد ما يتجاوز كشف الأثر الاجتماعي إلى تحليل هذا الأثر وفق منهجيات علمية متاحة تتماهى معه وتصلح لتحليله.
والكشف عن هذه الوظيفة السوسيولوجية في تقديري أصبح اليوم مبدأ أساسيا من المبادئ التي يجب أن تقود مسيرة النقد في سياق السرد العماني وتحت مظلة هذا المختبر، حتى يتحول النص عندها، من مجرد تجلٍ أدبي إلى حادثة ثقافية واجتماعية تفهم وتحلل وتعتمل الأدوات لتفسيرها، لأي نص، كيفما كان انتماؤه الحقلي والتخصصي. 
ومع الحاجة إلى النقد الأدبي بمفهومه الأدبي الصرف, فإننا بحاجة إلى النقد السوسيولوجي الذي يركز على الدلالة السوسيولوجية والتي ترتبط من خلال علاقات متشابكة نشأت مع الزمن لتكون عنصراً اجتماعياً أخذ بالتشكل التدريجي إلى أن أصبح عنصراً فاعلاً، لكنه وبسبب نشوئه التدريجي تمكن من التغلغل غير الملحوظ وظل كامنا هناك في أعماق الخطابات، وظل ينتقل ما بين اللغة والذهن البشري فاعلاً أفعاله من دون رقيب نقدي لانشغال النقد بالجمالي أولا، ثم لقدرة العناصر النسقية على الكمون والتخفي ثانيا. وإذا كان النقد يشتغل النقد الثقافي وفق مفهوم “الجملة الثقافية” فإننا بحاجة للاشتغال على مفهوم “الجملة السوسيولوجية” متجاوزين المفهوم الذي تكرس مع النقد والبلاغة الكلاسيكيين مفهوم يمس الذبذبات الدقيقة للتشكل الاجتماعي للظاهرة وإنعكاسها في النص الأدبي [وإذا كان النقد الأدبي ينحصر في ضبط علاقة النص مع إنتاج الدلالة بنوعيها الصريح والضمني، فإن النقد الثقافي يركز على الدلالة النسقية التي ترتبط من خلال علاقات متشابكة نشأت مع الزمن لتكون عنصرًا ثقافيًا أخذ بالتشكل التدريجي إلى أن أصبح عنصرًا فاعلاً ، لكنه وبسبب نشوئه التدريجي تمكن من التغلغل غير الملحوظ وظل كامنًا هناك في أعماق الخطابات، وظل ينتقل ما بين اللغة والذهن البشري فاعلاً أفعاله من دون رقيب نقدي لانشغال النقد بالجمالي أولاً، ثم لقدرة العناصر النسقية على الكمون والتخفي ثانيًا، ويشتغل النقد الثقافي وفق مفهوم "الجملة الثقافية" متجاوزًا المفهوم الذي تكرس مع النقد والبلاغة الكلاسيكيين وهو "الجملة النحوية" و"الجملة الأدبية"؛ فالجملة الثقافية، بنظر الغذامي، مفهوم يمس الذبذبات الدقيقة للتشكل الثقافي الذي يفرز صيغه التعبيرية المختلفة [3]].
(3)
ففي (الإشارة برتقالية الآن) هناك مجموعة من الجمل السوسيولوجية المعتملة في إطار النص الذي يتكئ على تصوير (علاقة الجندر بالاختلالات الثقافية وحالة اللاتوازن التي يخلقها في العقل والفعل المجتمعي) وكذلك (المقولات الجاهزة للتنشئة الاجتماعية القائمة على الأفكار الاجتماعية المعلبة والإجابات الجاهزة) إضافة إلى (الفسح المجتمعي لبعض الأنماط التي تلبي رغبات المجتمع وفق تبريرات واهية تنافي منطق القيمة المزعومة).
(4)
إن الإشتغال على كشف حالة (التناقض المجتمعي) الذي يصوره النص يقتضي منا بالضرورة الكشف عن تفاصيل الوظيفة السوسيولوجية للقصص الواردة في السياق تلك الوظيفة التي تتحقق من خلال محاولة الكاتبة فضح ميل الثقافة إلى تمرير أنساقها تحت أقنعة ووسائل خفية؛ كالحيل الأخلاقية والقيم المزعومة. وفي تقديم هذه المجموعة ثمة سمتان بارزتان تميزان النصوص الواردة فيها الأولى دقة تمازج 
الخواص القصصية التي شكلت المبنى الحكائي الذي تقوم عليه قصص المجموعة، من خلال التركيز على مشاهد اجتماعية بعينها وكشفها في شكل فني يتميز بالتلميح والمواربة لا الإعلان أو التصريح [الخواص القصصية التي تشكل مبنىً حكائياً يركز على صورة ما أو يصف حادثة ما، أو يتخير لحظة من لحظات الإنسان فيعمقها، وزاوية من زوايا حياته فيركز عليها ويكشف عنها في نسيج فني يتميز بالتلميح والمواربة لا الإعلان أو التصريح [4]] وبذلك فإننا نجد أن هذه المجموعة تلاقت مع الجوهر الوظيفي للفن عامة من حيث إن ”ما يقوله الفن يستمد قيمته مما لا يقوله، مما يوحي به … الفن العظيم هو الذي يدرك روح الأشياء، هو الذي يدرك ما يربط الفرد بالكل، وما يربط كل جزء من اللحظة بالديمومة الأبدية “. وهذا الأمر يعكسه أيضا عنوان المجموعة (الإشارة برتقالية الآن) , فالكاتبة اختارت لونها المتفرد لإيصال رسالة (تنبيه) من وضع المرأة في سياقها المعاش في المجتمع، إضافة إلى التنبيه حول بعض المسكوت عنه في السياق الاجتماعي، ذلك أننا لو حللنا اللون البرتقالي نجد أنه محصلة لامتزاج الأحمر بالأصفر وفي ذلك فإن الدلالة اللونية هنا هي أقرب للأحمر في ترتيب الإشارة الضوئية منه إلى الأخضر . وعليه فإن هذا يعكس أن ثمة أوضاعا اجتماعية معاشة نحسب ظاهرياً أنها تسير بشكل جيد لا يمس المجتمع بإشكالات وظواهر تؤثر في حركته ولكنها في الحقيقة هي أقرب لحالة الإنفجار إذا ما تم التنبه إليها والمكاشفة حولها. أما السمة الثانية فهي المعادلة الصعبة التي قدمتها الكاتبة في شكل عملية تكثيف النص، ذلك التكثيف القائم أساساً على البساطة كما هو شرط القصة القصيرة الجيدة ، والذي نلتمس من خلاله صياغة مركب كامل أصيل يضمر ولا يعلن، ويتميز بالإحكام والإتقان والإيحاء، ويتعامل مع لحظات مجتمعية بعينها تموج بالدلالات، وذلك مما يحسب لهذه المجموعة فهو في تقديري ليس بالأمر الهين [عملية التكثيف في القصة القصيرة، يشترط فيها البساطة لا التسطيح، لذا فإن صياغة مركب كامل أصيل يضمر ولا يعلن، ويتميز بالإحكام والإتقان والإيحاء، ويتعامل مع لحظات إنسانية تموج بالدلالات، ليس بالأمر الهين [5]]، بل يحتاج إلى ” قدرة فائقة في التقاط الأحداث، والهاديات والدلالات، والتضمينات، والتلميحات، والمكنونات، والخبايا وإحساسات الفرد والتوحد، والاغتراب، ثم محاولة كشف أسرار ما استغلق فهمه للوهلة الأولى “.
ولما كان النسيج النصي لهذه القصص القصيرة، نسيجاً مكثفاً يضمر ولا يعلن، فإن فهمه في تقديرنا يحتاج إلى عمليات تأويل تمكننا من خرق خباياه والكشف عن مكنوناته المغلقة، ذلك أن التجريد الذي يميز بعض قصص هذه المجموعة، ليس ذلك التجريد الذي يصل إلى مراتب الألغاز والغموض والإبهام والتعتيم، بل هو تجريد يتوفر فيه الجانب التعبيري الإيحائي الذي يحقق التواصل مع القارئ بصورة محكمة [لما كان النسيج النصي للقصة القصيرة، نسيجاً مكثفاً يضمر ولا يعلن، فإن فهمه يحتاج إلى عمليات تأويل تمكننا من خرق خباياه والكشف عن مكنوناته المغلقة، وعليه فقد ذهب بعض النقاد إلى أن القصة القصيرة تتسم بالتجريد، لكن ليس ذلك التجريد الذي يصل إلى مراتب الألغاز والغموض والإبهام والتعتيم، بل هو تجريد يتوفر فيه الجانب التعبيري الإيحائي الذي يحقق التواصل مع القارئ [6]].

