الأربعاء، 27 يناير 2010

أرواح تُباع للشيطان: عرض لرواية "ترمي بشرر"



أن تقرأ لـ(عبده خال) يعني أن تستعد لوجبةٍ دسمة من السواد والعذاب وتعرية النفس البشرية، ولعلّ أفضل وصفٍ يُقال في هذا الروائي ما قاله عنه الأديب (غازي القصيبي): "إن الإنسان الذي يستطيع أن يعذبك هذا العذاب كله، أن يشقيك هذا الشقاء كله عبر رواية، مجرد رواية، لا بد أن يكون روائيًا موهوبًا تحبه لموهبته، وتكرهه لأنه يذكرك بالمأساة الإنسانية". قال القصيبي هذا الكلام على غلاف الرواية الأولى لعبده خال، إلا أنه ما يزال ينطبق بامتياز على روايته الجديدة "ترمي بشرر" الصادرة عن دار الجمل عام 2009 في 416 صفحة.

يختارُ عبده خال في هذه الرواية أن يكون مباشرًا منذ البداية، فالعنوان المقتبس من الآية القرآنية المعروفة يشي بالكثير؛ حيث نعرف أن هناك قصرًا-كما هو واضح من صورة الغلاف- مقذوفًا من الأعلى، من تلك التي ترمي بالشرر. ومن صفحة الإهداء نعرف أن عبده خال ليس الراوي، فالذي كتب الإهداء شخصٌ اسمه (طارق فاضل) هو الذي سنستمع إلى القصة من خلاله. وتستمر هذه المباشرة في أول سطرٍ من الرواية، حيث يقول الراوي "خسِئَت روحي، فانزلقتُ للإجرام بخطى واثقة".

جاء تقسيم الرواية مختلفا وجديدًا، حيث تبدأ بـ"عتبة أولى" طويلة يبدؤها الراوي طارق بمشهدٍ هو في الحقيقة ليس أول القصة، بل من أواخرها. ويأخذنا طارق في بوحٍ مسترسل ليصل في نهاية العتبة الأولى إلى ما قبل المشهد الذي بدأ به. أما في "العتبة الثانية" فيسلط طارق الضوء على حقائق حول الشخصيات الرئيسة مستعيدًا تاريخها، وساردًا أحداثًا سابقة أو موازية، إلى أن يصل إلى ما قبل المشهد الأول. ومع اكتمال هذا المشهد تصل الحبكة ذروتها ثم تهبط قليلا، لترتفع في مفاجأة أخيرة صادمة تنتهي بها الرواية. بعد ذلك نجد فصلا إضافيًا بعنوان "البرزخ" يكتبه عبده خال، يتحدث فيه عن أحداث ومعلوماتٍ متعلقة بشخصيات الرواية وأحداثها، إما قبل دخولها عالمه السردي أو بعده.

يحكي لنا طارق قصة حارته البسيطة الملاصقة للبحر في جدة، والتي يسميها أهلها "الحفرة" أو "جهنم"، ويعيشون فيها حياة فقيرة قوامها الصيد والأعمال البسيطة. وفجأة مع دخول المدنية يُسوّر البحرُ لإقامة "كورنيش" عصري، ويظهر قبالة الحارة قصرٌ فخم جديد يحجب جانبًا كبيرًا من البحر عنها. وهكذا أصبح هناك عالمان: عالم الحارة الفقيرة بأناسها البسطاء وفقرها، وعالم القصر المهيب بأنواره الفخمة وخدمه وحرّاسه وسياراته الفارهة وأهله فاحشي الثراء. وبالمقارنة الظاهرية بين هذين العالمين لا يكون مُستغربًا أن يطلق أهل الحارة على القصر اسم "الجنة"، ولأنها جنة فالكل يحلم بدخولها، ورؤيتها، وشمّ روائحها، واقتطاف ثمارها. إذن تُصبح هذه "الجنة" حلمًا يسيل له لعاب الكبار والصغار معًا، على الرغم من تكبر سيد القصر، وحرصه على الفصل بين قصره وبين الحارة وكل ما يتعلق بها.

والشخص الوحيد الذي استطاع دخول "الجنة" هو (عيسى الرديني) الذي هرب من الحارة وسكن مكانًا وسطًا بين القصر والحارة، وأسدى خدمة كبيرة لصاحب القصر، استحق بسببها أن يدخله. يخطط عيسى لإدخال الآخرين من حارته إلى القصر، ليس بالضرورة لمساعدتهم، بل أيضًا للانتقام منهم. يُدخل صديقيه (طارق) و (أسامة)، ثم يتبعهما سيلٌ من رجال الحارة ما بين حارسٍ ومربي كلاب وقائد يخت وخادم. إذن فقد أصبح عيسى هو الطريق المؤدية للقصر بالنسبة لأهل الحارة الذين يحلمون بالدخول إلى الجنة، فإذا دخلوها تكشفت لهم حقيقتها، وأنهم دخلوا عبودية دنيئة لا مهرب منها، ولا هدف لها إلا إرضاء سيد القصر وشهواته وملذاته. ويصوّر لنا طارق صاحبَ القصر المتسلط المتطرف في شهواته وعقابه، والذي لا يقبل أن ينافسه أحد، ولا أن يخرج من طوعه أحد. يحكي لنا طارق في بوحٍ طويل عن حياته وأصدقائه وأهل الحارة قبل الدخول، ثم ما حدث له ولغيره بعد الدخول من سقوطٍ يتبعه سقوط.

من الثيمات القوية في هذه الرواية ثيمة الحب، حيث نجد العاشق المتيّم في شخصية أسامة الذي يظلّ محتفظًا بحب تهاني، وكذلك كمال مع سميرة، و في علاقة عيسى بموضي ، وحتى أم سيد القصر التي تحكي عن حبيب قديم لم تنسه، إلا أنّ الحب في جميع هذه الحالات غير متحقق، لا يقدّم إلا الألم. كما نجد ثيمة أخرى حاضرة هي رغبة الانتقام، متمثلة في سلوك العمة خيرية، وطارق بطل الرواية، وعيسى، ومرام، وأسامة، إلا أنّ رغبة الانتقام المشتعلة في كل هذه الحالات تنتهي بحرق أصحابها، بطريقة أو بأخرى. أما ما يمكن اعتبارها الثيمة الأساسية في الرواية فهي السقوط المؤدي للعبودية، حيث نجد الإنسان يعقد صفقة مع الشيطان كي يدخله الجنة، وسرعان ما يكتشف أنه وقّع صك عبوديته للشيطان، سواء أكان هذا الشيطان داخليًا أم خارجيًا. كلنا عبدٌ لضعفٍ ما فينا، ولكننا نادرًا ما نقف مثل طارق ونعرّي أنفسنا، بل نستمر في النظر إلى سوءات الآخرين. يقول طارق عن ذلك: "كل إنسان يتخفى بقذارته، ويخرج منها مشيرًا لقذارة الآخرين" (ص18).

شخصيات الرواية كثيرة، كالعادة في روايات عبده خال، إلا أنه يتميز بقدرته الفائقة على رسمها وتحريكها رغم كثرتها. وهنا تُقدم لنا الشخصيات على لسان طارق، لذا فهي تتفاوت في قوتها وتأثيرها بقدر احتكاكها بطارق وتأثيرها عليه، فمثلا نجد شخصية العمة خيرية أقوى وأكثر حضورًا بكثير من شخصية الأم التي لا نعرف حتى اسمها. كل شخصية تحمل تناقضاتها وصراعها مع نفسها ومع الآخرين، وربما كانت لأسمائها دلالات ومفارقات قصدها عبده خال. (طارق) هو السلاح "الفحل" الذي يستخدمه صاحب القصر لدكّ أعدائه وكسر رجولتهم، ويستمر طوال الرواية في أداء هذا الدور الدنيء من وقتٍ لآخر، إلا أنه لم يستطع أبدًا أن "يطرق" عدوّه الذي طالما تمنى قتله. من جهةٍ أخرى نجد العمة (خيرية) لا تحمل من اسمها شيئا، سليطة اللسان، حسودة، حقودة، تنصب العداء لطارق وأمه، وتظلّ تترصد لهما الأخطاء، بل وترشده إليها من حيث لا يعلم. أما (عيسى) فهو ذلك الذي يسكن بين "الجنة" و"جهنم" ويبدو دائمًا "المنقذ" و "المخلّص" الذي يقود أهل الحارة من دنيا الفقر والحاجة إلى جنة القصر، إلا أنه في حقيقة الأمر من يضعهم على عتبات السقوط. وأما (مرام) فهي التفاحة الفاتنة التي يشتهيها كل من تقع عليها عيناه، إلا أنّها في نهاية الرواية تصبح الشجرة الملعونة. ويبقى صاحب القصر المتسلط المتجبر دون اسم، يشير إليه طارق باسم "السيّد"، فهذه الكلمة أبلغ في وصفه من أي اسم. ويبدو هذا السيد وكأنه الشيطان نفسه، فهو الذي يحرّك الجميع لخدمته، وله نفوذ في كل مكان، ويرى ويسمع كل شيء، ويعيش عمرًا مديدًا بجبروته وكأن الموت لا يصل إليه!

أما لغة السرد فجاءت قوية بليغة، ما بين وصفٍ للأحداث، وتعليقٍ فلسفي عليها، وهو أسلوب يجيده (عبده خال)، حيث يمنحك متعة الحدث في تسارع، ثم يُسكرك بفقرةٍ وجدانية، فيؤرجحك هكذا بين الحدث واللغة الجميلة دون ملل. ولأنّ السرد كله يأتينا من خلال طارق فاضل، لا نتوقع أن يكون هناك خط زمني أفقي ثابت، بل هو كاستعادة الذاكرة، يلملم أجزاءً من هنا وهناك محاولا إعطاءك الصورة كاملة. برأيي نجح عبده خال جدًا في هذه النقطة، إلا أن القارئ يستغرب أن شخصًا بسيطًا تعليميًا وثقافيًا مثل طارق يمكن أن تكون له تلك اللغة القوية والملاحظات الفلسفية، إلا أن يكون عبده خال هو المتكلم، مثل: "الشهوة..هذه النار المشعلة من أول قطرة دم سفكت على الأرض، تحتاج دومًا إلى نفط الدم كوقود لمواصلة اشتعالها. شهوة، ودم، وضحية. تثليث معاكس للقداسة، ومعاكس لشرائع كل الديانات. هذا التثليث الموازي هو الملعب المقابل لإحداث الفعل، ومن ثم صناعة التاريخ" (ص18-19). يحتاج الكاتبُ إلى وعي مستمر أثناء الكتابة بضرورة فصل نفسه ولغته وفكره عن شخصياته، فالشخصية ليست بالضرورة هي الكاتب أو صوته. ويمكننا أن نضرب مثلا رائعًا بالكاتب البريطاني (مارك هادون) في روايته "الحادثة الغريبة للكلب في منتصف الليل"، وبطلها الطفل المصاب بالتوحد، حيث تشعر طوال قراءة الرواية بأن الذي يحدّثك هو فعلا طفل مصاب بالتوحد.

ونلاحظ أيضًا في هذه الرواية الاعتماد الكبير على السرد واجترار الذاكرة، بدلا من الحوار الذي لا يكاد يوجد، كما لا نجد طريقة ثابتة لاستخدام اللهجة المحكية في الحوار، حيث نجدها في مواضع نادرة ولا نجدها في بقية الرواية، دون سبب منطقي لذلك.

ربما أكثر ما يميّز هذه الرواية هو بناء شخصية الراوي، حيث يُشركك طارق في تطور شخصيته، ويُطلعك على دواخله وانحرافاته وسقطاته. ورغم أنك شاهدٌ على جميع ما اقترفه طارق من جرائم وآثام، إلا أنك لا تملك أن تكرهه، ولا أن تحبه. يظلّ شعورك محايدًا، كما ظلّ هو نفسه مُحايدًا وغير مبالٍ طوال أحداث الرواية، يشبه إلى حدٍ ما "ميرسو" في رواية "الغريب" لألبير كامو الذي ينقل لك عدوى اللامبالاة. أما ما نأخذه على هذه الرواية فهو انتشار الأخطاء اللغوية في أجزاء من الرواية، وكأن عبده خال قد أنهكته أحداث الرواية وشخوصها، فأرسلها إلى المطبعة فور انتهائه منها. ويدلّ على ذلك تضارب في اسم شخصية زوج الأم، حيث يقول لنا طارق في صفحة 108 بأن اسمه (جمال المهندس)، إلا أنه عندما يعود ليكمل حكاية أمه بدءا من صفحة 233 نجد أن اسمه (غيث المهند)!

رواية جديرة بالقراءة أكثر من مرة، وذلك للزخم الحكائي الموجود فيها، وللبناء السردي المميز الذي أقامه المؤلف، ولقدرته على أن يؤلم القارئ ويقززه ويستفزه ويجعله يتفكر في نفسه وفي تطوحه ما بين استهانةٍ بالسقوط، وبين عجز عن كبح الذات من الانزلاق المستمر. في النهاية نقول بأن الرواية استحقت أن تكون بين ست روايات تتنافس على الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2010.

الأربعاء، 20 يناير 2010

أصوات متعددة بين الأمل والواقع: عرض لرواية "السيدة من تل أبيب"


عادة ما تشدّ القصصُ التي تتناول موضوع فلسطين اهتمامَ القارئ العربي، حتى لو لم تكن لراويها براعة (ربعي المدهون) في السرد. وهنا نتحدثُ عن روايته "السيدة من تل أبيب" الصادرة عام 2009 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. هي الرواية الأولى لهذا الصحافي والكاتب الفلسطيني الأصل، البريطاني الجنسية الذي أصدر سابقًا مجموعة قصصية، ودراسة، وسيرة ذاتية، إلا أن الحِرفية التي صِيغت بها الرواية تُشعر المرءَ بأن المدهون قصّاصٌّ متمرّس يجيد تطويع الرواية وأدواتها لخدمته.

