الاثنين، 5 أكتوبر 2015

أبو فراس، واستهبال القارئ مرة أخرى

قبل أكثر من عامين كتبتُ مقالًا أكشفُ فيه عن سرقةٍ أدبية في مقالٍ لكاتبٍ شاب لم أكن أعرف عنه إلا اسمًا بدأ يتردد بوصفه كاتبًا ذكيًا واعدًا رغم صغر سنّه، فأصبتُ بخيبة أملٍ حين اكتشفتُ سرقته في المقال ذاك. حينها انتشر ما كتبتُه وأصبحتْ "فضيحةً" مُتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي، وكثرتْ الردود ما بين مصابٍ بخيبة أمل وشامتٍ في هذا الشاب ومُهاجِم لي يتّهمني بالتعالي والتقصّد والقسوة بحقّ شابٍ يُعدّ في مرتبة الطلاب الذين أدرّسهم. أوضحتُ حينها أنّه أولا ليس طالبًا عندي، وثانيًا لم يكن ما كتبه في مقرر دراسي بل مقالا منشورًا للعامة، وثالثًا لا بدّ من كشف هذه الممارسات المسيئة بحقّ القرّاء. 
بعد سنة من تلك الحادثة كتبتُ موضوعًا اعتذاريًا على "الفيس بوك"؛ لا اعتذارًا عن كشف السرقة بل لأنّ المقال هيّأ الفرصة لشامتين ظهروا بوجوهٍ كريهة بعد ذلك المقال، وقلتُ بأنّ المقصود هو العقاب وليس القتل المعنوي، والمخطئ يستحقّ فرصةً لإعادة الثقة. كتبتُ ذلك رغم أنّ هذا الشاب نفسه لم يكتب اعتذارًا عمّا فعل. على أية حال، كنتُ أحسنتُ النيّة ولم أتعامل مع منشورات هذا الشاب (في الفيس بوك) بأي تشكيك، بل كنتُ أشارك بالتعليقات أحيانًا. كانت تلك رسالة بأنّ الماضي قد انتهى وأنّي كقارئ مستعدّ لنسيان الخطأ السابق الذي بدر منه.
مرّت الأيامُ وتلقّيتُ دعوةً من "مختبر السرديات" لتقديم ورقةٍ حول مجموعة "الإشارة برتقالية الآن" للكاتبة هدى حمد، واعتذرتُ لارتباطاتٍ أخرى ثم عرفتُ أنّ هذا الشاب مدعوّ أيضًا لتقديم ورقةٍ في الجلسة نفسها، ففرحتُ لهذه الثقة التي استطاع أن يستعيدها مع المؤسسة الثقافية في عُمان، وأنّه سيصبح بإمكانه العودة للكتابة في الصحف المحلية التي أغلقت أبوابها في وجهه بعد الحادثة إياها. بالأمس، وقعت بين يديّ نسخةٌ من ملحق "أشرعة" الذي لا أتابعه عادةً لكنني حرصتُ على قراءته بحثًا عن مقالٍ قيل لي أنه سيُنشر نقدًا على ترجمتي لكتاب علي الأمين المزروعي، فلم أجد المقال لكنني وجدتُ مقال صاحبنا الشاب عن مجموعة "الإشارة برتقالية الآن". ولأنني كنتُ مدعوًّا للحديث عن هذه المجموعة انتابني فضولٌ لقراءة الورقة التي قدّمها هذا الشاب في جلسة "مختبر السرديات". قرأتُ المقال بحسن نيّة لكنّ جملةً في بداية المقال أثارت شكوكي؛ إذ لا يمكن لأحدٍ أن يكتب مثل تلك الجملة إلا إن كان "بروفيسورًا" متخصصًا في الأدب ومطّلعًا اطلاعًا كبيرًا على الدراسات الاجتماعية في عُمان. وتبيّن لي بعد بحث سريع أنّ المقال هذا مسروق أيضًا، ومن عدّة مقالات.
وإذْ لا أطيقُ استغفال الناس كتبتُ تحذيرًا على "الفيس بوك" دون الإشارة إلى الاسم، مطالبًا صاحب المقال بالاعتذار العلني للقرّاء والتراجع عن نشر الجزء الثاني من المقال، لولا أنّ محررًا في جريدة الوطن كشف الأمر وأعلن الاسم. كنتُ أتمنى أن يقدّم الشاب اعتذارًا يجعله يواجه القرّاء بشجاعة كي لا يعود إلى مثل هذا الأمر.
استأتُ كثيرًا حين رأيتُ ردّه وما ساقه من كلام ليبرّر الأمر، قائلا بأنّ "هذه دراسة كاملة . وموثقة بالمصادر. الجريدة قامت بنشرها على شكل مقالة على جزئين. وقائمة المصادر موجودة لدي ومستعد لعرضها على الجميع في شكل الورقة كاملة" وبأنّ "بالنسبة للنص المطابق لدراسة سابقة وضعت حاشية كاملة في الدراسة عن قياس النص بمثله والتحدث عن دراسات مشابهة تعرضت لمثل هذه القضية. وأقصد أن سياق الدراسات الاجتماعية في عمان يتماثل مع ما أورد في سياق الدراسات الأخرى المنجزة عن الأدب في دول الجوار". أما عن الجزء الأول من الكلام فهذا ردّه عند الجريدة وعند مختبر السرديات، وكان بإمكان صاحب المقال توجيه اللوم للجريدة لأنها لم تنشر المصادر، لكنّه هو نفسه نشر وصلة للمقال المنشور في الجريدة دون أن يذكر شيئا عن تقصير الجريدة. وأما عن الجزء الثاني، فهذا كلام مردود عليه من أي شخصٍ يعي معنى البحث العلمي. ليس فقط من حقّ الكاتب الاستعانة بدراسات سابقة، بل هذا واجبه، لكنّه لا يكون بالقصّ واللصق وتغيير بعض المفردات هنا وهناك بل بالإشارة الواضحة إلى أنّ الدراسة الفلانية قالت كذا وكذا، وباستخدام علامات التنصيص المناسبة. كما أنّ أي فكرةٍ مأخوذة عن دراسة سابقة لا بدّ أن يتبعها توثيق مصغّر بين قوسين أو على الأقل رقم يحيل إلى قائمة المصادر. وهذا غير موجود أبدًا في المقال. أضف إلى ذلك وجود مقولات أخرى في المقال منقولة حرفيًا بحذافيرها دون تلاعب في النص، وهذه تحديدًا كانت بين علامات تنصيص.
لستُ هنا في موقع الدفاع عن نفسي، لكنني سأوردُ الأجزاء المسروقة كي لا يُقال بأنني ظلمتُ أحدًا وكي يحكم القارئ بنفسه.
 -----------------------------------------------------------
 المقال وبيان الأجزاء المسروقة (باللون الأحمر)