(5)
قراءات في التكوين المعرفي السوسيولوجي للقاصة :
حينما شرعت في قراءة المجموعة وهي من الإصدارات القلائل التي أقرأها لكتاب عمانيين، وربما هو الإصدار الأدبي الأول الذي أقرأه للكاتبة مع متابعتي لكتاباتها الصحفية، دخلت إلى عمق السرد ويتردد في مخيالي مجموعة من الأسئلة :
هل تواجه القاصة العمانية مأزق الكتابة في تفاصيل وملامح الحياة الاجتماعية المعاشة؟ وكيف باستطاعتها توصيف الحياة الغائبة عن معايشتها أو بالأحرى عن معاينتها؟ فالمرأة في السياق العربي عموماً تعيش في المجتمع وتتحرك في مناطق حياتية شبه محدودة قد لا تسمح لها بالتعرف المعمق على ملامح بعض المفردات اليومية التي تقع خارج منطقتها الأنثوية. كنت أتساءل كيف يمكن للقاصة ردم هذه الفجوة وإن كانت بسيطة أثناء كتابة النص الأدبي ؟وهل تشعر بأن الذاكرة التي تتكئ على ما هو مقروء، وما هو مرئي باستطاعتها كتابة نص يتضمن مفردات الحياة بكل أطيافها والتي تكون خارج رتم المرأة الأنثوي أو خارج حدود مناطق الجندر؟ [هل تواجه القاصة السعودية مأزق الكتابة في تفاصيل وملامح الشارع؟ كيف باستطاعتها توصيف الحياة الغائبة عن معايشتها؟ فالمرأة بشكل عام في المجتمع تعيش وتتحرك في مناطق حياتية محدودة لا تسمح لها بالتعرف على ملامح هذه المفردات اليومية التي تقع خارج منطقتها الانثوية. كيف بالامكان ردم هذه الفجوة اثناء كتابة النص.. وهل تشعر بأن الذاكرة التي تتكئ على ما هو مقروء وما هو مرئي باستطاعتها كتابة نص يتضمن مفردات الحياة بكل اطيافها والتي تكون خارج رتم المرأة الانثوي؟ [7]]. مثل هذه التساؤلات حين تواجه بها بعض نصوص هذه المجموعة تكتشف ثمة خصيصة أساسية بالنسبة لتكوين المعارف السوسيولوجية للكاتبة وهنا أركز على المعارف بشقها الشعبي المعاش. وليس المعارف النظرية أو العلمية. وإنعكاس ذلك على المخيال الأدبي فالمسألة في (مجموعة الإشارة برتقالية الآن) تشغل مستويين من الإدراك:
- أولاً: الذاكرة النسوية المتسعة التي نجد أنها تحكي واقعها بلسان الأنثى ولكنها تعبر عن ذاكرة معمقة وأكثر اتساعاً مما قد يتصوره المتلقي من نص تكتبه أنثى
 [القاصة ميّ خالد تقول: المسألة تشغل مستويين من الإدراك، أولاً: الذاكرة النسوية التي تجهل تفاصيل وملامح الشارع تخفق كثيراً في رصد واقعه إلا مما تسمع وترى وفي حدود نمائمها الضيقة [8]]، أنا هنا لا أتحدث عن (جندر أدبي مفترض)، ولكن أتحدث عن سياق مجتمعي يرسم سقف توقعات محدد من نص تكتبه أنثى. وهذه إشكالية أقدر أن هدى حمد في هذه المجموعة استطاعت كسر قاعدتها. فاتساع قاعدة المنظار الاجتماعي الذي تسلط عليه هدى قلمها لرصده وتقديمه لا يتوقف عند حدود تشعر وكأنها تنتمي لذاكرة الأنثى التقليدية في الأدب.
وكمثال جزئي على ذلك تصوير الكاتبة لشخصية (حبيب بن زهور) في قصة (عرس) فرغم إن فهم وكشف إطار الشخصية وتصويرها هو أقرب للذاكرة الذكورية منه للذاكرة الأنثوية فإننا نجد أن الكاتبة صاغت الشخصية كتكوين (مادي) و(كسلوك) و(كبنية نفسية) و(كفعل اجتماعي وتفاعل مع المحيط) بصورة دقيقة جداً. لدرجة أن المتلقي يتماهى مع مشهد وحركات حبيب وتطور الشخصية داخل النص بصورة وكأنما يشاهد مشهداً مسرحياً حاضراً. وهذه الدقة في المعرفة السوسيولوجية الشعبية تحسب للكاتبة على وجه أدق.
- 
أما المستوى الثاني في الإدراك الذي نجده في هذا النص يتجاوز إطار وضع المرأة الداخلي وحياتها الخاصة على اعتبار أن الكتابة هنا سهلة والمادة متوفرة فتشتغل الكاتبة بعاطفتها ووجدانها وإن حكت قصت ما تعيشه في حياتها الاجتماعية الخاصة، وهذه الحياة الخاصة تمثل ما هو خارج أو غائب عن حياة الرجل [9] [لذا نجد أغلب الأدب النسوي في المملكة ينتظم ضمن إطار وضع المرأة الداخلي وحياتها الخاصة لأن الكتابة هنا سهلة والمادة متوفرة فتشتغل الكاتبة بعاطفتها ووجدانها وإن حكت قصت ما تعيشه في حياتها الاجتماعية الخاصة، وهذه الحياة الخاصة تمثل ما هو خارج أو غائب عن حياة الرجل]. ولكن هذه الحدود تتلاشى في الإشارة برتقالية الآن وإن كان الرابط الأساسي الذي ترتكز عليه قصص المجموعة يتخذ من الأنثى ثيمة أساسية له ولكنه يتجاوز ذلك ليطرح إشكالات وتساؤلات أكثر عمقاً وتعقيداً وبلاغة.
وليس أدل من ذلك على قصة (يدان) هذه القصة التي تتدرج بالقارئ لرسم مشاهد متنوعة من حياة المجتمع ترتكز على وحدة المرأة. هادفة إلى أن تقول أن 
