الأحد، 13 مايو 2007

تشارلز


قصة: شيرلي جاكسون
ترجمة: أحمد حسن المعيني


في اليوم الذي بدأ فيه (لوري) الدراسة في الروضة، ودّع البنطال القطني ذا الحمالتين، والصديريّات، وارتدى الجينز الأزرق والحزام. راقبته في أول صباح ذاهبًا مع ابنة الجيران الأكبر منه، مدركة أن مرحلة من حياتي قد انتهت، فطفل الحضانة بصوته الرقيق تحوّل إلى شخص مختال طويل البنطال نسيَ أن يقف عند زاوية المنزل ليلوّح لي مودّعًا.

عاد إلى المنزل بالطريقة نفسها، بدويّ الباب نفسه، والقبعة الملقاة على الأرض، وفجأة يأتي صوته الخشن صاحئا: "ألا يوجد أحد هنا؟"

على الغداء تحدّث بوقاحةٍ إلى أبيه، ودلق حليب أخته الرضيعة، وذكر أن معلّمته قالت بأنه يُفترض بنا ألا نذكر اسم الرب عبثًا.

سألته عَرَضًا: "كيف كانت المدرسة اليوم؟"، فأجاب "جيدة". وسأله والده: "هل تعلمتَ شيئًا؟". نظر لوري إلى والده ببرود وقال: "لم أتعلم ولا شيء". فصححّتُ له قائلة: "أي شيء. لم أتعلم أيّ شيء".

قال لوري وهو يمسح الزبدة على رغيف خبز: "ولكنّ المعلّمة عاقبت ولدًا"، ثم أضاف وفمه مليء بالطعام: "لأنه كان مشاغبًا". فسألته: "ماذا فعل؟ ومن هو؟". فكّر لوري ثم قال: "اسمه تشارلز. كان مشاغبًا. عاقبته المعلّمة وجعلته يقف في زاوية الفصل. كان شديد الشغب". سألتُ مجددًا: "ماذا فعل؟" إلا أن لوري انسلّ من فوق كرسيه، وأخذ كعكة ثم تركنا بينما كان والده يخاطبه.

في اليوم التالي قال لوري على الغداء فور جلوسه: "تشارلز كان سيئًا اليوم أيضًا". علت وجهه تكشيرةٌ كبيرة وهو يقول: "اليوم ضرب تشارلز المعلّمة". "يا إلهي" قلتها منتبهة إلى اسم الرب، "لا بد أنه عوقب مجددًا، صحيح؟". أجاب لوري: "أكيد". ثم قال لوالده: "انظر للأعلى". سأله والده ناظرًا للأعلى: "ماذا هناك؟". فقال لوري: "انظر للأسفل. انظر إلى اصبعي. هيا بسرعة..كم أنت غبي". وبدأ يضحك بجنون.

سألتُ بسرعة: "لماذا ضرب تشارلز المعلّمة؟". قال لوري: "لأنها حاولت أن تجعله يلوّن بأقلام تلوين حمراء. أراد تشارلز أن يلوّن بالأخضر فضربها ثم عاقبته وقالت لنا ألا نلعب مع تشارلز، ولكن الجميع لعب معه".

في اليوم الثالث- وقد كان الأربعاء من أول أسبوع- لوّح تشارلز بنوّاسة على رأس صبية فأدماها، فأجلسته المعلّمة في الفصل طوال وقت الفسحة. في يوم الخميس أوقفته المعلّمة في زاوية الفصل خلال حصة القصص لأنه كان يضرب بقدميه على الأرض. في يوم الجمعة حُرم تشارلز من الكتابة على السبورة لأنه كان يرمي بالطباشير.

في يوم السبت قلت لزوجي: "هل تعتقد أن الروضة شديدة التشويش على لوري؟ كل هذه الخشونة والأخطاء اللغوية، ويبدو أن لذلك الولد تشارلز تأثيرًا سيئًا عليه". قال زوجي مُطَمْئنًا: "سيكون كل شيء على ما يرام. لا بد أن يوجد أشخاص في العالم مثل تشارلز. قد يصادفهم اليوم كما يصادفهم غدًا".

وفي يوم الإثنين عاد لوري إلى المنزل متأخرًا، ومُحملا بالأخبار. صاح وهو يقترب: "تشارلز". كنتُ أنتظر بقلق على الدرجات الأمامية للمنزل. قال وهو يصعد التلة: "تشارلز كان سيئًا اليوم أيضًا". قلتُ فور اقترابه: "ادخل، فالغداء جاهز".

سأل بإلحاح وهو يتبعني: "أتعرفين ماذا فعل؟. لقد صرخ عاليًا في المدرسة حتى أنهم أرسلوا ولدًا من الصف الأول ليقول للمعلّمة يجب عليها أن تُسكت تشارلز، لذا أبقتْهُ في المدرسة بعد انتهاء الحصص. وهكذا بقي جميع الأطفال ليشاهدوه".

سألتُ: "ماذا فعل؟"، فقال لوري وهو يصعد على كرسيه أمام الطاولة: "كان جالسًا هناك فقط".

- مرحبا بابي يا بابي..يا ممسحة الترابي..

قلتُ لزوجي: "أُبقيَ تشارلز في المدرسة بعد انتهاء الحصص".

- الكل جلس معه.

سأل زوجي لوري: "كيف يبدو هذا التشارلز؟"

- ما اسم ابيه؟

قال لوري: "إنه أكبر مني. وليس لديه أية ممحاوات ولا يرتدي حتى معطفًا".

مساء الاثنين كان أول اجتماع أولياء الأمور مع المعلّمين، ولم يمنعني من الحضور سوى أن طفلتي أصيبت بنزلة برد. كنتُ أرغب بشدة في لقاء والدة تشارلز. في يوم الثلاثاء قال لوري فجأة: "اليوم كانت هناك زيارة لمعلّمتنا في المدرسة".

فسألتُ وزوجي بصوت واحد: "والدة تشارلز؟". قال لوري بامتعاض: "لاااا. كان رجلا، وقد جعلنا نؤدي بعض التمارين. هكذا". قفز من كرسيه ثم قرفص ولمس أصابع قدميه. عاد بكآبة إلى كرسيه والتقط شوكته ثم قال: "تشارلز لم يؤدي التمارين حتى". قلت بحماس: "لا بأس. ألم يرغب تشارلز في تأدية التمارين؟". فقال لوري: "لااااا. كان مشاغبًا جدًا مع صديق المعلّمة، حتى أنه لم يُسمح له بأداء التمارين". قلتُ: "مشاغبًا مرة أخرى؟".

قال لوري: "لقد ركل صديق المعلّمة. طلب صديق المعّلمة من تشارلز أن يلمس أصابع قدميه كما فعلتُ للتو، فركله تشارلز".

سأله والده: "ماذا تعتقد أنهم سيفعلون بشأن تشارلز؟". هزّ لوري كتفيه وقال: "أظنهم سيطردونه من المدرسة".

كان يوما الأربعاء والخميس اعتياديين: تشارلز صرخ في حصة القصص وضرب ولدًا في بطنه فأبكاه. وفي يوم الجمعة بقي تشارلز بعد انتهاء الحصص مرة أخرى وبقي معه الأطفال الآخرون.

ومع حلول الأسبوع الثالث من الروضة أصبح تشارلز عُرفا في أسرتنا: كانت الطفلة تشارلزًا عندما بكت طوال الظهيرة. ارتكب لوري تشارلزًا عندما ملأ عربته بالوحل وسحبها على أرضية المطبخ. حتى زوجي، عندما اشتبك مرفقه بسلك الهاتف وأطاح بالهاتف ومنفضة السجائر والمزهرية من على الطاولة، قال بعد دقيقة: "كان ذلك تشارلزيًا".

خلال الأسبوعين الثالث والرابع بدا أن هناك تغييرًا إصلاحيًا في تشارلز. أخبرنا لوري على الغداء في يوم الخميس من الأسبوع الثالث بتجهم: "كان تشارلز جيدًا جدًا اليوم وأعطته المعلّمة تفاحة".

قلت: "ماذا؟؟" وأضاف زوجي بحذر: "تقصد تشارلز؟". قال لوري: "تشارلز. قام بتوزيع أقلام التلوين على الأطفال وجمع الكتب لاحقا من الجميع، وقالت المعلّمة بأنه كان خير مُعاون". سألتُ باستنكار: "ما الذي حدث؟". قال لوري هازا كتفيه: "كان مُعاونًا لها. هذا كل شيء".

سألتُ زوجي تلك الليلة: "هل يمكن أن يكون هذا حقيقة؟ ذلك الأمر مع تشارلز؟ هل يمكن أن يحدث شيء كهذا؟". قال زوجي بشكّ: "انتظري وسنرى. عندما يكون شخص كتشارلز، قد يعني الأمر أنه يخطط لشيء ما".
بدا أنه كان مخطئًا. لأكثر من أسبوع كان تشارلز مُعاونًا للمعلّمة. كل يوم كان يوزّع بعض الأشياء في الفصل ويجمعها. ولم يعد يبقَ أحدٌ بعد انتهاء الحصص.

قلت لزوجي ذات مساء: "اجتماع أولياء الأمور والمعلّمين الأسبوع القادم. سأرى والدة تشارلز هناك". قال زوجي: "اسأليها ماذا حدث لتشارلز. أودّ أن أعرف". فقلت: "أودّ أن أعرف أنا أيضًا".

في جُمعة ذاك الأسبوع عادت الأمور كما كانت. سأل لوري على طاولة الغداء بصوت يشوبه قليل من الخوف: "أتعرفان ما فعل تشارلز اليوم؟ قال لطفلة أن تقول كلمة، وقالتها، فغسلت المعلّمة فم الطفلة بالصابون بينما كان تشارلز يضحك".

سأله والده بغير حكمة: "أي كلمة؟" فقال لوري: "عليّ أن أهمس بها لك، فهي بذيئة جدا". نزل من كرسيه وذهب إلى والده. احنى والده رأسه وهمس له لوري بمرح. اتسعت حدقتا والده وسأل: "هل قال تشارلز للطفلة أن تتلفظ بهذا؟". قال لوري: "قالتها مرتين. قال لها تشارلز أن تقولها مرتين". فسأل زوجي: "وماذا حدث لتشارلز؟". قال لوري: "لا شيء. كان يوزّع أقلام التلوين".

في صباح الاثنين تخلى تشارلز عن الطفلة وقال الكلمة البذيئة بنفسه ثلاث أو أربع مرات، وغُسِل فمه بالصابون في كل مرة. وقد رمى بالطباشير أيضًا.

رافقني زوجي ذلك المساء إلى الباب بينما كنت متجهة إلى اجتماع أولياء الأمور. قال: "ادعيها لشرب الشاي بعد الاجتماع. أريد أن أراها". قلتُ برجاء: "إن كانت موجودة". فقال زوجي: "ستكون هناك. لا أتصور أنهم يعقدون اجتماعًا كهذا دون حضور والدة تشارلز".

في الاجتماع جلستُ متململة، أتفحص كل وجهٍ كهلٍِ مرتخ، أحاول أن أحدد أيها يخفي سرّ تشارلز. لم يبد أي وجه منهكًا بما فيه الكفاية. لم تقف واحدة في الاجتماع لتعتذر عن سلوك ابنها، ولم يذكر أحدٌ تشارلز.

بعد الاجتماع بحثتُ عن معلّمة لوري في الروضة. كانت تحمل صحنًا وكوب شاي وكعكة شوكولاتة. وكنت أحمل صحنًا وكوب شاي وكعكة خطميّ. ناورنا حول بعضنا بحذر وابتسمنا.

قلتُ: "كنت متلهفة للقائك. أنا والدة لوري". فقالت: "نحن كلنا مهتمون بلوري". قلت: "أنا متأكدة من أنه يحب الروضة. إنه يتحدث عنها طوال الوقت". قالت بتكلف: "كنا نعاني من مشكلة التكيّف في أول أسبوع أو أكثر، ولكن الآن هو متعاون بشكل جيد. مع بعض الانتكاسات بالطبع". قلت: "عادة ما يتكيف لوري بسرعة شديدة. أظنّ الأمر متعلق بتأثير تشارلز عليه".