نحو أنطقة المسكوت عنه اجتماعيًّا

وأنا أشرع في كتابة هذه الورقة كنت أفكر جلياً فيما قاله لنا استاذ علم الاجتماع في إحدى محاضرات علم الاجتماع التطبيقي في معرض حديثه عن بعض إصدارات السرد العماني حين قال : “وجدت في السرد العماني ما لم أجده في الدراسات الاجتماعية المنجزة عن المجتمع في عمان، هناك الكثير من الأعمال السردية تعطي فهماً سوسيولوجيا للمجتمع تجاوز بمراحل ما ظلت تدور حوله الدراسات الاجتماعية وتحصر نفسها فيه …” وكان حينها يتحدث عن بعض الأعمال القصصية للقاص عبدالعزيز الفارسي. ونحن اليوم أمام عمل أدبي لا يقل في ثرائه السوسيولوجي عن أعمال الفارسي، أننا أمام عمل يمثل مشرحة اجتماعية مصغرة لبعض المشكلات والظواهر (المعقدة والمركبة) في آن واحد والتي أكاد أقول أن كثيراً من الدراسات لا تجرأ أن تقترب من حدود مناقشتها، وفي أحسن الأحوال تعتبرها قضايا هامشية لا تشكل سوى ظواهر لا ترتقي إلى أن يبحث فيها الدارسون ويحللونها.
لعلي ابتدئ هنا بمقدمة عامة عن تلك العلاقة التي تؤسس لسوسيولوجيا النتاج السردي في عُمان لنستعين بها كمدخل للمفهم وأداة للتفهم أمام هذه المجموعة القصصية التي خطتها هدى حمد والتي حللت من خلال 14 قصة قصيرة فسيفساء من المشكلات والظواهر الاجتماعية على نهجين أساسيين أولهما : (إعادة التفكير في اللامفكر فيه من إشكالات النسق القيمي) ، والآخر (فضح المسكوت عنه بالدلالات الرمزية والإمساك بخيط التناقض الاجتماعي الكامن فيه).
لقد تناولت معظم الأعمال الأدبية المنتجة في السياق العماني تطورات الأوضاع الاجتماعية في عُمان على نحو لم تستطع أن تقدمه الدراسات الاجتماعية، فيلاحظ أن الدراسات الاجتماعية المنجزة عن المجتمع العماني تواجه أوضاعا جعلتها تبتعد بدرجة أو بأخرى عن كثير من القضايا الجوهرية، ففي ظل إعوجاج المنهج وغلبة الدراسات الاستطلاعية المسحية على عمل الباحثين نجد أن الظواهر الاجتماعية المتولدة عن سياق تاريخي اجتماعي محدد، تتحول إلى ما يشبه الأساطير، فالظواهر التي تولدت بفعل عوامل اجتماعية وتاريخية محددة تختلط بتصورات غير واقعية تجعل منها لغزا غير قابل للإدراك، وفي ذلك الوضع نجد أن الأعمال الأدبية من المصادر الأكثر واقعية في تناول القضايا المتعلقة بالتاريخ الاجتماعي للمجتمع الحديث. الأدب يرصد استمرار أوضاع من مخلفات الماضي [تناولت معظم الأعمال الأدبية تطورات الأوضاع الاجتماعية في اليمن علي نحو لم تستطع أن تقدمه الدراسات الاجتماعية، فيلاحظ أن الدراسات الاجتماعية في اليمن تواجه أوضاعا جعلتها تبتعد بدرجة أو بأخري عن كثير من القضايا الجوهرية، ففي ظل المنهج الخاطئ لتلك الدراسات نجد أن الظواهر الاجتماعية المتولدة عن سياق تاريخي اجتماعي محدد، تتحول إلي ما يشبه الأساطير، فالظواهر التي تولدت بفعل عوامل اجتماعية وتاريخية محددة تختلط بتصورات غير واقعية تجعل منها لغزا غير قابل للإدراك، وفي ذلك الوضع نجد أن الأعمال الأدبية من المصادر الأكثر واقعية في تناول القضايا المتعلقة بالتاريخ الاجتماعي لليمن الحديث. الأدب يرصد استمرار أوضاع من مخلفات الماضي [1]] وكذلك يرصد في الآن ذاته حال الصدام الكامن بين أطراف ثلاثة في تكوين البنية الاجتماعية التي تشكلها في تقديري اليوم ثلاث مفاعلات رئيسية (قيم المجتمع المزعومة) و (حالة البحث المضطربة عن هوية مستحدثة) وكذلك (حالة المواجهة مع العصر بقيمه المعولمة وإشكالاته المعقدة وتفاعلاته المتشابكة).
هذه البنية الاجتماعية بنية كامنة في إطار التكوين السايكولوجي العام للفرد والمجتمع وهي بالضرورة تنطبع على سياق العديد من الأفعال الاجتماعية. وفي تقديري ما المجموعة القصصية المعنونة بـ “الإشارة برتقالية الآن” إلا محاولة جادة لكشف هذا الإنطباع على حالة الفعل الاجتماعي وقياس الإنعكاسات التطبيقية لحالة البنية الاجتماعية كما نفهما راهناً.
(2)
ومن هنا فإننا نرى ضرورة استحضار منهاج سوسيولوجي للفهم والتقصي يسير جنباً إلى جنب مع منهاج النقد الثقافي الذي ابتدعه علامه النقد العربي “عبدالله الغذامي”. 
فإذا كان الغذامي ركز على مسألة إدخال (الوظيفة النسقية) إضافة إلى الوظائف الست للغة، كما حددها رومان ياكوبسون، في النفعية والتعبيرية والمرجعية والمعجمية والتنبيهية والشاعرية أو الجمالية [إدخال الوظيفة النسقية إضافة إلى الوظائف الست للغة، كما حددها رومان ياكوبسون، في النفعية والتعبيرية والمرجعية والمعجمية والتنبيهية والشاعرية أو الجمالية.[2]] فنحن بحاجة ماسة اليوم للكشف عن الوظيفة السوسيولوجية في خط متواز مع الوظائف الأخرى. وحين أتحدث عن الوظيفة السوسيولوجية، وأركز على المصطلح بتركيبته الغربية فإنني أقصد ما يتجاوز كشف الأثر الاجتماعي إلى تحليل هذا الأثر وفق منهجيات علمية متاحة تتماهى معه وتصلح لتحليله.
والكشف عن هذه الوظيفة السوسيولوجية في تقديري أصبح اليوم مبدأ أساسيا من المبادئ التي يجب أن تقود مسيرة النقد في سياق السرد العماني وتحت مظلة هذا المختبر، حتى يتحول النص عندها، من مجرد تجلٍ أدبي إلى حادثة ثقافية واجتماعية تفهم وتحلل وتعتمل الأدوات لتفسيرها، لأي نص، كيفما كان انتماؤه الحقلي والتخصصي. 
ومع الحاجة إلى النقد الأدبي بمفهومه الأدبي الصرف, فإننا بحاجة إلى النقد السوسيولوجي الذي يركز على الدلالة السوسيولوجية والتي ترتبط من خلال علاقات متشابكة نشأت مع الزمن لتكون عنصراً اجتماعياً أخذ بالتشكل التدريجي إلى أن أصبح عنصراً فاعلاً، لكنه وبسبب نشوئه التدريجي تمكن من التغلغل غير الملحوظ وظل كامنا هناك في أعماق الخطابات، وظل ينتقل ما بين اللغة والذهن البشري فاعلاً أفعاله من دون رقيب نقدي لانشغال النقد بالجمالي أولا، ثم لقدرة العناصر النسقية على الكمون والتخفي ثانيا. وإذا كان النقد يشتغل النقد الثقافي وفق مفهوم “الجملة الثقافية” فإننا بحاجة للاشتغال على مفهوم “الجملة السوسيولوجية” متجاوزين المفهوم الذي تكرس مع النقد والبلاغة الكلاسيكيين مفهوم يمس الذبذبات الدقيقة للتشكل الاجتماعي للظاهرة وإنعكاسها في النص الأدبي [وإذا كان النقد الأدبي ينحصر في ضبط علاقة النص مع إنتاج الدلالة بنوعيها الصريح والضمني، فإن النقد الثقافي يركز على الدلالة النسقية التي ترتبط من خلال علاقات متشابكة نشأت مع الزمن لتكون عنصرًا ثقافيًا أخذ بالتشكل التدريجي إلى أن أصبح عنصرًا فاعلاً ، لكنه وبسبب نشوئه التدريجي تمكن من التغلغل غير الملحوظ وظل كامنًا هناك في أعماق الخطابات، وظل ينتقل ما بين اللغة والذهن البشري فاعلاً أفعاله من دون رقيب نقدي لانشغال النقد بالجمالي أولاً، ثم لقدرة العناصر النسقية على الكمون والتخفي ثانيًا، ويشتغل النقد الثقافي وفق مفهوم "الجملة الثقافية" متجاوزًا المفهوم الذي تكرس مع النقد والبلاغة الكلاسيكيين وهو "الجملة النحوية" و"الجملة الأدبية"؛ فالجملة الثقافية، بنظر الغذامي، مفهوم يمس الذبذبات الدقيقة للتشكل الثقافي الذي يفرز صيغه التعبيرية المختلفة [3]].
(3)
ففي (الإشارة برتقالية الآن) هناك مجموعة من الجمل السوسيولوجية المعتملة في إطار النص الذي يتكئ على تصوير (علاقة الجندر بالاختلالات الثقافية وحالة اللاتوازن التي يخلقها في العقل والفعل المجتمعي) وكذلك (المقولات الجاهزة للتنشئة الاجتماعية القائمة على الأفكار الاجتماعية المعلبة والإجابات الجاهزة) إضافة إلى (الفسح المجتمعي لبعض الأنماط التي تلبي رغبات المجتمع وفق تبريرات واهية تنافي منطق القيمة المزعومة).
(4)
إن الإشتغال على كشف حالة (التناقض المجتمعي) الذي يصوره النص يقتضي منا بالضرورة الكشف عن تفاصيل الوظيفة السوسيولوجية للقصص الواردة في السياق تلك الوظيفة التي تتحقق من خلال محاولة الكاتبة فضح ميل الثقافة إلى تمرير أنساقها تحت أقنعة ووسائل خفية؛ كالحيل الأخلاقية والقيم المزعومة. وفي تقديم هذه المجموعة ثمة سمتان بارزتان تميزان النصوص الواردة فيها الأولى دقة تمازج 
الخواص القصصية التي شكلت المبنى الحكائي الذي تقوم عليه قصص المجموعة، من خلال التركيز على مشاهد اجتماعية بعينها وكشفها في شكل فني يتميز بالتلميح والمواربة لا الإعلان أو التصريح [الخواص القصصية التي تشكل مبنىً حكائياً يركز على صورة ما أو يصف حادثة ما، أو يتخير لحظة من لحظات الإنسان فيعمقها، وزاوية من زوايا حياته فيركز عليها ويكشف عنها في نسيج فني يتميز بالتلميح والمواربة لا الإعلان أو التصريح [4]] وبذلك فإننا نجد أن هذه المجموعة تلاقت مع الجوهر الوظيفي للفن عامة من حيث إن ”ما يقوله الفن يستمد قيمته مما لا يقوله، مما يوحي به … الفن العظيم هو الذي يدرك روح الأشياء، هو الذي يدرك ما يربط الفرد بالكل، وما يربط كل جزء من اللحظة بالديمومة الأبدية “. وهذا الأمر يعكسه أيضا عنوان المجموعة (الإشارة برتقالية الآن) , فالكاتبة اختارت لونها المتفرد لإيصال رسالة (تنبيه) من وضع المرأة في سياقها المعاش في المجتمع، إضافة إلى التنبيه حول بعض المسكوت عنه في السياق الاجتماعي، ذلك أننا لو حللنا اللون البرتقالي نجد أنه محصلة لامتزاج الأحمر بالأصفر وفي ذلك فإن الدلالة اللونية هنا هي أقرب للأحمر في ترتيب الإشارة الضوئية منه إلى الأخضر . وعليه فإن هذا يعكس أن ثمة أوضاعا اجتماعية معاشة نحسب ظاهرياً أنها تسير بشكل جيد لا يمس المجتمع بإشكالات وظواهر تؤثر في حركته ولكنها في الحقيقة هي أقرب لحالة الإنفجار إذا ما تم التنبه إليها والمكاشفة حولها. أما السمة الثانية فهي المعادلة الصعبة التي قدمتها الكاتبة في شكل عملية تكثيف النص، ذلك التكثيف القائم أساساً على البساطة كما هو شرط القصة القصيرة الجيدة ، والذي نلتمس من خلاله صياغة مركب كامل أصيل يضمر ولا يعلن، ويتميز بالإحكام والإتقان والإيحاء، ويتعامل مع لحظات مجتمعية بعينها تموج بالدلالات، وذلك مما يحسب لهذه المجموعة فهو في تقديري ليس بالأمر الهين [عملية التكثيف في القصة القصيرة، يشترط فيها البساطة لا التسطيح، لذا فإن صياغة مركب كامل أصيل يضمر ولا يعلن، ويتميز بالإحكام والإتقان والإيحاء، ويتعامل مع لحظات إنسانية تموج بالدلالات، ليس بالأمر الهين [5]]، بل يحتاج إلى ” قدرة فائقة في التقاط الأحداث، والهاديات والدلالات، والتضمينات، والتلميحات، والمكنونات، والخبايا وإحساسات الفرد والتوحد، والاغتراب، ثم محاولة كشف أسرار ما استغلق فهمه للوهلة الأولى “.
ولما كان النسيج النصي لهذه القصص القصيرة، نسيجاً مكثفاً يضمر ولا يعلن، فإن فهمه في تقديرنا يحتاج إلى عمليات تأويل تمكننا من خرق خباياه والكشف عن مكنوناته المغلقة، ذلك أن التجريد الذي يميز بعض قصص هذه المجموعة، ليس ذلك التجريد الذي يصل إلى مراتب الألغاز والغموض والإبهام والتعتيم، بل هو تجريد يتوفر فيه الجانب التعبيري الإيحائي الذي يحقق التواصل مع القارئ بصورة محكمة [لما كان النسيج النصي للقصة القصيرة، نسيجاً مكثفاً يضمر ولا يعلن، فإن فهمه يحتاج إلى عمليات تأويل تمكننا من خرق خباياه والكشف عن مكنوناته المغلقة، وعليه فقد ذهب بعض النقاد إلى أن القصة القصيرة تتسم بالتجريد، لكن ليس ذلك التجريد الذي يصل إلى مراتب الألغاز والغموض والإبهام والتعتيم، بل هو تجريد يتوفر فيه الجانب التعبيري الإيحائي الذي يحقق التواصل مع القارئ [6]].