المرأة في الحقيقة ، ليست نصف المجتمع فحسب، بل هيّ أيضا والدة ومربية للمجتمع بأسره في مدرسته الأولى على الأقلّ التي تطبعه إلى حد بعيد في بقية مراحل حياته، فإذا ما وقعت العناية بالمرأة وتم إيلاؤها ما يوافق قيمتها وأهـميّتها من الإعتبار الصّحيح والعناية الفائـقة، استقام المجتمع كله وصلح حاله . أمّا من أهملها وحطّ من قيمتها وإنسانيّتها وتجاهل وجودها كعضو فاعل في المجتمع، له قيمته المركزيّة، فقد هدم المجتمع أو على الأقـلّ، فقد أضرّ بالمجتمع ضررا بليغا [المرأة في الحقيقة، ليست نصف المجتمع فحسب، بل هيّ أيضا والدة ومربية للمجتمع بأسره في مدرسته الأولى على الأقـلّ التي تطبعه إلى حد بعيد في بقية مراحل حياته. من هنا تأتي أهميّة وضرورة العناية بالمرأة، بل وإعطاءها الأولويّة في ذلك على الرّجل. فالمرأة، على هذا الأساس، هيّ عماد المجتمع، فإذا ما وقعت العناية بها وإيلاءها ما يوافق قيمتها وأهـميّتها من الإعتبار الصّحيح والعناية الفائـقة، استقام المجتمع كله وصلح حاله. أمّا من أهملها وحطّ من قيمتها وإنسانيّتها وتجاهل وجودها كعضو فاعل في المجتمع، له قيمته المركزيّة، فقد هدم المجتمع أو على الأقـلّ، فقد أضرّ بالمجتمع ضررا بليغا [10]].
ورغم أن الكاتبة لا تقول ذلك بشكل مباشر وإنما تدفع بالمتلقي قبل كل شيء لتأمل الرموز والثيمات الأساسية وتفاصيل الشخصيات التي أحكمت صياغتها وانتقاءها داخل نص القصة، فنجد مثلا لون البياض الذي يدل على بدايات الطفولة والصفاء الذي لا يخلو من شغف ورغبة وشغب لذيذ، ثم لون الإخضرار الذي يدل على النضج والقوام, وهكذا بتدرج التفاصيل اللونية التي استخدمتها الكاتبة في مشهد القصة والوضعيات الدرامية التي تتحرك بشكل تدريجي داخل إطار النص. كل ذلك تحت مرأى من (كاميرا)، وهي رمز دلالي في تقديري يوازي (جهاز الضبط الاجتماعي) وسطوته، ذلك المجتمع الذي تختل فيه الأدوار ولا تتعادل فيه الأسس التي يبنى عليها سوسيولوجيا (الدور والوظيفة) بالنسبة للمرأة وعلاقتها بالرجل داخل المجتمع. فنجد بحسب تصور الكاتب (رغم أن هذه التصور لا يخلو من تحيز جندري واضح) ولكن هذا ليس شأن الناقد فالأديب إنما يعبر عن رؤية ذاتية للعالم والوجود من حوله وليس مطلوب منه كعالم الاجتماع النظر إلى المجتمع بزاوية موضوعية صرفة يتخللها الحياد.
تشير هدى هنا إلى ثبات المرأة في عمق التكوين البنيوي لدورها في المجتمع وهذا الثبات يتجسد على مستويات عديدة عكسها النص فهو ثبات (نفسي / سلوكي / عاطفي) تجاه المتغير الأساسي في النص وهو الرجل الذي يبدأ طفلاً حتى يصل كهلاً ومع ذلك فإن العناصر الثلاثة بالنسبة له تتغير في معادلة غير موزونة تفرز العديد من أشكال المشكل الاجتماعي.
“إنّنا لا نحسب أنّ ما مرّت به عديد المجتمعات، قديما و حديثا، من تخلّف و انحطاط وانحلال، كان قد حصل لها بمعزل عمّا وقعت فيه من إهمال لوضعيّة المرأة ودورها فيها وعدم إيجاد معادلة موزونة بين ما تقدمه المراة تربويا وعاطفيا وتنشوياً، و ما تعرضت له من إساءة خطيرة مخلّة بكرامتها وإنسانيّتها. ولو دقّقنا النّظر والتحليل لوضعيّة المجتمعات المتخلّفة وفي أسباب تخلّفها لوجدنا أنّ ذلك، في جزء كبير منه، يعود إلى الطبيعة السيئة لوضعيّة المرأة فيها. فإذا كانت المرأة مهملة ومحتقرة، تعيش وضعيّة الدّنيّة والجهل والقهر وسحق للشخصيّة وعدم الاعتبار، فلا غرابة أن ينشأ الأبناء أيضا عل الجهل وضيق الأفق وضعف الشخصيّة وتذبذبها.” إن نص (يدان) إنما هو نص مسرحي في دراميته ولقد ذكرتنا صفقة الباب بصفقة الباب الأشهر في تاريخ الفنون في أوروبا في مشهد مسرحية بيت الدمية لهنريك ابسن. ومما يدفعنا لقراءة هذا النص بعمق سوسيولوجي أكثر ونصوص أخرى في المجموعة هو ما يعبر عنه تودوروف الذي يؤكد على “إن الأدب يتجسد مادياً في بنية لغوية مؤسسة على مجموعة من العلاقات الداخلية، وأن هذه البنية اللغوية تشكلت من قبل أديب، وبالتالي تكتسب دلالتها من علاقتها به.مما يجعلها تشكل (بنية دالة) لا يمكن فهمها وتفسيرها إلا من خلال (الدراسة التكوينية) التي تفيد بأن هذه البنية ليست مغلقة وجامدة وإنما تتميز بالحركة والتوالد من بنية ذهنية هي (رؤية العالم). (رؤية العالم) لا ينتجها الأديب، وإنما هي مستمدة من رؤية العالم للطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، هذه الرؤية التي لا توجد منعزلة في واقع تاريخي واجتماعي معين، وإنما توجد بموازاة الطبقات الاجتماعية المتعايشة معها…” وبعيداً عن مسألة الطبقة الاجتماعية فإن هذا النص يشكل رؤية للعالم منطلقة من فرد يمثل الجنس الآخر في المجتمع وبالتالي فهو يعطي لنا مساحات واسعة لتأويله ودرسه وفهمه توصلاً إلى فهم مبادئ التفكير والنظر التي تختلج مخيال الجنس الآخر المكمل في المجتمع. في تحولات أخرى موازية..؟