- تشارلز؟

قلت ضاحكة: "نعم، لا بد أن لديك الكثير من المتاعب في الروضة، مع تشارلز".

- تشارلز؟ لا يود لدينا تشارلز في الروضة.

الجمعة، 13 أبريل 2007

حياة وولتر ميتي السرّية


قصة: جيمس ثيربر
تقديم وترجمة: أحمد حسن المعيني

يُعدّ جيمس ثيربر (1894-1961) أحد أشهر الكتاب الساخرين في أميركا في القرن العشرين، وأشهر رسّام صور متحركة في تاريخ مجلة النيويوركر. ذاع صيته من خلال قصصه القصيرة وقصص الحيوانات القصيرة على غرار قصص اليوناني عيسوب. يجيد ثيربر استخدام السخرية اللاذعة في إيصال رسائل فكرية وأخلاقية عديده من خلال كتاباته، والتي يجمع فيها بين الاسلوب السهل الذي يفهمه الكبار والصغار، والفكرة العميقة التي تضخّ أسئلة في ذهن القارئ لا يمكنه إغفالها رغم طرافة الموقف المرسوم. أما قصة "حياة وولتر ميتي السرية" فهي أشهر قصصه على الإطلاق، ولا تكاد تخلو أنطولوجيا للأدب الأمريكي منها. وقد ظهرت في السينما لاحقًا عام 1947. هذا وقد أدت شعبية هذه القصة دخول لفظة "الميتية Mittyesque" اللغة الإنجليزية لتعبر عن السلبية المتدرعة بالهروب من الواقع إلى الخيالات البطولية. كعادته يستخدم جيمس ثيربر في هذه القصة طرافته وأسلوبه المتميز في اللعب بالألفاظ، حيث يبتكر أحيانًا ألفاظا جديدة تخدم المشهد الكوميدي الذي يرسمه. جديرٌ بالذكر أن هوليوود بصدد إنتاج فيلم جديد مقتبس من هذه القصة.



جاء صوت القائد هادئا كرقائق ثلجٍ تتكسر: "سوف نجتازها". كان مرتديًا زيّه الكامل مع قبعته البيضاء ذات الشرائط العديدة، مائلة بعبثٍ على عينه الرمادية الباردة. هتف الملازم جليد: "لن نستطيع، سيدي. أرى إنها تتحول إلى إعصار". قال القائد: "لم أسألكَ رأيك، ملازم جليد. أشعل مصابيح الطاقة، زد السرعة إلى 8500. سنجتازها". وارتفع هدير المحرك طق-بوقيطق-بوقيطق-بوقيطق-بوقيطق. حدّق القائد في تشكّل الثلج على نافذة الطيّار. تقدّم وأخذ يحرّك عددًا من الأقراص المعقدة، ثم هتف: "شغلّوا المحرك الاحتياطي رقم 8"، وكرر خلفه الملازم جليد: "شغّلوا المحرك الاحتياطي رقم 8". وتابع القائد: "أقصى طاقة للبرج رقم 3. أقصى طاقة للبرج رقم 3". نظر أفراد الطاقم الذين انهمكوا في مهماتهم على الطائرة الحربية المائية ذات الثمانية محركات إلى بعضهم البعض وابتسموا قائلين: "سيجاوز العجوز بنا"، "العجوز لا يخاف الجحيم"...

"ليس بهذه السرعة! إنك تقود بسرعةٍ عالية جدًا...". جاءه صوت زوجته بحدة "لماذا تقود بهذه السرعة؟".
همهم وولتر ميتي ونظر إلى زوجته، على المقعد بجانبه بدهشةٍ عارمة. كانت تبدو غير مألوفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكأنها امرأة غريبة صرخت فيه بين الناس. قالت: "وَصَلت سرعتك 55 ميلا. أنت تعرف أنني لا أحب أن أسرع لأكثر من 40 ميلا. وأنت وصلتَ إلى 55 ميلا". قاد وولتر ميتي سيارته باتجاه ووتربري في صمت، وطنين الطائرة (إس إن 202) وسط العاصفة الأسوأ في العشرين عامًا الماضية من تاريخ الطيران البحري يخفت في خطوط رأسه البعيدة العميقة. قالت السيدة ميتي: "ها قد عاد إليك توترك. إنه يوم من أيامك العصيبة. آملُ أن تدع الدكتور رينشو يكشف عليك".

أوقف وولتر ميتي السيارة أمام المبنى حيث تذهب زوجته لتصفيف شعرها. قالت له: "لا تنسَ أن تشتري حذاءً مطاطيًا بينما أصفف شعري". قال: "لست بحاجةٍ إلى حذاءٍ مطاطي". ردّت مرآتها اليدوية إلى حقيبتها، وقالت وهي تخرج من السيارة: "انتهينا من هذا الموضوع. لم تعد شابًا". ضَغَط على دواسة البنزين قليلا، فسألت: "ولماذا لست مرتديا قفازيك؟ هل أضعتهما؟". أدخل وولتر ميتي يده في جيبه وأخرج القفازين. لبسهما، ولكن بعد أن استدارت ودخلت المبنى ووصل بسيارته إلى إشارةٍ حمراء، خلعهما من جديد. صرخ شرطيٌ عند تغيّر لون الإشارة: "حرّك يا أخي"، فلبس وولتر ميتي قفازيه وحرّك سيارته. طاف بالسيارة في الشوارع دون هدفٍ لبعض الوقت، ثم طاف أمام المستشفى في طريقه إلى موقف السيارات.

"إنه المصرفي المليونير ويلنغتون ماكميلان"، قالتها الممرضة الحسناء. رد وولتر ميتي وهو ينزع قفازيه ببطء: "صحيح؟ من المسؤول عن الحالة؟" "الدكتور رينشو والدكتور بينبو، ولكن لدينا أخصائييَن هنا، الدكتور ريمينغتون من نيويورك والدكتور بريتشارد ميتفورد من لندن، وقد قدم بالطائرة". فُتح بابٌ في ممرٍ بارد طويل وخرج منه الدكتور رينشو. بدا ذاهلا ومنهكًا. قال: "مرحبا، ميتي. إننا نضرب أخماسًا في أسداس هنا مع حالة ماكميلان، المصرفي المليونير..الصديق الشخصي المقرّب لروزفلت. هناك تفنكشٌ في الجهاز القنوي. من الدرجة الثالثة. ليتك تلقي نظرةً عليه". فقال ميتي: "بكل سرور".

وفي غرفة العمليات وقف الأطباء لحظة للتعارف بصوتٍ هامس: "دكتور ريمنغتون، دكتور ميتي، دكتور بريتشارد ميتفورد، دكتور ميتي". قال بريتشارد ميتفورد وهو يصافح ميتي: "لقد قرأتُ كتابك حول مرض العقديات الشعرية. جهدٌ رائعٌ حقا". رد ميتي: "أشكرك". دمدم ريمنغتون: "لم أكن أعرف أنك موجود في أميركا يا ميتي. أفيُجلب الفحم إلى نيوكاسل مدينة الفحم؟ يأتون بي وبميتفورد إلى هنا من أجل حالة من الدرجة الثالثة!". فردّ ميتي: "هذا لطف منك". عندها بدأ جهازٌ ضخم معقد موصول بطاولة العمليات بعدة أسلاك وأنابيب بإصدار صوت طق بوقيطق بوقيطق بوقيطق. صاح أحد أطباء المستشفى: "جهاز التخدير الجديد يتوقف عن العمل. لا يوجد في شرق أميركا كله من يعرف كيف يصلحه". قال ميتي بصوتٍ هادئٍ خفيض: "اهدأ يا رجل". تقدّم نحو الجهاز، الذي أصبح يصدر صوت بوقيطق بوقيطق ويييق بوقيطق وييق. وبدأ يضغط بسلاسة على صفٍ من الأقراص اللامعة. ثم قال بسرعة: "أعطوني قلم حبر". أعطاه أحدهم قلم حبر. سحب مكبسًا خربًا من الجهاز وأدخل القلم مكانه، ثم قال: "سوف يسكّن الجهاز لعشر دقائق. أكملوا العملية". هرعت ممرضة وهمست لرينشو، ورأى ميتي وجه الرجل يشحب. قال رينشو بعصبية: "تبا، ظهرت بقتية. هلا توليت الأمر يا ميتي؟" نظر ميتي إليه وإلى بينبو الجبان المأخوذ، وإلى جهي الاختصاصيين العظيمين المضرّجين بترددٍ قاتم. قال: "كما تشاء". ألبسوه رداءً أبيض، ووضع قناعا على وجهه ولبس قفازين ضيقين، وناولته ممرضات بعض الأدوات ال...

"توقف يا صاح. انتبه للسيارة البويك". ضغط وولتر ميتي بقوة على الكابح. قال منظّم موقف السيارات وهو يتفحص ميتي: "أنت في المسار الخاطئ، يا صاح". غمغم ميتي: "يا إلهي..صحيح". وبدأ يخرج سيارته بحذر من المسار الذي كتب عليه "للخروج فقط". قال المنظّم: "اتركها هنا. سأبعدها وأوقفها". خرج ميتي من السيارة. "هييه، من الأفضل أن تترك المفتاح". تمتم ميتي وهو يعطيه مفتاح السيارة: "أوه. تفضل". دلف المنظّم إلى السيارة، أخرجها من المسار بمهارةٍ متعجرفة وأوقفها في المكان الصحيح.

قال ميتي لنفسه وهو يمشي على طول الشارع العام إنهم شديدو الغرور، ويظنون أنهم يعرفون كل شيء. حاول ذات مرة أن يفكّ سلاسل سيارته، خارج نيو ميلفورد، ولكنه لفها حول محور العجلات. اضطر رجل أن ينزل من سيارةٍ محطمةٍ ليفكها، شاب مكشر يعمل في الكراج. ومنذ ذلك الحين دائمًا ما تجعله السيدة ميتي يذهب إلى كراج ليفكوا السلاسل. في المرة القادمة، فكر بينه وبين نفسه، سأضع ذراعي في معلاق طبي. لن يكشروا في وجهي عندئذ. سأضع ذراعي اليمنى في معلاق وسوف يرون أنني لم أستطع نزع السلاسل بنفسي. ركل الثلج المتراكم على جانب الطريق وقال لنفسه: "حذاء مطاطي"، وبدأ يبحث عن محل أحذية.

وعندما خرج إلى الشارع مرة أخرى، والحذاء المطاطي في علبةٍ تحت ذراعه، بدأ وولتر ميتي يفكر في الشيء الآخر الذي طلبت منه زوجته أن يحضره. لقد قالت له مرتين قبل أن يتحركا من بيتهما إلى ووتربري. كان يكره هذه الرحلات الأسبوعية إلى المدينة، حيث دائمًا ما يخطئ. حاول أن يتذكر، كلينكس؟ مفرقعات؟ أمواس حلاقة؟ كلا. معجون أسنان؟ فرشاة أسنان؟ ثاني كربونات؟ مواد كاشطة؟ جماعات ناشطة؟ استسلم. ولكنها سوف تتذكر. ستسأله: "أين الماذا يُسمّى؟ لا تقل لي إنك نسيت الماذا يُسمّى؟" ومرّ بجانبه صبيّ جرائد يصيح بكلام حول محاكمة ووتربري.