(5)
قراءات في التكوين المعرفي السوسيولوجي للقاصة :
حينما شرعت في قراءة المجموعة وهي من الإصدارات القلائل التي أقرأها لكتاب عمانيين، وربما هو الإصدار الأدبي الأول الذي أقرأه للكاتبة مع متابعتي لكتاباتها الصحفية، دخلت إلى عمق السرد ويتردد في مخيالي مجموعة من الأسئلة :
هل تواجه القاصة العمانية مأزق الكتابة في تفاصيل وملامح الحياة الاجتماعية المعاشة؟ وكيف باستطاعتها توصيف الحياة الغائبة عن معايشتها أو بالأحرى عن معاينتها؟ فالمرأة في السياق العربي عموماً تعيش في المجتمع وتتحرك في مناطق حياتية شبه محدودة قد لا تسمح لها بالتعرف المعمق على ملامح بعض المفردات اليومية التي تقع خارج منطقتها الأنثوية. كنت أتساءل كيف يمكن للقاصة ردم هذه الفجوة وإن كانت بسيطة أثناء كتابة النص الأدبي ؟وهل تشعر بأن الذاكرة التي تتكئ على ما هو مقروء، وما هو مرئي باستطاعتها كتابة نص يتضمن مفردات الحياة بكل أطيافها والتي تكون خارج رتم المرأة الأنثوي أو خارج حدود مناطق الجندر؟ [هل تواجه القاصة السعودية مأزق الكتابة في تفاصيل وملامح الشارع؟ كيف باستطاعتها توصيف الحياة الغائبة عن معايشتها؟ فالمرأة بشكل عام في المجتمع تعيش وتتحرك في مناطق حياتية محدودة لا تسمح لها بالتعرف على ملامح هذه المفردات اليومية التي تقع خارج منطقتها الانثوية. كيف بالامكان ردم هذه الفجوة اثناء كتابة النص.. وهل تشعر بأن الذاكرة التي تتكئ على ما هو مقروء وما هو مرئي باستطاعتها كتابة نص يتضمن مفردات الحياة بكل اطيافها والتي تكون خارج رتم المرأة الانثوي؟ [7]]. مثل هذه التساؤلات حين تواجه بها بعض نصوص هذه المجموعة تكتشف ثمة خصيصة أساسية بالنسبة لتكوين المعارف السوسيولوجية للكاتبة وهنا أركز على المعارف بشقها الشعبي المعاش. وليس المعارف النظرية أو العلمية. وإنعكاس ذلك على المخيال الأدبي فالمسألة في (مجموعة الإشارة برتقالية الآن) تشغل مستويين من الإدراك:
- أولاً: الذاكرة النسوية المتسعة التي نجد أنها تحكي واقعها بلسان الأنثى ولكنها تعبر عن ذاكرة معمقة وأكثر اتساعاً مما قد يتصوره المتلقي من نص تكتبه أنثى
 [القاصة ميّ خالد تقول: المسألة تشغل مستويين من الإدراك، أولاً: الذاكرة النسوية التي تجهل تفاصيل وملامح الشارع تخفق كثيراً في رصد واقعه إلا مما تسمع وترى وفي حدود نمائمها الضيقة [8]]، أنا هنا لا أتحدث عن (جندر أدبي مفترض)، ولكن أتحدث عن سياق مجتمعي يرسم سقف توقعات محدد من نص تكتبه أنثى. وهذه إشكالية أقدر أن هدى حمد في هذه المجموعة استطاعت كسر قاعدتها. فاتساع قاعدة المنظار الاجتماعي الذي تسلط عليه هدى قلمها لرصده وتقديمه لا يتوقف عند حدود تشعر وكأنها تنتمي لذاكرة الأنثى التقليدية في الأدب.
وكمثال جزئي على ذلك تصوير الكاتبة لشخصية (حبيب بن زهور) في قصة (عرس) فرغم إن فهم وكشف إطار الشخصية وتصويرها هو أقرب للذاكرة الذكورية منه للذاكرة الأنثوية فإننا نجد أن الكاتبة صاغت الشخصية كتكوين (مادي) و(كسلوك) و(كبنية نفسية) و(كفعل اجتماعي وتفاعل مع المحيط) بصورة دقيقة جداً. لدرجة أن المتلقي يتماهى مع مشهد وحركات حبيب وتطور الشخصية داخل النص بصورة وكأنما يشاهد مشهداً مسرحياً حاضراً. وهذه الدقة في المعرفة السوسيولوجية الشعبية تحسب للكاتبة على وجه أدق.
- 
أما المستوى الثاني في الإدراك الذي نجده في هذا النص يتجاوز إطار وضع المرأة الداخلي وحياتها الخاصة على اعتبار أن الكتابة هنا سهلة والمادة متوفرة فتشتغل الكاتبة بعاطفتها ووجدانها وإن حكت قصت ما تعيشه في حياتها الاجتماعية الخاصة، وهذه الحياة الخاصة تمثل ما هو خارج أو غائب عن حياة الرجل [9] [لذا نجد أغلب الأدب النسوي في المملكة ينتظم ضمن إطار وضع المرأة الداخلي وحياتها الخاصة لأن الكتابة هنا سهلة والمادة متوفرة فتشتغل الكاتبة بعاطفتها ووجدانها وإن حكت قصت ما تعيشه في حياتها الاجتماعية الخاصة، وهذه الحياة الخاصة تمثل ما هو خارج أو غائب عن حياة الرجل]. ولكن هذه الحدود تتلاشى في الإشارة برتقالية الآن وإن كان الرابط الأساسي الذي ترتكز عليه قصص المجموعة يتخذ من الأنثى ثيمة أساسية له ولكنه يتجاوز ذلك ليطرح إشكالات وتساؤلات أكثر عمقاً وتعقيداً وبلاغة.
وليس أدل من ذلك على قصة (يدان) هذه القصة التي تتدرج بالقارئ لرسم مشاهد متنوعة من حياة المجتمع ترتكز على وحدة المرأة. هادفة إلى أن تقول أن 
المرأة في الحقيقة ، ليست نصف المجتمع فحسب، بل هيّ أيضا والدة ومربية للمجتمع بأسره في مدرسته الأولى على الأقلّ التي تطبعه إلى حد بعيد في بقية مراحل حياته، فإذا ما وقعت العناية بالمرأة وتم إيلاؤها ما يوافق قيمتها وأهـميّتها من الإعتبار الصّحيح والعناية الفائـقة، استقام المجتمع كله وصلح حاله . أمّا من أهملها وحطّ من قيمتها وإنسانيّتها وتجاهل وجودها كعضو فاعل في المجتمع، له قيمته المركزيّة، فقد هدم المجتمع أو على الأقـلّ، فقد أضرّ بالمجتمع ضررا بليغا [المرأة في الحقيقة، ليست نصف المجتمع فحسب، بل هيّ أيضا والدة ومربية للمجتمع بأسره في مدرسته الأولى على الأقـلّ التي تطبعه إلى حد بعيد في بقية مراحل حياته. من هنا تأتي أهميّة وضرورة العناية بالمرأة، بل وإعطاءها الأولويّة في ذلك على الرّجل. فالمرأة، على هذا الأساس، هيّ عماد المجتمع، فإذا ما وقعت العناية بها وإيلاءها ما يوافق قيمتها وأهـميّتها من الإعتبار الصّحيح والعناية الفائـقة، استقام المجتمع كله وصلح حاله. أمّا من أهملها وحطّ من قيمتها وإنسانيّتها وتجاهل وجودها كعضو فاعل في المجتمع، له قيمته المركزيّة، فقد هدم المجتمع أو على الأقـلّ، فقد أضرّ بالمجتمع ضررا بليغا [10]].
ورغم أن الكاتبة لا تقول ذلك بشكل مباشر وإنما تدفع بالمتلقي قبل كل شيء لتأمل الرموز والثيمات الأساسية وتفاصيل الشخصيات التي أحكمت صياغتها وانتقاءها داخل نص القصة، فنجد مثلا لون البياض الذي يدل على بدايات الطفولة والصفاء الذي لا يخلو من شغف ورغبة وشغب لذيذ، ثم لون الإخضرار الذي يدل على النضج والقوام, وهكذا بتدرج التفاصيل اللونية التي استخدمتها الكاتبة في مشهد القصة والوضعيات الدرامية التي تتحرك بشكل تدريجي داخل إطار النص. كل ذلك تحت مرأى من (كاميرا)، وهي رمز دلالي في تقديري يوازي (جهاز الضبط الاجتماعي) وسطوته، ذلك المجتمع الذي تختل فيه الأدوار ولا تتعادل فيه الأسس التي يبنى عليها سوسيولوجيا (الدور والوظيفة) بالنسبة للمرأة وعلاقتها بالرجل داخل المجتمع. فنجد بحسب تصور الكاتب (رغم أن هذه التصور لا يخلو من تحيز جندري واضح) ولكن هذا ليس شأن الناقد فالأديب إنما يعبر عن رؤية ذاتية للعالم والوجود من حوله وليس مطلوب منه كعالم الاجتماع النظر إلى المجتمع بزاوية موضوعية صرفة يتخللها الحياد.
تشير هدى هنا إلى ثبات المرأة في عمق التكوين البنيوي لدورها في المجتمع وهذا الثبات يتجسد على مستويات عديدة عكسها النص فهو ثبات (نفسي / سلوكي / عاطفي) تجاه المتغير الأساسي في النص وهو الرجل الذي يبدأ طفلاً حتى يصل كهلاً ومع ذلك فإن العناصر الثلاثة بالنسبة له تتغير في معادلة غير موزونة تفرز العديد من أشكال المشكل الاجتماعي.
“إنّنا لا نحسب أنّ ما مرّت به عديد المجتمعات، قديما و حديثا، من تخلّف و انحطاط وانحلال، كان قد حصل لها بمعزل عمّا وقعت فيه من إهمال لوضعيّة المرأة ودورها فيها وعدم إيجاد معادلة موزونة بين ما تقدمه المراة تربويا وعاطفيا وتنشوياً، و ما تعرضت له من إساءة خطيرة مخلّة بكرامتها وإنسانيّتها. ولو دقّقنا النّظر والتحليل لوضعيّة المجتمعات المتخلّفة وفي أسباب تخلّفها لوجدنا أنّ ذلك، في جزء كبير منه، يعود إلى الطبيعة السيئة لوضعيّة المرأة فيها. فإذا كانت المرأة مهملة ومحتقرة، تعيش وضعيّة الدّنيّة والجهل والقهر وسحق للشخصيّة وعدم الاعتبار، فلا غرابة أن ينشأ الأبناء أيضا عل الجهل وضيق الأفق وضعف الشخصيّة وتذبذبها.” إن نص (يدان) إنما هو نص مسرحي في دراميته ولقد ذكرتنا صفقة الباب بصفقة الباب الأشهر في تاريخ الفنون في أوروبا في مشهد مسرحية بيت الدمية لهنريك ابسن. ومما يدفعنا لقراءة هذا النص بعمق سوسيولوجي أكثر ونصوص أخرى في المجموعة هو ما يعبر عنه تودوروف الذي يؤكد على “إن الأدب يتجسد مادياً في بنية لغوية مؤسسة على مجموعة من العلاقات الداخلية، وأن هذه البنية اللغوية تشكلت من قبل أديب، وبالتالي تكتسب دلالتها من علاقتها به.مما يجعلها تشكل (بنية دالة) لا يمكن فهمها وتفسيرها إلا من خلال (الدراسة التكوينية) التي تفيد بأن هذه البنية ليست مغلقة وجامدة وإنما تتميز بالحركة والتوالد من بنية ذهنية هي (رؤية العالم). (رؤية العالم) لا ينتجها الأديب، وإنما هي مستمدة من رؤية العالم للطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها، هذه الرؤية التي لا توجد منعزلة في واقع تاريخي واجتماعي معين، وإنما توجد بموازاة الطبقات الاجتماعية المتعايشة معها…” وبعيداً عن مسألة الطبقة الاجتماعية فإن هذا النص يشكل رؤية للعالم منطلقة من فرد يمثل الجنس الآخر في المجتمع وبالتالي فهو يعطي لنا مساحات واسعة لتأويله ودرسه وفهمه توصلاً إلى فهم مبادئ التفكير والنظر التي تختلج مخيال الجنس الآخر المكمل في المجتمع. في تحولات أخرى موازية..؟




1 ريهام عبداللطيف، مشكلات المجتمع اليمني..تجاهلتها الدراسات الاجتماعية ورصدها الأدب. http://www.masress.com/alkahera/2113↩
2 محمد همام، لا تسامح النسق. http://www.mominoun.com/articles/%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D9%82-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%AC%D9%84-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A-116↩
3 محمد همام، لا تسامح النسق. http://www.mominoun.com/articles/%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B3%D9%82-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%AC%D9%84-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D9%8A-116↩
4 آسية البوعلي، مضامين القصة العمانية القصيرة-مرحلة التسعينات نموذجا، https://asyahbuali.wordpress.com/2011/04/10/%D9%85%D8%B6%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%8F%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9/↩
5 آسية البوعلي، الاتجاهات السردية في نماذج من القصة العمانية القصيرة، https://asyahbuali.wordpress.com/2011/04/10/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%AC-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%84/↩
6 آسية البوعلي، الاتجاهات السردية في نماذج من القصة العمانية القصيرة، https://asyahbuali.wordpress.com/2011/04/10/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%AC-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B5%D8%A9-%D8%A7%D9%84/↩
7 طامي السميري، القاصة السعودية ومأزق الجهل بتفاصيل الحياة اليومية، http://www.alriyadh.com:8080/202005↩
8 المصدر نفسه↩
9 المصدر نفسه↩
10 نعمان عبدالغني، مكانة المرأة الإنسان في المجتمع العربي، http://www.asharqalarabi.org.uk/r-m/b-mushacat-mm.htm↩

الأحد، 11 مايو 2014

عن النقدوفوبيا في عُمان

(نُشر هذا المقال في مجلة الفلق الإلكترونية بتاريخ 7 مايو 2014)

مدخل                                                                             
من الملاحَظ في السنوات القليلة الماضية أنّ العديد من المواطنين والمسؤولين في عُمان عبّروا بطريقةٍ أو بأخرى عن انزعاجهم من بعض أشكال "النقد" التي يرونها سلبية وغير مبررة وغير بنّاءة ومتصيدة. والمتابع لوسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا يشعر بازدياد هذا الانزعاج، لدرجة كاد معها مفهوم "النقد" يتحول إلى كلمة سيئة السمعة ذات دلالات منفّرة، وهذا مؤشر خطير. هذا المقال محاولة لتفكيك ومساءلة ثلاثة أفكار رئيسية في هذا الخطاب "المنزعج" تنطلق من خوفٍ (فوبيا) من النقد وتسعى إلى إسكاته.