1 ريهام عبداللطيف، مشكلات المجتمع اليمني..تجاهلتها الدراسات الاجتماعية ورصدها الأدب. http://www.masress.com/alkahera/2113
2 محمد همام، لا تسامح النسق. http://www.mominoun.com/articles/%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D9%82-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%AC%D9%84-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A-116
3 محمد همام، لا تسامح النسق. http://www.mominoun.com/articles/%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D9%82-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%AC%D9%84-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A-116
4 آسية البوعلي، مضامين القصة العمانية القصيرة-مرحلة التسعينات نموذجا، https://asyahbuali.wordpress.com/2011/04/10/%D9%85%D8%B6%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8F%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9/
5 آسية البوعلي، الاتجاهات السردية في نماذج من القصة العمانية القصيرة، https://asyahbuali.wordpress.com/2011/04/10/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%AC-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%84/
6 آسية البوعلي، الاتجاهات السردية في نماذج من القصة العمانية القصيرة، https://asyahbuali.wordpress.com/2011/04/10/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%AC-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%84/
7 طامي السميري، القاصة السعودية ومأزق الجهل بتفاصيل الحياة اليومية، http://www.alriyadh.com:8080/202005
8 المصدر نفسه
9 المصدر نفسه
10 نعمان عبدالغني، مكانة المرأة الإنسان في المجتمع العربي، http://www.asharqalarabi.org.uk/r-m/b-mushacat-mm.htm