أولّ ما يشدّ الانتباه في هذه الرواية ويسبب شكلا من أشكال الحيرة والتشويق لدى القارئ هو الغلاف، حيث تُقدَّمُ لنا رواية "السيدة من تل أبيب" من تأليف المدهون وإصدار المؤسسة العربية، ومعها أيضًا على الغلاف يظهر رجلٌ بجانبه رواية أخرى من إصدار المؤسسة العربية عنوانها "ظلان لبيت واحد" من تأليف كاتب اسمه (وليد دهمان). إذن فالغلاف هنا ليس مجرد غطاء لمحتويات الرواية وتعريف باسمها وكاتبها، بل أداة يستخدمها المدهون كي يُقحم القارئ منذ النظرة الأولى في مراوغةٍ سردية، كي يعرف أنه بصدد أكثر من كاتبٍ، وأكثر من رواية.

ولا بد من الاعتراف لربعي المدهون بقدرته الفائقة على التعامل مع اللغة، فهي هنا ليست مجرد وعاء يحمل الوصف والأحداث، بل أداة يتم توظيفها لخدمة العمل. ويتبدى ذلك جليًا على أكثر من مستوى، فمن ناحيةٍ نجد لغة السرد عربية فصحى سليمة، ولكنها بعيدة عن التفخيم والتنميق، بسيطة واضحة وسلسة. أما في الحوار فلا يُلزم المدهون نفسه بالوفاء للعربية الفصحى، وذلك لكي يضيفَ إليه عنصر الواقعية والحيوية، فتجد اللهجة الفلسطينية كي يقترب القارئ من الشخصيات والأرض التي تجري فيها أحداث الرواية. ولقد أحسنَ المدهون في استخدام اللهجة المحكية ببراعةٍ تذكرنا بعبدالرحمن منيف مثلا. إضافة إلى ذلك نجد بعض العبارات باللغة العبرية، وبعض الكلمات بالإنجليزية، وبعض الجمل بالعربية المكسّرة حين يتحدثها الإسرائيليون مع العرب.

تقع القصة في ثلاثة خطوط سردية يمسك بها الراوي (ربعي المدهون)، و شخصية (وليد دهمان) مؤلف رواية "ظلان لبيت واحد"، وشخصية الممثلة الإسرائيلية (دانا أهوفا). يفتتح القصة الراوي ربعي المدهون ليحكي لنا أصل حكاية وليد دهمان الصحافي الفلسطيني البريطاني الجنسية الذي سيسافر غدًا إلى غزة للقاء أمه بعد غربة دامت 38 عامًا، وهنا نتعرف إلى عائلة وليد وأصدقائه وحكايات صِباه في خان يونس، وسفره إلى القاهرة لإكمال دراسته، ثم مهجره الطويل الذي بدأ بعد اندلاع حرب 1967. وكلّ هذا (في 43 صفحة) ليس إلا مقدمة للرواية، حيث تتفاجأ في الصفحة 44 بالغلاف الداخلي لرواية "السيدة من تل أبيب"، وكأنها ستبدأ الآن فقط.

هنا ينتقلُ الصوت السردي من ربعي المدهون، تارة إلى وليد دهمان الذي يحكي لنا تفاصيل رحلته من مطار هيثرو إلى مطار بن غوريون، ولقاءه بجارته في الطائرة الممثلة الإسرائيلية دانا أهوفا، وتارة أخرى إلى دانا أهوفا التي تحكي لنا حكايتها مع حبيبها ورحلتها الأخيرة ولقاءها بوليد دهمان على الطائرة. ورغم التوجس المبدئي بين هذا الصحافي الفلسطيني والممثلة الإسرائيلية، إلا أنهما سرعان ما يتآلفان ويغرقان في حديث طويل، يخبرها فيه وليد بأنه يكتب روايته الرابعة عن فلسطيني اسمه (عادل البشيتي) يعود إلى فلسطين بعد غربة طويلة بحثا عن حبيبة قديمة اسمها (ليلى دهمان) فرقت بينهما الحروب، وبأنه (أي وليد) يريد أن يتابع أحداث الرواية من واقع زيارته هذه إلى غزة، ولكنه لم يجد اسمًا للرواية بعد. تقترح عليه اسم "ظلان لبيت واحد"، ويتبادلان عناوين البريد الإلكترونية للتواصل لاحقا.

بعد ذلك يبدأ القسمُ الأكبر من الكتاب، حيث نجد غلافا داخليًا آخر لروايةٍ بعنوان "ظلان لبيتٍ واحد" من تأليف وليد دهمان، وهنا يستمر تعدد الرواة ما بين المؤلف (وليد دهمان) و الراوي (ربعي المدهون) والممثلة (دانا أهوفا). ويتحدث هذا القسم عن وصول وليد إلى تل أبيب ثم غزة والأحداث التي جرت إلى أن عاد إلى لندن، إضافة إلى الأحداث التي مرّت بها دانا منذ وصولها وحتى سفرها إلى لندن قبل وليد. في هذا القسم يراوغنا وليد دهمان كثيرًا، فيفاجئنا بظهور شخصيتين من روايته إلى الواقع (واقع وليد دهمان)، فتتقاطع الشخصيات داخل الرواية الثانية (التي يكتبها وليد) مع شخصيات في الرواية الأولى (التي يكتبها ربعي)، وكأننا في مسرحية عبثية، فيلتقي وليد بعادل ويسهّل له النهاية التي كان يسعى إليها. ولكن في الحقيقة كل ذلك يحدث بطريقة غير فجة، بل جميلة وسلسة ومقنعة إلى حدٍ ما.

في هذا العمل يشتغل ربعي المدهون على أكثر من ثيمة كالحب والموت والحنين، إلا أن هناك عاملا مشتركا تصبّ فيه جميعًا هو الصراع مع الحياة، الرغبة في الخلاص من الماضي أو الحاضر إلى مستقبل أفضل. عادل البشيتي يريد الخلاص من غربته وفشله العاطفي، باحثًا عن الحب القديم من أجل مستقبل أجمل. دانا أهوفا تريد الخلاص من نمط حياتها وواقعها الذي تكرهه، متعلقة بالحب الذي سيمنحها مستقبلا أجمل. وليد دهمان يريد إنهاء غربته والعودة إلى أرضه وماضيه، آملا أن ينتهي ما فيها من موت و حروب. وكذلك أهل وليد في غزة يأملون أن ينتهي ما هم فيه من ألم ومذلة وموت، ليعيشوا على أرضهم بسلام.

لكنّ الصوتَ الأعلى في الرواية كلها هو صوت السأم من الواقع الفلسطيني-الإسرائيلي والحلمِ بالعيش المشترك في سلام وأمان. نجد ذلك لدى وليد دهمان الفلسطيني الذي يجلس إلى جانب ممثلة إسرائيلية يسارية على الطائرة ويصادقها، ويقول في نفسه: "أتمنى أن يخرج الفلسطينيون والإسرائيليون من ساحة الحرب إلى العيش المشترك. ونتمشى أنا وهي معًا، في أوتستراد طويل لا عداء فيه ولا معابر. لا اغتيالات ولا انتحاريين. لا مجندين ولا مقاومين. لا صهيونية ولا حركة تحرر وطني فلسطينية. لا انتفاضة ولا مستوطنات. لا شارون ولا عرفات. لا أبو مازن ولا شاؤول موفاز. لا شيوخ ولا مستوطنين. لا أباتشي ولا اف-16، ولا انتحاريين..." (ص 96). ونجده أيضًا لدى دانا أهوفا صاحبة الآراء اليسارية المناهضة للاستيطان والعنف الإسرائيلي، والتي تنخرط في علاقة حب مع ابن زعيمٍ عربي وقبل ذلك مع يهودي أوكراني الأصل رفض المشاركة في أعمال الجيش الإسرائيلي بعد ما رأى فيه من ممارسات غير إنسانية. ونجده مرة أخرى لدى أحد أقارب وليد الذي يقول في نقاش عائلي سياسي: "عارف..هوّ لو ما صارتش الانتفاضة الاولى، وظلينا ع شعار زمان دولة علمانية ديمقراطية يمكن كانو اندمجو الشعبين مع بعض لأنو كتير فلسطينية اتجوزو يهوديات من عرب اسرائيل وأخدو الهوية والجنسية" (ص 294). حتى عادل البشيتي الشخصية التي يكتبها وليد دهمان يصادق في الطائرة امرأة إسرائيلية. هذا وهناك أكثر من رمزٍ في الرواية يؤكد هذه الرسالة، فمثلا تلك الرواية التي يكتبها وليد دهمان لا يستطيع اختيار عنوانٍ لها، فيأتي العونُ من دانا التي تقترح "ظلان لبيت واحد"، دلالة على "العمل المشترك" الممكن بين دانا (الإسرائيلية) ووليد (الفلسطيني) للوصول إلى سلام يعمّ البيت الواحد الذي له ظل فلسطيني وآخر إسرائيلي. ولا يكتفي المدهون بذلك، بل يرسم مشهدًا رمزيًا صارخًا إن صحّ التعبير، حين يحاول الفلسطينيون عبور معبر إيريز إلى غزة، فيما تحاول فتاة فلسطينية تفجير نفسها بحزام ناسف، فتجعل الإسرائيليين يتشددون في الإجراءات، وبذلك "تنسف" آمال أبناء بلدها في "الوصول إلى أرضهم". ولاحقا في الرواية نسمع أقارب وليد دهمان يكيلون اللوم على أعضاء "حماس" الذين وظفوا هذه الفتاة وقادوها إلى محاولة التفجير تلك. ومن الجانب الآخر نجد شخصية (بني شلومو) الناشط ضد الاستيطان، والذي يتمنى سلاما شاملا دائما، ويقيم في كل عام عزاء خاصًا لأسحاق رابين، والذي يحب زيتون "غزّة" ويتمنى أن يقيم مطاعم يقدّم فيها الحمص والفلافل وزيتون غزة، لكنه يصطدم بممارسات الدولة الإسرائيلية في احتلال غزة وبناء المستوطنات.

برأيي إن ما يميّز هذه الرواية وربما يثير حولها بعض الجدل هو تقديم الآخر (العدوّ) بصورةٍ جديدة مختلفة عن المعهود في تصوير الشخصية الإسرائيلية. هنا يُحاول ربعي المدهون تغيير صورة العدوّ إلى صورة الإنسان الذي ربما لا يختلف عنا كثيرًا، بل ويتفق معنا في الرغبة في السلام. وقد يعيب الرواية المبالغة في تصوير الألفة التي تشكلت بين وليد ودانا في الطائرة، فمن بعض كلمات إلى طبطبة إلى ضغطةٍ حانية على اليد إلى مزاحٍ بالكلام إلى مزاحٍ بالأيدي، وكل ذلك في رحلة طائرة! من يقرأ هذا الجزء من الرواية لا يكاد يصدّق أنه يحدث بين فلسطيني وإسرائيلية، فما الذي يريده المدهون من ذلك؟ هل لأن الشخصيتين متفقتان على السلام؟ يبقى أن نقول بأنه رغم هذا التصوير المغالي في الأمل، يعود المدهون إلى الواقع في استدراك بعد نهاية الرواية في رمزٍ له دلالته، إلى التأكيد بأن وليد و دانا "لم يلتقيا ذلك المساء". وعلاوة على ذلك يبقى سؤال كبير معلق بين يدي القارئ بعد إفشال محاولة دانا أهوفا الأخيرة للتقريب بين الجانبين: من الذي أفشلها، الفلسطينيون أم الإسرائيليون، أم كلاهما؟

بعيدًا عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الأفكار السياسية التي قد تحملها الرواية، يبقى أن المدهون قدّم رواية ممتعة تحتوي على الجديد المبدع من حيث البناء الروائي، واللغة، وتناول الموضوع. وليس مستغربًا أن تكون هذه الرواية من بين ست روايات تتنافس على الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2010، وأن تكون قد صدرت منها مؤخرًا طبعة ثانية.

الثلاثاء، 13 مايو 2008

يوم عادي ، بالفول السوداني



قصة: شيرلي جاكسون
ترجمة: أحمد حسن المعيني

أوصد (جون فيليب جونسون) باب شقته خلفه وهبط السلم منطلقًا إلى الصباح الساطع مستشعرًا أنّ العالم بكل ما فيه على ما يرام في هذا اليوم الأروع من كل يوم. أولم تكن الشمسُ دافئة بهيجة؟ أولم يكن حذاؤه الجديد مريحًا؟ وكان واثقًا أنه قد اختار بلا شك ربطة العنق الأنسب لهذا اليوم والشمسِ وقدميه المرتاحتين، وفوق كل ذلك أليس العالم مكانًا رائعًا؟ وعلى الرغم من أن جونسون كان رجلا ضئيلا، وبرغم أن ربطة عنقه كانت قليلة الزَّهاء، إلا أنه كان يُشِعّ إحساسًا واثقًا بالإشراق والسعادة وهو يهبط الدرجات إلى الرصيف القذر، وكان يبتسم للمارين بجانبه، حتى أنّ بعضهم قد بادله الابتسامة. توقف عند كشك الجرائد على ناصية الشارع واشترى جريدته وهو يقول من كل قلبه "صباح الخير" للرجل الذي باعه الجريدة والشخصين أو الثلاثة الذين كان لهم حظّ الوجود هناك يشترون جرائدهم عندما مرّ جونسون. لم ينسَ أن يملأ جيوبه ببعض السكاكر والفول السوداني، وبعدها استعدّ للانطلاق باتجاه الحيّ السكني في المدينة. توقف عند بائع الزهور واشترى زهرةً لعروةِ معطفه، وما كاد يمشي حتى أهداها لطفلٍ صغير في عربة، نظر إليه باستغراب ثم ابتسم، فابتسم له جونسون، ونظرت أم الطفل إلى جونسون لدقيقةٍ، ثم ابتسمت هي أيضًا.