"قد ينعشُ هذا ذاكرتك". جاء صوت وكيل نيابة المنطقة وهو يدفع بمسدسٍ ثقيل نحو ذاك الجسد الهادئ على منصة الشهود. "هل سبق ورأيت هذا من قبل؟". أخذ وولتر ميتي المسدس وتفحصه بأيدي خبير، ثم قال بهدوء: "هذا مسدسي من نوع ويبلي فايكرز 50 على 80". انتشرت غمغمة فرحة في قاعة المحكمة. وطرق القاضي بمطرقته آمرًا بالتزام الهدوء. قال الوكيل بنبرةٍ تثير الشك: "يبدو لي أن لديك خبرة في أي نوعٍ من الأسلحة، صحيح؟". صاح محامي ميتي: "أعترض على هذا السؤال. لقد أوضحنا أن المدعى عليه لم يكن بإمكانه أن يطلق تلك الطلقة. لقد أوضحنا أنه كان يرتدي معلاقا في ذراعه اليمنى في ليلة الرابع عشر من يوليو". رفع وولتر ميتي يده قليلا فسكت المحامون المتشاجرون. قال بهدوء: "بأي نوعٍ من المسدسات، كنت أستطيع قتل جريجوري فيتزهرست على بعد ثلاثمائة قدم بيدي اليسرى". علا هرج ومرج في القاعة. وعلت صرخة امرأة فوق الهرج والمرج، وفجأة كانت امرأة جميلة داكنة الشعر بين ذراعي وولتر ميتي. هجم وكيل النيابة عليها بوحشية، ومن دون أن ينهض وولتر ميتي من مقعده سدد لكمة إلى ذقن الوكيل صائحًا: "أيها الخسيس ال..."

قال ميتي: "بسكويت الجراء". توقف عن المشي وارتفعت مباني ووتربري من قاعة المحكمة الضبابية وأحاطت به من جديد. ضحكت امرأة مرّت بجانبه. قالت لصاحبتها: "قال بسكويت الجراء. ذلك الرجل قال لنفسه بسكويت الجراء". هرع وولتر ميتي في طريقه. دخل إلى سوبرماركت، ليس الأول في طريقه بل آخر أصغر منه في آخر الشارع. قال للبائع: "أريد بعض البسكويت للكلاب الصغيرة". ردّ البائع: "لديك ماركة محددة، سيدي؟". فكر أعظم رماة العالم بالمسدسات للحظة ثم قال: "مكتوب على العلبة تنبحُ الجراءُ له".

جال بخاطر ميتي وهو ينظر في ساعته أن زوجته ستنتهي من تصفيف شعرها خلال خمس عشرة دقيقة ، إلا إذا كانت هناك مشكلة في تجفيفه. لقد واجهوا مشكلات في تجفيفه من قبل. ولم تكن تحب أن تذهب إلى الفندق قبله، بل تريد أن يكون هناك قبلها ينتظرها كالعادة. وجد كرسيًا جلديًا كبيرًا في بهو الفندق في مواجهة نافذة، ووضع الحذاء المطاطي وبسكويت الجراء على الأرض أمام الكرسي. التقط نسخة قديمة من مجلة (ليبرتي) وغرق في الكرسي. نظر وولتر ميتي إلى صور الطائرات الحربية والشوارع المحطمة وقرأ "هل تستطيع ألمانيا غزو العالم من الجو؟"

قال الرقيب: "رشق المدافع قد أفزع الشاب راليه، سيدي". نظر النقيب ميتي إليه من وراء شعر أشعث، ثم قال بوهن: "خذه إلى سرير، مع الآخرين. سأطير لوحدي". قال الرقيب بقلق: "ولكن لا يمكن ذلك، سيدي. يتطلب الأمر رجلين للتعامل مع القاذفة، والقذائف تتطاير بقوة في الهواء. يقع سيرك فون ريتشمان بين هذا الموقع وسوليير". قال ميتي: "لا بد أن يقوم أحد بتدمير مخزون الذخيرة ذاك. أنا ذاهب. قليلا من البراندي؟" وصبّ شرابًا للرقيب ولنفسه. دوّت الحرب وعوت حول المخبأ وضربت بالباب. كان هناك تكسّر خشب وشظيات تطير في الغرفة. قال ميتي بلا اكتراث: "كادت". قال الرقيب: "إن سدّ النيران يتهاوى". قال ميتي بابتسامته الباهتة الزائلة: "نحن نعيش مرة واحدة أيها الرقيب. هل نعيش غيرها؟" وصبّ كأس براندي وعبّه. علّق الرقيب: "لم أر أحدًا يلزم شرابه مثلك يا سيدي. معذرة، سيدي". انتصب النقيب ميتي واقفًا، وربط مسدسه الويبلي فايكرز. قال الرقيب: "أربعون كيلومترا حتى نهاية الجحيم، سيدي". أفرغ ميتي كأس براندي أخير في جوفه ثم قال برقة: "على أية حال، كل شيء جحيم". ارتفع قرع المدفع. وكانت هناك ترترة المسدسات الآلية، ومن مكان ما جاء صوت البوقيطق بوقيطق بوقيطق من قاذفات اللهب المتوعدة. خرج وولتر ميتي من باب المخبأ وهو يدندن بأغنيةٍ فرنسية. استدار ولوّح للرقيب، "وداعًا...

شيء ما أصاب كتفه. "لقد بحثت عنك في كل مكان في الفندق. لماذا تختبئ في هذا الكرسي؟ كيف كنت تتوقع أن أجدك؟" هكذا جاءه صوت السيدة ميتي. أجاب وولتر ميتي بغموض: "الأشياء تتهاوى". قالت السيدة ميتي: "ماذا؟ هل أحضرت الماذا يُسمى؟ بسكويت الجراء؟ ماذا في هذا الصندوق؟" قال ميتي: "حذاء مطاطي". "ألم تستطع ارتداءه في المحل؟" قال ميتي: "كنتُ أفكر. ألا يمر ببالك أبدًا أنني أفكر أحيانًا". نظرت إليه وقالت: "سأقيس حرارتك عندما نصل إلى البيت".

خرجا من الأبواب الدوّارة ذات الصفير الباهت المضحك. كان عليهما اجتياز صفين من المباني ليصلا إلى موقف السيارات. وعند الصيدلية على الزاوية قالت: "انتظرني هنا. لقد نسيت شيئًا. لن أتأخر أكثر من دقيقة". تأخرت أكثر من دقيقة. أشعل وولتر ميتي سيجارة. بدأت السماء تمطر، تمطر مطرًا نصف متجمد. استند إلى جدار الصيدلية يدخن..وضع كتفيه على الجدار وألصق كعبيه. قال وولتر ميتي بازدراء: "فلتذهب عصابة العينين إلى الجحيم". مجّ نفسًا أخيرًا من سيجارته وألقى بها بعيدًا. بعدها، بالابتسامة الباهتة الزائلة التي تلعب على شفتيه، واجه فرقة الإعدام. منتصبًا بلا حراك، فخورًا بنفسه وبنظرة ازدراء، وولتر ميتي اللامهزوم، الغامض حتى النهاية.

الأربعاء، 1 يونيو 2005

هكذا قال الجاحظ


عندما ننظر إلى الوراء في تاريخنا العربي الترجمي، نرى عصرًا زاهرًا بالترجمة احتضنه بيت الحكمة، ونرى مترجمين بارزين ما زلنا نفخر بهم وبإنتاجهم الذي علّمنا ما لم نكن نعلم، وأعاننا على دراسة وتعليم من لا يعلم. ولا نبالغ إن قلنا بأن ذلك العصر كان ثورة ترجمية حقيقية ندر وجودها في التاريخ. وربما كان (بيت الحكمة) أول مؤسسة ترجمية منظمة تتبنى هذا المنهج الثقافي وتجعله بؤرة إنتاجها وخلاصة سيرورتها. بيد أن الملفت للنظر هو غياب التنظير والتوصيف لذلك النشاط الكثيف والقافلة الترجمية الطويلة، فيما شهدت حضارات أخرى تنظيرًا ترجميا لم تكن وراءه مؤسسة مثل بيت الحكمة. نقرأ في التاريخ عن كتابات قديمة في الترجمة لشيشرون والقديس جيروم ومارتن لوثر، ثم درايدن ونيتشه وجوته، وبعدهم كثير مثل نابوكوف وعزرا باوند. وعندما نلتفت إلى الكتابات العربية القديمة لا نكاد نجد من كتب عن الترجمة من الأدباء والشعراء واللغويين وحتى المترجمين أنفسهم. ودائما لا نجد اقتباسا ترجميا من القدماء العرب إلا ما قاله الجاحظ في كتاب الحيوان، حتى ليبدو أنه العربي الوحيد الذي تكلم في الترجمة قديمًا!

ولأن مقولات الجاحظ في الترجمة كثيرًا ما تتردد في الأوساط الترجمية العربية، كان لا بد من وقفة مع هذه المقولات لتحليلها والتعقيب عليها، خصوصًا بعد الفيضان النظري في دراسات الترجمية الغربية والعربية حديثًا. وفيما يلي سوف أسرد ما ذكره الجاحظ على شكل مقولات، ثم أعقب عليها بإيجاز.

المقولة الأولى: "ثم قال بعض من ينصر الشعر ويحوطه ويحتج له: إن الترجمان لا يؤدي أبدا ما قاله الحكيم، على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق اختصاراته، وخفيات حدوده، ولا يقدر أن يوفيها حقوقها، ويؤدي الأمانة فيها، ويقوم بما يلزم الوكيل ويجب على الجري، وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها والإخبار عنها على حقها وصدقها. إلا أن يكون في العلم بمعانيها، واستعمال تصاريف ألفاظها، وتأويلات مخارجها، مثل مؤلف الكتاب وواضعه، فمتى كان رحمه الله تعالى ابن البطريق، وابن ناعمة، وابن قرة، وابن فهريز، وثيفيل، وابن وهيلي، وابن المقفع، مثل أرسطاطاليس؟! ومتى كان خالد مثل أفلاطون؟".

في مستهل الفقرات الشهيرة عن الترجمة، يسرد الجاحظ أولا قائمة بشروطه الصارمة في المترجمين، وتبيّن المقولة أعلاه أول هذه الشروط. يقول الجاحظ إن المترجم لا يستطيع نقل المعنى الدقيق للنص الأصلي نقلا أمينا إلا إن كانت معرفته مساوية لمعرفة مؤلف النص الأصلي. ويبدو هنا أن الجاحظ يريد توضيح أمرين هامين: أولهما إن معرفة المترجم لا بد أن تكون مثل معرفة المؤلف ومساوية لها، وثانيهما أنه في حالة تعذر ذلك، لا يستطيع المترجم الوفاء للنص الأصلي. ونلاحظ في نهاية المقولة سخرية واضحة قد نستشف منها عدم اقتناع الجاحظ بإمكانية الوفاء في ترجمة النص الأصلي نظرًا لعدم توافق المترجم والمؤلف.

وعلى الرغم من هذا الشرط الصارم، إلا أن الجاحظ لا يريد بالتأكيد منع الترجمة. ربما ما يروّج له الجاحظ في مقولته هو التخصص في الترجمة، حيث يترجم المختص في مجالٍ معين النصوص الواقعة في مجاله، فالطبيب يترجم الطب، والمهندس يترجم الهندسة، وهكذا. نخلص من ذلك إلى أن الجاحظ لا يكتفي بالمعرفة التي يتحصلها المترجم في مجالٍ معين عن طريق القراءة والاستشارة والإلمام، دون أن يكون هو ضمن ذلك المجال. وربما كانت هذه الفكرة شائعة في عصر الجاحظ، حينما كانت هناك مجموعات من الأطباء والعلماء المترجمين.

أما الأمر الآخر الذي يثيره الجاحظ في المقولة أعلاه فهو ضرورة إلمام المترجم بفكر وأيديولوجية مؤلف النص الأصلي، حتى يؤدي "حقائق مذاهبه"، فلا يزجّ بشيءٍ في الترجمة ينافي فكر المؤلف الأصلي ويدحض مسلماته. يؤمن الجاحظ أن المترجم يجب أن يكون عارفا بمعتقدات وفلسفة من يترجم له. وجديرٌ بالذكر أن أساتذة الترجمة الآن ينصحون طلاب الترجمة بقراءة كتابات مؤلفٍ ما، وما كُتب عنه قبل ترجمته، حتى تتكون لديهم فكرة كافية عن أسلوب المؤلف وفكره وفلسفته.

وأخيرًا نلاحظ من كلام الجاحظ استخدامه لمفهوم "الوفاء والخيانة" في الترجمة، وذلك قبل أن تشيع العبارة الإيطالية الشهيرة "الترجمان خوّان". ليس من الواضح تمامًا كيف بدأ ربط هذا المفهوم بالترجمة، وما إذا كان اليونانيون قد بدأوها ثم استخدمها الجاحظ عنهم، ولكن لا أعلم شخصيا ما يشير إلى ذلك. ربما كان العقل البشري في كل الحضارات "مؤهلا" لاستخدام استعارة "الوفاء" مع الترجمة.