الأحد، 11 مايو 2014

عن النقدوفوبيا في عُمان

(نُشر هذا المقال في مجلة الفلق الإلكترونية بتاريخ 7 مايو 2014)

مدخل                                                                             
من الملاحَظ في السنوات القليلة الماضية أنّ العديد من المواطنين والمسؤولين في عُمان عبّروا بطريقةٍ أو بأخرى عن انزعاجهم من بعض أشكال "النقد" التي يرونها سلبية وغير مبررة وغير بنّاءة ومتصيدة. والمتابع لوسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا يشعر بازدياد هذا الانزعاج، لدرجة كاد معها مفهوم "النقد" يتحول إلى كلمة سيئة السمعة ذات دلالات منفّرة، وهذا مؤشر خطير. هذا المقال محاولة لتفكيك ومساءلة ثلاثة أفكار رئيسية في هذا الخطاب "المنزعج" تنطلق من خوفٍ (فوبيا) من النقد وتسعى إلى إسكاته.

تشويه "النقد"
أول مشكلة تواجهنا في تحليل هذا الخطاب هو عدم وجود تحديد واضح لدلالة مصطلح "النقد". يقدّم البعض أحيانا تعريفا للنقد على أنه "الحكم على الإيجابيات والسلبيات في موضوع ما"، في مقابل "الانتقاد" الذي يذهب كثيرون إلى أنّه "رصد السلبيات أو ترصّدها". ولئن كان هذا الفريق المنزعج يدعو إلى ذكر الإيجابيات وعدم التركيز على السلبيات، إلا أنه لم يلتزم دائما بهذا التفريق بين النقد والانتقاد، وأصرّ على استخدام كلمة "النقد" لوصف الممارسات التي يستهجنها، مما أدى تدريجيا إلى شحن المصطلح بدلالات سيئة. ومما يزيد الأمر إشكالية هو وضع ممارسات مثل الشكوى والتذمر والتهكم والتهجم والتجنّي بالتهم كلها في خانة النقد، وهو أمر مضلّل غير دقيق؛ فالمواطن الذي يكتب عن سوء خدمة من الخدمات لا يقدّم "نقدا" بالضرورة بل يمارس حقه في إبداء الشكوى، كما أنّ غيره قد "يتذمر" من بعض السياسات ولا يقدّم فيها "نقدا".

وللحفاظ على كلمة "النقد" مع استدراج دلالات الانتقاد، يلجأ هذا الخطاب إلى التفريق بين "النقد البنّاء" و"النقد الهدّام"، غير أنّ هذا التفريق يخلق مشكلات أكثر مما يحل؛ إذ ما هو تعريف النقد البنّاء؟ ومن يستطيع الحكم على كونه بنّاء أم لا؟ وهل البنائية هنا تتعلق بالشخص المنتقَد أم الموضوع أم المجتمع؟ النقد البنّاء قد يعني أيضا ذلك الذي يخلق تفاعلا في المجتمع يفضي إلى تحقيق تطوير في مجال معين. من ناحية أخرى يأتي وصف الهدّام خطيرًا للغاية، إذ ما الذي يهدمه هذا النقد بالتحديد؟

هل المقصود أنّ النقد البنّاء هو الذي يقدم علاجا للمشكلة؟ يقودنا هذا إلى الفكرة الثانية التي تقول بأنّ النقد يجب أن يطرح حلولا. نعم، هناك تعريفات تقول بأنّ النقد الجيد يقدّم الحلول، لكنّ ذلك عنصر واحد فقط من عناصر النقد الجيد، فإن لم يشمل النقد هذا العنصر لا يعني ذلك بالضرورة أنه سيء أو هدّام أو مزعج. سيكون مفرحا بالتأكيد لو أنّ النقد اقترن بحلول مفيدة، لكنّ ذلك لا يعني القول بأنّ من لا يقدّم الحلول عليه أن يسكت؛ فمن يشير إلى خطأ ما يكون قد ساعد في حل نصف المشكلة، ويتبقى النصف الثاني الذي قد يقترحه شخص آخر يمتلك المؤهلات الفكرية أو التخصصية اللازمة.