وعندما اجتاز بعض المباني الكبيرة في المدينة، قطع جونسون الشارع ومشى على طول شارع جانبي اختاره عشوائيًا. لم يكن يسلك الدرب نفسه كل صباح، بل كان يفضّل إيجاد طريقٍ حافلٍ بأحداثٍ جديدةٍ وانعطافاتٍ واسعة، كأنه جروٌ أكثر منه إنسانًا منكّبًا على عملٍ ما. وحدث هذا الصباح في منتصف المجمّع السكني أن توقفت شاحنة، وكان أثاث شقةٍ مركونًا على الرصيف، نصفه على السلم، بينما مجموعة من الناس تتلكأ متسلية بتفحص الخدوش على الطاولات والمواضع البالية على الكراسي، وامرأةٌ منزعجة- تحاول مراقبة طفلٍ صغيرٍ وناقلي الأثاث والأثاث في الوقت نفسه- بدا واضحًا أنها تحاول ستر حياتها الخاصة من الناس المحدقين في أغراضها. توقف جونسون، ولثانيةٍ انضمّ إلى الحشد، ثم تقدم ووضع يده على قبعته تلطّفًا وقال: "يمكنني أن أراقب طفلك لك".

استدارت المرأة وحملقت فيه بريبة، فأضاف جونسون بسرعة: "سنجلس هنا على السلم". أومأ إلى الصبيّ الذي تردد ثم استجاب لابتسامة جونسون الودودة. أخرج جونسون من جيبه حفنة من الفول السوداني وجلس على السلم مع الصبيّ الذي رفض قبول الفول السوداني، لأن والدته لم تكن تسمح له أن يقبل طعامًا من الغرباء. فقال له جونسون بأن والدته ربما لم تقصد الفول السوداني، فحتى الفيلة في السيرك تأكله. فكّر الصبي ثم قبِلَ بتحفظ. جلسا على السلم يقرضان الفول السوداني كأنهما رفيقان، وقال جونسون: "إذن فأنتم تنتقلون إلى منزل جديد؟". قال الصبي: "نعم".

- إلى أين تذهبون؟
- فيرمونت.
- مكانٌ جميل. هناك الكثير من الثلج، وسكاكر القيقب كذلك. أتحب سكاكر القيقب؟
- أكييد.
- هناك الكثير من سكاكر القيقب في فيرمونت. هل ستعيشون في مزرعة؟
- سنسكن مع جدّي.
- أيحب جدّك الفول السوداني؟
- أكيد.

قال جونسون مادًا يده إلى جيبه: "لا بد إذن أن تأخذ له بعضًا منه. أذاهب أنت وماما فقط؟"
- نعم.

قال جونسون: "اسمع ، خذ بعض الفول السوداني لتأكله في القطار". بدا أن والدة الصبي حكمت بأن جونسون محل ثقة بعد استراقها النظر إليهما بين الفينة والأخرى، لذا انكبّت بكلّها على التأكد من أن ناقلي الأثاث لم يكسروا رجل طاولةٍ أو يهووا بكرسيٍ على مصباح- وهُم نادرًا ما يفعلون ذلك رغم أن كل ربة بيت تعتقد أنهم سيفعلون. في ذلك الوقت كان أغلب الأثاث قد حُمّل إلى الشاحنة وكانت هي شديدة القلق عندما أدركت أنها نسيت أن تحزم غرضًا ما- قد يكون مخبئًا خلف دولاب، أو منسيًا عند أحد الجيران، أو على حبل الغسيل- وكانت تحاول أن تتذكر ذلك الشيء بتوترٍ ظاهر.

قال رئيس العمّال مضيفًا إلى رعبها: "أهذا كل شيء يا سيدتي؟". وقال العامل للصبي ضاحكًا: "هل تريد أن نضعك في الشاحنة مع الأثاث يا صغيري؟". ضحك الصبي وقال لجونسون: "أظنني سأمضي وقتًا جميلا في فيرمونت". قال جونسون للصبي ناهضًا: "بل وقتًا رائعًا. خذ حبة فول أخرى قبل الذهاب". وقالت والدة الصبي لجونسون: "أشكرك جدًا. لقد أسديتَ لي خدمة كبيرة". ردّ جونسون بودّ: "لا داعي للشكر. أين تقصدون في فيرمونت؟". نظرت الأم إلى الصبي باتهام، وكأنه أفشى سرًا مهمًا، ثم قالت على مضض: "جرينتش". قال جونسون: "مدينة رائعة". أخرج بطاقة وكتب اسمًا على ظهرها ثم قال: "يقيم في جرينتش صديقٌ عزيزٌ جدًا لي. اتصلي به إن احتجتِ أي شيء." ثم أضاف قائلا للصبي في وقار: "زوجته تُعِدّ أفضل كعكٍ محلّى في جرينتش".

- رائع!
- مع السلامة.

مضى في طريقه يدقّ الأرض بحذائه الجديد، مستشعرًا دفء الشمس على ظهره وفوق رأسه. وفي منتصف الطريق رأى كلبًا ضالا فأطعمه حبة فولٍ سوداني. وعند ناصية الشارع حيث واجهه شارعٌ واسعٌ آخر قرر جونسون العودة للحي السكني. وفي هذه المرة كان يتحرك بكسلٍ مقارنة بالمرة السابقة حتى أنّ العابرين من جانبيه كانوا مستعجلين مقطّبين، وكانوا يلكزونه بمرافقهم وهم يتجهون للجهة الأخرى من الشارع، مسرعين ليصلوا إلى مكانٍ ما بسرعة. توقف جونسون عند كل إشارة مرور وانتظر بصبرٍ حتى تتغير الإشارة للعبور، وكان يبتعد عن طريق أي شخص يبدو في عجلةٍ من أمره، إلا أنّ شابة اقتربت بسرعةٍ شديدة نحوه وصدمته بقوة عندما انحنى ليداعب قطة صغيرة هربت إلى الرصيف وأصبحت غير قادرة الآن على العودة بين الأقدام المسرعة. قالت الشابة محاولة في نزق أن ترفع جونسون من الأرض وتعجّل إلى طريقها في الوقت نفسه: "معذرة. أنا آسفة جدًا".

أسرعت القطة الصغيرة إلى بيتها رغم الخطر. قال جونسون وهو يعتدل في وقفته: "لا عليكِ. يبدو أنكِ مستعجلة". قالت الشابة: "بالطبع أنا مستعجلة. إنني متأخرة". كانت شديدة النزق، وبدا ذلك التقطيب الذي بين عينيها أنه سيُخلّد هناك. من الواضح أنها نهضت من النوم متأخرة، حيث أنها لم تمض أي وقتٍ إضافي لتجميل نفسها، وكان ثوبها بسيطًا جدًا غير مزخرف بقلادةٍ أو دبوسٍ زيني، وكان أحمرُ شفاهها غير متساوٍِ على الشفتين. حاولت أن تمرّ من جانب جونسون بسرعة، إلا أنه- مُخاطرًا بما قد يسببه من استياء وريبة- أمسكها برفق من مرفقها وقال: "لحظة من فضلك".

قالت بنبرةٍ مُنذِرة: "اسمع، لقد صدمتك ويمكن لمحاميك أن يتحدث مع محاميّ وسأدفع بكل ترحاب ثمن كل الأضرار التي تسببت بها، ولكن أرجوك دعني أذهب الآن فأنا متأخرة". قال جونسون: "متأخرة عن ماذا؟" مجربًا عليها ابتسامته الرابحة دومًا، ولكن ابتسامته- حسب ظنه- لم تفعل أكثر من أن تمنعها من الإطاحة به أرضًا مرة أخرى. قالت وهي تصرّ على أسنانها: "متأخرة عن العمل. متأخرة عن وظيفتي. لديّ وظيفة وإن تأخرت خسرتُ ساعة بالضبط ولا يمكنني تحمل ما تكلفني إياه محادثتك اللطيفة، حتى وإن كانت لطيفة جدًا".
قال جونسون: "سأدفع ثمن ذلك". كانت تلك كلمات سحرية، ليس بالضرورة لأنها كانت حقيقية، أو لأنها كانت تتوقع بجد أن يدفع جونسون أي شيء، ولكن لأن جملة جونسون المباشرة، الخالية من السخرية، لا يمكن أن تكون، وهي صادرة عن جونسون، غير كلام رجل مسؤول وصادق ومحترم. سألتْ: "ماذا تقصد؟".

- قلتُ بأنه ما دمتُ أنا السبب في تأخيرك، عليّ أن أدفع ثمن ذلك.

قالت، ولأول مرة اختفى عبوسها: "لا تكن سخيفًا. لا أتوقع منك أن تدفع أي شيء..قبل دقائق كنتُ أنا من أعرض عليك أن أدفع لك". ثم أضافت، تكاد تبتسم: "على أية حال، كان خطأي أنا".

- ماذا يحدث إن لم تذهبي للعمل؟

حدّقت فيه وقالت: "لا أستلم أجري لذلك اليوم".
فقال جونسون: "بالضبط".
قالت: "ماذا تقصد بقولك بالضبط؟ إن لم أكن في العمل منذ عشرين دقيقة بالضبط أخسر دولارا وعشرين سنتا، أو سِنتين لكل دقيقة، أو..." فكّرت ثم أضافت: "حوالي عشرة سنتات للوقت الذي أمضيته في الحديث معك".

ضحك جونسون وأخيرًا ضحكت هي. قال: "إنكِ الآن متأخرة على أية حال. هلا أعطيتني ما قيمته أربعة سنتات أخرى؟".

- ولكن لماذا؟

قال جونسون: "سترَين". قادها إلى جانب الرصيف حذو البنايات وقال: "قفي هنا"، ثم دخل في معمعة الناس السائرين في الاتجاهين. كان يختار ويفكر كما يفكر من سيقرر اختيارًا يحتوي ربما سنوات كاملة في حياة شخصين. كان يحاول تقييم الناس من حوله، وفي مرة كاد أن يتحرك، ثم تراجع في آخر لحظة. أخيرًا، رأى ما أراده على بعد نصف صفٍ من البنايات، وتحرك إلى مركز المعمعة ليعترض سبيل شاب كان يُسرع، يبدو من هيئته وكأنه استيقظ متأخرا، وكان عابسًا.

تأفف الشاب لأن جونسون لم يفكر لاعتراض سبيله في طريقة أفضل من الطريقة التي استخدمتها الشابة معه دون قصد. قال الشاب بغلظة: "ألا ترى طريقك يا هذا؟". قال جونسون بنبرةٍ مُوحية بشيء ما: "أريد أن أتحدث إليك". نهض الشاب بعصبية نافضًا الغبار عن ملابسه ومحدقًا في جونسون: "لماذا؟ ماذا فعلت؟". قال جونسون بنبرة شكوى: "هذا أكثر ما يزعجني في الناس هذه الأيام، فهم إن فعلوا شيئًا أو لم يفعلوا يظنون أن أحدًا يلاحقهم. أريد أن أتحدث إليك عن شيء ستفعله". قال الشاب محاولا تجاوز جونسون: "اسمع، إنني متأخر وليس لدي وقت لأسمعك. خذ العشرة سنتات هذه وانصرف". دسّ جونسون الورقة في جيبه وقال: "شكرًا لك. اسمع، ماذا سيحدث إن لم تسرع في مشيك الآن؟". قال الشاب وما زال يحاول أن يعبر من جانب جونسون الذي كان فجأة ملتصقًا به: "إنني متأخر". سأله جونسون: "كم يُدفع لك في الساعة؟". ردّ الشاب: "هل أنت شيوعي؟ هلا سمحت بأن تدعني..." فقال جونسون بإلحاح: "لا. كم؟" فتمتم الشاب: "دولار ونصف. والآن هلا..."

- هل تحب المغامرة؟

حدّق فيه الشاب، وبينما كان محدقًا وجد نفسه قد قبضت عليه ابتسامة جونسون الودودة. كاد أن يبتسم له ثم كتمها وحاول أن ينسلّ: "عليّ أن أسرع".

- تحب الغموض؟ المفاجآت؟ الأحداث المبهجة غير العادية؟
- هل تبيع شيئًا؟
- بالطبع. هل تريد أن تجرب؟

تردد الشاب، وهو يتطلع إلى الشارع الذي ربما كان وُجْهَتَه، حينما قال جونسون بنبرة التوكيد المقنعة: "سأدفع ثمن ذلك"، فاستدار وقال: "حسنًا. ولكن يجب أن أرى بنفسي أولا ما سأشتريه".

قاد جونسون الشابَ وهو يتنفس بصعوبة إلى جانب الرصيف حيث كانت تقف الشابة. كانت تراقب باهتمام كيف أمسك جونسون بالشاب، والآن تبتسم بخوفٍ وتنظر إلى جونسون وكأنه لم يعد هناك ما يفاجئها. أخرج جونسون محفظته من جيبه وقال مادًا ورقة نقدية إلى الشابة: "تفضلي. هذا يساوي تقريبًا أجر يوم من عملك". إلا أنها قالت باستغراب رغما عنها: "لا لا.. أقصد لا يمكنني...". قاطعها جونسون: "دعيني أكمل لو سمحتِ". ثم قال للشاب: "وتفضل. هذه لك". قبل الشاب الورقة النقدية وهو مبهور ولكنه قال من زاوية فمه للشابة: "ربما تكون مزيفة". وتابع جونسون متجاهلا الشاب: "والآن، ما اسمكِ آنستي؟". قالت باستسلام: "كينت. ميلدرد كينت". قال جونسون: "جميل. وما اسمكَ سيدي؟". قال الشاب بتصلّب: "آرثر آدمز". فقال جونسون: "رائع. والآن آنسة كينت أودّ أن أعرفك على السيد آدمز. سيد آدمز، هذه الآنسة كينت". حدّقتْ الآنسة كينت ورطّبت شفتيها بتوتر، وصدرت عنها حركة ترددٍ تشي بالهروب، وقالت: "كيف حالك؟". انتصب آدمز وقطّب لجونسون، وصدرت عنه حركة ترددٍ تشي بالهروب وقال: "كيف حالكِ؟". قال جونسون وهو يخرج عدة أوراق نقدية من محفظته: "هذا سيكفي لمصاريف يوم. أقترح عليكما زيارة جزيرة كوني-رغم أنني لستُ مغرما بها- أو ربما غداءً في مكانٍ ما ورقصة لطيفة، أو حفلة نهارية أو حتى فيلما، ولكن احرص على اختيار فيلمٍ جيد. هناك الكثير من الأفلام الرديئة هذه الأيام". وأضاف كأنه اُلهِمَ: "أو ربما تزوران حديقة حيوانات برونكس، أو القبة الكونية" وانتهى بقوله: "أيّ مكان تودان الذهاب إليه. استمتعا بوقتكما".