تشويه "النقد"
أول مشكلة تواجهنا في تحليل هذا الخطاب هو عدم وجود تحديد واضح لدلالة مصطلح "النقد". يقدّم البعض أحيانا تعريفا للنقد على أنه "الحكم على الإيجابيات والسلبيات في موضوع ما"، في مقابل "الانتقاد" الذي يذهب كثيرون إلى أنّه "رصد السلبيات أو ترصّدها". ولئن كان هذا الفريق المنزعج يدعو إلى ذكر الإيجابيات وعدم التركيز على السلبيات، إلا أنه لم يلتزم دائما بهذا التفريق بين النقد والانتقاد، وأصرّ على استخدام كلمة "النقد" لوصف الممارسات التي يستهجنها، مما أدى تدريجيا إلى شحن المصطلح بدلالات سيئة. ومما يزيد الأمر إشكالية هو وضع ممارسات مثل الشكوى والتذمر والتهكم والتهجم والتجنّي بالتهم كلها في خانة النقد، وهو أمر مضلّل غير دقيق؛ فالمواطن الذي يكتب عن سوء خدمة من الخدمات لا يقدّم "نقدا" بالضرورة بل يمارس حقه في إبداء الشكوى، كما أنّ غيره قد "يتذمر" من بعض السياسات ولا يقدّم فيها "نقدا".

وللحفاظ على كلمة "النقد" مع استدراج دلالات الانتقاد، يلجأ هذا الخطاب إلى التفريق بين "النقد البنّاء" و"النقد الهدّام"، غير أنّ هذا التفريق يخلق مشكلات أكثر مما يحل؛ إذ ما هو تعريف النقد البنّاء؟ ومن يستطيع الحكم على كونه بنّاء أم لا؟ وهل البنائية هنا تتعلق بالشخص المنتقَد أم الموضوع أم المجتمع؟ النقد البنّاء قد يعني أيضا ذلك الذي يخلق تفاعلا في المجتمع يفضي إلى تحقيق تطوير في مجال معين. من ناحية أخرى يأتي وصف الهدّام خطيرًا للغاية، إذ ما الذي يهدمه هذا النقد بالتحديد؟

هل المقصود أنّ النقد البنّاء هو الذي يقدم علاجا للمشكلة؟ يقودنا هذا إلى الفكرة الثانية التي تقول بأنّ النقد يجب أن يطرح حلولا. نعم، هناك تعريفات تقول بأنّ النقد الجيد يقدّم الحلول، لكنّ ذلك عنصر واحد فقط من عناصر النقد الجيد، فإن لم يشمل النقد هذا العنصر لا يعني ذلك بالضرورة أنه سيء أو هدّام أو مزعج. سيكون مفرحا بالتأكيد لو أنّ النقد اقترن بحلول مفيدة، لكنّ ذلك لا يعني القول بأنّ من لا يقدّم الحلول عليه أن يسكت؛ فمن يشير إلى خطأ ما يكون قد ساعد في حل نصف المشكلة، ويتبقى النصف الثاني الذي قد يقترحه شخص آخر يمتلك المؤهلات الفكرية أو التخصصية اللازمة.

أما الفكرة الثالثة فهي تلك التي تمثلها عبارة "التغيير يبدأ من النفس" (أو: "ابدأ بنفسك فقوّمها" كما استخدمها أحد المسؤولين بالأمس في تويتر)، وهي حِكَم بليغة نستمتع بترديدها، لكننا مع الأسف لا نسائلها. يُعتقد (أو يراد أن يُعتقد) بأنّ معنى هذه العبارات هي أنه لا يحق لنا انتقاد الآخرين قبل أن نصحح أخطاءنا أولا. قد يصحّ هذا المعنى في سياق "التغيير بالقدوة"، وحين يكون موضوع النقد مُشتَرَكا بين الطرفين (على نحو: لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله)، لكنه لا ينطبق على كل أحوال النقد، خاصة النقد المجتمعي/السياسي. فمثلا، كيف تنطبق هذه العبارات على شخص ينتقد مشروعا، أو سياسة تتّبعها جهة معينة؟ وهنا يذهب البعض إلى تفضيل "النصيحة" على النقد العلني، وهو أمر ذو نزعة نبيلة ولا شك، بيد أنّ التعامل مع الأخطاء الواقعة في المجال العام يختلف عن التعامل مع أخطاء الأفراد في المجال الخاص.

النقد تدافع ضروري
في بلدٍ مثل عُمان يرتكز إلى نهضةٍ حديثة ويطمح إلى الإنجاز، لا بد أن تكون هناك أخطاء (فمن يعمل لا بدّ يخطئ)، ومثلما أننا بحاجة إلى التشجيع والإطراء نحتاج أيضا إلى النقد (والانتقاد) حتى تُضاف إلى رؤيتنا زاوية مختلفة. ولا بدّ للمسؤول أن يتقبل النقد بكل أشكاله وإن كان قاسيا (طالما كان في حدود القانون)، ولئن كان هو يخدم الوطن في منصبه، فليُحسن الظن بالمواطن/الكاتب الذي يمارس دوره في رصد الخطأ (من وجهة نظره) خدمة للوطن أيضا. وبدلا من تصنيف النقد إلى بناء وهدام وإيجابي وسلبي، قد يكون الأجدى هو النظر فيما إذا كان النقد موضوعيا أم لا، إذ الموضوعية هي المحك.

هذا ويجدر بنا الانتباه إلى أنّ النقد الذي يمارس في عُمان "نقدٌ ناعمٌ" مقارنة بدول أخرى، وإن كان المسؤول اليوم ينزعج من هذا النقد فكيف به لو كانت لدينا صحف حزبية تشنّ الهجمات المتتالية على المسؤولين. ومن جانب آخر علينا التذكر بأنّ المسؤول الحكومي لديه آلة إعلامية رسمية يستطيع استخدامها بسهولة لتوضيح وجهة نظره، وإبراز إنجازاته، فيما المواطن أو الكاتب لا يملك إلا قلمه. وبين هذا وذاك يستطيع الناس بذكائهم تمييز الصدق.

كلمة أخيرة لا بدّ من قولها تتعلق ببعض الألفاظ المستخدمة في سياق الحديث عن النقد البناء والهدام (أو الإيجابي والسلبي). إن استخدام ألفاظٍ من قبيل "الوطنية" و "الإخلاص" و "الولاء" (ولا أشكّ بأن استخدامها كان عن حسن نية) للإيحاء بأنّها تتعارض مع النقد (أيا كان شكله) لهو أمر خطير؛ إذ بمثل هذه الاستخدامات تُصادر الوطنية وتُفصّل على مقاس واحد، بافتراض أنّ الآخرين أقل وطنية أو إخلاصا فقط لأنهم ينتقدون أو حتى يتذمرون ويهاجمون. لا بد أن نتذكر جميعا بأنّ من يهاجم مشروعا أو سياسة أومسؤولا، فإنه يهاجمها هي ولا يهاجم الوطن، بل الحقيقة أنه يتصور هجومه (وإن كان خاطئا أو متحاملا) خدمة للوطن، ويبقى التزام القانون دائما هو الفيصل.

الأربعاء، 30 أبريل 2014

عُمان تَحْرِقُ مُفكّريها

(نُشر هذا المقال في مجلة الفلق الإلكترونية بتاريخ 27 أبريل 2014)

مدخل
ثمة نكتة يتداولها بعض الناس في عُمان، تقول إنّ الأكاديمي العُماني (خاصة في الجامعة الحكومية الوحيدة) يتسمّر يوميا أمام تلفزيون السلطنة عند موعد نشرة الأخبار، لا لمتابعة شؤون العالم، وإنما انتظارا لمرسوم سلطاني بتعيينه وزيرا أو وكيل وزارة! وعلى ما في هذه النكتة من طرافة وسخرية لاذعة، إلا أنها تنطوي على نَسَقٍ لم يأخذ حقه حتى الآن من التحليل واستشراف تبعاته. هذا المقال محاولة بسيطة للنظر في الأثر الناتج عن سياسة تعيين الباحثين العمانيين في مناصب حكومية على رأس المال البحثي والفكري في السلطنة.

نحو تفسير الظاهرة
 في محاولةٍ لتحليل هذه الظاهرة يتداول البعض ثلاثة دوافع رئيسية محتملة لهذا التوجه الحكومي. التفسير الأول يتمثل في أنّ الحكومة تسعى لضخّ دماء جديدة في الجهاز الإداري للدولة، أملا في استثمار القدرات العقلية والفكرية التي يتمتع بها هؤلاء الأكاديميون لتطوير مختلف المؤسسات الحكومية، وهو توجه مفهوم ومقبول؛ إذ من حق الدولة أن تستفيد من نتائج استثمارها في تعليم العمانيين منذ بداية النهضة، وهؤلاء الأكاديميون بشهاداتهم العالية ثمرة فكرية ذات رصيد معرفي عالي المستوى. بيد أنه من حقّ البعض أن يتساءل عن حجم الفائدة التي تعود على مؤسسات الدولة من هذا التوجّه وما إذا كان الباحث الأكاديمي صالحا للمهام الإدارية. وإذا كان القصد هو إحداث التغيير في تلك المؤسسات، فقد يتساءل البعض أيضا عن حجم المساحة التي يستطيع فيها هذا المسؤول أو ذاك التحرك، خاصة مع وجود "نظام إداري" راسخ له قوانينه وأعرافه الإدارية والمالية العصيّة على التغيير، ومع وجود تركةٍ من الترهل الإداري. بطبيعة الحال لا يعني ذلك أنّ إحداث التغيير عملية مستحيلة، بيد أنه في مناخٍ مثل هذا يحتاج إلى "نَفَس" طويل جدا، مع الأخذ في الاعتبار أنّ الشعوب العربية بعد الربيع العربي أضحت "قصيرة النَفَس" لا تقوى على الانتظار طويلا لرؤية النتائج.

أما الدافع الثاني فهو التكريم والتشجيع، إذ قد ترى الحكومة أنّ شخصًا ما قد قدّم للدولة خدمات فكرية وثقافية أو يتحصّل على ملكات فكرية يستحق بسببها أن يُمنح منصبا حكوميا رفيعا. ولئن كان الدافع هنا لا يخلو من إيجابية ونبل، إلا أنه في جزء منه على الأقل يُعدّ امتدادا لثقافةٍ قَبَلية وعسكرية ترى التكريم في منح الألقاب والمزايا والمنصب القيادي.