المقولة الثانية: "ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية، ومتى وجدناه أيضا قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما؛ لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها، وتعترض عليها، وكيف يكون تمكن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكنه إذا انفرد بالواحدة، وإنما له قوة واحدة، فإن تكلم بلغة واحدة استفرغت تلك القوة عليهما، وكذلك إن تكلم بأكثر من لغتين، على حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات".

تُعتبر الجملة الأولى من هذه المقولة الأشهر إطلاقًا في الترجمة عند العرب، وهي تعتبر إعادة للشرط الأول. وهنا يقول الجاحظ إن الأسلوب الذي يتبعه المترجم في استخدام اللغة لتبيان المعنى يجب أن يعكس معرفته بموضوع النص، فعلى قدر "علمه" يكون "بيانه". هل لنا أن نستنتج من ذلك أن الجاحظ يشجع المترجمين على أن يكونوا مؤلفين، لا مترجمين فقط؟ من الواضح أنه لا يريد للمترجمين أن يظهروا في ترجماتهم أقل قدرًا من المؤلفين، بل يجب أن تظهر الترجمة وكأنها من كلام المترجم.

بعد ذلك يتحدث الجاحظ عن مسألة الإتقان في اللغة، وكيف تتداخل اللغتان في لسان متحدثهما. يشترط الجاحظ أن يكون المترجم متقنا للغتين اللتين يتعامل معهما. ويشير في هذه المقولة إلى ظاهرة لغوية كثيرًا ما نلاحظها نحن المترجمون، ألا وهي تأثير اللغتين على بعضهما البعض، حينما يحدث ما يشبه الترجمة الذهنية الفورية، فيستخدم المتكلم عبارةً أجنبية بلغته الأم، أو يستخدم أسلوبًا في لغته الأم بحروفٍ أجنبية. لذلك، لا يحبذ الجاحظ أن تكون للمترجم أكثر من لغتين، فكلما زادت اللغات، كلما نقص إتقانه لها.

وختامًا نستطيع أن نخلص إلى أن الجاحظ يشجع إنتاج الترجمات التي تبدو نصوصًا أصلية لا تشوبها تدخلات اللغات الأخرى ، على خلاف بعض المنظرين الذين يصرون على "أجنبية النص" ووجوب احتواءه على عناصر اللغة الأجنبية. وإذا استعرنا مصطلح (لورنس فينوتي)، فإن الجاحظ يؤيد "خفاء المترجم" النصي، أي عدم وجود ما يشير إلى أن العمل مترجم.

المقولة الثالثة: "هذا قولنا في كتب الهندسة، والتنجيم، والحساب، واللحون، فكيف لو كانت هذه الكتب كتب دين وإخبار عن الله -عزل وجل- بما يجوز عليه مما لا يجوز عليه، حتى يريد أن يتكلم على تصحيح المعاني في الطبائع، ويكون ذلك معقودا بالتوحيد، ويتكلم في وجوه الإخبار واحتمالاته للوجوه، ويكون ذلك متضمنا بما يجوز على الله تعالى، مما لا يجوز، وبما لا يجوز على الناس مما لا يجوز... ومتى لم يعرف ذلك المترجم أخطأ في تأويل كلام الدين. والخطأ في الدين أضر من الخطأ في الرياضة والصناعة، والفلسفة والكيمياء، وفي بعض المعيشية التي يعيش بها بنو آدم".

المقطع السابق عبارة عن مقتطفات من فقرة طويلة يتحدث فيها الجاحظ عن صعوبة ترجمة النصوص الدينية، وهو يريد في الحقيقة إثبات استحالة مثل هذه الترجمة. يبدو أن الجاحظ كان ضد ترجمة القرآن، حيث كانت هذه المسألة قائمة في عصره. وموقف الجاحظ هذا من ترجمة النصوص الدينية لا يعتبر غريبًا البتة، فقد كانت ولا زالت مسألة ترجمة النصوص الدينية في كل الحضارات شائكة جدًا، وما حصل للقديس جيروم مترجم الكتاب المقدس يشهد بذلك. أما ترجمة القرآن، فما زالت إلى اليوم غير مشروعة، وما يحلّ ترجمته هو معاني القرآن لا القرآن نفسه. وبعيدًا عن موقف الجاحظ، لا بد من الاعتراف بموضوعية النقاط التي احتج بها في صعوبة الترجمة الدينية، والمتمثلة في إمكانية الخطأ في توضيح المعتقدات، والخلط بين الأحكام التشريعية، والوصف الغير جائز للذات الإلهية، هذا إلى جانب صعوبة وحساسية ترجمة الحجج والمناظرات الدينية العقائدية. ويعزز الجاحظ حجته بأن تبعات الخطأ في ترجمة النص الديني أكبر مصيبة من الخطأ في النصوص الأخرى، وهذا معروف في دراسات الترجمة الحديثة، الأمر الذي يدفع أبناء دينٍ معين لتحريم ترجمة كتبهم المقدسة إلا إذا كان المترجم منهم.

المقولة الرابعة: "وما علم المترجم بالدليل عن شبه الدليل؟ وما علمه بالأخبار النجومية؟ وما علمه بالحدود الخفية؟ وما علمه بإصلاح سقطات الكلام، وأسقاط الناسخين للكتب؟ وما علمه ببعض الخطرفة لبعض المقدمات؟ لا بد أن تكون اضطرارية، ولا بد أن تكون مرتبة، وكالخيط الممدود... "ولو كان الحاذق بلسان اليونانيين يرمي إلى الحاذق بلسان العربية، ثم كان العربي مقصرا عن مقدار بلاغة اليوناني، لم يجد المعنى والناقل التقصير، ولم يجد اليوناني الذي لم يرض بمقدار بلاغته في لسان العربية بدا من الاغتفار والتجاوز، ثم يصير إلى ما يعرض من الآفات لأصناف الناسخين؛ وذلك أن نسخته لا يعدمها الخطأ، ثم ينسخ له من تلك النسخة من يزيده من الخطأ الذي يجده في النسخة، ثم لا ينقص منه، ثم يعارض بذلك من يترك ذلك المقدار من الخطأ على حاله، إذا كان ليس من طاقته إصلاح السقط الذي لا يجده في نسخته ".

في هذه الفقرة يكلف الجاحظ المترجمين بدورٍ أكبر من مجرد الترجمة، حيث يريد منهم أن يكونوا محللين للنصوص التي يترجمونها، فيقرأونها قراءة نقدية ويثبتون الأخطاء الواقعة فيها. إن ما يريده الجاحظ من المترجمين هو أن يقوموا بتحقيق النصوص وتنقيحها من الشوائب النحوية والإملائية وغيرها. ومن الواضح أن الجاحظ ينظر إلى الترجمة على أنها مهمة وتكليف لا يؤديها مجرد "النقل"، بل تمتد إلى عملية إنتاج نص كاملة.

وفي الجزء الثاني من المقولة نلاحظ اللوم الذي يضعه الجاحظ على كلٍ من الناسخ المهمل والمترجم الجاهل، حيث يتهكم من الأخطاء التي يسببها الناسخون الذين لا يؤدون عملهم بإتقان، ثم يسحب نفس المنطق على المترجمين الجهلة، الذين يضيفون على أخطاء النسخ أخطاءً ترجمية. في الحقيقة، إن المتأمل في هذه المقارنة ليجد حكمًا كثيرة توضح المعنى الحقيقي للترجمة والمترجم. بكل بساطة نستطيع تشبيه المترجم الجاهل بالناسخ الذي ينقل حروفًا لا يفقه معانيها، وبعبارة "أقبح" نشبهه بالحمار الذي يحمل أسفارًا. ما يريده الجاحظ هو أن الترجمة ليست "نقلا" أو "نسخا" بل عملية ذهنية لغوية تشارك في إنتاجٍ ثقافي لا يقل عن التأليف.


المرجع:
الجاحظ، كتاب الحيوان، موقع الوراق الإلكتروني، ص24-25.

الأربعاء، 2 مارس 2005

حوار مع صديقي المانشستري


تهللت أسارير النادل الإيراني فور رؤيتي وصاح: "شاي منعنع؟". ابتسمتُ وفرشتُ الأوراق على الطاولة نفسها في كل مرة ورحتُ أعمل. لم أنتبه للمرتاد الإنجليزي الذي دخل بعدي واتخذ مقعدا بالقرب مني. كنتُ غارقاً في عملي وترجمتي ولم أتطلع إلى وجوه الشرقيين وغيرهم في المقهى كما تعودتُ كلما أخذني الحنين إلى الشرق. "اسكيوز مي، مَيت". خمّنتُ من لهجته أنه من أبناء مانشستر، واستغربتُ في الوقت ذاته أن يبدأ الحديث معي، فليست من عادة أحفاد تشرشل البدء بالحديث مع الأجانب بالذات، ولكن أعتقد أن الحروف "الهيروغليفية" التي أمامي شدّت انتباهه.

- ما تلك اللغة على تلك الأوراق؟
- اللغة العربية.
- أتدرس الدراسات الإسلامية هنا في مانشستر؟
- لا، بل أدرس الترجمة بين العربية والإنجليزية.

لاحظتُ تغيّر قسمات وجهه، وتقارب رمشيه من خلف نظاراته السميكة فيما يدلّ على ابتسامة خافية. إلى هنا انتهى الحديث وعدتُ إلى أوراقي.
بعد دقائق، عاد يحدّثني من جديد.

- عفوا، هل لي بسؤال؟
- طبعا.
- لماذا في رأيك يجمع العالم، بل وحتى أنتم المترجمون على أن المترجم خائن أو الترجمة خائنة؟

استفزّني هذا السؤال..واستنتجتُ أنه لا يسأل من واقع جهل، بل لغاية في نفس يعقوب. عدّلتُ من جلستي، ولكن قلتُ بنبرة تخفي شعوري:

- ما رأيك أنت؟
- رأيي أنا- ولا إهانة أقصد- أنه مهما حاول المترجم واجتهد، فإنه لا بدّ أن يخون النص الأصلي. عندما تقارن النص الأصلي والترجمة، لا تجد القوة نفسها والعمق نفسه. من الطبيعي أن تحس بوجود شيء ناقص كنتَ قد أحسستَ به في النص الأصلي، ومهما امتلك المترجم من زمام لغته ولغة النص الأصلي، للأسف لا يستطيع إنتاج نفس الروح. وأنت تعرف بالتأكيد أن هناك أشياء في اللغة لا تنتقل مع الترجمة. وبما أن عملية الترجمة بين اللغتين احتوت على فقدانٍ ما ينتقص من كمالها، فهناك خيانة.

أحسستُ بأن هذا المانشستري يعي ما يقوله جيدًا، ويجيد الجدل، فأدركتُ أنني في موقف صعب.