وبينما هو يشرع بالانصراف، قال آرثر آدمز متخلصًا من تسمّره وذهوله: "ولكن مهلا يا سيدي. لا يمكنك فعل هذا.كيف تعرف..أقصد أننا لا نعرف...أقصد كيف تعرف أننا لن نأخذ المال ولا نفعل ما قلته؟". قال جونسون: "لقد أخذتما المال. لستما ملزمَين باتباع اقتراحاتي. قد يخطر ببالكما شيئًا تفضلان القيام به- ربما زيارة متحفٍ أو أي شيء آخر".

- هَب أنني أخذتُ المال وهربت وتركتها هنا؟

قال جونسون بهدوء: "إنني واثق من أنك لن تفعل؛ لأنك سألتني هذا السؤال. مع السلامة". ثم انصرف.

وبينما هو يمضي في الشارع، شاعرًا بالشمس فوق رأسه وحذائه المُريح، سمع من مكانٍ ما خلفه الشاب يقول: "اسمعي. تعرفين أنك لستِ ملزمة بذلك إن لم ترغبي" والشابة تقول: "إلا إذا كنت أنت لا تريد...". ابتسم جونسون وفكر في أنه يجب أن يسرع. يستطيع المشي بسرعة عندما يريد، وقبل أن تقول الشابة: "موافقة إذا كنت أنت موافق" كان جونسون قد قطع عدة بنايات وتوقف مرتين، مرة ليساعد سيدة في تحميل بعض الحقائب في سيارة أجرة، ومرة ليقدم حبة فول سوداني إلى نورس.عندها كان موجودًا في منطقة بها الكثير من المحلات وعددًا أكبر من الناس، وكان يُلكز باستمرار من الجانبين إثر مرور الناس المسرعين النزقين المتأخرين المتجهمين. في مرةٍ قدّم حبة فول سوداني إلى رجل طلب منه عشرة سنتات، ومرة أعطى حبة فول سوداني لسائق باص توقف عند تقاطع مروري وأخرج رأسه من النافذة وكأنه مشتاق إلى الهواء النقي والحركة المرورية الأهدأ نسبيًا. أما الرجل الذي أراد العشرة سنتات فقد أخذ حبة الفول لأن جونسون ربط حولها دولارا، وأما سائق الباص فأخذ حبة الفول وسأل ساخرًا: "تريد توصيلة يا صاح؟".

وفي زاويةٍ مزدحمة صادفَ جونسون شابًا وفتاة- وظنّ لأول وهلة أنهما ميلدرد كينت وآرثر آدمز- يتفرسان باهتمام بالغ في جريدة، مسندَين ظهريهما إلى واجهة محل ليتفاديا المارين، ورأساهما منحنيان بتوافق. انحنى جونسون بفضوله اللامتناهي بجانبهما وأطلّ من فوق كتف الشاب. كانا يبحثان في ركن الشقق الشاغرة. تذكر جونسون الشارع الذي كانت فيه المرأة وابنها الصغير ينطلقان إلى فيرمونت، فنقر بإصبعه على كتف الشاب وقال بودّ: "جرّب في شارع ويست سفنتين، قرب منتصف المجمّع السكني، حيث انتقل أناس من هناك صباح اليوم". قال الرجل: "ماذا ت..." ثم رأى جونسون بوضوح وقال: "شكرًا. أين قلت بالضبط؟" فقال جونسون: "ويست سفنتين، قرب منتصف المجمّع". ابتسم مجددًا وأضاف: "حظّا طيبًا". شكره الشاب والفتاة فقال لهما مودعًا: "مع السلامة".

تناول غداءه وحيدًا في مطعمٍ جيد، حيث كان الطعام دسمًا، ولولا قدرة جونسون الهضمية المميزة لما أمكنه أن يحلّي بكعكتَي الكريما المخفوقة مع الشوكولاته والرمّ. احتسى ثلاثة أقداح من القهوة وبقشش الجرسون بسخاء، ثم خرج إلى الشارع مجددًا إلى ضوء الشمس الرائع، وحذاؤه ما زال مُريحًا. وفي الخارج وجد متسولا يحدّق في نوافذ المطعم الذي خرج منه للتو، وتمعّن في المال الذي في جيبه ثم اقترب من المتسول ودسّ بعض القطع والأوراق النقدية في يده، ثم قال: "هذا ثمن شريحة لحم عِجل مع بقشيش. مع السلامة".

أخذ قسطًا من الراحة بعد الغداء. مشى إلى أقرب حديقة وأطعمَ الحمام بعض الفول السوداني. وعندما استعد للعودة إلى المدينة كان الوقت عصرًا، حيث كان قد حكّم جولتين في لعبة الدامة، وراقب ولدًا صغيرًا وصبية كانت أمهما قد نعست ثم استيقظت متفاجئة ومذعورة إلا أنها ارتاحت عندما رأت جونسون. وزّع كل ما معه من سكاكر تقريبا، وأطعم الحمام كل ما بقي معه من فول سوداني، وجاء وقت العودة إلى المنزل. وبالرغم من أن شمس العصر كانت منعشة، وما يزال حذاؤه مُريحًا، قرر أن يستقل تاكسيًا إلى مركز المدينة.

وجد صعوبة في إيقاف تاكسيّ، لأنه تنازل عن أول ثلاثة أو أربعة تاكسيات شاغرة لأشخاصٍ بدوا أكثر حاجة إليها منه. وفي النهاية وقف وحيدًا في الناصية- وكأنه يتربص بسمكة صعبة الصيد- وأخذ يلوّح دون توقف حتى نجح في إيقاف تاكسي كان يسرع باتجاه الحي السكني، وبدا أنه يقترب من جونسون بعكس إرادته. قال سائق التاكسي لجونسون فور دخوله السيارة: "سيدي.لا بد أنك فأل خير. لم أكن أنوي أن أقف لك أبدًا". قال جونسون في حيرة: "هذا طيب منك". قال السائق: "لو لم أقف لك لكلفني ذلك عشرة دولارات". سأله جونسون: "حقا؟". قال السائق: "نعم. خرج للتو من سيارتي رجلٌ ثم استدار وأعطاني عشرة دولارات وقال لي خذها وراهن بها بسرعة على خيل اسمه فولكان، الآن الآن". قال جونسون في نبرة خوف: "فولكان؟ برجٌ ناري في يوم أربعاء*؟". ردّ السائق: "نعم؟ على العموم قلتُ لنفسي إن لم أحصل على أجرة من هنا إلى حلبة السباق سأراهن بالعشرة، ولكن إذا وجدت أحدًا شديد الحاجة إلى تاكسي سأعتبر ذلك فألا حسنا وآخذ العشرة إلى زوجتي". قال جونسون بحماس: "أحسنتَ صنعًا. إنه يوم أربعاء وكنتَ ستخسر مالك. الإثنين نعم، أو حتى السبت، ولكن أبدًا أبدًا لا تراهن على برجٍ ناريٍّ في أربعاء. الأحد سيكون جيدًا". قال السائق: "فولكان لا يسابق يوم الأحد". قال جونسون: "انتظر يومًا آخر. آخرُ هذا الشارع من فضلك. سأنزل عند الناصية القادمة". قال السائق: "لكنه قال لي فولكان". فقال جونسون مترددًا وباب السيارة نصف مفتوح: "اسمع. خذ العشرة دولارات تلك وسأعطيك عشرة أخرى، وراهن بالمال في أي خميس على أي خيل يحمل اسمًا يشير إلى..دعني أفكر..الخميس..نعم، الحبوب. أو أي طعام ينبت". قال السائق: "حبوب؟ تعني أن يكون اسم الخيل شيئا مثل القمح أو ما شابه؟". قال جونسون: "بالضبط. لأسهّل عليك الأمر، أي خيل يحمل اسمًا يحتوي على الأحرف (ط) (ل) (ر) (ذ)". قال السائق وقد برقت عيناه: "ذرة طويلة؟ تقصد أن يكون اسم الخيل ذرة طويلة". قال جونسون: "بالضبط. تفضّل المال". قال السائق: "ذرة طويلة. شكرًا جزيلا سيدي". ودعه جونسون قائلا: "مع السلامة".

صعد من فوره إلى شقته، دلف إليها ونادى: "مرحبا؟"، فردّت زوجته من المطبخ: "مرحبا عزيزي. كأنك مبكر اليوم!". قال جونسون: "أخذت تاكسيًا إلى البيت. ولم أنسَ فطيرة الجبن كذلك. ماذا أعددتِ للعشاء؟". جاءت زوجته من المطبخ وقبّلته. كانت مرتاحة تبتسم له كما ابتسم. سألته: "أكان يومًا شاقًا؟" قال جونسون وهو يعلّق معطفه في الدولاب: "ليس كثيرًا. ماذا عنكِ؟". قالت: "بين بين".وقفت على ممر المطبخ بينما كان يرتاح على كرسيه ويخلع حذاءه المريح ويخرج الصحيفة التي اشتراها صباحًا. قال جونسون: "لم يكن الأمر سيئًا جدًا. شاب وشابة".

- جميل. أنا أخذتُ قيلولة بعد الظهر. كنت مرتاحة أغلب النهار. ذهبتُ إلى متجر صباح اليوم واتّهمتُ المرأة التي بجانبي بسرقة شيء من المحل، وجعلت ضابط الأمن في المتجر يمسك بها. بلّغتُ عن ثلاثة كلاب سائبة لتُرسل إلى محجر الكلاب- كالعادة مثل ما تعرف. آه تذكرت، اسمع..
- ماذا؟
- ركبتُ باصًا وطلبت من السائق توصيلة. وعندما أعطى التذكرة لأحدٍ قبلي قلتُ أن هذه وقاحة وتشاجرت معه، وقلتُ لماذا لم يكن في الجيش؟ وقلتها بصوتٍ عال كي يسمعها الجميع، ثم أخذتُ رقمه وقدّمتُ شكوى بشأنه. أظنه طُرِد.
- جميل. ولكنكِ تبدين متعبة. أتريدين أن تغيّري معي غدًا؟
- أودّ ذلك فعلا. أظنني محتاجة للتغيير.
- حسنًا. ماذا أعددتِ للعشاء؟
- شريحة لحم عِجل.
- أكلتها على الغداء.



* فولكان إله النار عند الرومان.

الأحد، 13 مايو 2007

تشارلز


قصة: شيرلي جاكسون
ترجمة: أحمد حسن المعيني


في اليوم الذي بدأ فيه (لوري) الدراسة في الروضة، ودّع البنطال القطني ذا الحمالتين، والصديريّات، وارتدى الجينز الأزرق والحزام. راقبته في أول صباح ذاهبًا مع ابنة الجيران الأكبر منه، مدركة أن مرحلة من حياتي قد انتهت، فطفل الحضانة بصوته الرقيق تحوّل إلى شخص مختال طويل البنطال نسيَ أن يقف عند زاوية المنزل ليلوّح لي مودّعًا.

عاد إلى المنزل بالطريقة نفسها، بدويّ الباب نفسه، والقبعة الملقاة على الأرض، وفجأة يأتي صوته الخشن صاحئا: "ألا يوجد أحد هنا؟"

على الغداء تحدّث بوقاحةٍ إلى أبيه، ودلق حليب أخته الرضيعة، وذكر أن معلّمته قالت بأنه يُفترض بنا ألا نذكر اسم الرب عبثًا.

سألته عَرَضًا: "كيف كانت المدرسة اليوم؟"، فأجاب "جيدة". وسأله والده: "هل تعلمتَ شيئًا؟". نظر لوري إلى والده ببرود وقال: "لم أتعلم ولا شيء". فصححّتُ له قائلة: "أي شيء. لم أتعلم أيّ شيء".

قال لوري وهو يمسح الزبدة على رغيف خبز: "ولكنّ المعلّمة عاقبت ولدًا"، ثم أضاف وفمه مليء بالطعام: "لأنه كان مشاغبًا". فسألته: "ماذا فعل؟ ومن هو؟". فكّر لوري ثم قال: "اسمه تشارلز. كان مشاغبًا. عاقبته المعلّمة وجعلته يقف في زاوية الفصل. كان شديد الشغب". سألتُ مجددًا: "ماذا فعل؟" إلا أن لوري انسلّ من فوق كرسيه، وأخذ كعكة ثم تركنا بينما كان والده يخاطبه.

في اليوم التالي قال لوري على الغداء فور جلوسه: "تشارلز كان سيئًا اليوم أيضًا". علت وجهه تكشيرةٌ كبيرة وهو يقول: "اليوم ضرب تشارلز المعلّمة". "يا إلهي" قلتها منتبهة إلى اسم الرب، "لا بد أنه عوقب مجددًا، صحيح؟". أجاب لوري: "أكيد". ثم قال لوالده: "انظر للأعلى". سأله والده ناظرًا للأعلى: "ماذا هناك؟". فقال لوري: "انظر للأسفل. انظر إلى اصبعي. هيا بسرعة..كم أنت غبي". وبدأ يضحك بجنون.

سألتُ بسرعة: "لماذا ضرب تشارلز المعلّمة؟". قال لوري: "لأنها حاولت أن تجعله يلوّن بأقلام تلوين حمراء. أراد تشارلز أن يلوّن بالأخضر فضربها ثم عاقبته وقالت لنا ألا نلعب مع تشارلز، ولكن الجميع لعب معه".