وأما الدافع الثالث فينبع من نظرية المؤامرة، ومفاده أنّ الحكومة قد تلجأ لمنح أحدهم منصبا حكوميا كي "تحتويه" وتقنّن ما يمكن أن ينشره من فكرٍ ربما لا يتفق مع توجهاتها. وكي نكون منصفين فإنّ هذا الدافع يُمكن أن يُقرأ بنية حسنة أيضا، وهي سعي الحكومة إلى إشراك "الآخر" والتعاون معًا في بناء الدولة، وهو نهج بنّاء وذكيّ للغاية ربما يستمد جذوره من سلطان البلاد (كما حدث مثلا مع معالي يوسف بن علوي).

نماذج
لغرض التوضيح سنضرب مثالين اثنين:

الدكتور عبدالله الحراصي: أستاذ مساعد في دراسات الترجمة، وباحث واعد نشر عدة مقالات رصينة في مجلة نزوى، وترجم واشترك في ترجمة عدة كتب مهمة، وكانت له بصمته الكبيرة جدا في نشاط الترجمة في السلطنة عبر "مجموعة الترجمة" التي أشرف عليها في الجامعة، وتخصَّصَ منذ أطروحة الدكتوراة في مجال معرفي يكاد يكون غائبا في الوطن العربي (الاستعارة المفهومية) ونشر فيه كتابا مهما. والأهم من ذلك كله أنه أسّس وأدار المشروع الوطني العظيم "الموسوعة العمانية". وحين وجد هذا الباحث والمفكر الواعد فرصة في جامعة أكسفورد العريقة كباحث زائر يعمل في مشروع بحثي مميز، يصدر فجأة مرسوم سلطاني بتعيينه رئيسا للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، فيعود من أكسفورد تاركا مشروعه، لنفقد بذلك باحثا كان من المؤمّل أن تفتخر به عُمان مفكرا رصينا.

من أكسفورد أيضا، الدكتور خالد العزري: باحث ذو عقل نقدي فذّ يندر وجوده في عُمان، وجد فرصة للعمل في جامعة أكسفورد باحثا في العلوم السياسية والدراسات الشرق-أوسطية، وفيها كتب أوراقا بحثية رصينة، وعمل أيضا باحثا في كلية لندن للاقتصاد التي كلفته بإجراء دراسة حول مآلات الربيع العربي في الخليج، وأصدر كتابا مهما مبنيا على أطروحة الدكتوراة، وظهر على شاشة البي بي سي في بداية أحداث الربيع العربي محللا سياسيا بارعا. فجأة، يصدر مرسوم بتعيينه أمينا عاما لمجلس التعليم، لنخسر باحثا ومفكرا سياسيا واعدا قد يضاهي -إن لم يتفوق- على مفكرين سياسيين في الوطن العربي.


ما المشكلة؟
قد يعترض القارئ هنا معتبرا أنّ المقال يضخّم الأمر ويهوّله، وقد عرفت الدول شرقا وغربا مثقفين ومفكرين أصبحوا وزراء ناجحين. نقول إنه مع الاعتراف بحقّ الأكاديمي في تقلّد المناصب الحكومية كغيره من المواطنين، إلا أننا في عُمان ما نزال نعاني من شحّ الباحثين ومشاريع المفكرين، ولا بد أن نعترف بأننا حتى الآن لا نملك باحثا أو مفكرا عمانيا له إنتاج بحثي/فكري معروف على المستوى العربي. وهكذا فإننا كلما ظهر لدينا باحث أو مفكر واعد أخرجناه من دائرة تميّزه وإنتاجه، لنزجّ به في طوفان العمل الإداري البيروقراطي.

ولو فرضنا جدلا أنّ الباحث ذا المنصب الحكومي سيتمكّن من تنظيم وقته وتقديم إنتاج فكري (وسط الرعايات والمناسبات التي لا تنتهي)، فلا يمكننا تجاهل ما يشكّله المنصب نفسه من قيود على الباحث؛ إذ إنه الآن لا يسعه أن يتحدث باسمه، بل عليه أن يراعي "المؤسسة الحكومية" في ما يقول وفي ما يبحث من مواضيع. باختصار، من الصعب جدا إن لم يكن من المستحيل أن يحافظ هذا الباحث على حياديته وموضوعيته، حتى بعد خروجه من المنصب.

ومن السلبيات الأخرى التي يجب أن لا نغفل عنها "حرمان" الطلاب الجامعيين من الاحتكاك بهؤلاء الباحثين والمفكرين، ولا يخفى على أحدٍ ما يتركه هذا الاحتكاك من نتائج إيجابية في التأثير على الجيل الجديد وإنتاج جيل باحث مفكر. ولعلّ التأثير الذي تركه كل من عبدالله الحراصي وعبدالمنعم الحسني مثلا في طلاب جامعة السلطان قابوس ما يدلل على ذلك.

أما السلبية الأخيرة (غير المباشرة) لهذا التوجّه الحكومي، فهو أنه خلق لدى الباحثين والأكاديميين أمنية المنصب الحكومي بدلا من الإنجاز الفكري والأكاديمي، وهذا أمر لا يخلو من ضرر بالغ. ومن نافل القول إنّ الذي سيخلّد عبدالله الحراصي مثلا هو الموسوعة العمانية ودراساته الأخرى، لا المنصب الذي تقلّده، فلا أحد يتذكر المسؤولين الحكوميين بعد سنوات من خروجهم من العمل أيا ما كانت إنجازاتهم.

هل نحرق مفكرينا؟
ما الضير في أن يُكلف الباحث للخدمة في منصب حكومي لفترةٍ ما، ثم يعود للجامعة ولأبحاثه؟ على المستوى النظري يبدو هذا الكلام معقولا، لكنه صعب التحقيق في الواقع العماني، ذلك أنّ النظرة المجتمعية للمسؤول الذي يخرج من منصبه هي أنه لم يوفق في عمله، ولذلك تم استبداله بآخر. كما أننا لا نعرف سابقة لوزير أو وكيل عماني يستقيل طوعا من منصب جاءه بمرسوم سلطاني، ولا توجد في النظام السياسي العماني فترة محددة للوزير أو مجلس الوزراء، مما يعني أنّ صاحب المنصب سيظل يطمح في البقاء أو تقلّد منصب آخر، وإلا فسيُعدّ فاشلا. من جهةٍ أخرى فإن الحكومة درجت في كثير من الأحيان على تعيين "الخارجين" من المنصب في وظيفة مستشار في إحدى مؤسسات الدولة بنفس درجته الوظيفية، مما يعني أنه ما يزال يمثّل الحكومة بشكلٍ أو آخر.

إذن، إن كان الباحث والمفكر يدخل المنصب الحكومي ويغرق في متاهاته، ولا يخرج منه إلا وهو موسوم بالفشل، وإن كان لا يستطيع أن يغيّر كثيرا، وإن كان المجتمع لا يقبل انتظار النتائج طويلا، فما نفعله ببساطة هو أننا "نحرقهم"، أولا بإشغالهم عن إنتاجهم الفكري، ثم بزرع خيبة الأمل منهم إن لم يحدثوا التغيير الذي ينشده الناس (ورضا الناس لا يُدرك).

ويبدو أنّ حرق المفكرين لا يقتصر على الأكاديميين، إذ حصل هذا أيضا مع سماحة الشيخ أحمد الخليلي، هذا العقل الذي كان واعدا بالكثير من الإنتاج الفكري الديني، فوضعناه في منصب حكومي (إداري، بشكل أو آخر)، واستنزفنا طاقته في الإفتاء والظهور في برامج تلفزيونية ليفتي في أسئلة يستطيع حتى طلابه الإجابة عنها، والنتيجة أننا أضعنا عشرات السنين التي كان يستطيع فيها سماحة الشيخ أن يُنتج كتبا فكرية وتفسيرا كاملا رصينا للقرآن الكريم (الذي بدأ فيه في سلسلة محاضرات).

ختامًا، لا يمكننا إنكار حق الدولة في الاستفادة من العقول الواعدة، ولكن ليكن ذلك عبر استشارات يقدمونها من وقتٍ لآخر، ولنتركهم في مواقعهم مفكرين مستقلين. ولئن أردنا تكريمهم وهم يستحقون ذلك، فهناك طرق كثيرة للتكريم.

الخميس، 17 أبريل 2014

معالي الوزير..ليس من حقك!

نشرت جريدة "عُمان" بالأمس عرضا لأهم مجريات اليوم الأول من "الندوة الوطنية لأفضل الممارسات المجتمعية العمانية"، والتي نظّمها في اليومين الماضيين مجلس الدولة بمباركة من مجلس الوزراء حسب ما جاء في التغطية الإخبارية. ومن بين ما حملته تلك التغطية مقتطفات من كلمة ألقاها معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية بدعوة من اللجنة المنظمة.

لا يبحث هذا المقال في مضامين الندوة ومحاورها، بل يركز على كلمة معالي الوزير تحديدا وينطلق منها للإشارة إلى فكرة جاءت في هذه الكلمة استدعت كتابة هذا المقال، لما فيها من دلالات شديدة الخطورة.

يقول معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية في فقرة قرب نهاية كلمته:
"والممارسات المجتمعية على أنواع؛ منها: ممارسات دأبت عليها الأمة في نظمها الاجتماعية وكرستها العولمة المعاصرة واتساع الحياة وتطوّر أنماطها، وهي إما سلبية ضارة وإما إيجابية نافعة، ومنها ممارسات دخيلة على المجتمع غير معهودة من ذي قبل. فأما الصنف الأول من الممارسات فإن كانت إيجابية؛ فينبغي التركيز عليها بالحثحثة وشيء من التقدير لبقائها، كإكرام الضيف والترحيب بالقادم والابتسامة وسعة الصدر وغيرها، وأما السلبية منها فينبغي كفكفته عن الأفراد كالإسراف والقيل والقال وأذن الشر والإدمان على التقنية...وغيرها.
غير أن ما ينبغي إدراكه هنا بأن الدولة مسؤولة عن إدارة الشأن العام للمجتمع بما فيه تشكيل العقل الجمعي؛ والدفع به نحو الإيجابية والفاعلية".

في هذه الفقرة يتحدث معالي الوزير علنا، وعلى نحوٍ غير موارب، عن مسؤولية (=واجب) الدولة في "تشكيل العقل الجمعي" و"الدفع به نحو الإيجابية والفاعلية"، وهذا يعني أن تقوم مؤسسات الدولة بتحديد ما ينبغي أن يتمثّل به المجتمع (بجميع أفراده) من أفكار ومبادئ وقيم وتوجهات وسلوك، بغية الوصول إلى "الإيجابية" و "الفاعلية" التي يبدو أنّ تعريفها وتقديرها من اختصاص الدولة أيضا.

لعله ليس من الصعب تمييز الفكرة الخطيرة التي تنطوي عليها عبارة الوزير؛ أي منح التفويض لمؤسسة رسمية أو غير رسمية بتشكيل عقل المجتمع (=أَدْلجَتِه) حسب ما تراه "إيجابيا" و "فاعلا". ومن الغريب (والصادم) أنّ أحدًا من الحضور في الندوة أو ممن قرؤوا الكلمة المنشورة لم يسجلّ اعتراضه أو يعلّق على هذه الفكرة التي مرّرها معالي الوزير على ما فيها من دلالات.