أما الفكرة الثالثة فهي تلك التي تمثلها عبارة "التغيير يبدأ من النفس" (أو: "ابدأ بنفسك فقوّمها" كما استخدمها أحد المسؤولين بالأمس في تويتر)، وهي حِكَم بليغة نستمتع بترديدها، لكننا مع الأسف لا نسائلها. يُعتقد (أو يراد أن يُعتقد) بأنّ معنى هذه العبارات هي أنه لا يحق لنا انتقاد الآخرين قبل أن نصحح أخطاءنا أولا. قد يصحّ هذا المعنى في سياق "التغيير بالقدوة"، وحين يكون موضوع النقد مُشتَرَكا بين الطرفين (على نحو: لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله)، لكنه لا ينطبق على كل أحوال النقد، خاصة النقد المجتمعي/السياسي. فمثلا، كيف تنطبق هذه العبارات على شخص ينتقد مشروعا، أو سياسة تتّبعها جهة معينة؟ وهنا يذهب البعض إلى تفضيل "النصيحة" على النقد العلني، وهو أمر ذو نزعة نبيلة ولا شك، بيد أنّ التعامل مع الأخطاء الواقعة في المجال العام يختلف عن التعامل مع أخطاء الأفراد في المجال الخاص.

النقد تدافع ضروري
في بلدٍ مثل عُمان يرتكز إلى نهضةٍ حديثة ويطمح إلى الإنجاز، لا بد أن تكون هناك أخطاء (فمن يعمل لا بدّ يخطئ)، ومثلما أننا بحاجة إلى التشجيع والإطراء نحتاج أيضا إلى النقد (والانتقاد) حتى تُضاف إلى رؤيتنا زاوية مختلفة. ولا بدّ للمسؤول أن يتقبل النقد بكل أشكاله وإن كان قاسيا (طالما كان في حدود القانون)، ولئن كان هو يخدم الوطن في منصبه، فليُحسن الظن بالمواطن/الكاتب الذي يمارس دوره في رصد الخطأ (من وجهة نظره) خدمة للوطن أيضا. وبدلا من تصنيف النقد إلى بناء وهدام وإيجابي وسلبي، قد يكون الأجدى هو النظر فيما إذا كان النقد موضوعيا أم لا، إذ الموضوعية هي المحك.

هذا ويجدر بنا الانتباه إلى أنّ النقد الذي يمارس في عُمان "نقدٌ ناعمٌ" مقارنة بدول أخرى، وإن كان المسؤول اليوم ينزعج من هذا النقد فكيف به لو كانت لدينا صحف حزبية تشنّ الهجمات المتتالية على المسؤولين. ومن جانب آخر علينا التذكر بأنّ المسؤول الحكومي لديه آلة إعلامية رسمية يستطيع استخدامها بسهولة لتوضيح وجهة نظره، وإبراز إنجازاته، فيما المواطن أو الكاتب لا يملك إلا قلمه. وبين هذا وذاك يستطيع الناس بذكائهم تمييز الصدق.

كلمة أخيرة لا بدّ من قولها تتعلق ببعض الألفاظ المستخدمة في سياق الحديث عن النقد البناء والهدام (أو الإيجابي والسلبي). إن استخدام ألفاظٍ من قبيل "الوطنية" و "الإخلاص" و "الولاء" (ولا أشكّ بأن استخدامها كان عن حسن نية) للإيحاء بأنّها تتعارض مع النقد (أيا كان شكله) لهو أمر خطير؛ إذ بمثل هذه الاستخدامات تُصادر الوطنية وتُفصّل على مقاس واحد، بافتراض أنّ الآخرين أقل وطنية أو إخلاصا فقط لأنهم ينتقدون أو حتى يتذمرون ويهاجمون. لا بد أن نتذكر جميعا بأنّ من يهاجم مشروعا أو سياسة أومسؤولا، فإنه يهاجمها هي ولا يهاجم الوطن، بل الحقيقة أنه يتصور هجومه (وإن كان خاطئا أو متحاملا) خدمة للوطن، ويبقى التزام القانون دائما هو الفيصل.

الأربعاء، 30 أبريل 2014

عُمان تَحْرِقُ مُفكّريها

(نُشر هذا المقال في مجلة الفلق الإلكترونية بتاريخ 27 أبريل 2014)

مدخل
ثمة نكتة يتداولها بعض الناس في عُمان، تقول إنّ الأكاديمي العُماني (خاصة في الجامعة الحكومية الوحيدة) يتسمّر يوميا أمام تلفزيون السلطنة عند موعد نشرة الأخبار، لا لمتابعة شؤون العالم، وإنما انتظارا لمرسوم سلطاني بتعيينه وزيرا أو وكيل وزارة! وعلى ما في هذه النكتة من طرافة وسخرية لاذعة، إلا أنها تنطوي على نَسَقٍ لم يأخذ حقه حتى الآن من التحليل واستشراف تبعاته. هذا المقال محاولة بسيطة للنظر في الأثر الناتج عن سياسة تعيين الباحثين العمانيين في مناصب حكومية على رأس المال البحثي والفكري في السلطنة.