- دعنا نناقش الموضوع يا سيدي. أولا، ما طبيعة العلاقة بين المترجم والنص حتى تكون هناك خيانة؟ هل تتصور أن الترجمة هي علاقة زوجية يكون فيها المترجم طرف يخون الطرف الآخر؟ ولا تنس أن كلمة خيانة يترتب عليها التسليم بوجود عهدٍ قطعه المترجم ثم تنكّر له.
- أنت تؤكد المقولة ولا تفنّدها، فوجود العهد أمرٌ بديهي. كل شيء قائم على عهدٍ بتحقيق الغاية من وجوده، والوفاء بهذا العهد هو ما يضمن وجوده، فإن انتقض العهد زالت الكينونة. هذا القلم الذي بين يديك متعهد لك بمساعدتك على الكتابة، وما أن يكف عن خدمتك ويبلى، يُصبح وجوده بلا قيمة. وفي كل عملٍ يوجد عهد بديهيّ على الإتقان. المترجم بالفعل يقطع على نفسه عهدا ضمنيا بنقل النص الأصلي نقلاً كاملا "أمثل" دون حذفٍ أو إضافة. وأنت تدرس الترجمة وتتبحر فيها كي تتقن الوفاء بهذا العهد.
- لا أختلف معك في مسألة العهد والكينونة، ولكن لنتفق على الغاية من الترجمة. مقولتك تصوّر أن الترجمة "المثلى" هي نقل ما في النص الأصلي نقلا مطابقا دون زيادة أو نقصان، وإلا انتقض العهد ونتجت خيانة. من قال لك ذلك؟ من أين أتيت بهذه المسلّمة؟ استعارتك هذه تجعل من النص المترجَم وعاء نصبّ فيه النص الأصلي عبر قناة هي المترجم الذي يحوّل الكلام من لغة إلى أخرى فقط. عندما تتكلم عن النقل فأنت تصوّر النص الأصلي على أنه أداة محسوسة كصندوق أنقله من مكانٍ إلى آخر، ويجب ألا أضيف عليه أو أنقص منه شيئا.
- أوليس هذا ما تقولونه أنتم أنفسكم أيها المترجمون واللغويون؟

قال ذلك والتقط كتابًا من كتب دراستي. فتح صفحاته الأولى وقرأ بنبرة استهزاء لا يخفيها:" الترجمة هي عملية نقل المحتويات اللغوية وغير اللغوية من نص بلغةٍ ما إلى نص آخر بلغة أخرى. أنتم الذين تتحدثون عن (نقل) اللغة. بل أكثر من ذلك أن كلمة ترجمة في لغاتٍ عديدة مشتقة من النقل.
- دعك من تعريف الكتاب غير المقدس هذا، ولنتحدث في اللغة التي تزعم أن الترجمة تنقلها. اللغة في كل مكانٍ عبارة عن نظام من رموز صوتية أو كتابية في سياق اجتماعي له دلالات خاصة، يخلقه الإنسان كي يتفاهم مع من يعيشون حوله، وهو متأثر بظروف تاريخية واجتماعية حكمت بوجوده وعناصره وتطوّره. لماذا لا تستطيع أنت نطق حرف "الطاء"؟ ولماذا لا يستطيع العربي نطق حرف "ﭫ"؟ هناك ظروف وتداعيات اجتماعية وغيرها كوّنت هذه اللغات. وعندما تأتي الترجمة، فإنها وسيلتي كي أفهمك. ولكن هل أفهمك بلغتك؟ إنما أفهمك بلغتي. وإذا اتفقنا على أن اللغة هي الطريقة التي أجمعتُ أنا ومن يتحدثون لغتي على التعبير بها عما أريد، فلا يوجد ما يلزمني بالطريقة التي أجمعتَ عليها أنت ومن يتحدثون لغتك على التعبير بها عما تريد. فإن اختلفت طريقتي عن طريقتك، لا يعني ذلك بأنني خائن.
- قد تستطيع المراوغة بهذه الحجة في الترجمات العلمية، حيث المعنى والمعلومة هما الأهم. ولكن ماذا عن الترجمة الأدبية؟ النص الأدبي له تكوينه الخاص الذي يميزه عن غيره بفضل الطريقة التي يستخدمها الكاتب. طريقته هي التي تجعل منه أديبا مميزا. هل ستنتج النص بطريقتك لا طريقة الكاتب؟ لا يمكنك أن تكتب "تاجر البندقية" بطريقتك ثم تنسبها زورًا وبهتانا إلى شكسبير. تريد أن تخلق شكسبيرا عربيا ثم تقول أنه شكسبيرنا؟ من البديهي أن على المترجم أن يلتزم بأسلوب شكسبير وتعابيره حتى يترجمه بشكل صحيح، وحتى يترجم شكسبير –لا تولستوي أو أجاثا كريستي. ألا ترى أنك تتعرف أحيانا على كاتبٍ ما من أسلوبه دون أن تقرأ اسمه على الغلاف؟ أين هذا الأسلوب في الترجمة؟ أتريد أن تقنعني بأنه يمكن أن أقرأ ترجمة لعمل كاتبٍ ما وأتعرف عليه من "أسلوبه"؟

بدا لي أن هذا المانشستري مجادل لدود ويهوى التنظير، ولا ينفع معه إلا الهجوم بطريقته.

- إن العمل الأدبي يا صديقي عبارة عن فعلٍ تواصلي فيه مرسل وهو الكاتب، ورسالة وهي النص ومستقبل وهو القارئ. وصيغة الرسالة تحكمها العلاقة بين المرسل والمستقبل لغويا واجتماعيا وثقافيا. وأنا عندما أترجم فإنني آخذ الرسالة من المرسل الأصلي وأعيد كتابتها لأوصلها إلى مستقبلين جدد لم يتوجه إليهم المرسل أصلا، فالعلاقة بينه وبينهم معدومة. والرسالة نفسها تحتوي على تعقيد يمزج بين البلاغة والتصوير والإيقاع الموسيقي، والسحر الأدبي...
- آهاه..ها أنت تقولها بنفسك "السحر الأدبي". إنه سحرٌ خاص يخلقه الكاتب بأسلوبه وفكره وخياله، فكيف للترجمة أن تقدم لي هذا السحر نفسه بأسلوب وفكر وخيال ليسوا للكاتب وإنما للمترجم ؟ يجب أن نعترف بعجز الترجمة هنا. فالمترجم مهما كان بارعا لا يستطيع أن يتقمص الكاتب ويستخدم فكره وخياله وأسلوبه. لا تقل لي أنك تستطيع نقل سحر شكسبير إلى لغتك. أتستطيع أن تبثّ فيّ عبر ترجمتك نفس السحر الذي تملّكني وأنا أقرأ "هاملت" بالإنجليزية؟ هل تستطيع؟

ختم جملته بابتسامة انتصار، ورشف من كوب قهوته رشفة طويلة وتنهّد بارتياح.

- جميلٌ أنك تحدثت عن السحر. يا صديقي، هذه الكلمة التي فرحتَ بها هي نفسها التي تثبت وجهة نظري.

قد قلتها كي أخفف على نفسي هول الهجوم الكاسح الذي شنّه علي ، ولكن يبدو أنها كانت رمية من غير رامٍ، فقد أربكته وسمحت لي بفرصة للتفكير. عدّل من جلسته، ونظر إليّ بارتياب، فتابعت:
- السحر والروعة اللذان أحسستَ بهما في قراءة "هاملت" بالإنجليزية لا يكمنان في المعاني أو الأحداث أو الأفكار أو الأسلوب الأدبي فقط، بل هناك شيء ما يغلفها جميعا ويقولبها ولا تستقيم دونه. اللغة نفسها. كيف كان لشكسبير أن يبثّ فيك سحره لولا لغته بتركيبها ونظامها ودلالاتها وأصواتها؟ وكيف تريد هذا السحر نفسه بعدما فرّغته من تلك اللغة؟

أظنني أبليتُ حسنا، ولكنه ضحك تلك الضحكة الإنجليزية "الباردة" وقال:
- هذا بالضبط ما أريد قوله، وأعتقد أننا وصلنا لنهاية النقاش بعد اعترافك. اسمعني، الترجمة لا يمكن أن تنقل ذلك السحر بسبب تفريغ النص من لغته على حد قولك، فهناك فقدان حتمي لا مفرّ منه. وهذا الفقدان يساوي عدم اكتمال المهمة، يساوي عدم الإتقان، وهي الخيانة التي أتحدث عنها.

استلّ كوب قهوته كي يفرغه في جوفه علامة النصر، وتأكيدًا على أنه لم يبقَ لديّ ما أقوله. ولكن لن أستسلم.

- الخيانة يا عزيزي تكون في عدم الوفاء بعهدٍ ممكن التحقيق متفق عليه أو مُتوقع الحدوث، فيجب أن يكون هناك عهد وأن يكون قابلا للتحقيق. أما أن أتهم سيارتي بالخيانة لأنها لا تطير فوق المطب، فهذا عبط . وأما أن تنقل لك الترجمة "سحر" اللغة الأخرى فهو أمر لا يتوقعه أحد ولا تزعمه هي لنفسها.

- سأقبل منك هذا الرد. أنت تقول أن نقل "السحر" من لغةٍ إلى أخرى غير ممكن. طيب، لننسَ النص الاصلي ولغته. نظريًا ذلك لا يمنع من إنتاج "سحر" في اللغة المترجَم إليها يوازي ذلك السحر في النص الأصلي. الترجمة الأدبية موجودة منذ مئات السنين، ولكننا لم نشهد غير أمثلة تُعد على أصابع اليد كانت فيها الترجمة بمستوى سحر النص الأصلي. خذ أي نصّين أحدهما مترجم، وسترى أن النص الأصلي يؤثر فيك أكثر. سترى أن سحر النص الأصلي أوقع في نفسك. فهل كل المترجمين أضعف "سحرًا" من المؤلفين؟ حتى المترجمين الأدباء عندما يترجمون ينتجون سحرًا أضعف.

- ومن قال أن للسحر الأدبي معيارا ثابتا واحدا في كل اللغات والثقافات؟ من الجهالة أن تفترض مثلا كون هوميروس أشعر من الخيّام، أو أن نجيب محفوظ أقل إبداعًا في كتابة الرواية من ماركيز. أنت تفترض أن السحر الأدبي هو نفسه في الإنجليزية وفي العربية وفي الفرنسية. ما يشجيك لا يشجيني، وما يسحرك قد لا يستهويني. المسألة مسألة اختلاف لا نقص، وليس الاختلاف كالنقص. أما قراءتك لبعض الترجمات ركيكة اللغة والتعبير، فهذه مسألة أخرى يُنتقد فيها المترجمون لا الترجمة كمفهوم.

صمت قليلاً صديقي المانشستري ولكنه زمّ شفتيه ورفع حاجبيه دلالة على التفكير.

- سؤال أخير..لماذا إذن تجهدون أنفسكم بالترجمة الأدبية وتلصقون الترجمة باسم المؤلف طالما تعلمون أن الترجمة لا تنقل السحر الأصلي؟ وأعتقد أن ترجمة العمل الأدبي في وقت قراءته قد تؤثر في المترجم وتقلل من إبداعه اللغوي. لماذا لا يقرأ المترجم النص الأصلي ثم يكتب بلغته نصًا جديدًا مقتبسا من النص الأصلي، بدلا من أن يترجم على هواه ثم يلصق اسم المؤلف على الترجمة، والمؤلف بريء منها؟
- يا صديقي..عندما يترجم أحدهم شكسبير، لا أنتظر منه أن يكون شكسبير، بل أن يعرّفني به وبما كتب. ولو أردتُ معرفة شكسبير مباشرة لقرأت له بلغته. ترجمة الأدب موجودة لكي نستمتع بها، ونتعلم منها، ونعرف كيف فكّر غيرنا..لا لكي يكون المترجمون نسخة من المؤلفين. ولقد ساعدتني كثيرًا يا صديقي..بالفعل ما يفعله المترجم (أو يجدر به) هو كتابة جديدة للنص الأصلي. ألم أقل لك أنه يعيد كتابة الرسالة إلى مستقبلين جدد؟

هنا...رشفتُ أنا رشفة طويلة من الشاي المنعنع..وحاول أن يرشف من كوب قهوته، فلم يجد شيئا.

مانشستر-2005

الأربعاء، 5 يناير 2005

رواية عمانية بقلم أمريكي




قبل فترةٍ وقعت بين يديّ رواية بعنوان (العاصفة الرملية) للروائي الأمريكي (جيمس رولينز)، والذي لا أحسب أن أيًا من رواياته قد تُرجمت إلى العربية بعد. ولا يعود السبب في ذلك إلى قلة إنتاجه، أولا لأن قلة الإنتاج أو كثرته لا تكفل للكاتب شهرةً أو تمنعها، والدليل الشهرة العالمية التي يتمتع بها حاليا (دان براون) مؤلف "شيفرة دافنشي" رغم أن رواياته لا تتعدى الأربع روايات. ربما يعود السبب إلى عدم انتشار شعبية الخيال العلمي/البوليسي في الوطن العربي بعد، وربما لعدم شهرة الكاتب خارج أمريكا أصلا.