ويبدو أنّ الأمر لا يخرج عن احتمالين اثنين، الأول أن تكون تلك "زلة لسان" من معاليه (أو زلة قلم، فالكلمة مكتوبة). وربما تكون كذلك، بيد أنّ زلة اللسان كما يقول علماء النفس لا تصدر عن فراغ ولا تتمظهر إلا بسندٍ داخلي يخفيه المتكلم عمدا. أما الاحتمال الثاني فهو أنّ الوزير يريد أن يعلنها واضحة للجميع بأنّ هذا ما "نراه" و"نريد أن نفعله" و"سنفعله". وإذ لم يعترض أحد من أعضاء الحكومة الحاضرين، ولم يتم حذف تلك الفقرة من الكلمة المنشورة في اليوم التالي، فلعلّ هذا فعلا ما يُراد تمريره إلى الرأي العام، ولعلّ اختيار وزير الأوقاف والشؤون الدينية لإعلان هذه الرسالة والتكفّل برعايتها مردّه إلى سهولة تمريرها عبر المؤسسة الدينية (التي يمثلها الوزير)، إذ في المجتمع المتدين أو المحافظ تكون الرسالة من المؤسسة الدينية "ناعمة" مقبولة. إذن، فقد يكون لدى المؤسسة الرسمية ما يجعلها تعتقد بوجود تهديد أو خطر يتوجب معه السعي إلى الاتساق والوحدة المجتمعية، والحدّ من الاختلافات الفردية التي قد تؤثر على ذلك الاتساق.

هذه الرسالة تتأكد في موضع آخر من كلمة الوزير حين يتحدث عن أخطر "المفاهيم والسلوكيات غير الطيبة" لدى الشباب، الناتجة من أشكال الاتصال الحديثة، والتي تؤثر على "انتمائهم الوطني وقيمهم الدينية وأخلاقهم". وهذه المفاهيم هي: الفردانية، والشهوانية، والفوضاوية. نلاحظ هنا أنّ معالي الوزير يعتبر "الفردانية" واحدة من أخطر المفاهيم على الشباب (ولعلها إشارة على وجوب التصدي لأي فرد يشذّ عن السعي للهوية الجمعية الواحدة) ويضع هذه الفردانية بشكلٍ واع ومدروس في المرتبة نفسها مع الشهوانية والفوضاوية، لإبراز خطرها وضررها الأخلاقي على المجتمع.

يعلم معالي الوزير (وهو باحث مثقف) أن "الفردانية" مفهوم فلسفي عميق، ولا أشكّ في أنه يعلم بأنّ النزعة الفردانية من حيث هي توجه فلسفي ليست شرا مطلقا، كما أنها لا توجد بشكلٍ مطلق إلا في الخيال وفي ميدان التنظير فقط؛ إذ إن أي مجتمع بشري يأخذ من الفردانية ويأخذ من الجَمعية (فالمجتمعات التي تعلي من قيم الحرية الفردية تتبنى الديمقراطية وهي ممارسة جمعية في فلسفتها). لكنّ معالي الوزير اختار أن "يشيطن" هذا المفهوم ويلصقه بالشهوانية والفوضاوية، كي يستطيع في خطابه أن يبرر "تشكيل العقل الجمعي" ويمرر رفض التفرد والاستقلالية وحرية اتخاذ الفرد لقراراته وتشكيل هويته. في الحقيقة، لم يعد هذا التفرد في خطاب الوزير مرفوضا فحسب، بل "خطيرا".

ولئن حاولنا أن نُحسن الظنّ في الندوة الوطنية ولا نتهمها بفرض الوصاية على المجتمع، فإننا في الوقت نفسه نصطدم بتمثيل طفيف للغاية لشريحة الشباب التي يبدو من خطاب الندوة أنها الشريحة المستهدفة. وإن كانت الندوة تحرص من ضمن محاورها على "الحوار بين الأجيال"، فمن المستغرب أن تُدار النقاشات وتُصاغ التوصيات بعيدا عن حضور أكبر لتلك الشريحة، ومن ثم تُتخذ بعض الآليات لتنفيذ تلك التوصيات (=تشكيل العقل) على المجتمع من خلال الإعلام الرسمي وغيره.

إنّ هذا الخطاب على ما يحمله ظاهريا من حسن نوايا ورغبة في الصالح العام، إلا أنه يحمل أيضا مقدمات لنتائج شديدة الضرر على المجتمع نفسه؛ فحين يكون هناك تخويل لمؤسسة أو طبقة أن تكون معنية بفرض أفكار أو قيم واحدة على المجتمع، لا يوجد ضمان لكيفية استخدام هذا التخويل، ولا ضمان للقدرة على التراجع عنه. ولئن كانت في الفردانية عيوب، فإن النزعة الجمعية ليست حلا لمواجهتها، وفيما قد تنتج الفردانية المتطرفة شكلا من الفوضى واللامبالاة والتفسخ، فإن النزعة الجمعية المتطرفة تؤدي إلى أعلى أشكال النرجسية والدموية (النازية والأصولية الدينية مثلا) إذ إنّ احتكار الحق في أي زمان ومكان يؤسس بطبيعته للعنف، فمن يخالفني يهدد وجودي، ولا بد أن أقضي عليه.


وختاما، من المهم أن يدرك معالي الوزير أنه -ومع خالص الاحترام- لا يملك، ولا الحكومة أيضا، الحق في تشكيل العقل الجمعي وتحديد الأفكار والقيم والمبادئ التي يتبناها كل فرد، ولئن استطاعت أية سلطة فعل ذلك فستخلق مجتمعا يسوده النفاق أو التعصب، أو كلاهما. 

الأحد، 6 أبريل 2014

ملحٌ على جُرح الهُوِيّة


تقديم
من أصعب الأمور على الباحث أو المراقب للشأن العام أن يتحدث في قضية مثيرة للجدل وهي لم تنته بعد، ولم تتضح جميع أبعادها، ولم يهدأ بعد الاستقطاب الواقع بين طرفيها. بيد أنّ المثير للجدل يستحق التفكير، حتى وإن كان هذا التفكير ليس في القضية نفسها وإنما في طبيعة الجدل الذي دار حولها. والإشارة هنا إلى قضية المجموعة القصصية التي شغلت وسائل التواصل الاجتماعي في عُمان في الأيام القليلة الماضية. وفي حين يشير هذا المقال إلى هذه القضية، فإنه ينطلق أبعد منها بغية الوصول إلى تفسير أشمل يستوعبها ويقدّم إطارا لتفسير ظواهر أخرى. ولعلّه من الواجب التوضيح بأنّ هذا النص مجرد مقال يسعى للتفكّر وإثارة التفكير، وليس دراسة علمية منهجية.

ردة الفعل الغاضبة
من تابع ردود الفعل الكثيرة جدا على المقاطع التي نُشرت من المجموعة القصصية المشار إليها أعلاه، يجد كثيرا من السخرية والتهكم، إلا أنّ المزاج العام كان الغضب أو الاستنكار على أقل تقدير. ووفقا لما ذكره كثير من المعلقين، فإنّ سبب الغضب يعود إلى تصادم تلك المقاطع مع الأخلاق والأعراف العمانية الإسلامية المحافظة. وأخذًا بالظاهر فإنّ هناك العديد ممن هم صادقون فعلا في غيرتهم على الأخلاق والآداب العامة، ممن يشعرون -وهذا حقهم لا يمكن مصادرته- بالاشمئزاز من الألفاظ والمشاهد الجنسية التي تحتوي على فجاجة وبذاءة لا تتقبلهما أذواقهم الشخصية. ولكن إن سلّمنا بوجود هذا القسم من المعلقين المستفَزين دينيا، فلا يمكننا في الوقت نفسه أن نتجاهل وجود أشخاص آخرين كثيرين (قد نعرفهم شخصيا من المعارف والأصدقاء) ممن لا يتمتعون بتلك الحساسية الشديدة تجاه الإيحاءات والألفاظ الجنسية، لكنهم أيضا علقوا بغضب أو استنكار. أضف إلى ذلك وجود العديد من التعليقات التي كانت في مستوى بذاءة المقاطع (وبعضها ملفق كما تبيّن) أو أكثر، بل وصلت إلى التعرض لشرف الكاتبة والطعن فيها وشتمها، مما يناقض منطلق الدفاع عن الأخلاق أو الآداب العامة. نحن بحاجةٍ إذن إلى أداة تفسيرية أخرى تبحث في منطلق آخر غير العامل الديني أو الأخلاقي.

الصورة
يذهب هذا المقال إلى أنّ هناك منطلقًا آخر وراء الكثير من ردود الفعل التي ظهرت، ويعود إلى شعور الفرد (العماني في هذه الحالة) بمسؤوليته في الحفاظ على صورةٍ معينة يحاول من خلالها إعادة بناء هويةٍ لمجتمعه ودولته. لقد عملت الدولة العمانية منذ النهضة الحديثة في عام 1970م بكل قوة وإصرار على تحسين صورتها، في محاولة لخلق هوية جديدة تزيح الصورة غير الحميدة التي انتشرت عن عُمان قبل تولي جلالة السلطان مقاليد الحكم في 1970م. لا يخفى على أحد أن عُمان كانت تعيش عزلة وتخلفا مدنيا كبيرا، وأميّة متفشية، مما اضطر العديد من العمانيين إلى الهجرة إلى دول الخليج والعمل في وظائف متواضعة (وأحيانا متواضعة للغاية). كتب أحد الصحافيين الأجانب ذات مرة عن عُمان يقول: "قبل 40 سنة فقط، حين كان يستعد أول إنسان للهبوط على سطح القمر، كانت العاصمة العمانية مسقط تُغلق بوابتها في المساء".

هكذا، وفي الوقت الذي كانت تسابق فيه الحكومة الزمن إلى بناء الدولة العصرية وإنشاء المؤسسات ونشر التعليم، كان هناك خطٌ يمشي بالتوازي وعلى مهل، ألا وهو إعادة إنتاج الهوية. لذلك يُلاحَظ الاهتمام الكبير الذي أولته الدولة بترجمة الدراسات التي تناولت عمان تاريخا وآثارا وفنون وغير ذلك، إلى جانب الاعتناء ببعض المعالم الرمزية والتراثية التي يمكنها الإسهام في تشكيل الهوية الجديدة. كان يُراد لهذه الهوية أن تكون متفردة تستلهم عراقة الماضي وتدخل في المستقبل بحذر دون تقليد أو تبعية.

جدير بالذكر أنّ محاولات السلطة الحاكمة في إعادة إنتاج الهوية لا تنجح دائما، ذلك أنّ من شروط نجاحها أن يتبناها الشعب ويخلص لها (في إيران مثلا، لم تفلح محاولات الشاه في "ثورته البيضاء" أن يعيد إنتاج الهوية، وفي وقتٍ لاحق استطاع آية الله الخميني فعل ذلك إلى حدٍ كبير). في عُمان نجح ذلك منذ البداية، خاصة وأنّ تأكيد الدولة على الهوية الإسلامية (في محاولة لمقاومة الفكر الشيوعي) لاقى قبولا شعبيا. وهكذا وبسبب الشخصية الكاريزمية لجلالة السلطان قابوس، فقد استطاع نقل الحماس "الرسمي" لإعادة إنتاج الهوية من السلطة إلى الشعب بسلاسة، فأصبح الناس هم من يذودون عن هذه الهوية ويدافعون عنها. هذا الأمر ربما أصبح أكثر وضوحًا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث سرعة تداول المنشورات، وحيث يمكن لكل شخص أن يكتب وأن يعبّر عن رأيه.