نحو تفسير الظاهرة
 في محاولةٍ لتحليل هذه الظاهرة يتداول البعض ثلاثة دوافع رئيسية محتملة لهذا التوجه الحكومي. التفسير الأول يتمثل في أنّ الحكومة تسعى لضخّ دماء جديدة في الجهاز الإداري للدولة، أملا في استثمار القدرات العقلية والفكرية التي يتمتع بها هؤلاء الأكاديميون لتطوير مختلف المؤسسات الحكومية، وهو توجه مفهوم ومقبول؛ إذ من حق الدولة أن تستفيد من نتائج استثمارها في تعليم العمانيين منذ بداية النهضة، وهؤلاء الأكاديميون بشهاداتهم العالية ثمرة فكرية ذات رصيد معرفي عالي المستوى. بيد أنه من حقّ البعض أن يتساءل عن حجم الفائدة التي تعود على مؤسسات الدولة من هذا التوجّه وما إذا كان الباحث الأكاديمي صالحا للمهام الإدارية. وإذا كان القصد هو إحداث التغيير في تلك المؤسسات، فقد يتساءل البعض أيضا عن حجم المساحة التي يستطيع فيها هذا المسؤول أو ذاك التحرك، خاصة مع وجود "نظام إداري" راسخ له قوانينه وأعرافه الإدارية والمالية العصيّة على التغيير، ومع وجود تركةٍ من الترهل الإداري. بطبيعة الحال لا يعني ذلك أنّ إحداث التغيير عملية مستحيلة، بيد أنه في مناخٍ مثل هذا يحتاج إلى "نَفَس" طويل جدا، مع الأخذ في الاعتبار أنّ الشعوب العربية بعد الربيع العربي أضحت "قصيرة النَفَس" لا تقوى على الانتظار طويلا لرؤية النتائج.

أما الدافع الثاني فهو التكريم والتشجيع، إذ قد ترى الحكومة أنّ شخصًا ما قد قدّم للدولة خدمات فكرية وثقافية أو يتحصّل على ملكات فكرية يستحق بسببها أن يُمنح منصبا حكوميا رفيعا. ولئن كان الدافع هنا لا يخلو من إيجابية ونبل، إلا أنه في جزء منه على الأقل يُعدّ امتدادا لثقافةٍ قَبَلية وعسكرية ترى التكريم في منح الألقاب والمزايا والمنصب القيادي.

وأما الدافع الثالث فينبع من نظرية المؤامرة، ومفاده أنّ الحكومة قد تلجأ لمنح أحدهم منصبا حكوميا كي "تحتويه" وتقنّن ما يمكن أن ينشره من فكرٍ ربما لا يتفق مع توجهاتها. وكي نكون منصفين فإنّ هذا الدافع يُمكن أن يُقرأ بنية حسنة أيضا، وهي سعي الحكومة إلى إشراك "الآخر" والتعاون معًا في بناء الدولة، وهو نهج بنّاء وذكيّ للغاية ربما يستمد جذوره من سلطان البلاد (كما حدث مثلا مع معالي يوسف بن علوي).

نماذج
لغرض التوضيح سنضرب مثالين اثنين:

الدكتور عبدالله الحراصي: أستاذ مساعد في دراسات الترجمة، وباحث واعد نشر عدة مقالات رصينة في مجلة نزوى، وترجم واشترك في ترجمة عدة كتب مهمة، وكانت له بصمته الكبيرة جدا في نشاط الترجمة في السلطنة عبر "مجموعة الترجمة" التي أشرف عليها في الجامعة، وتخصَّصَ منذ أطروحة الدكتوراة في مجال معرفي يكاد يكون غائبا في الوطن العربي (الاستعارة المفهومية) ونشر فيه كتابا مهما. والأهم من ذلك كله أنه أسّس وأدار المشروع الوطني العظيم "الموسوعة العمانية". وحين وجد هذا الباحث والمفكر الواعد فرصة في جامعة أكسفورد العريقة كباحث زائر يعمل في مشروع بحثي مميز، يصدر فجأة مرسوم سلطاني بتعيينه رئيسا للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، فيعود من أكسفورد تاركا مشروعه، لنفقد بذلك باحثا كان من المؤمّل أن تفتخر به عُمان مفكرا رصينا.

من أكسفورد أيضا، الدكتور خالد العزري: باحث ذو عقل نقدي فذّ يندر وجوده في عُمان، وجد فرصة للعمل في جامعة أكسفورد باحثا في العلوم السياسية والدراسات الشرق-أوسطية، وفيها كتب أوراقا بحثية رصينة، وعمل أيضا باحثا في كلية لندن للاقتصاد التي كلفته بإجراء دراسة حول مآلات الربيع العربي في الخليج، وأصدر كتابا مهما مبنيا على أطروحة الدكتوراة، وظهر على شاشة البي بي سي في بداية أحداث الربيع العربي محللا سياسيا بارعا. فجأة، يصدر مرسوم بتعيينه أمينا عاما لمجلس التعليم، لنخسر باحثا ومفكرا سياسيا واعدا قد يضاهي -إن لم يتفوق- على مفكرين سياسيين في الوطن العربي.