إذن، ما الذي دفعني إلى إضاعة وقتي في قراءة رواية جديدة لم يكتب عنها أحد، من أربعمائة وست وأربعين صفحة، لكاتبٍ لا أعرفه؟ دفعني إليها شيءٌ واحد فقط، وهو أن الرواية عمانية، لا نسبة إلى كاتبها، بل إلى مكان أحداثها وشخصياتها، وكون الشخصية الرئيسية في القصة عمانية. قتلني الفضول. ماذا قد يريد كاتبٌ أمريكي من الأراضي العمانية حتى يجعل أحداث روايته فيها؟ وماذا قد تفعل شخصية عمانية في رواية أمريكية؟ أهي محاولة غربية لتشويه صورة العرب والمسلمين- كما سيحب أصحاب نظرية المؤامرة الغربية تفسيرها- في قالبٍ أدبي؟ وازداد فضولي عندما علمتُ بأن الرواية تنتمي إلى جنس الخيال العلمي، فهل سأشاهد في الرواية أطباقا طائرة "تنحشر" في "سِكك" سوق الظلام؟ أم مخلوقات فضائية قررت الاستيلاء على مخزون الحلوى العمانية؟ وبدأتُ أقرأ.

تدور أحداث الرواية في كلٍ من أمريكا، ولندن، ومسقط، وصلالة، وشصر. وتبدأ في لندن حيث يُسمع دويّ انفجار قوي في متحف لندن دمّر مجموعة الآثار الشرقية القديمة التي كانت تُشرف عليها الدكتورة العمانية (صفية آل ماس)، والتي أنفقت عليها الليدي (كارا) أموالا طائلة. ومع مجرى التحقيقات يتبيّن أن هناك سرّا غامضًا وراء ذلك الانفجار، يمتدّ إلى عُمان، وبالتحديد أوبار. أحيا هذا الحدث الكبير في نفس الليدي (كارا) رغبة شخصية قديمة في اكتشاف سبب اختفاء أبيها في صحراء عمان، فتأخذ معها الدكتورة (صفية) والدليل الرحالة المستكشف (أوماها) إلى عُمان سعيًا وراء اكتشاف السر. ويرافق أولئك أيضًا عميلان من الحكومة الأمريكية. ورغم أن كلا منهم له دوافعه الخاصة وسرّه الذي يبحث عنه، إلا أنهم يتجهون جميعًا دون إدراكٍ منهم إلى اكتشاف أسرارٍ علمية وتاريخية تمتد إلى التاريخ الشرقي البعيد امتدادًا يصل إلى سيدنا سليمان عليه السلام. ويتطلب منهم اكتشاف هذه الأسرار حل بعض الألغاز في أماكن عديدة منها ضريح النبي أيوب وضريح النبي عمران. وتذكرني طريقة حل الألغاز في الضريحين بأسلوب (دان بروان) في رواية (شيفرة دافينشي) أو (ملائكة وشياطين). تتبدى أسرارٌ كثيرة جدًا ومفارقات وغرائب مع سير الأحداث، إلا أن ما يحدث على أعتاب بوابة أوبار على مشارف نهاية الرواية هو الحدث الجلل الذي –بلا شك- سيوقف شعر القارئ ذهولا أو يسقطه على أكتافه جنونا. ولا أريد من هذا المقال أن أفسد على قارئ الرواية متعته واكتشافه، فأكتفي بما ذكرت.

يمزج المؤلف (جيمس رولينز) في روايته هذه بين أسلوب الخيال العلمي وأسلوب الخيال التاريخي-جزئيا- وأسلوب المغامرة وأسلوب الرواية البوليسية. ويبدو أنه قد أعدّ بحثا تاريخيا وجغرافيا لا بأس به-رغم وجود بعض الثغرات- كي يتقن حبكة الرواية. ولستُ واثقا ما إذا كان قد زار السلطنة قبل كتابة روايته، إلا أنه يقدم وصفًا يكاد يكون دقيقًا لمواقع عديدة في عمان مثل كورنيش مطرح وسفينة شباب عمان وصلالة وشصر وقبري النبي عمران والنبي أيوب وبوابة أوبار المفقودة، إضافة إلى المعلومات الثقافية. ولعلّ المختصين في الآثار والجغرافيا والتاريخ أكفأ في الحكم على وصف المؤلف، إلا أن هناك أشياء لا تحتاج إلى مختصين للحكم على عدم دقتها. هناك مثلا مشهد العشاء الذي يتناول فيه الضيوف "الشواء" و"المكبوس" على حد وصف المؤلف، مع القهوة العمانية!

أول فكرة طرأت ببالي بعد أو أثناء قراءة الرواية هي لماذا لا نكتب نحن عن آثارنا وأساطيرنا في قصصنا ورواياتنا؟ لماذا يستغل أسطورة أوبار كاتبٌ أمريكي تفصله عن أوبار محيطات وصحاري وإرث تاريخي طويل، بينما نحنُ القابعون هنا لم نلتفت إليها؟ كيف فكّر هذا المؤلف-الطبيب البيطري- بتلك الحبكة الروائية عن أوبار ولم يفكر بها أحدنا؟ لماذا يخلّد غيرنا تراثنا؟

لقد قرأتُ الرواية عن فضولٍ ومسؤولية، وكلي أسفٌ أن آلاف العمانيين ممن لا يقرأون الإنجليزية عاجزون عن قراءتها. كم أتمنى أن تُترجم هذه الرواية إلى العربية ويقرأها كل عماني، لا لروعة الرواية أو أسلوب الكاتب الممتع-وهو ليس كذلك- بل لأنها تتحدث عن أسطورة وتاريخ وآثار عمانية. قد يجد القارئ صعوبة في مواصلة قراءة الرواية لأن الأحداث متشابكة ومشتتة، إلا أن الأسرار التي تتكشف بعد ذلك تزيد القارئ متعة ولهفة. هذا وقد يتململ القارئ من الكثير من شطحات الخيال، ولكنها أولا وأخيرا..رواية خيال علمي. باختصار، الرواية رائعة في جرأة فكرتها وخيال المؤلف وثقافته، وربما تحتاج إلى بعض اللمسات التي تجعلها مشوّقة أكثر، خصوصا في بدايتها.
أقدّم بين أيدي القارئ ترجمةً لمقطعٍ من الرواية لا يسمن ولا يغني من فضول، ولكن علّه يشوّق القارئ.

من رواية "العاصفة الرملية"

[الدكتورة صفية وكاساندرا في ضريح النبي أيوب]

سألت (كاساندرا): "ماذا تفعلين؟"
أجابت (صفية): "أعمل"، بطريقة أظهرت مقتها، فلم تعد تقوى الحرص على عدم إغضاب آسرتها، ثم فتحت الباب.
وتحت الباب كانت حفرة ضحلة مخبوءة عمقها ستة عشر إنشا، تم حفرها باستخدام حجر. وفي قاعها كان هناك أثران مطبوعان متحجران، أحدهما يمثل قدما بشرية كبيرة، والآخر يمثل حافر حصان.
سألت (كاساندرا): "ما هذا؟"
فأجابت (صفية): "لو عدتِ إلى القصة التي أخبرتك بها عن النبي أيوب، لتذكرتِ أن الله ابتلاه بمرضٍ شديد إلى أن أمره أن يضرب بقدمه الأرض فتخرج منها عينٌ شافية" وأشارت إلى أثر القدم في الحفرة الحجرية. "يُفترض أن هذا هو أثر قدم النبي أيوب حين ضرب بها الأرض". ثم أشارت إلى الفتحة في الأرضية "ومن هنا تفجر الماء الذي ينبع من مصدرٍ في قاع التلة".
فسأل (كين): "تعنين أن الماء صعد من أسفل التلة إلى أعلاها؟!"
- وكيف تكون معجزة إن لم يكن ذلك؟!
حدّقت (كاساندرا) في الحفرة ثم سألت: "وما دخل أثر حافر الحصان بالمعجزة؟"
أطرقت (صفية) وعقدت حاجبيها وهي تحدّق في أثر الحافر. كان الأثر متحجرًا أيضًا. "لا توجد قصة مرتبطة بهذا الأثر".
ولكن شيئًا ما كان يعتمل في ذاكرتها. آثارٌ متحجرة لحصانٍ ورجل. لماذا كانت هذه العبارة تبدو مألوفة؟
في هذه المنطقة من أولها لآخرها كان هناك ما لا يحصى عدده من القصص عن أناس أو وحوش تحولوا إلى أحجار. وبعض القصص كانت متربطة بأوبار نفسها. وأخذت تعصر ذاكرتها. هناك قصتان موجودتان في (ألف ليلة وليلة): "المدينة المتحجرة" و "مدينة النحاس"، أشارتا إلى اكتشاف مدينة صحراوية مفقودة، مدينة يكمن فيها شرّ خطير حتى أن حلت بها لعنة وجعلت سكانها يتجمدون في أماكنهم جزاء على ذنوبهم، وكانوا إما يتحولون إلى حجر أو نحاس، حسب الرواية. كانت تلك إشارة واضحة إلى أوبار. ولكن في القصة الثانية، لم يصل الباحثون عن الكنز إلى المدينة المدانة بالصدفة، بل كانت هناك علامات دلتهم إلى بواباتها.
وتذكرت (صفية) أهم علامة من هذه القصة: تمثال النحاس. وكان التمثال لفارس يمتطي حصانه ويرفع عاليا رمحا له رأس مغروز فيه. وعلى ذلك الرأس كان هناك نقش مكتوب، وكانت (صفية) تحفظ ما جاء في النقش عن ظهر قلب بعد أن قامت ببحث طويل عن الأساطير العربية من أجل (كارا). وقد جاء في النقش: أنتَ يا من قدمتَ إليّ، إن كنت لا تعرف الطريق إلى مدينة النحاس، فافرك يد الفارس، وسوف يستدير ثم يقف، وحيث يقف ابدأ مسيرك في الاتجاه الذي يدلك عليه، وسوف يقودك ذلك إلى مدينة النحاس.[يبدو أن هذه الرواية محرّفة نتيجة للترجمة الأجنبية، فحكاية مدينة النحاس في "ألف ليلة وليلة" لا تذكر رمحا لفارس ولا تذكر هذه العبارة، بل تشير إلى نقش على التمثال يأمر بفرك المسمار في سرة الفارس اثنتي عشرة فركة فينفتح الباب، المترجم].
يقودك إلى أوبار!
تأملت (صفية) في العبارة. تمثال نحاسي يستدير باللمس حتى يشير إلى العلامة التالية. تذكرت القلب الحجري، وكيف يصفّ نفسه مثل إبرة بوصلة فوق الهيكل الرخامي. كان التشابه غريبًا. والآن هذا! نظرت في الحفرة. رجل وحصان. متحجران.
لاحظت (صفية) كيف أن أثر القدم وأثر الحافر يشيران إلى نفس الاتجاه، وكأن الرجل كان يقوم ب"تمشية" مطيته. هل هذه هي العلامة التالية؟ قطبت جبينها عندما أحست بأن هذا الجواب شديد الوضوح شديد السهولة أكثر مما يلزم. أخفضت الغطاء ووقفت تفكر.
وقفت (كاساندرا) بجانبها وقالت: "في رأسك شيء ما".
هزّت (صفية) رأسها وهي حائرة في هذا اللغز. مشت رويدًا في اتجاه الأثرين، لتصل إلى المكان الذي اتجه إليه النبي مع حصانه. وانتهى بها المطاف إلى مدخل الموقع الأثري الصغير الواقع خلف الضريح، يفصله عن المبنى الأجدد زقاق ضيق. كان الحطام بلا هيئة واضحة يمثل أربعة جدران متقوضة بلا سقف، في وسطها مساحة من عشر أقدام. بدت وكأنها جزء من منزل أكبر حجمًا تهدّم منذ زمنٍ بعيد. تخطّت العتبة ودلفت إلى الداخل.
وبينما كان (كين) يحرس الباب، تبعتها (كاساندرا) إلى الداخل، ثم تساءلت:"ما هذا المكان؟".
"مصلى قديم". قالتها (صفية) وهي تنظر إلى السماء التي يقل نورها مع غروب الشمس، ثم تدوس على سجادة على الأرض.
اتجهت (صفية) نحو تجويفين في جدارين تم إنشاؤهما ليستدل المصلون على الاتجاه الذي يصلون فيه. وأدركت أن التجويف الأجدد منهما يشير إلى مكة، فاتجهت إلى الآخر الأقدم منه.
وأخذت تتمتم: "هنا صلى النبي أيوب، دومًا باتجاه القدس". باتجاه الغرب شمالا.