في اليوم الثالث- وقد كان الأربعاء من أول أسبوع- لوّح تشارلز بنوّاسة على رأس صبية فأدماها، فأجلسته المعلّمة في الفصل طوال وقت الفسحة. في يوم الخميس أوقفته المعلّمة في زاوية الفصل خلال حصة القصص لأنه كان يضرب بقدميه على الأرض. في يوم الجمعة حُرم تشارلز من الكتابة على السبورة لأنه كان يرمي بالطباشير.

في يوم السبت قلت لزوجي: "هل تعتقد أن الروضة شديدة التشويش على لوري؟ كل هذه الخشونة والأخطاء اللغوية، ويبدو أن لذلك الولد تشارلز تأثيرًا سيئًا عليه". قال زوجي مُطَمْئنًا: "سيكون كل شيء على ما يرام. لا بد أن يوجد أشخاص في العالم مثل تشارلز. قد يصادفهم اليوم كما يصادفهم غدًا".

وفي يوم الإثنين عاد لوري إلى المنزل متأخرًا، ومُحملا بالأخبار. صاح وهو يقترب: "تشارلز". كنتُ أنتظر بقلق على الدرجات الأمامية للمنزل. قال وهو يصعد التلة: "تشارلز كان سيئًا اليوم أيضًا". قلتُ فور اقترابه: "ادخل، فالغداء جاهز".

سأل بإلحاح وهو يتبعني: "أتعرفين ماذا فعل؟. لقد صرخ عاليًا في المدرسة حتى أنهم أرسلوا ولدًا من الصف الأول ليقول للمعلّمة يجب عليها أن تُسكت تشارلز، لذا أبقتْهُ في المدرسة بعد انتهاء الحصص. وهكذا بقي جميع الأطفال ليشاهدوه".

سألتُ: "ماذا فعل؟"، فقال لوري وهو يصعد على كرسيه أمام الطاولة: "كان جالسًا هناك فقط".

- مرحبا بابي يا بابي..يا ممسحة الترابي..

قلتُ لزوجي: "أُبقيَ تشارلز في المدرسة بعد انتهاء الحصص".

- الكل جلس معه.

سأل زوجي لوري: "كيف يبدو هذا التشارلز؟"

- ما اسم ابيه؟

قال لوري: "إنه أكبر مني. وليس لديه أية ممحاوات ولا يرتدي حتى معطفًا".

مساء الاثنين كان أول اجتماع أولياء الأمور مع المعلّمين، ولم يمنعني من الحضور سوى أن طفلتي أصيبت بنزلة برد. كنتُ أرغب بشدة في لقاء والدة تشارلز. في يوم الثلاثاء قال لوري فجأة: "اليوم كانت هناك زيارة لمعلّمتنا في المدرسة".

فسألتُ وزوجي بصوت واحد: "والدة تشارلز؟". قال لوري بامتعاض: "لاااا. كان رجلا، وقد جعلنا نؤدي بعض التمارين. هكذا". قفز من كرسيه ثم قرفص ولمس أصابع قدميه. عاد بكآبة إلى كرسيه والتقط شوكته ثم قال: "تشارلز لم يؤدي التمارين حتى". قلت بحماس: "لا بأس. ألم يرغب تشارلز في تأدية التمارين؟". فقال لوري: "لااااا. كان مشاغبًا جدًا مع صديق المعلّمة، حتى أنه لم يُسمح له بأداء التمارين". قلتُ: "مشاغبًا مرة أخرى؟".

قال لوري: "لقد ركل صديق المعلّمة. طلب صديق المعّلمة من تشارلز أن يلمس أصابع قدميه كما فعلتُ للتو، فركله تشارلز".

سأله والده: "ماذا تعتقد أنهم سيفعلون بشأن تشارلز؟". هزّ لوري كتفيه وقال: "أظنهم سيطردونه من المدرسة".

كان يوما الأربعاء والخميس اعتياديين: تشارلز صرخ في حصة القصص وضرب ولدًا في بطنه فأبكاه. وفي يوم الجمعة بقي تشارلز بعد انتهاء الحصص مرة أخرى وبقي معه الأطفال الآخرون.

ومع حلول الأسبوع الثالث من الروضة أصبح تشارلز عُرفا في أسرتنا: كانت الطفلة تشارلزًا عندما بكت طوال الظهيرة. ارتكب لوري تشارلزًا عندما ملأ عربته بالوحل وسحبها على أرضية المطبخ. حتى زوجي، عندما اشتبك مرفقه بسلك الهاتف وأطاح بالهاتف ومنفضة السجائر والمزهرية من على الطاولة، قال بعد دقيقة: "كان ذلك تشارلزيًا".

خلال الأسبوعين الثالث والرابع بدا أن هناك تغييرًا إصلاحيًا في تشارلز. أخبرنا لوري على الغداء في يوم الخميس من الأسبوع الثالث بتجهم: "كان تشارلز جيدًا جدًا اليوم وأعطته المعلّمة تفاحة".

قلت: "ماذا؟؟" وأضاف زوجي بحذر: "تقصد تشارلز؟". قال لوري: "تشارلز. قام بتوزيع أقلام التلوين على الأطفال وجمع الكتب لاحقا من الجميع، وقالت المعلّمة بأنه كان خير مُعاون". سألتُ باستنكار: "ما الذي حدث؟". قال لوري هازا كتفيه: "كان مُعاونًا لها. هذا كل شيء".

سألتُ زوجي تلك الليلة: "هل يمكن أن يكون هذا حقيقة؟ ذلك الأمر مع تشارلز؟ هل يمكن أن يحدث شيء كهذا؟". قال زوجي بشكّ: "انتظري وسنرى. عندما يكون شخص كتشارلز، قد يعني الأمر أنه يخطط لشيء ما".
بدا أنه كان مخطئًا. لأكثر من أسبوع كان تشارلز مُعاونًا للمعلّمة. كل يوم كان يوزّع بعض الأشياء في الفصل ويجمعها. ولم يعد يبقَ أحدٌ بعد انتهاء الحصص.

قلت لزوجي ذات مساء: "اجتماع أولياء الأمور والمعلّمين الأسبوع القادم. سأرى والدة تشارلز هناك". قال زوجي: "اسأليها ماذا حدث لتشارلز. أودّ أن أعرف". فقلت: "أودّ أن أعرف أنا أيضًا".

في جُمعة ذاك الأسبوع عادت الأمور كما كانت. سأل لوري على طاولة الغداء بصوت يشوبه قليل من الخوف: "أتعرفان ما فعل تشارلز اليوم؟ قال لطفلة أن تقول كلمة، وقالتها، فغسلت المعلّمة فم الطفلة بالصابون بينما كان تشارلز يضحك".

سأله والده بغير حكمة: "أي كلمة؟" فقال لوري: "عليّ أن أهمس بها لك، فهي بذيئة جدا". نزل من كرسيه وذهب إلى والده. احنى والده رأسه وهمس له لوري بمرح. اتسعت حدقتا والده وسأل: "هل قال تشارلز للطفلة أن تتلفظ بهذا؟". قال لوري: "قالتها مرتين. قال لها تشارلز أن تقولها مرتين". فسأل زوجي: "وماذا حدث لتشارلز؟". قال لوري: "لا شيء. كان يوزّع أقلام التلوين".

في صباح الاثنين تخلى تشارلز عن الطفلة وقال الكلمة البذيئة بنفسه ثلاث أو أربع مرات، وغُسِل فمه بالصابون في كل مرة. وقد رمى بالطباشير أيضًا.

رافقني زوجي ذلك المساء إلى الباب بينما كنت متجهة إلى اجتماع أولياء الأمور. قال: "ادعيها لشرب الشاي بعد الاجتماع. أريد أن أراها". قلتُ برجاء: "إن كانت موجودة". فقال زوجي: "ستكون هناك. لا أتصور أنهم يعقدون اجتماعًا كهذا دون حضور والدة تشارلز".

في الاجتماع جلستُ متململة، أتفحص كل وجهٍ كهلٍِ مرتخ، أحاول أن أحدد أيها يخفي سرّ تشارلز. لم يبد أي وجه منهكًا بما فيه الكفاية. لم تقف واحدة في الاجتماع لتعتذر عن سلوك ابنها، ولم يذكر أحدٌ تشارلز.

بعد الاجتماع بحثتُ عن معلّمة لوري في الروضة. كانت تحمل صحنًا وكوب شاي وكعكة شوكولاتة. وكنت أحمل صحنًا وكوب شاي وكعكة خطميّ. ناورنا حول بعضنا بحذر وابتسمنا.

قلتُ: "كنت متلهفة للقائك. أنا والدة لوري". فقالت: "نحن كلنا مهتمون بلوري". قلت: "أنا متأكدة من أنه يحب الروضة. إنه يتحدث عنها طوال الوقت". قالت بتكلف: "كنا نعاني من مشكلة التكيّف في أول أسبوع أو أكثر، ولكن الآن هو متعاون بشكل جيد. مع بعض الانتكاسات بالطبع". قلت: "عادة ما يتكيف لوري بسرعة شديدة. أظنّ الأمر متعلق بتأثير تشارلز عليه".

- تشارلز؟

قلت ضاحكة: "نعم، لا بد أن لديك الكثير من المتاعب في الروضة، مع تشارلز".

- تشارلز؟ لا يود لدينا تشارلز في الروضة.

الجمعة، 13 أبريل 2007

حياة وولتر ميتي السرّية


قصة: جيمس ثيربر
تقديم وترجمة: أحمد حسن المعيني

يُعدّ جيمس ثيربر (1894-1961) أحد أشهر الكتاب الساخرين في أميركا في القرن العشرين، وأشهر رسّام صور متحركة في تاريخ مجلة النيويوركر. ذاع صيته من خلال قصصه القصيرة وقصص الحيوانات القصيرة على غرار قصص اليوناني عيسوب. يجيد ثيربر استخدام السخرية اللاذعة في إيصال رسائل فكرية وأخلاقية عديده من خلال كتاباته، والتي يجمع فيها بين الاسلوب السهل الذي يفهمه الكبار والصغار، والفكرة العميقة التي تضخّ أسئلة في ذهن القارئ لا يمكنه إغفالها رغم طرافة الموقف المرسوم. أما قصة "حياة وولتر ميتي السرية" فهي أشهر قصصه على الإطلاق، ولا تكاد تخلو أنطولوجيا للأدب الأمريكي منها. وقد ظهرت في السينما لاحقًا عام 1947. هذا وقد أدت شعبية هذه القصة دخول لفظة "الميتية Mittyesque" اللغة الإنجليزية لتعبر عن السلبية المتدرعة بالهروب من الواقع إلى الخيالات البطولية. كعادته يستخدم جيمس ثيربر في هذه القصة طرافته وأسلوبه المتميز في اللعب بالألفاظ، حيث يبتكر أحيانًا ألفاظا جديدة تخدم المشهد الكوميدي الذي يرسمه. جديرٌ بالذكر أن هوليوود بصدد إنتاج فيلم جديد مقتبس من هذه القصة.



جاء صوت القائد هادئا كرقائق ثلجٍ تتكسر: "سوف نجتازها". كان مرتديًا زيّه الكامل مع قبعته البيضاء ذات الشرائط العديدة، مائلة بعبثٍ على عينه الرمادية الباردة. هتف الملازم جليد: "لن نستطيع، سيدي. أرى إنها تتحول إلى إعصار". قال القائد: "لم أسألكَ رأيك، ملازم جليد. أشعل مصابيح الطاقة، زد السرعة إلى 8500. سنجتازها". وارتفع هدير المحرك طق-بوقيطق-بوقيطق-بوقيطق-بوقيطق. حدّق القائد في تشكّل الثلج على نافذة الطيّار. تقدّم وأخذ يحرّك عددًا من الأقراص المعقدة، ثم هتف: "شغلّوا المحرك الاحتياطي رقم 8"، وكرر خلفه الملازم جليد: "شغّلوا المحرك الاحتياطي رقم 8". وتابع القائد: "أقصى طاقة للبرج رقم 3. أقصى طاقة للبرج رقم 3". نظر أفراد الطاقم الذين انهمكوا في مهماتهم على الطائرة الحربية المائية ذات الثمانية محركات إلى بعضهم البعض وابتسموا قائلين: "سيجاوز العجوز بنا"، "العجوز لا يخاف الجحيم"...

"ليس بهذه السرعة! إنك تقود بسرعةٍ عالية جدًا...". جاءه صوت زوجته بحدة "لماذا تقود بهذه السرعة؟".
همهم وولتر ميتي ونظر إلى زوجته، على المقعد بجانبه بدهشةٍ عارمة. كانت تبدو غير مألوفة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكأنها امرأة غريبة صرخت فيه بين الناس. قالت: "وَصَلت سرعتك 55 ميلا. أنت تعرف أنني لا أحب أن أسرع لأكثر من 40 ميلا. وأنت وصلتَ إلى 55 ميلا". قاد وولتر ميتي سيارته باتجاه ووتربري في صمت، وطنين الطائرة (إس إن 202) وسط العاصفة الأسوأ في العشرين عامًا الماضية من تاريخ الطيران البحري يخفت في خطوط رأسه البعيدة العميقة. قالت السيدة ميتي: "ها قد عاد إليك توترك. إنه يوم من أيامك العصيبة. آملُ أن تدع الدكتور رينشو يكشف عليك".

أوقف وولتر ميتي السيارة أمام المبنى حيث تذهب زوجته لتصفيف شعرها. قالت له: "لا تنسَ أن تشتري حذاءً مطاطيًا بينما أصفف شعري". قال: "لست بحاجةٍ إلى حذاءٍ مطاطي". ردّت مرآتها اليدوية إلى حقيبتها، وقالت وهي تخرج من السيارة: "انتهينا من هذا الموضوع. لم تعد شابًا". ضَغَط على دواسة البنزين قليلا، فسألت: "ولماذا لست مرتديا قفازيك؟ هل أضعتهما؟". أدخل وولتر ميتي يده في جيبه وأخرج القفازين. لبسهما، ولكن بعد أن استدارت ودخلت المبنى ووصل بسيارته إلى إشارةٍ حمراء، خلعهما من جديد. صرخ شرطيٌ عند تغيّر لون الإشارة: "حرّك يا أخي"، فلبس وولتر ميتي قفازيه وحرّك سيارته. طاف بالسيارة في الشوارع دون هدفٍ لبعض الوقت، ثم طاف أمام المستشفى في طريقه إلى موقف السيارات.