الانعكاسات
بطبيعة الحال هناك جوانب إيجابية لتبنّي المجتمع عملية إعادة إنتاج الهوية، مثل الحفاظ على الموروث والاعتزاز باللغة والوعي بالدور الحضاري التاريخي، وما إلى ذلك، بيد أنّ الأمر يبدو وكأنه أفضى أيضا إلى نتيجة عكسية، وهذا قد يعود إلى أمرين اثنين. الأول هو التشديد الرسمي المتواصل على مسألة الهوية والخصوصية، مما نقل إحساسًا إلى الفرد العماني بأنّ الحفاظ على الهوية قضية مصيرية لا تقبل أي تساهل أو مرونة، وبأنّ التهاون في الحفاظ على الهوية ستكون له عواقب وخيمة ليس فقط على الدولة بل على المجتمع نفسه. أدى ذلك إلى لجوء العماني في لا وعيه إلى استراتيجية دفاعية ناتجة عن الخوف من تهديد الهوية. أما السبب الثاني فهو أنّ السلطة متى ما نقلت هذه الوظيفة إلى الجماهير، يصعب عليها توقع التصرف الذي ستنتهجه تلك الجموع، وما هي المحددات التي قد تضيفها أو تضخّمها في مسألة الهوية، وهل ستمتلك تعريفا واضحًا للهوية أم أنها ستخلطها بتصوّرات أخرى؟

من مظاهر ذلك يمكننا أن نرصد الاحتفاء الشعبي (المبالغ فيه) بأي مديح خارجي يُذكر عن عُمان أو جلالة السلطان أو مفتي السلطنة أو أية شخصية عامة تمثّل هذا المجتمع. يكفي أن يُنشر مقال مادح حتى ينتشر بسرعة هائلة عبر الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي. وبالدرجة نفسها من الحدة يكون تعامل الفرد العماني مع النقد الخارجي (والداخلي أيضا)؛ إذ تتبدى حساسية شديدة وتحفّز كبير إزاء النقد أو الهجوم على البلد، وتبدأ التعليقات المستنكرة تتوالد، مع انتظار مقال أو تغريدة مفنّدة يحتفي بها العمانيون ويتناقلونها بكل حماس وفخر، شاعرين بمسؤوليتهم الاجتماعية في الذود عن الوطن وصورته (=هويته)، مما يعكس خوفا داخليا من أي تهديد على الهوية/الصورة.

الملح وأشياء أخرى
في هذا السياق يبدو أنّ الإنسان العماني الذي يعيد (مع السلطة) إنتاج هويته، يريد أن تكون صورة المجتمع العماني متفردة، نقية، صافية أمام عين الآخر حتى لا يفكر في خدشها. وهذه الرغبة في الحفاظ على صورة العماني (الطيب، المتواضع، المسالم، المتسامح، الكريم، المضياف، المحافظ) تجعله في صراع مستمر، ما بين الواجب في إصلاح الخلل في الداخل، والواجب في الذود عن الصورة النقية أمام الخارج، بل إنّ الصراع يتوسع كذلك إلى واجب الدفاع عن الهوية/الصورة في الداخل أيضا خوفا من "النخر" الداخلي الذي يمنح الآخر فرصةً للانقضاض.

لذلك يبدو أنّ العماني وهو في هذه العملية من الحفاظ على هويته الجديدة، كان من الصعب أن يتقبل ما قامت به مؤلفة المجموعة القصصية؛ فهو يراها امرأة عمانية لا يجوز أن تظهر بصورة المرأة "البذيئة" في العلن، ومن ناحية أخرى لا يتقبل أن تلمّح المؤلفة بوجود تلك الانحرافات الأخلاقية في مجتمعه الذي يريد أن تبقى صورته نقية، وحتى إن اعترف بوجودها في نفسه فإنه لا يريد أن يراها مطروحة أمامه على الطاولة. وفي غمرة انفعاله لم يختر السكوت عن الموضوع وتركه يمضي دون ملاحظة، بل اختار أن "يتبرأ" من تلك المرأة، أن يضحّي بها لتأكيد ذاته، أن يطردها من الجنة التي حدّد هو معالمها، كي "يطهّر" نفسه ويؤكد لنفسه من جديد أنه أهل لتلك الجنة/الصورة. حدث هذا في الوقت الذي يعلم فيه الشخص المهاجم في قرارة نفسه أنّ تلك الأسطر –على فجاجتها وبذاءتها- ليست هي الخطر الفعلي على الشباب وأخلاقهم، ويعلم أنّ وصول أشكالٍ أدهى من الانحرافات إلى أسرته أو أطفاله عبر الإنترنت أقرب بكثير جدا من وصول الانحراف عبر مجموعة قصصية، لكنّه الفزع على صورة المجتمع والدولة (هذا التحليل يتجاهل نظريات المؤامرة المطروحة).

ويبدو أنّ هذا هو ما حدث أيضًا في قضية صحيفة The Week قبل أشهر حين نشرت تقريرا صحفيا جريئا عن العلاقات المثلية في عُمان وانتفض الشارع غاضبا. من ناحية، ليس من الصدق في شيء أن ننكر وجود العلاقات المثلية في عُمان (كأي مجتمع بشري آخر)، ولا أن نتجاهل حوادث التحرش الجنسي المتكررة في مدارس الذكور خاصة، لكنّ التقرير بفجاجته أثار غضب العمانيّ إذ نال من صورته أمام نفسه قبل الآخرين وبدا وكأنه "يتسامح" أو "يتعاطف" مع المثليين بدلا من أن يتبرأ منهم تطهيرا للهوية الجمعية. يعرف الناس الآن أنّ هناك أماكن يلتقي فيها الباحثون عن هذه المتع، ويعرفون أنّ وسائل التواصل الاجتماعي (التي يستخدمونها لشن هذه الحملات الغاضبة) قد وفّرت مجالا أسهل لهؤلاء كي يتعارفوا، لكنهم من الصعب عليهم أن يقبلوا المساس بهويتهم هكذا علنا.

ما ذُكر أعلاه اجتهاد تحليلي يحاول أن يجد تفسيرا آخر غير المنطلق الديني والأخلاقي، وهو يتقاطع مع مجتمعات أخرى أيضا، فليس الهدف هنا "جلد" المجتمع، وإنما محاولة استيعاب ظواهره. هذا الاستيعاب ضروري كي يحذر المجتمع من خطورة الدفاع الأعمى عن صورته قبل مكاشفة نفسه ومناقشة مشكلاته بشفافية؛ ولا أحد يرغب في أن يصل المجتمع إلى مايعرف بـ"النرجسية الجمعية collective narcissism" حيث يؤمن بنقاوته وتميزه وتفرده بل وواجبه المقدس في الحفاظ على تلك النقاوة (طبقا لتفسيره) ووجوب غلبته على من سواه، إلى درجةٍ يفقد معها روح التسامح في داخله، قبل فقدانها مع الآخرين.

الأربعاء، 2 أبريل 2014

مبادرة وطنية للثقافة

أكتب هذا المقال حول مشهد الثقافة في عُمان، واضعًا نفسيَ خارج الإطار وداخله في الوقت نفسه، خارج الإطار من حيث التناول الموضوعي الذي يتطلب محاولة النظر إلى الوضع الثقافي من زاوية شمولية مبتعدة، وداخل الإطار من منطلق الاهتمام المشترك بالموضوع. ولئن احتوى المقال على بعض العتاب فهو في هدفه الأساسي مع التشجيع لا مع التقريع، مع التحليل لا مع التطبيل، ومع الأمل لا مع الكسل.

من يتابع المشهد الثقافي في عمان يلاحظ أصواتا كثيرة ومتزايدة تشتكي من وضع الثقافة، والأمثلة على ذلك عديدة جدا، لكنني سأكتفي ببعضها: تغريدات علي سليمان الرواحي حول تدني مستوى ملحق "شرفات"[1]، ومقال هدى حمد الذي ينتقد غياب المشاريع الثقافية في السينما والمسرح وحتى بيع الكتب وتوزيعها[2]، وتغريدات فاطمة الحجري عن غياب مشروع وطني للترجمة[3]، وما كتب في وسائل التواصل الاجتماعي عن غياب التنافس على إدارة الجمعية العمانية للكتّاب، ومقال هلال البادي عن جمعية الصحفيين العمانيين[4]، بل حتى التلفزيون الرسمي الذي أذاع تقارير عن اختفاء المكتبات من الأسواق[5] وحاجة المكتبات العامة إلى الدعم[6]. فهل هناك مشكلة حقيقية؟

يميل "بعض الناس" في عُمان إلى اعتبار المثقف كائنا متذمرا كثير الشكوى لا يعجبه العجب، يتخذ في أغلب الأحيان مواقف "سلبية" يُبرز فيها النقص ويضخّمه، في حين نادرًا ما يذكر الإيجابيات أو يخطو لصنعها. ولستُ هنا في معرض الدفاع عن جانب أو آخر، وللأمانة فإن الوصف أعلاه لا يخلو من حقيقة في بعض الحالات، إذ نحن نتحدث عن بشر. وللأمانة أيضا فإن كثيرا مما يوصف بالسلبية لا يعدو أن يكون نقدا (هادئا أو لاذعا). ما يهمني هنا هو التفكر في مشروعية الشكوى من الوضع الثقافي، فهل يستحق فعلا كل هذه الشكوى أم أنّ المثقفين العمانيين بالفعل كائنات متذمرة؟

يحق لنا في معرض تقييم الوضع الثقافي أن ننظر فيما تحقق لنا من إنجاز ثقافي خرج من حدود السلطنة. فعلى صعيد الأدب لنا أن نتساءل عن عدد الأدباء العمانيين الذين يُعرفون ويُقرؤون في الخارج، وعن الروايات أو المجاميع القصصية العمانية التي حققت مبيعات كبرى في الوطن العربي أو الخليج العربي على أقل تقدير. وعلى صعيد الترجمة، من هو المترجم العماني الذي يُعرف بالاسم ويبحث القارئ العربي عن ترجماته؟ وفي السينما والدراما كم فنانا وعملا فنيا عمانيا يمكن أن يُشار إليه؟ وفي مجال البحوث والفكر ما الكتب الفكرية العمانية المؤثرة التي يتسابق الباحثون إلى اقتنائها؟ وسق على ذلك أمثلة في بقية المجالات الثقافية. بطبيعة الحال هناك بعض الحالات هنا وهناك، لكنها أولا حالات فردية نادرة، وثانيا وللأمانة فهي لم تصل بعد إلى درجة المنافسة التي يتطلع العمانيون إليها. وقد يعترض القارئ الكريم فيقول إننا لا يجب أن نقارن أنفسنا بدول أخرى ذات نشاط ثقافي طويل، بيد أننا إن لم نقارن أنفسنا بالأفضل فلن نصل إليه، وإن لم نقارن أنفسنا بالأفضل بعد أربع وأربعين سنة من النهضة العمانية فمتى إذن؟

إن الوضع الثقافي في عُمان ليس على ما يرام، أو على الأقل ليس كما نتمنى أن يكون. من حقنا وحق عُمان علينا أن نتطلع إلى ظهور أديبٍ أو مخرج سينمائي يتعرف العالم على عمان من خلاله. من حقنا وحق عُمان أن نقول للعالم بأننا قدّمنا مترجمين ساهموا في إثراء المكتبة العربية. من حقنا وحق عُمان أن لا نخجل حين يزورنا ضيف ولا يجد مكتبة شرائية أو عامة تليق بهذا البلد. ومن حقنا وحق عُمان أن يكون لنا مفكرون ينتظر المتابعون كتبهم وآراءهم وتحليلاتهم. باختصار، من حقنا أن تكون لنا "قوة ناعمة".