الثلاثاء، 13 مايو 2003

الميراث


قصة: فيرجينيا وولف
ترجمة: أحمد حسن المعيني


" إلى سيسي ميلر".

بينما كان جيلبرت كلاندون يلتقط بروش(1) اللؤلؤ القابع بين مجموعة خواتم وبروشات فوق طاولةٍ صغيرة في صالون زوجته، قرأ فوقه ورقةً جاء فيها: " إلى سيسي ميلر، مع محبتي". لم يكن غريبًا أن تذكر أنجيلا حتى سكرتيرتها سيسي ميلر، إلا أنه حينما فكر في الأمر ثانيةً بدا له الأمر غريبًا كيف تركت كل شيءٍ بعدها وفق تنظيمٍ لم تلمسه يد النسيان أو السهو. لم تدع أحدًا من أصدقائها إلا وتركت له هديةً صغيرة. بدا الأمر وكأنها قد تنبأت بموتها. ولكنها كانت في أفضل حالٍ عندما خرجت ذلك الصباح منذ ستة أسابيع، ووثبت من فوق ناصية الرصيف في (بيكاديلي)، ودهستها السيارة.

كان في انتظار سيسي ميلر بعد أن طلب منها الحضور. لقد شعر بأنه، وبعد كل تلك السنين التي قضتها معهم، مدينٌ لها بشيءٍ من التقدير في هدية كهذه. سبح في تفكيره مجددًا وهو ينتظر. نعم لقد كان الأمر غريبًا أن تترك أنجيلا كل شيءٍ هكذا مرتبًا. كل صديقٍ له تذكار يعكس مشاعرها. كل خاتمٍ، كل عقدٍ، وكل صندوقٍ صيني- فلقد كانت مولعة بالصناديق الصغيرة- عليه اسمٌ ما. كانت لكل هديةٍ ذكرى في عقله. لقد أهداها هذا الدولفين المرصع بعينين من الياقوت. لمحته ذات يومٍ في أحد شوارع (البندقية) العتيقة واندفعت نحوه. كان ما يزال يتذكر صيحة إعجابها وسعادتها بتلك الهدية. أما هو، بالطبع لم تترك له شيئًا محددًا، باستثناء مذكراتها. خمسة عشر دفترًا لها غلافٌ من جلدٍ أخضر، تسكن فوق مكتبها خلفه مباشرة. كانت تكتب مذكراتها منذ زواجهما. احتوت هذه المذكرات على تلك التي لا يستطيع تسميتها مشاجرات، بل خلافاتٍ بسيطة. وكلما دخل عليها وهي تكتب كانت تغلق دفترها أو تغطيه بيديها. بإمكانه الآن سماع صوتها تقول: " لا، لا، لا. ربما بعد موتي". وهكذا فقد كانت هذه المذكرات هي ميراثه الوحيد منها. كانت الشيء الوحيد الذي لم يشاركها إياه في حياتها. ولكنه كان يؤمن دائمًا بأنها ستعمّر أكثر منه. يا ليتها توقفت للحظةٍ واحدة وفكرت فيما تفعله، لكانت حيةً الآن. ولكنها وثبت من فوق ناصية الرصيف كما قال سائق السيارة في التحقيق. لم تترك له فرصةً ليكبح جماح السيارة. ..ها هي أصواتٌ في القاعة تقطع عليه أفكاره. أقبلت الخادمة تقول: "الآنسة سيسي ميلر يا سيدي". دخلت. لم يرها وحدها أبدًا في حياته، ولا بالطبع في دموعها. كانت منهارة، ولا عجب في ذلك. لقد كانت أنجيلا بالنسبة لها أكثر من صاحبة عمل. لقد كانت صديقة. وفكّر بينه وبين نفسه وهو يدفع لها بمقعدٍ تجلس عليه، أنه لم يكن هناك ما يميزها عن غيرها من مثيلاتها من النساء. كانت هناك آلافٌ من سيسي ميلر. نساءٌ رتيبات صغيرات الحجم متشحات بالسواد يحملن حافظة أوراق. ولكن أنجيلا بروح الانسجام التي لديها اكتشفت جميع أنواع المميزات والخصال الجيدة في سيسي ميلر. كانت تشعّ فطنةً وحصافة، هادئة وجديرة بالثقة، بحيث يمكن للمرء أن يخبرها بأي شيء. لم تستطع الآنسة سيسي ميلر التحدث في البداية. جلست هناك تمسح عينيها بمنديلٍ لها. ثم حاولت التحدث قائلةً: "اعذرني يا سيد كلاندون". فتمتم بكلماتٍ قليلة. لقد تفهّم الموقف بالطبع. كان شيئًا طبيعيًا. وكان يستطيع تصور كم كانت زوجته تعني لهذه الآنسة.

قالت وهي تدور بعينيها: "لطالما كنتُ سعيدةً هنا". وجّهت عيناها على المكتب وراءه. كان ذلك المكان الذي عملتا فيه معًا، هي وأنجيلا.

كان لأنجيلا نصيبٌ من الواجبات التي تُلقى على زوجة رجلٍ سياسي بارز. كانت تساعده كثيرًا في عمله.

لطالما كان يراها مع سيسي جالستين على ذلك المكتب، سيسي على الآلة الكاتبة تطبع رسائل كانت تمليها عليها أنجيلا. بلا شك كانت الآنسة سيسي ميلر تفكر في الشيء ذاته. كل ما عليه أن يفعله الآن هو أن يعطيها ذلك البروش الذي تركته زوجته لها. بدت الهدية غير مناسبة. كان من الأفضل لو أنها تركت لها مبلغًا من المال، أو الآلة الكاتبة على الأقل. ولكن هذه هي الهدية كما تقول الورقة الملصقة عليها: "إلى سيسي ميلر، مع محبتي". أعطاها البروش مع كلماتٍ قليلة أعدها مسبقًا. قال إنه يعلم بأنها ستجد في الهدية قيمةً كبيرة. لطالما كانت زوجته تلبس هذا البروش...فردّت وهي تأخذ البروش ردًا بدا وكأنها هي أيضًا قد أعدت كلامًا مسبقًا تبين فيه أن الهدية بالنسبة لها كنزٌ لا يقدر بثمن... تصوّر أن لديها ملابس لا يبدو معها هذا البروش غير مناسب. كانت ترتدي معطفًا أسود وتنورة، يبدوان وكأنهما الزي الرسمي لعملها. ثم تذكر أنها في حداد. كانت لها مأساتها أيضًا، فقد توفي أخوها الذي كانت متعلقة به قبل أسبوعٍ أو اثنين من وفاة أنجيلا.

هل تُوفي في حادث؟ لا يستطيع تذكر إلا ما قالته له أنجيلا. أنجيلا بروحها التي تفيض عاطفةً كانت شديدة الحزن. وفي غمرة تفكيره، نهضت سيسي ميلر وارتدت قفازيها. كان من الواضح أنها شعرت بأنها لا يجب أن تثقل عليه أكثر من ذلك. ولكنه لم يستطع أن يتركها تغادر دون أن يسألها عما ستفعله. ماذا كانت تعد للمستقبل؟ هل باستطاعته مساعدتها؟ كانت تحدق في المكتب، حيث كانت تجلس أمام الآلة الكاتبة، في المكان الذي تقبع فيه المذكرات. ولأنها كانت تائهة في ذكرياتها مع أنجيلا، لم تجب عن أسئلته. بدت للحظةٍ وكأنها لم تفهم ما قاله. فأعاد سؤاله: "ما خططك للمستقبل يا آنسة سيسي؟". فتعجبت وقالت: " خططي؟ لا عليك يا سيد كلاندون. لا تشغل نفسك بأمري". فهم من ردها أنها كانت تعني عدم حاجتها لمساعدةٍ مالية، فاكتشف أنه كان من الأفضل أن يكتب اقتراحه ذاك على ورقةٍ كي لا يحرجها. كل ما كان بوسعه فعله الآن هو أن يقول وهو يشدّ على يدها: "تذكري جيدًا يا آنسة سيسي. لو احتجتِ إلى أي نوعٍ من المساعدة، سأكون سعيدًا..." ثم فتح الباب. وللحظةٍ على عتبة الباب وقفت وكأن فكرةً ما خطرت ببالها. قالت وهي تنظر إليه في عينيه للمرة الأولى، وللمرة الأولى أدهشه ذلك التعبير في وجهها، فجعله يتعاطف معها ولكن أيضًا يبحث في عينيها: "سيد كلاندون..في أي وقتٍ.. إن كان هناك شيءٌ ما أستطيع فعله لمساعدتك، تذكر أنني سأكون سعيدةً بذلك.. من أجل زوجتك...".

وبهذه العبارة غادرت. لم يكن يتوقع منها تلك الكلمات ولا تلك النظرة. كأنها كانت متأكدة، أو تأمل أن يحتاج إليها. وقفزت إلى ذهنه فكرةٌ غريبة وجميلة وهو يعود إلى مقعده. هل كان من الممكن خلال كل تلك السنين التي نادرًا ما لاحظها فيها، أن يكون قد شغفها حبًا؟ والتقط ردًا على فكرته تلك بينما كان يمر من أمام المرآة. كان عمره يربو على الخمسين، ولكنه لم يستطع إلا أن يعترف بأنه ما زال رجلاً جذابًا.

قال ضاحكًا: "المسكينة سيسي ميلر". كان يودّ أن يشارك زوجته تلك الضحكة! وبلا شعورٍ توجّه نحو دفترٍ من مذكراتها. فتح الدفتر عشوائيًا وقرأ: "كان شكل جيلبرت رائعًا...". بدا الأمر وكأنها تجيب على سؤاله. بالطبع كانت تبدو وكأنها تقول إن لك جاذبية بين النساء. بلا شك شعرت سيسي ميلر بالشيء ذاته. وتابع القراءة:" كم أنا فخورةٌ أن أكون زوجته!". وكم كان هو فخورًا أن يكون زوجها. طالما كان ينظر إليها عندما يخرجان معًا لتناول العشاء ويقول لنفسه بأنها المرأة الأروع في ذلك المكان!