"إنه المصرفي المليونير ويلنغتون ماكميلان"، قالتها الممرضة الحسناء. رد وولتر ميتي وهو ينزع قفازيه ببطء: "صحيح؟ من المسؤول عن الحالة؟" "الدكتور رينشو والدكتور بينبو، ولكن لدينا أخصائييَن هنا، الدكتور ريمينغتون من نيويورك والدكتور بريتشارد ميتفورد من لندن، وقد قدم بالطائرة". فُتح بابٌ في ممرٍ بارد طويل وخرج منه الدكتور رينشو. بدا ذاهلا ومنهكًا. قال: "مرحبا، ميتي. إننا نضرب أخماسًا في أسداس هنا مع حالة ماكميلان، المصرفي المليونير..الصديق الشخصي المقرّب لروزفلت. هناك تفنكشٌ في الجهاز القنوي. من الدرجة الثالثة. ليتك تلقي نظرةً عليه". فقال ميتي: "بكل سرور".

وفي غرفة العمليات وقف الأطباء لحظة للتعارف بصوتٍ هامس: "دكتور ريمنغتون، دكتور ميتي، دكتور بريتشارد ميتفورد، دكتور ميتي". قال بريتشارد ميتفورد وهو يصافح ميتي: "لقد قرأتُ كتابك حول مرض العقديات الشعرية. جهدٌ رائعٌ حقا". رد ميتي: "أشكرك". دمدم ريمنغتون: "لم أكن أعرف أنك موجود في أميركا يا ميتي. أفيُجلب الفحم إلى نيوكاسل مدينة الفحم؟ يأتون بي وبميتفورد إلى هنا من أجل حالة من الدرجة الثالثة!". فردّ ميتي: "هذا لطف منك". عندها بدأ جهازٌ ضخم معقد موصول بطاولة العمليات بعدة أسلاك وأنابيب بإصدار صوت طق بوقيطق بوقيطق بوقيطق. صاح أحد أطباء المستشفى: "جهاز التخدير الجديد يتوقف عن العمل. لا يوجد في شرق أميركا كله من يعرف كيف يصلحه". قال ميتي بصوتٍ هادئٍ خفيض: "اهدأ يا رجل". تقدّم نحو الجهاز، الذي أصبح يصدر صوت بوقيطق بوقيطق ويييق بوقيطق وييق. وبدأ يضغط بسلاسة على صفٍ من الأقراص اللامعة. ثم قال بسرعة: "أعطوني قلم حبر". أعطاه أحدهم قلم حبر. سحب مكبسًا خربًا من الجهاز وأدخل القلم مكانه، ثم قال: "سوف يسكّن الجهاز لعشر دقائق. أكملوا العملية". هرعت ممرضة وهمست لرينشو، ورأى ميتي وجه الرجل يشحب. قال رينشو بعصبية: "تبا، ظهرت بقتية. هلا توليت الأمر يا ميتي؟" نظر ميتي إليه وإلى بينبو الجبان المأخوذ، وإلى جهي الاختصاصيين العظيمين المضرّجين بترددٍ قاتم. قال: "كما تشاء". ألبسوه رداءً أبيض، ووضع قناعا على وجهه ولبس قفازين ضيقين، وناولته ممرضات بعض الأدوات ال...

"توقف يا صاح. انتبه للسيارة البويك". ضغط وولتر ميتي بقوة على الكابح. قال منظّم موقف السيارات وهو يتفحص ميتي: "أنت في المسار الخاطئ، يا صاح". غمغم ميتي: "يا إلهي..صحيح". وبدأ يخرج سيارته بحذر من المسار الذي كتب عليه "للخروج فقط". قال المنظّم: "اتركها هنا. سأبعدها وأوقفها". خرج ميتي من السيارة. "هييه، من الأفضل أن تترك المفتاح". تمتم ميتي وهو يعطيه مفتاح السيارة: "أوه. تفضل". دلف المنظّم إلى السيارة، أخرجها من المسار بمهارةٍ متعجرفة وأوقفها في المكان الصحيح.

قال ميتي لنفسه وهو يمشي على طول الشارع العام إنهم شديدو الغرور، ويظنون أنهم يعرفون كل شيء. حاول ذات مرة أن يفكّ سلاسل سيارته، خارج نيو ميلفورد، ولكنه لفها حول محور العجلات. اضطر رجل أن ينزل من سيارةٍ محطمةٍ ليفكها، شاب مكشر يعمل في الكراج. ومنذ ذلك الحين دائمًا ما تجعله السيدة ميتي يذهب إلى كراج ليفكوا السلاسل. في المرة القادمة، فكر بينه وبين نفسه، سأضع ذراعي في معلاق طبي. لن يكشروا في وجهي عندئذ. سأضع ذراعي اليمنى في معلاق وسوف يرون أنني لم أستطع نزع السلاسل بنفسي. ركل الثلج المتراكم على جانب الطريق وقال لنفسه: "حذاء مطاطي"، وبدأ يبحث عن محل أحذية.

وعندما خرج إلى الشارع مرة أخرى، والحذاء المطاطي في علبةٍ تحت ذراعه، بدأ وولتر ميتي يفكر في الشيء الآخر الذي طلبت منه زوجته أن يحضره. لقد قالت له مرتين قبل أن يتحركا من بيتهما إلى ووتربري. كان يكره هذه الرحلات الأسبوعية إلى المدينة، حيث دائمًا ما يخطئ. حاول أن يتذكر، كلينكس؟ مفرقعات؟ أمواس حلاقة؟ كلا. معجون أسنان؟ فرشاة أسنان؟ ثاني كربونات؟ مواد كاشطة؟ جماعات ناشطة؟ استسلم. ولكنها سوف تتذكر. ستسأله: "أين الماذا يُسمّى؟ لا تقل لي إنك نسيت الماذا يُسمّى؟" ومرّ بجانبه صبيّ جرائد يصيح بكلام حول محاكمة ووتربري.

"قد ينعشُ هذا ذاكرتك". جاء صوت وكيل نيابة المنطقة وهو يدفع بمسدسٍ ثقيل نحو ذاك الجسد الهادئ على منصة الشهود. "هل سبق ورأيت هذا من قبل؟". أخذ وولتر ميتي المسدس وتفحصه بأيدي خبير، ثم قال بهدوء: "هذا مسدسي من نوع ويبلي فايكرز 50 على 80". انتشرت غمغمة فرحة في قاعة المحكمة. وطرق القاضي بمطرقته آمرًا بالتزام الهدوء. قال الوكيل بنبرةٍ تثير الشك: "يبدو لي أن لديك خبرة في أي نوعٍ من الأسلحة، صحيح؟". صاح محامي ميتي: "أعترض على هذا السؤال. لقد أوضحنا أن المدعى عليه لم يكن بإمكانه أن يطلق تلك الطلقة. لقد أوضحنا أنه كان يرتدي معلاقا في ذراعه اليمنى في ليلة الرابع عشر من يوليو". رفع وولتر ميتي يده قليلا فسكت المحامون المتشاجرون. قال بهدوء: "بأي نوعٍ من المسدسات، كنت أستطيع قتل جريجوري فيتزهرست على بعد ثلاثمائة قدم بيدي اليسرى". علا هرج ومرج في القاعة. وعلت صرخة امرأة فوق الهرج والمرج، وفجأة كانت امرأة جميلة داكنة الشعر بين ذراعي وولتر ميتي. هجم وكيل النيابة عليها بوحشية، ومن دون أن ينهض وولتر ميتي من مقعده سدد لكمة إلى ذقن الوكيل صائحًا: "أيها الخسيس ال..."

قال ميتي: "بسكويت الجراء". توقف عن المشي وارتفعت مباني ووتربري من قاعة المحكمة الضبابية وأحاطت به من جديد. ضحكت امرأة مرّت بجانبه. قالت لصاحبتها: "قال بسكويت الجراء. ذلك الرجل قال لنفسه بسكويت الجراء". هرع وولتر ميتي في طريقه. دخل إلى سوبرماركت، ليس الأول في طريقه بل آخر أصغر منه في آخر الشارع. قال للبائع: "أريد بعض البسكويت للكلاب الصغيرة". ردّ البائع: "لديك ماركة محددة، سيدي؟". فكر أعظم رماة العالم بالمسدسات للحظة ثم قال: "مكتوب على العلبة تنبحُ الجراءُ له".

جال بخاطر ميتي وهو ينظر في ساعته أن زوجته ستنتهي من تصفيف شعرها خلال خمس عشرة دقيقة ، إلا إذا كانت هناك مشكلة في تجفيفه. لقد واجهوا مشكلات في تجفيفه من قبل. ولم تكن تحب أن تذهب إلى الفندق قبله، بل تريد أن يكون هناك قبلها ينتظرها كالعادة. وجد كرسيًا جلديًا كبيرًا في بهو الفندق في مواجهة نافذة، ووضع الحذاء المطاطي وبسكويت الجراء على الأرض أمام الكرسي. التقط نسخة قديمة من مجلة (ليبرتي) وغرق في الكرسي. نظر وولتر ميتي إلى صور الطائرات الحربية والشوارع المحطمة وقرأ "هل تستطيع ألمانيا غزو العالم من الجو؟"

قال الرقيب: "رشق المدافع قد أفزع الشاب راليه، سيدي". نظر النقيب ميتي إليه من وراء شعر أشعث، ثم قال بوهن: "خذه إلى سرير، مع الآخرين. سأطير لوحدي". قال الرقيب بقلق: "ولكن لا يمكن ذلك، سيدي. يتطلب الأمر رجلين للتعامل مع القاذفة، والقذائف تتطاير بقوة في الهواء. يقع سيرك فون ريتشمان بين هذا الموقع وسوليير". قال ميتي: "لا بد أن يقوم أحد بتدمير مخزون الذخيرة ذاك. أنا ذاهب. قليلا من البراندي؟" وصبّ شرابًا للرقيب ولنفسه. دوّت الحرب وعوت حول المخبأ وضربت بالباب. كان هناك تكسّر خشب وشظيات تطير في الغرفة. قال ميتي بلا اكتراث: "كادت". قال الرقيب: "إن سدّ النيران يتهاوى". قال ميتي بابتسامته الباهتة الزائلة: "نحن نعيش مرة واحدة أيها الرقيب. هل نعيش غيرها؟" وصبّ كأس براندي وعبّه. علّق الرقيب: "لم أر أحدًا يلزم شرابه مثلك يا سيدي. معذرة، سيدي". انتصب النقيب ميتي واقفًا، وربط مسدسه الويبلي فايكرز. قال الرقيب: "أربعون كيلومترا حتى نهاية الجحيم، سيدي". أفرغ ميتي كأس براندي أخير في جوفه ثم قال برقة: "على أية حال، كل شيء جحيم". ارتفع قرع المدفع. وكانت هناك ترترة المسدسات الآلية، ومن مكان ما جاء صوت البوقيطق بوقيطق بوقيطق من قاذفات اللهب المتوعدة. خرج وولتر ميتي من باب المخبأ وهو يدندن بأغنيةٍ فرنسية. استدار ولوّح للرقيب، "وداعًا...

شيء ما أصاب كتفه. "لقد بحثت عنك في كل مكان في الفندق. لماذا تختبئ في هذا الكرسي؟ كيف كنت تتوقع أن أجدك؟" هكذا جاءه صوت السيدة ميتي. أجاب وولتر ميتي بغموض: "الأشياء تتهاوى". قالت السيدة ميتي: "ماذا؟ هل أحضرت الماذا يُسمى؟ بسكويت الجراء؟ ماذا في هذا الصندوق؟" قال ميتي: "حذاء مطاطي". "ألم تستطع ارتداءه في المحل؟" قال ميتي: "كنتُ أفكر. ألا يمر ببالك أبدًا أنني أفكر أحيانًا". نظرت إليه وقالت: "سأقيس حرارتك عندما نصل إلى البيت".

خرجا من الأبواب الدوّارة ذات الصفير الباهت المضحك. كان عليهما اجتياز صفين من المباني ليصلا إلى موقف السيارات. وعند الصيدلية على الزاوية قالت: "انتظرني هنا. لقد نسيت شيئًا. لن أتأخر أكثر من دقيقة". تأخرت أكثر من دقيقة. أشعل وولتر ميتي سيجارة. بدأت السماء تمطر، تمطر مطرًا نصف متجمد. استند إلى جدار الصيدلية يدخن..وضع كتفيه على الجدار وألصق كعبيه. قال وولتر ميتي بازدراء: "فلتذهب عصابة العينين إلى الجحيم". مجّ نفسًا أخيرًا من سيجارته وألقى بها بعيدًا. بعدها، بالابتسامة الباهتة الزائلة التي تلعب على شفتيه، واجه فرقة الإعدام. منتصبًا بلا حراك، فخورًا بنفسه وبنظرة ازدراء، وولتر ميتي اللامهزوم، الغامض حتى النهاية.

الأربعاء، 1 يونيو 2005

هكذا قال الجاحظ


عندما ننظر إلى الوراء في تاريخنا العربي الترجمي، نرى عصرًا زاهرًا بالترجمة احتضنه بيت الحكمة، ونرى مترجمين بارزين ما زلنا نفخر بهم وبإنتاجهم الذي علّمنا ما لم نكن نعلم، وأعاننا على دراسة وتعليم من لا يعلم. ولا نبالغ إن قلنا بأن ذلك العصر كان ثورة ترجمية حقيقية ندر وجودها في التاريخ. وربما كان (بيت الحكمة) أول مؤسسة ترجمية منظمة تتبنى هذا المنهج الثقافي وتجعله بؤرة إنتاجها وخلاصة سيرورتها. بيد أن الملفت للنظر هو غياب التنظير والتوصيف لذلك النشاط الكثيف والقافلة الترجمية الطويلة، فيما شهدت حضارات أخرى تنظيرًا ترجميا لم تكن وراءه مؤسسة مثل بيت الحكمة. نقرأ في التاريخ عن كتابات قديمة في الترجمة لشيشرون والقديس جيروم ومارتن لوثر، ثم درايدن ونيتشه وجوته، وبعدهم كثير مثل نابوكوف وعزرا باوند. وعندما نلتفت إلى الكتابات العربية القديمة لا نكاد نجد من كتب عن الترجمة من الأدباء والشعراء واللغويين وحتى المترجمين أنفسهم. ودائما لا نجد اقتباسا ترجميا من القدماء العرب إلا ما قاله الجاحظ في كتاب الحيوان، حتى ليبدو أنه العربي الوحيد الذي تكلم في الترجمة قديمًا!