تلك الشكاوى الكثيرة من المثقفين العمانيين وإن سببت إزعاجا للبعض فإنها في جانب من جوانبها علامة إيجابية؛ إذ إنها تشير إلى توق هؤلاء المثقفين إلى إنجاز ثقافي أفضل، والرهان في الحضارة يكون على الأفراد الذين يتطلعون إلى التطور. ولكن حتى نكون موضوعيين، فالتطلّع في ذاته غير كاف، بل يستلزم سعيا حقيقيا. وفي حين نلوم المؤسسات الرسمية على غياب اهتمامها بالوضع الثقافي، فإننا نساهم معها في إبطاء التطوّر حين نعتزل المشاركة. فعلى سبيل المثال كثيرا ما توجّهنا بالنقد إلى الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، لكننا حين جاء الوقت لانتخاب إدارة جديدة يمكننا أن ننفّذ من خلالها ما نريد، عزفنا عن المشاركة. كثيرا ما ننتقد الملاحق الثقافية الموجودة التي اعتزلناها أصلا ولم نعد نكتب فيها. وغنيّ عن القول إنّ عزوفنا عن المشاركة بما هو قيّم (من وجهة نظرنا) سيفسح مجالا لما لا يرضينا. من جهة أخرى لا يمكن أن نتجاهل بعض المحبطات الحقيقية في المؤسسات الثقافية الرسمية، والتي تسبب ذلك العزوف. وهنا نصل إلى المشكلة التي يمثلها هذا التفاعل الجدلي ما بين المثقف والمؤسسة، فكيف نطلب من المثقف المساهمة في تطوير الثقافة حين لا يجد دعما من المؤسسة؟!

ما أحاول أن أجادل به هنا هو أنّ مسألة تطوير الوضع الثقافي ليست (بل لا يجب أن تكون) مرهونة بالمؤسسة الرسمية بل بالمبادرة الفردية والمجتمعية؛ فالإبداع الثقافي الحقيقي في العالم كله لم ينتظر دعم المؤسسة ولم يخرج من رحمها (وإن ساهمت المؤسسة في رعايته في بعض الحالات طبعا). نهضة الثقافة لن تكون إلا بحراك المثقفين أنفسهم وسعيهم، مما سيغري المؤسسة الرسمية لاحقا بالرعاية والدعم. هناك الكثير من المشاريع الثقافية التي يمكن للمثقفين أفرادا أو جماعات أن ينفذوها، وأن يتحصلوا على التمويل اللازم لها من التبرعات أو الدعم الخاص. فمثلا، كُتب الكثير جدا عن غياب مكتبات عامة في عُمان، في حين أنّه لو جُمعت أنصاف مكتبات المثقفين لأنشئت نواةً لمكتبة عامة جيدة!

مارس المثقفون النقد إيمانا منهم بأهميته وبدورهم في التفاعل النقدي، لكنّ هذا النقد لم يفض بالضرورة إلى تحسّن، خاصة في ظلّ ثقافة لا تتصالح مع النقد بل تعتبره تهجما شخصيا. إذن فما يجدر بنا المراهنة عليه الآن هو المبادرة فردية كانت أو مجتمعية، وما يتم تحقيقه من خلال هذه المبادرات هو الذي سيمنحنا الشعور الأكبر بالإنجاز. ولئن أردنا أن تكون للمشاريع الثقافية استقلاليتها الفكرية عن المؤسسة الرسمية، فينبغي علينا أن نسعى إلى دعمها؛ فنحن حين نكتفي بالتفرج عليها إما نحكم عليها بالتوقف أو نضطرها إلى التخلي عن بعض استقلاليتها باللجوء إلى دعم المؤسسة، ثم نشتم فيها وننتقد أداءها. من جهةٍ أخرى يحق لنا أن نعتب على المؤسسة ملاحقتها لبعض المبادرات، بدلا من تركها تأخذ مساحتها في الحركة والنشاط ما دامت "تعمل في النور" و لا تخلّ بالقانون. وحريّ بالمؤسسة الرسمية أن تسعى لتشجيع كل ما من شأنه أن يرسخ روح الاستقلالية كي يخفف عنها حملها، بدءا من المبادرات الثقافية وحتى ريادة الأعمال.

وحتى لا يُحمَل كلامي على غير مراده، فأنا هنا لا أطالب بالضرورة بالاستغناء عن المؤسسة الرسمية أو اعتزالها، وإنما أدعو إلى عدم انتظارها هي كي تقوم بالتخطيط والمبادرة، وهي في أغلب الأحيان قليلا ما تبادر لأنها بالكاد تلتقط أنفاسها من دوامة البيروقراطية والروتين اليومي. إن ارتأى البعض منا إمكانيةً لتطوير مجلة ثقافية مثلا، فيمكن لبعض المهتمين الاجتماع مع إدارة المجلة ومناقشها وتقديم حلول وخيارات لها.

وكي لا يكون هذا المقال موجة أخرى من سلسلة "الشكوى" أو النقد الذي لم يؤت أكله، فإنني أختمه باقتراح أتمنى أن يجد (إن كان يستحق) ما يقوّيه من التوجيهات أو الملاحظات. نحن في عُمان بحاجةٍ إلى "مبادرة وطنية للثقافة"، تبدأ بتحديد الرؤية (أي كيف نريد أن يكون وضع الثقافة في عمان بعد 5 سنوات مثلا)، وتستند على الحقائق والإمكانات المتاحة، مرورا بالنقاش والتخطيط العملي، وانتهاء بوضع الآليات التنفيذية. ولعلّي إن وجدت الأيادي المعينة أن أعلن عن ورشة عمل خلال أشهر، على أن تتشكل قبلها فرق عمل يتخصص كل منها في قطاع محدد (الأدب، المسرح، السينما، الفكر، الترجمة، الصحافة الثقافية، الخ)، فتناقش هذه الفرق رؤيتها المستقبلية مع بعض ذوي الخبرة الإدارية والمالية في ورش عمل تخرج بحلول وخطط لمشاريع نعمل على تنفيذ ما يمكن منها بمبادرات مجتمعية أو فردية، ونشترك مع المؤسسة الرسمية في تنفيذ بعضها الآخر.


وعُمان من وراء القصد.


1 https://twitter.com/alialrawahi↩
2 http://main.omandaily.om/?p=92227↩
3 https://twitter.com/Alhajrifatema↩
4 http://albaladoman.com/?p=16548↩
5 http://www.youtube.com/watch?v=HVulW501CZ4↩
6 http://www.youtube.com/watch?v=DeZsMEGqIVQ↩

الأربعاء، 19 مارس 2014

الاستِبلاه..أو الاستهبال الثقافي

قبل فترة تنامت إلى علمي أحاديث عن شاب عماني صغير ما يزال طالبا في الجامعة، لكنه حسب ما يقولون "فلتة"، له كتابات فكرية عميقة، بل إنه أصدر (أو على وشك إصدار) كتبا فكرية، وله معجبون كثيرون في وسائل التواصل الاجتماعي يتبادلون مقالاته و"ينهلون" من ثقافته العالية.
كنت قد تركت وسائل التواصل الاجتماعي منذ فترة، لذلك لم أهتم كثيرا بهذه "الظاهرة"، وهي لا شك ظاهرة فريدة في مجتمعنا أن يظهر شاب صغير لديه كتابات فكرية واجتماعية عميقة. لم أكوّن أي فكرة عن هذا الشاب سوى الرغبة الداخلية أن نرى مثل هذه النماذج في ازدياد، ولكنني لم أقرأ له شيئا.
في فجر اليوم وبالصدفة وقعتُ على المقال الجديد لهذا الشاب المفكر "الفلتة"، وقلت حان الوقت لأقرأ له شيئا. في الحقيقة قرأت المقال بعين الأستاذ الناقد، بل المتصيد للأخطاء (وهذا صفة لا أنكرها، بل أجدها مفيدة جدا لمدرّس جامعي)، ووفقا لهذه القراءة "المتشككة" والتي اعتدتُ عليها عند قراءة أبحاث الطلاب (إذ الطالب الجامعي في مؤسساتنا التعليمية بالنسبة لي متهم حتى تثبت براءته)، تكوّن لديّ انطباع بأنّ المقال مسروق، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكتبه طالب جامعي في عُمان (والمدرّسون أعلم بمستويات الطلاب).
بطبيعة الحال تتكوّن لدى المدرّسين الجامعيين مهارات خاصة في "اكتشاف" السرقات الأدبية/البحثية، ودون جهد كبير تحققت من أنّ المقال هذا مسروق..مسروق..مسروق! لكنّ هذا الفتى لا يخلو من بعض ذكاء، إذ إنه تجاوز بعض اللصوص الخائبين الذين ينقلون المقالات بأكملها، فهو لا يسرق من مصدر واحد، بل ينوّع في مصادره، ويعمل في كثير من الأحيان على إعادة الصياغات.

السرقات
أولا، بالنسبة للعنوان "بين الأدب والبلاهة"[1] فهو مسروق من مقال قديم لياسر حارب بعنوان "أدباء أم بلهاء"[2]. وفي الفقرة الأولى من المقال نجد أن الجملة التالية مسروقة بالكامل من مقال لأحمد حسين عسيري في جريدة المدينة عام [3]2011:
"وما ينجم عنه من تفاعل بين الفرد والمجتمع الفرد بمساهمته والمجتمع باحتوائه لها وتكثيفها إلى درجة النفع العام ولا يتحقق ذلك إلا عبر المكون الأكبر لمحتوى هذا التفاعل، وهو ما يعرف بالبناء الاجتماعي، وبمكوناته من قيم ومعايير وأعراف ومستوياته المتدرجة لنسيجه وفي إطار الثقافة المجتمعية السائدة".

أما بقية المقال فهو عبارة عن سرقات من مقالين اثنين، الأول لياسر حارب المشار إليه أعلاه، والآخر لعبدالله محمد الناصر في جريدة الرياض عام 2006 بعنوان "الرواية العربية ومعجزة الجنس"[4]، ويمكن للقارئ أن يتبيّن الأجزاء المسروقة بوضوح شديد. وقد تكون هناك مقالات أخرى أيضا استُخدمت لكنني لم أواصل البحث.

ما يهمني في هذا المقام نقطتان اثنتان. أولا، علمتُ أنّ هذا "الكاتب" الشاب ينشر عمودا أسبوعيا في جريدة الشبيبة العمانية، وغيرها، ولديّ هنا عتب كبير على جريدة الشبيبة إذ إنّ هذه ليست المرة الأولى التي تستكتب فيها كاتبا سارقا، فقد حدث ذلك قبل سنوات مع أحد المترجمين، وبعثتُ إلى المحرر الثقافي في الجريدة آنذاك أنبهه إلى تلك السرقات، وأنه يجب أن يُفضح ذلك المترجم (نعم، أؤمن بوجوب فضح السرقات الأدبية وسارقيها)، لكنّه أبى واكتفى بإيقاف مقالات ذلك المترجم. من الواجب على صحفنا أن تقوم بواجبها في احترام القارئ والتحقق من مصداقية الكتّاب الذين تستكتبهم.
أما النقطة الثانية فهي أنني هنا أناقش مقالا واحدا لهذا الكاتب، ولم أتعرض لغيره. قد تكون له مقالات كتبها بنفسه، وقد يكون قارئا جيدا، وقد يكون وقد يكون، لكنّ من يقوم بسرقةٍ مثل هذه الموضحة أعلاه فلا مصداقية له إطلاقا. هذا وقد..أقول قد يكون هذا الشاب يعتقد أنّ هذه هي الطريقة في إجراء البحث، وقد حدث ذات مرة أن قالت لي طالبة في السنة الجامعية الأخيرة أنّ اقتطاع الأجزاء من المقالات والكتب دون الإشارة للمصدر هي الطريقة التي دُربوا عليها في إجراء البحوث! إن كان الأمر هكذا، فعلى جامعة السلطان قابوس (التي ينتمي إليها هذا الطالب) أن تحقق في الأمر، وإن لم يكن كذلك، فعليها في كل الأحوال أن تقوم بواجبها الأخلاقي في التحقيق مع هذا الطالب/الكاتب، ومن درس في جامعات الغرب يعرف أنّ الانتحال في الكتابة جُرم أكاديمي عظيم لا يُغتفر.   



[1] http://ruaa12.wordpress.com/2014/03/18/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%A7%D9%87%D8%A9/
[2] http://yhareb.com/wp/?p=479
[3] http://www.al-madina.com/node/329329
[4] http://www.alriyadh.com:8080/2006/02/02/article127347.html