وتابع القراءة. كانت تلك السنة التي رشّح فيها نفسه لعضوية البرلمان. ذلك العام قاما بجولةٍ معا في منطقته. "وعندما جلس جيلبرت صفق الحضور بحرارة. نهضوا جميعًا وأنشدوا: يا أروع الرجال(2). تلك اللحظة لم أتمالك مشاعري من فرط السعادة". تذكر هو ذلك أيضًا. كانت تجلس على المنصة بجانبه. ما يزال يرى تلك النظرة، وكيف كانت الدموع تتلألأ في عينيها. وبعدها؟ قلّب الصفحات. ذهبا إلى (البندقية). تذكّر تلك الإجازة بعد الانتخابات. " كان الثلجٌ يتساقط في فلوريانز(3)". وابتسم، فقد كانت كالطفلة يبهرها الثلج. "أعطاني جيلبرت نبذةً رائعة عن تاريخ (البندقية). أخبرني بأن الأدواج (4)...". كتبت ذلك كله بخطّ تلميذةٍ في المدرسة. من أروع الأشياء في السفر مع أنجيلا أنها كانت تواقة جدًا للتعلم. لطالما كانت تقول بأنها تجهل الكثير، وكأن ذلك لم يكن من أسرار سحرها. فتح الدفتر الثاني. عادا إلى (لندن) بعد ذلك. " كان يهمني كثيرًا أن أبدو رائعة، ولذلك ارتديتُ فستان زفافي". كان يمكنه الآن رؤيتها وهي جالسة بالقرب من السير إدوارد العجوز، وهي تصرع رئيسه، ذلك العجوز المرعب. قرأ بعشوائية، مشهدًا تلو الآخر من مقتطفاتها. "وتناولنا العشاء في مجلس العموم...إلى أمسيةٍ في منزل لافجروفز. سألتني السيدة (ل) هل اكتشفتُ حجم المسؤولية على عاتقي كوني زوجة جيلبرت؟". وأخذ دفترًا آخر من على المكتب. وبعد مضيّ السنين أصبح منهمكًا جدًا في عمله. وكانت هي بالطبع في كثيرٍ من الأحيان وحيدة. ولقد كان بيّنًا كم يحزنها أن لا أطفال لهما. وقرأ في صفحة المذكرات: " كم أتمنى أن يكون لجيلبرت ولد". ومن الغريب أنه هو نفسه لم يتحسر كثيرًا على ذلك. كانت حياته مليئة بالعمل. في ذلك العام شغل وظيفةً بسيطة في الحكومة. مجرد وظيفةٍ بسيطة، ولكن تعليقها كان:" إنني متيقنةٌ من أنه سيصبح رئيسًا للوزراء". في الحقيقة، لو سارت الأمور على نحوٍ مختلف، لكان من الممكن أن يحدث ذلك. وتوقف هنا ليفكر فيما كان يمكن أن يحدث. كانت السياسة مقامرة ، ولكن اللعبة لم تنته بعد، ليس في سن الخمسين. ألقى ناظريه بشكلٍ عشوائي في صفحاتٍ أخرى مليئة بأحداثٍ هامشية، أحداثٍ غير مهمة ولكنها مبهجة. تلك الأحداث اليومية التي كوّنت حياتها.

أخذ دفترًا آخر وفتحه بشكلٍ عشوائي. " كم أنا جبانة! لقد تركتُ الفرصة تضيع من يدي.ّ ولكن من الأنانية أن أزعجه بشؤوني بينما كان لديه الكثير ليشغله. وكم كان من النادر أن نقضي أمسيةً ما بمفردنا". ما معنى ذلك؟ أوه، ها هو التفسير. إنها تشير إلى عملها في (إيست إند). " استجمعتُ شجاعتي وتحدثت إلى جيلبرت أخيرًا. كان لطيفًا للغاية، ولم يعارض أبداً". تذكّر تلك المحادثة. أخبرته بأنها تشعر بالكسل وبأنها بلا قيمة. كانت تتمنى أن تعمل. أرادت أن تعمل. تذكّر كيف احمرّت وجنتاها على نحوٍ فتّان وهي جالسة على ذلك المقعد، تخبره أنها تود مساعدة الآخرين. مازحها قليلاً مستغربًا ما إذا كانت غير سعيدةٍ برعاية شؤونه وشؤون بيته. ولكنه لم يمانع بالطبع إن كان العمل سيسعدها. وماذا في عملها؟ تعمل في مقاطعةٍ ما ؟ لجنةٍ ما؟ المهم أن تعده بأنها لن ترهق نفسها. ويبدو أنها في ذلك الأربعاء ذهبت إلى (وايتشابل). تذكّر كيف لم ترق له تلك الملابس التي كانت ترتديها عندما تذهب لعملها. ولكن يبدو أنها كانت تأخذ الأمر مأخذ الجد. كان دفتر المذكرات مليئاً بإشارات مثل: "رأيتُ السيدة جونز...لديها عشرة أطفال...فقد زوجها ذراعه في حادث...فعلتُ ما بوسعي لكي أجد عملاً من أجل ليلي". وقلّب الصفحات. بدأ ذكر اسمه يتناقص، وحماسه للقراءة يذبل. بعض الفقرات لم تكن تعني أي شيءٍ بالنسبة له. على سبيل المثال: " كانت لي مناقشة حادة مع ب م عن الاشتراكية". من ب م؟ لم يستطع فك شفرة الحرفين. ربما تكون سيدة التقت بها في لجنةٍ ما. " رأيتُ في ب م هجومًا حادًا على الطبقات العليا في المجتمع...مشيتُ مع ب م بعد الاجتماع وحاولتُ إقناعه. ولكنه رجلٌ ضيق الفكر". إذن ب م رجل. بلا شك هو أحد أولئك "المفكرين" كما يطلقون على أنفسهم، العنيفين ضيقيّ الفكر، كما كانت تنعتهم أنجيلا. يبدو أنها دعته لرؤيتها.

"حضر ب م للعشاء. وصافح ميني!"

أدت هذه الملاحظة الغريبة إلى تغيرٍ آخر في الصورة التي رسمها لذلك الشخص. كان يبدو أن ب م لم يكن معتادًا على الخادمات، فقد صافح ميني. من المحتمل أنه كان أحد أولئك الذين يهوون نشر آرائهم في صالونات النساء. كان جيلبرت يعرف هذا النوع، ولم يكن يحب هذه الفصيلة من البشر، أيًا كان ب م. ووجد إشارةً أخرى إليه: " ذهبتُ مع ب م إلى برج لندن...قال إن الثورة قادمة لا محالة...قال بأننا نعيش في جنة الحمقى". كان ذلك نموذجًا لما يمكن لنوع ب م أن يقوله. وكان باستطاعة جيلبرت سماعه يقول ذلك. كان باستطاعته تصور شكله في رجلٍ قصير غليظ الطبع بلحيةٍ خشنة وربطة عنق حمراء، يلبس التويد(5) مثل قرنائه من شاكلته، أولئك الذين لم يعملوا بإخلاص يومًا واحدًا قط. هل من المؤكد أن أنجيلا كانت تستطيع كشف شخصيته؟ وقرأ: " قال ب م أشياء لا يمكن تقبلها عن...". تم محو الاسم بعناية. " قلتُ له بأنني لن أسمح بمزيدٍ من الإهانات في حق ...". مرةً أخرى تم محو الاسم. هل كان اسمه؟ هل كان هذا هو السبب حينما كانت أنجيلا تغطي الصفحة بسرعةٍ شديدة عندما يدخل؟ أضافت هذه الفكرة مزيدًا من النفور من ب م. بلغت به الوقاحة أن يتكلم عنه في هذه الغرفة. لماذا لم تخبره أنجيلا؟ لم تكن عادتها أن تخفي شيئًا عنه. لقد كانت رمزًا للصراحة. وقلّب الصفحات، ملتقطًا كل إشارةٍ إلى ب م. "أخبرني ب م عن طفولته. لقد كانت أمه تعمل منظفةً في البيوت...عندما أفكر في ذلك بالكاد أستطيع تحمل العيش في رفاهيةٍ كهذه...ثلاثة جنيهات ثمنًا لقبعة واحدة!". يا ليتها ناقشت الأمر معه، بدلاً من أن تحيّر عقلها الصغير بأسئلةٍ أصعب من أن تفهمها! لقد أعارها بعض الكتب. كارل ماركس. "الثورة القادمة". الحرفان ب م، ب م، ب م يترددان باستمرار. ولكن لماذا لا يوجد الاسم الكامل؟ كان هناك نوعٌ من سقوط الكلفة والحميمية في استخدام الأحرف الأولى، ولم تكن هذه عادة أنجيلا. هل كانت تناديه "ب م" أمامه؟ وتابع القراءة. " قَدِمَ ب م بعد العشاء على نحوٍ غير متوقع. ومن حسن الحظ أنني كنتُ بمفردي". كان ذلك قبل عامٍ واحدٍ فقط. "من حسن الحظ"، لماذا من حسن الحظ؟ "كنتُ بمفردي". أين كان هو في تلك الليلة؟ ألقى نظرةً على مفكّرته. كانت ليلة عشاء المانشن هاوس، ولقد قضت أنجيلا الليلة مع ب م بمفردهما! حاول تذكر ذلك المساء. هل كانت تنتظره حينما عاد إلى المنزل؟ هل كان هناك شيءٌ غير عادي في الغرفة؟ هل كانت هناك كؤوسٌ على الطاولة؟ هل كانت المقاعد قريبة من بعضها؟ لم يستطع تذكر أي شيء، أي شيء، غير خطابه الذي ألقاه في حفل عشاء المانشن هاوس. ازداد الأمرُ غموضًا. الأمر كلهُ غامض ولا تفسير له. تستقبل زوجته رجلاً غريبًا بمفرده.

قد يشرح الدفتر التالي من المذكرات هذا الأمر. وبسرعةٍ شديدة التقط الدفتر الأخير، الدفتر الذي لم تكمله وتركته بعد وفاتها ناقصًا.

وهناك على الصفحة الأولى يظهر اسم ذلك الشخص الملعون. "تناولتُ العشاء بمفردي مع ب م...لقد أصبح ثائرًا للغاية. قال بأننا قد أصبحنا نفهم بعضنا البعض الآن...حاولتُ أن أشرح له، ولكنه لم يفهم. هددني بأنني إن لم..." والجزء المتبقي من الصفحة كان مشطوبًا بأكمله. كتبت فوقه "مِصْر، مِصْر، مِصْر" على الورقة بأكملها. لم يستطع قراءة كلمةٍ واحدة، ولكن كان هناك تفسيرٌ واحد: لقد طلب منها ذلك الوغد أن تكون خليلته. وحدهما في غرفته! صعد الدم إلى وجه جيلبرت كلاندون. قلّب الصفحات بشكلٍ عشوائي. ماذا كان جوابها؟ توقف ذكر الحرفين ب م. لقد أصبح الآن "هو". " أتى مجددًا. قلتُ له لا أستطيع أن أقرر...رجوته أن يتركني". اعتدى عليها في هذا البيت؟ ولكن لماذا لم تخبره؟ كيف استطاعت أن تتردد للحظة؟ وقرأ بعدها: " كتبتُ له رسالة". ثم كانت هناك صفحات فارغة. وبعدها جاءت هذه العبارة: " لا رد على رسالتي". ثم صفحاتٌ أخرى فارغة. وبعدها العبارة التالية: " لقد فعل ما كان يهدد بفعله". وبعد ذلك..ماذا حدث؟ قلّب الصفحة تلو الصفحة. كلها كانت فارغة. ولكن هناك في اليوم الأخير قبل وفاتها، كانت تلك الفقرة: " هل لديّ الشجاعة لأن أفعل ذلك أيضًا؟".انتهى.

ترك جيلبرت كلاندون الدفتر يهوي أرضًا. كان باستطاعته رؤيتها أمامه. كانت تقف على ناصية الرصيف في (بيكاديلي). حدّقت بعينيها، وأطبقت قبضتيها. وجاءت السيارة...

لم يستطع تحمل ذلك. يجب أن يعرف الحقيقة. سار بخطىً واسعة نحو الهاتف. "الآنسة سيسي ميلر؟". وكان هناك صمت. ثم سَمِعَ وقع أقدامٍ في الغرفة. وجاءه صوتها أخيرًا: " سيسي ميلر تتحدث".

صاح: " من هو ب م؟"

كان باستطاعته سماع دقات الساعة الحقيرة فوق رف موقدها، ثم تنهيدة طويلة. قالت أخيرًا: " إنه أخي".

إنه أخوها، أخوها الذي قتل نفسه.

وسمع صوت سيسي ميلر تسأل: " هل هناك أي شيءٍ أستطيع تفسيره؟"
صاح: " لاشيء، لا شيء".

لقد استلم ميراثه. قالت له الحقيقة. لقد وثبت من فوق ناصية الرصيف لتلحق بحبيبها. وثبت من فوق ناصية الرصيف لكي تهرب منه.

الحواشي

1- نوعٌ من الحلي يشبه الدبوس مطرز بلؤلؤة أو نوعٍ من الجواهر.
2- ترجمة من اجتهاد المترجم لمقطع الأغنية الشهيرة التي يغنونها في الغرب في أعياد الميلاد الشخصية والمناسبات للاحتفال بشخصٍ ما. يقول المقطع الأول منها بالإنجليزية: for he is a jolly good fellow
3- هو مقهى شهير في بيازا سان ماركو في البندقية .
4- مفردها دوج وهو القاضي الأول في جمهورية البندقية قديمًا.
5- التويد نسيج صوفي خشن.