ولأن مقولات الجاحظ في الترجمة كثيرًا ما تتردد في الأوساط الترجمية العربية، كان لا بد من وقفة مع هذه المقولات لتحليلها والتعقيب عليها، خصوصًا بعد الفيضان النظري في دراسات الترجمية الغربية والعربية حديثًا. وفيما يلي سوف أسرد ما ذكره الجاحظ على شكل مقولات، ثم أعقب عليها بإيجاز.

المقولة الأولى: "ثم قال بعض من ينصر الشعر ويحوطه ويحتج له: إن الترجمان لا يؤدي أبدا ما قاله الحكيم، على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق اختصاراته، وخفيات حدوده، ولا يقدر أن يوفيها حقوقها، ويؤدي الأمانة فيها، ويقوم بما يلزم الوكيل ويجب على الجري، وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها والإخبار عنها على حقها وصدقها. إلا أن يكون في العلم بمعانيها، واستعمال تصاريف ألفاظها، وتأويلات مخارجها، مثل مؤلف الكتاب وواضعه، فمتى كان رحمه الله تعالى ابن البطريق، وابن ناعمة، وابن قرة، وابن فهريز، وثيفيل، وابن وهيلي، وابن المقفع، مثل أرسطاطاليس؟! ومتى كان خالد مثل أفلاطون؟".

في مستهل الفقرات الشهيرة عن الترجمة، يسرد الجاحظ أولا قائمة بشروطه الصارمة في المترجمين، وتبيّن المقولة أعلاه أول هذه الشروط. يقول الجاحظ إن المترجم لا يستطيع نقل المعنى الدقيق للنص الأصلي نقلا أمينا إلا إن كانت معرفته مساوية لمعرفة مؤلف النص الأصلي. ويبدو هنا أن الجاحظ يريد توضيح أمرين هامين: أولهما إن معرفة المترجم لا بد أن تكون مثل معرفة المؤلف ومساوية لها، وثانيهما أنه في حالة تعذر ذلك، لا يستطيع المترجم الوفاء للنص الأصلي. ونلاحظ في نهاية المقولة سخرية واضحة قد نستشف منها عدم اقتناع الجاحظ بإمكانية الوفاء في ترجمة النص الأصلي نظرًا لعدم توافق المترجم والمؤلف.

وعلى الرغم من هذا الشرط الصارم، إلا أن الجاحظ لا يريد بالتأكيد منع الترجمة. ربما ما يروّج له الجاحظ في مقولته هو التخصص في الترجمة، حيث يترجم المختص في مجالٍ معين النصوص الواقعة في مجاله، فالطبيب يترجم الطب، والمهندس يترجم الهندسة، وهكذا. نخلص من ذلك إلى أن الجاحظ لا يكتفي بالمعرفة التي يتحصلها المترجم في مجالٍ معين عن طريق القراءة والاستشارة والإلمام، دون أن يكون هو ضمن ذلك المجال. وربما كانت هذه الفكرة شائعة في عصر الجاحظ، حينما كانت هناك مجموعات من الأطباء والعلماء المترجمين.

أما الأمر الآخر الذي يثيره الجاحظ في المقولة أعلاه فهو ضرورة إلمام المترجم بفكر وأيديولوجية مؤلف النص الأصلي، حتى يؤدي "حقائق مذاهبه"، فلا يزجّ بشيءٍ في الترجمة ينافي فكر المؤلف الأصلي ويدحض مسلماته. يؤمن الجاحظ أن المترجم يجب أن يكون عارفا بمعتقدات وفلسفة من يترجم له. وجديرٌ بالذكر أن أساتذة الترجمة الآن ينصحون طلاب الترجمة بقراءة كتابات مؤلفٍ ما، وما كُتب عنه قبل ترجمته، حتى تتكون لديهم فكرة كافية عن أسلوب المؤلف وفكره وفلسفته.

وأخيرًا نلاحظ من كلام الجاحظ استخدامه لمفهوم "الوفاء والخيانة" في الترجمة، وذلك قبل أن تشيع العبارة الإيطالية الشهيرة "الترجمان خوّان". ليس من الواضح تمامًا كيف بدأ ربط هذا المفهوم بالترجمة، وما إذا كان اليونانيون قد بدأوها ثم استخدمها الجاحظ عنهم، ولكن لا أعلم شخصيا ما يشير إلى ذلك. ربما كان العقل البشري في كل الحضارات "مؤهلا" لاستخدام استعارة "الوفاء" مع الترجمة.

المقولة الثانية: "ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية، ومتى وجدناه أيضا قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما؛ لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها، وتعترض عليها، وكيف يكون تمكن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكنه إذا انفرد بالواحدة، وإنما له قوة واحدة، فإن تكلم بلغة واحدة استفرغت تلك القوة عليهما، وكذلك إن تكلم بأكثر من لغتين، على حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات".

تُعتبر الجملة الأولى من هذه المقولة الأشهر إطلاقًا في الترجمة عند العرب، وهي تعتبر إعادة للشرط الأول. وهنا يقول الجاحظ إن الأسلوب الذي يتبعه المترجم في استخدام اللغة لتبيان المعنى يجب أن يعكس معرفته بموضوع النص، فعلى قدر "علمه" يكون "بيانه". هل لنا أن نستنتج من ذلك أن الجاحظ يشجع المترجمين على أن يكونوا مؤلفين، لا مترجمين فقط؟ من الواضح أنه لا يريد للمترجمين أن يظهروا في ترجماتهم أقل قدرًا من المؤلفين، بل يجب أن تظهر الترجمة وكأنها من كلام المترجم.

بعد ذلك يتحدث الجاحظ عن مسألة الإتقان في اللغة، وكيف تتداخل اللغتان في لسان متحدثهما. يشترط الجاحظ أن يكون المترجم متقنا للغتين اللتين يتعامل معهما. ويشير في هذه المقولة إلى ظاهرة لغوية كثيرًا ما نلاحظها نحن المترجمون، ألا وهي تأثير اللغتين على بعضهما البعض، حينما يحدث ما يشبه الترجمة الذهنية الفورية، فيستخدم المتكلم عبارةً أجنبية بلغته الأم، أو يستخدم أسلوبًا في لغته الأم بحروفٍ أجنبية. لذلك، لا يحبذ الجاحظ أن تكون للمترجم أكثر من لغتين، فكلما زادت اللغات، كلما نقص إتقانه لها.

وختامًا نستطيع أن نخلص إلى أن الجاحظ يشجع إنتاج الترجمات التي تبدو نصوصًا أصلية لا تشوبها تدخلات اللغات الأخرى ، على خلاف بعض المنظرين الذين يصرون على "أجنبية النص" ووجوب احتواءه على عناصر اللغة الأجنبية. وإذا استعرنا مصطلح (لورنس فينوتي)، فإن الجاحظ يؤيد "خفاء المترجم" النصي، أي عدم وجود ما يشير إلى أن العمل مترجم.

المقولة الثالثة: "هذا قولنا في كتب الهندسة، والتنجيم، والحساب، واللحون، فكيف لو كانت هذه الكتب كتب دين وإخبار عن الله -عزل وجل- بما يجوز عليه مما لا يجوز عليه، حتى يريد أن يتكلم على تصحيح المعاني في الطبائع، ويكون ذلك معقودا بالتوحيد، ويتكلم في وجوه الإخبار واحتمالاته للوجوه، ويكون ذلك متضمنا بما يجوز على الله تعالى، مما لا يجوز، وبما لا يجوز على الناس مما لا يجوز... ومتى لم يعرف ذلك المترجم أخطأ في تأويل كلام الدين. والخطأ في الدين أضر من الخطأ في الرياضة والصناعة، والفلسفة والكيمياء، وفي بعض المعيشية التي يعيش بها بنو آدم".

المقطع السابق عبارة عن مقتطفات من فقرة طويلة يتحدث فيها الجاحظ عن صعوبة ترجمة النصوص الدينية، وهو يريد في الحقيقة إثبات استحالة مثل هذه الترجمة. يبدو أن الجاحظ كان ضد ترجمة القرآن، حيث كانت هذه المسألة قائمة في عصره. وموقف الجاحظ هذا من ترجمة النصوص الدينية لا يعتبر غريبًا البتة، فقد كانت ولا زالت مسألة ترجمة النصوص الدينية في كل الحضارات شائكة جدًا، وما حصل للقديس جيروم مترجم الكتاب المقدس يشهد بذلك. أما ترجمة القرآن، فما زالت إلى اليوم غير مشروعة، وما يحلّ ترجمته هو معاني القرآن لا القرآن نفسه. وبعيدًا عن موقف الجاحظ، لا بد من الاعتراف بموضوعية النقاط التي احتج بها في صعوبة الترجمة الدينية، والمتمثلة في إمكانية الخطأ في توضيح المعتقدات، والخلط بين الأحكام التشريعية، والوصف الغير جائز للذات الإلهية، هذا إلى جانب صعوبة وحساسية ترجمة الحجج والمناظرات الدينية العقائدية. ويعزز الجاحظ حجته بأن تبعات الخطأ في ترجمة النص الديني أكبر مصيبة من الخطأ في النصوص الأخرى، وهذا معروف في دراسات الترجمة الحديثة، الأمر الذي يدفع أبناء دينٍ معين لتحريم ترجمة كتبهم المقدسة إلا إذا كان المترجم منهم.

المقولة الرابعة: "وما علم المترجم بالدليل عن شبه الدليل؟ وما علمه بالأخبار النجومية؟ وما علمه بالحدود الخفية؟ وما علمه بإصلاح سقطات الكلام، وأسقاط الناسخين للكتب؟ وما علمه ببعض الخطرفة لبعض المقدمات؟ لا بد أن تكون اضطرارية، ولا بد أن تكون مرتبة، وكالخيط الممدود... "ولو كان الحاذق بلسان اليونانيين يرمي إلى الحاذق بلسان العربية، ثم كان العربي مقصرا عن مقدار بلاغة اليوناني، لم يجد المعنى والناقل التقصير، ولم يجد اليوناني الذي لم يرض بمقدار بلاغته في لسان العربية بدا من الاغتفار والتجاوز، ثم يصير إلى ما يعرض من الآفات لأصناف الناسخين؛ وذلك أن نسخته لا يعدمها الخطأ، ثم ينسخ له من تلك النسخة من يزيده من الخطأ الذي يجده في النسخة، ثم لا ينقص منه، ثم يعارض بذلك من يترك ذلك المقدار من الخطأ على حاله، إذا كان ليس من طاقته إصلاح السقط الذي لا يجده في نسخته ".

في هذه الفقرة يكلف الجاحظ المترجمين بدورٍ أكبر من مجرد الترجمة، حيث يريد منهم أن يكونوا محللين للنصوص التي يترجمونها، فيقرأونها قراءة نقدية ويثبتون الأخطاء الواقعة فيها. إن ما يريده الجاحظ من المترجمين هو أن يقوموا بتحقيق النصوص وتنقيحها من الشوائب النحوية والإملائية وغيرها. ومن الواضح أن الجاحظ ينظر إلى الترجمة على أنها مهمة وتكليف لا يؤديها مجرد "النقل"، بل تمتد إلى عملية إنتاج نص كاملة.

وفي الجزء الثاني من المقولة نلاحظ اللوم الذي يضعه الجاحظ على كلٍ من الناسخ المهمل والمترجم الجاهل، حيث يتهكم من الأخطاء التي يسببها الناسخون الذين لا يؤدون عملهم بإتقان، ثم يسحب نفس المنطق على المترجمين الجهلة، الذين يضيفون على أخطاء النسخ أخطاءً ترجمية. في الحقيقة، إن المتأمل في هذه المقارنة ليجد حكمًا كثيرة توضح المعنى الحقيقي للترجمة والمترجم. بكل بساطة نستطيع تشبيه المترجم الجاهل بالناسخ الذي ينقل حروفًا لا يفقه معانيها، وبعبارة "أقبح" نشبهه بالحمار الذي يحمل أسفارًا. ما يريده الجاحظ هو أن الترجمة ليست "نقلا" أو "نسخا" بل عملية ذهنية لغوية تشارك في إنتاجٍ ثقافي لا يقل عن التأليف.


المرجع:
الجاحظ، كتاب الحيوان، موقع الوراق الإلكتروني، ص24-25.

الأربعاء، 2 مارس 2005

حوار مع صديقي المانشستري


تهللت أسارير النادل الإيراني فور رؤيتي وصاح: "شاي منعنع؟". ابتسمتُ وفرشتُ الأوراق على الطاولة نفسها في كل مرة ورحتُ أعمل. لم أنتبه للمرتاد الإنجليزي الذي دخل بعدي واتخذ مقعدا بالقرب مني. كنتُ غارقاً في عملي وترجمتي ولم أتطلع إلى وجوه الشرقيين وغيرهم في المقهى كما تعودتُ كلما أخذني الحنين إلى الشرق. "اسكيوز مي، مَيت". خمّنتُ من لهجته أنه من أبناء مانشستر، واستغربتُ في الوقت ذاته أن يبدأ الحديث معي، فليست من عادة أحفاد تشرشل البدء بالحديث مع الأجانب بالذات، ولكن أعتقد أن الحروف "الهيروغليفية" التي أمامي شدّت انتباهه.