ما المشكلة؟
قد يعترض القارئ هنا معتبرا أنّ المقال يضخّم الأمر ويهوّله، وقد عرفت الدول شرقا وغربا مثقفين ومفكرين أصبحوا وزراء ناجحين. نقول إنه مع الاعتراف بحقّ الأكاديمي في تقلّد المناصب الحكومية كغيره من المواطنين، إلا أننا في عُمان ما نزال نعاني من شحّ الباحثين ومشاريع المفكرين، ولا بد أن نعترف بأننا حتى الآن لا نملك باحثا أو مفكرا عمانيا له إنتاج بحثي/فكري معروف على المستوى العربي. وهكذا فإننا كلما ظهر لدينا باحث أو مفكر واعد أخرجناه من دائرة تميّزه وإنتاجه، لنزجّ به في طوفان العمل الإداري البيروقراطي.

ولو فرضنا جدلا أنّ الباحث ذا المنصب الحكومي سيتمكّن من تنظيم وقته وتقديم إنتاج فكري (وسط الرعايات والمناسبات التي لا تنتهي)، فلا يمكننا تجاهل ما يشكّله المنصب نفسه من قيود على الباحث؛ إذ إنه الآن لا يسعه أن يتحدث باسمه، بل عليه أن يراعي "المؤسسة الحكومية" في ما يقول وفي ما يبحث من مواضيع. باختصار، من الصعب جدا إن لم يكن من المستحيل أن يحافظ هذا الباحث على حياديته وموضوعيته، حتى بعد خروجه من المنصب.

ومن السلبيات الأخرى التي يجب أن لا نغفل عنها "حرمان" الطلاب الجامعيين من الاحتكاك بهؤلاء الباحثين والمفكرين، ولا يخفى على أحدٍ ما يتركه هذا الاحتكاك من نتائج إيجابية في التأثير على الجيل الجديد وإنتاج جيل باحث مفكر. ولعلّ التأثير الذي تركه كل من عبدالله الحراصي وعبدالمنعم الحسني مثلا في طلاب جامعة السلطان قابوس ما يدلل على ذلك.

أما السلبية الأخيرة (غير المباشرة) لهذا التوجّه الحكومي، فهو أنه خلق لدى الباحثين والأكاديميين أمنية المنصب الحكومي بدلا من الإنجاز الفكري والأكاديمي، وهذا أمر لا يخلو من ضرر بالغ. ومن نافل القول إنّ الذي سيخلّد عبدالله الحراصي مثلا هو الموسوعة العمانية ودراساته الأخرى، لا المنصب الذي تقلّده، فلا أحد يتذكر المسؤولين الحكوميين بعد سنوات من خروجهم من العمل أيا ما كانت إنجازاتهم.

هل نحرق مفكرينا؟
ما الضير في أن يُكلف الباحث للخدمة في منصب حكومي لفترةٍ ما، ثم يعود للجامعة ولأبحاثه؟ على المستوى النظري يبدو هذا الكلام معقولا، لكنه صعب التحقيق في الواقع العماني، ذلك أنّ النظرة المجتمعية للمسؤول الذي يخرج من منصبه هي أنه لم يوفق في عمله، ولذلك تم استبداله بآخر. كما أننا لا نعرف سابقة لوزير أو وكيل عماني يستقيل طوعا من منصب جاءه بمرسوم سلطاني، ولا توجد في النظام السياسي العماني فترة محددة للوزير أو مجلس الوزراء، مما يعني أنّ صاحب المنصب سيظل يطمح في البقاء أو تقلّد منصب آخر، وإلا فسيُعدّ فاشلا. من جهةٍ أخرى فإن الحكومة درجت في كثير من الأحيان على تعيين "الخارجين" من المنصب في وظيفة مستشار في إحدى مؤسسات الدولة بنفس درجته الوظيفية، مما يعني أنه ما يزال يمثّل الحكومة بشكلٍ أو آخر.

إذن، إن كان الباحث والمفكر يدخل المنصب الحكومي ويغرق في متاهاته، ولا يخرج منه إلا وهو موسوم بالفشل، وإن كان لا يستطيع أن يغيّر كثيرا، وإن كان المجتمع لا يقبل انتظار النتائج طويلا، فما نفعله ببساطة هو أننا "نحرقهم"، أولا بإشغالهم عن إنتاجهم الفكري، ثم بزرع خيبة الأمل منهم إن لم يحدثوا التغيير الذي ينشده الناس (ورضا الناس لا يُدرك).

ويبدو أنّ حرق المفكرين لا يقتصر على الأكاديميين، إذ حصل هذا أيضا مع سماحة الشيخ أحمد الخليلي، هذا العقل الذي كان واعدا بالكثير من الإنتاج الفكري الديني، فوضعناه في منصب حكومي (إداري، بشكل أو آخر)، واستنزفنا طاقته في الإفتاء والظهور في برامج تلفزيونية ليفتي في أسئلة يستطيع حتى طلابه الإجابة عنها، والنتيجة أننا أضعنا عشرات السنين التي كان يستطيع فيها سماحة الشيخ أن يُنتج كتبا فكرية وتفسيرا كاملا رصينا للقرآن الكريم (الذي بدأ فيه في سلسلة محاضرات).

ختامًا، لا يمكننا إنكار حق الدولة في الاستفادة من العقول الواعدة، ولكن ليكن ذلك عبر استشارات يقدمونها من وقتٍ لآخر، ولنتركهم في مواقعهم مفكرين مستقلين. ولئن أردنا تكريمهم وهم يستحقون ذلك، فهناك طرق كثيرة للتكريم.