- ما تلك اللغة على تلك الأوراق؟
- اللغة العربية.
- أتدرس الدراسات الإسلامية هنا في مانشستر؟
- لا، بل أدرس الترجمة بين العربية والإنجليزية.

لاحظتُ تغيّر قسمات وجهه، وتقارب رمشيه من خلف نظاراته السميكة فيما يدلّ على ابتسامة خافية. إلى هنا انتهى الحديث وعدتُ إلى أوراقي.
بعد دقائق، عاد يحدّثني من جديد.

- عفوا، هل لي بسؤال؟
- طبعا.
- لماذا في رأيك يجمع العالم، بل وحتى أنتم المترجمون على أن المترجم خائن أو الترجمة خائنة؟

استفزّني هذا السؤال..واستنتجتُ أنه لا يسأل من واقع جهل، بل لغاية في نفس يعقوب. عدّلتُ من جلستي، ولكن قلتُ بنبرة تخفي شعوري:

- ما رأيك أنت؟
- رأيي أنا- ولا إهانة أقصد- أنه مهما حاول المترجم واجتهد، فإنه لا بدّ أن يخون النص الأصلي. عندما تقارن النص الأصلي والترجمة، لا تجد القوة نفسها والعمق نفسه. من الطبيعي أن تحس بوجود شيء ناقص كنتَ قد أحسستَ به في النص الأصلي، ومهما امتلك المترجم من زمام لغته ولغة النص الأصلي، للأسف لا يستطيع إنتاج نفس الروح. وأنت تعرف بالتأكيد أن هناك أشياء في اللغة لا تنتقل مع الترجمة. وبما أن عملية الترجمة بين اللغتين احتوت على فقدانٍ ما ينتقص من كمالها، فهناك خيانة.

أحسستُ بأن هذا المانشستري يعي ما يقوله جيدًا، ويجيد الجدل، فأدركتُ أنني في موقف صعب.

- دعنا نناقش الموضوع يا سيدي. أولا، ما طبيعة العلاقة بين المترجم والنص حتى تكون هناك خيانة؟ هل تتصور أن الترجمة هي علاقة زوجية يكون فيها المترجم طرف يخون الطرف الآخر؟ ولا تنس أن كلمة خيانة يترتب عليها التسليم بوجود عهدٍ قطعه المترجم ثم تنكّر له.
- أنت تؤكد المقولة ولا تفنّدها، فوجود العهد أمرٌ بديهي. كل شيء قائم على عهدٍ بتحقيق الغاية من وجوده، والوفاء بهذا العهد هو ما يضمن وجوده، فإن انتقض العهد زالت الكينونة. هذا القلم الذي بين يديك متعهد لك بمساعدتك على الكتابة، وما أن يكف عن خدمتك ويبلى، يُصبح وجوده بلا قيمة. وفي كل عملٍ يوجد عهد بديهيّ على الإتقان. المترجم بالفعل يقطع على نفسه عهدا ضمنيا بنقل النص الأصلي نقلاً كاملا "أمثل" دون حذفٍ أو إضافة. وأنت تدرس الترجمة وتتبحر فيها كي تتقن الوفاء بهذا العهد.
- لا أختلف معك في مسألة العهد والكينونة، ولكن لنتفق على الغاية من الترجمة. مقولتك تصوّر أن الترجمة "المثلى" هي نقل ما في النص الأصلي نقلا مطابقا دون زيادة أو نقصان، وإلا انتقض العهد ونتجت خيانة. من قال لك ذلك؟ من أين أتيت بهذه المسلّمة؟ استعارتك هذه تجعل من النص المترجَم وعاء نصبّ فيه النص الأصلي عبر قناة هي المترجم الذي يحوّل الكلام من لغة إلى أخرى فقط. عندما تتكلم عن النقل فأنت تصوّر النص الأصلي على أنه أداة محسوسة كصندوق أنقله من مكانٍ إلى آخر، ويجب ألا أضيف عليه أو أنقص منه شيئا.
- أوليس هذا ما تقولونه أنتم أنفسكم أيها المترجمون واللغويون؟

قال ذلك والتقط كتابًا من كتب دراستي. فتح صفحاته الأولى وقرأ بنبرة استهزاء لا يخفيها:" الترجمة هي عملية نقل المحتويات اللغوية وغير اللغوية من نص بلغةٍ ما إلى نص آخر بلغة أخرى. أنتم الذين تتحدثون عن (نقل) اللغة. بل أكثر من ذلك أن كلمة ترجمة في لغاتٍ عديدة مشتقة من النقل.
- دعك من تعريف الكتاب غير المقدس هذا، ولنتحدث في اللغة التي تزعم أن الترجمة تنقلها. اللغة في كل مكانٍ عبارة عن نظام من رموز صوتية أو كتابية في سياق اجتماعي له دلالات خاصة، يخلقه الإنسان كي يتفاهم مع من يعيشون حوله، وهو متأثر بظروف تاريخية واجتماعية حكمت بوجوده وعناصره وتطوّره. لماذا لا تستطيع أنت نطق حرف "الطاء"؟ ولماذا لا يستطيع العربي نطق حرف "ﭫ"؟ هناك ظروف وتداعيات اجتماعية وغيرها كوّنت هذه اللغات. وعندما تأتي الترجمة، فإنها وسيلتي كي أفهمك. ولكن هل أفهمك بلغتك؟ إنما أفهمك بلغتي. وإذا اتفقنا على أن اللغة هي الطريقة التي أجمعتُ أنا ومن يتحدثون لغتي على التعبير بها عما أريد، فلا يوجد ما يلزمني بالطريقة التي أجمعتَ عليها أنت ومن يتحدثون لغتك على التعبير بها عما تريد. فإن اختلفت طريقتي عن طريقتك، لا يعني ذلك بأنني خائن.
- قد تستطيع المراوغة بهذه الحجة في الترجمات العلمية، حيث المعنى والمعلومة هما الأهم. ولكن ماذا عن الترجمة الأدبية؟ النص الأدبي له تكوينه الخاص الذي يميزه عن غيره بفضل الطريقة التي يستخدمها الكاتب. طريقته هي التي تجعل منه أديبا مميزا. هل ستنتج النص بطريقتك لا طريقة الكاتب؟ لا يمكنك أن تكتب "تاجر البندقية" بطريقتك ثم تنسبها زورًا وبهتانا إلى شكسبير. تريد أن تخلق شكسبيرا عربيا ثم تقول أنه شكسبيرنا؟ من البديهي أن على المترجم أن يلتزم بأسلوب شكسبير وتعابيره حتى يترجمه بشكل صحيح، وحتى يترجم شكسبير –لا تولستوي أو أجاثا كريستي. ألا ترى أنك تتعرف أحيانا على كاتبٍ ما من أسلوبه دون أن تقرأ اسمه على الغلاف؟ أين هذا الأسلوب في الترجمة؟ أتريد أن تقنعني بأنه يمكن أن أقرأ ترجمة لعمل كاتبٍ ما وأتعرف عليه من "أسلوبه"؟

بدا لي أن هذا المانشستري مجادل لدود ويهوى التنظير، ولا ينفع معه إلا الهجوم بطريقته.

- إن العمل الأدبي يا صديقي عبارة عن فعلٍ تواصلي فيه مرسل وهو الكاتب، ورسالة وهي النص ومستقبل وهو القارئ. وصيغة الرسالة تحكمها العلاقة بين المرسل والمستقبل لغويا واجتماعيا وثقافيا. وأنا عندما أترجم فإنني آخذ الرسالة من المرسل الأصلي وأعيد كتابتها لأوصلها إلى مستقبلين جدد لم يتوجه إليهم المرسل أصلا، فالعلاقة بينه وبينهم معدومة. والرسالة نفسها تحتوي على تعقيد يمزج بين البلاغة والتصوير والإيقاع الموسيقي، والسحر الأدبي...
- آهاه..ها أنت تقولها بنفسك "السحر الأدبي". إنه سحرٌ خاص يخلقه الكاتب بأسلوبه وفكره وخياله، فكيف للترجمة أن تقدم لي هذا السحر نفسه بأسلوب وفكر وخيال ليسوا للكاتب وإنما للمترجم ؟ يجب أن نعترف بعجز الترجمة هنا. فالمترجم مهما كان بارعا لا يستطيع أن يتقمص الكاتب ويستخدم فكره وخياله وأسلوبه. لا تقل لي أنك تستطيع نقل سحر شكسبير إلى لغتك. أتستطيع أن تبثّ فيّ عبر ترجمتك نفس السحر الذي تملّكني وأنا أقرأ "هاملت" بالإنجليزية؟ هل تستطيع؟

ختم جملته بابتسامة انتصار، ورشف من كوب قهوته رشفة طويلة وتنهّد بارتياح.

- جميلٌ أنك تحدثت عن السحر. يا صديقي، هذه الكلمة التي فرحتَ بها هي نفسها التي تثبت وجهة نظري.

قد قلتها كي أخفف على نفسي هول الهجوم الكاسح الذي شنّه علي ، ولكن يبدو أنها كانت رمية من غير رامٍ، فقد أربكته وسمحت لي بفرصة للتفكير. عدّل من جلسته، ونظر إليّ بارتياب، فتابعت:
- السحر والروعة اللذان أحسستَ بهما في قراءة "هاملت" بالإنجليزية لا يكمنان في المعاني أو الأحداث أو الأفكار أو الأسلوب الأدبي فقط، بل هناك شيء ما يغلفها جميعا ويقولبها ولا تستقيم دونه. اللغة نفسها. كيف كان لشكسبير أن يبثّ فيك سحره لولا لغته بتركيبها ونظامها ودلالاتها وأصواتها؟ وكيف تريد هذا السحر نفسه بعدما فرّغته من تلك اللغة؟

أظنني أبليتُ حسنا، ولكنه ضحك تلك الضحكة الإنجليزية "الباردة" وقال:
- هذا بالضبط ما أريد قوله، وأعتقد أننا وصلنا لنهاية النقاش بعد اعترافك. اسمعني، الترجمة لا يمكن أن تنقل ذلك السحر بسبب تفريغ النص من لغته على حد قولك، فهناك فقدان حتمي لا مفرّ منه. وهذا الفقدان يساوي عدم اكتمال المهمة، يساوي عدم الإتقان، وهي الخيانة التي أتحدث عنها.

استلّ كوب قهوته كي يفرغه في جوفه علامة النصر، وتأكيدًا على أنه لم يبقَ لديّ ما أقوله. ولكن لن أستسلم.

- الخيانة يا عزيزي تكون في عدم الوفاء بعهدٍ ممكن التحقيق متفق عليه أو مُتوقع الحدوث، فيجب أن يكون هناك عهد وأن يكون قابلا للتحقيق. أما أن أتهم سيارتي بالخيانة لأنها لا تطير فوق المطب، فهذا عبط . وأما أن تنقل لك الترجمة "سحر" اللغة الأخرى فهو أمر لا يتوقعه أحد ولا تزعمه هي لنفسها.

- سأقبل منك هذا الرد. أنت تقول أن نقل "السحر" من لغةٍ إلى أخرى غير ممكن. طيب، لننسَ النص الاصلي ولغته. نظريًا ذلك لا يمنع من إنتاج "سحر" في اللغة المترجَم إليها يوازي ذلك السحر في النص الأصلي. الترجمة الأدبية موجودة منذ مئات السنين، ولكننا لم نشهد غير أمثلة تُعد على أصابع اليد كانت فيها الترجمة بمستوى سحر النص الأصلي. خذ أي نصّين أحدهما مترجم، وسترى أن النص الأصلي يؤثر فيك أكثر. سترى أن سحر النص الأصلي أوقع في نفسك. فهل كل المترجمين أضعف "سحرًا" من المؤلفين؟ حتى المترجمين الأدباء عندما يترجمون ينتجون سحرًا أضعف.

- ومن قال أن للسحر الأدبي معيارا ثابتا واحدا في كل اللغات والثقافات؟ من الجهالة أن تفترض مثلا كون هوميروس أشعر من الخيّام، أو أن نجيب محفوظ أقل إبداعًا في كتابة الرواية من ماركيز. أنت تفترض أن السحر الأدبي هو نفسه في الإنجليزية وفي العربية وفي الفرنسية. ما يشجيك لا يشجيني، وما يسحرك قد لا يستهويني. المسألة مسألة اختلاف لا نقص، وليس الاختلاف كالنقص. أما قراءتك لبعض الترجمات ركيكة اللغة والتعبير، فهذه مسألة أخرى يُنتقد فيها المترجمون لا الترجمة كمفهوم.

صمت قليلاً صديقي المانشستري ولكنه زمّ شفتيه ورفع حاجبيه دلالة على التفكير.

- سؤال أخير..لماذا إذن تجهدون أنفسكم بالترجمة الأدبية وتلصقون الترجمة باسم المؤلف طالما تعلمون أن الترجمة لا تنقل السحر الأصلي؟ وأعتقد أن ترجمة العمل الأدبي في وقت قراءته قد تؤثر في المترجم وتقلل من إبداعه اللغوي. لماذا لا يقرأ المترجم النص الأصلي ثم يكتب بلغته نصًا جديدًا مقتبسا من النص الأصلي، بدلا من أن يترجم على هواه ثم يلصق اسم المؤلف على الترجمة، والمؤلف بريء منها؟
- يا صديقي..عندما يترجم أحدهم شكسبير، لا أنتظر منه أن يكون شكسبير، بل أن يعرّفني به وبما كتب. ولو أردتُ معرفة شكسبير مباشرة لقرأت له بلغته. ترجمة الأدب موجودة لكي نستمتع بها، ونتعلم منها، ونعرف كيف فكّر غيرنا..لا لكي يكون المترجمون نسخة من المؤلفين. ولقد ساعدتني كثيرًا يا صديقي..بالفعل ما يفعله المترجم (أو يجدر به) هو كتابة جديدة للنص الأصلي. ألم أقل لك أنه يعيد كتابة الرسالة إلى مستقبلين جدد؟

هنا...رشفتُ أنا رشفة طويلة من الشاي المنعنع..وحاول أن يرشف من كوب قهوته، فلم يجد شيئا.

مانشستر-2005