الأربعاء، 24 فبراير 2010

ملحمة البحث عن الذات:عرض لرواية "يوم غائم في البر الغربي"


كيف تملك ألاّ تستمتع بقصةٍ تُشبع فيك فضولا عن الماضي البعيد، وشخوصه، ومفردات حياته؟ إن أحد الأسباب التي تجعلنا نتعلق بالقصص القرآنية ونتأثر بها هو أنها لا تكتفي بسرد الأحداث، وإنما تبعث الحياة في الشخصيات التاريخية لتجعلها تتحدث أمامك، وتفكر، وتتفاعل فيما بينها. فرقٌ كبيرٌ بين أن تقرأ سيرة شخصٍ ما، وأن تشاهده حيًا ينبض بين السطور يعبّر عن نفسه بنفسه. وإذا كان الأمر كذلك فليس لك إلا أن تستمع جدًا برواية "يوم غائم في البر الغربي" الصادرة عن دار الشروق عام 2009 (وفي طبعة ثانية عام 2010) في 570 صفحة، للروائي المصري (محمد المنسي قنديل). أما المؤلف فهو طبيبٌ سابق وكاتب متفرغ حصل على عدة جوائز أدبية كانت آخرها جائزة ساويرس للآداب عام 2006، له العديد من المجاميع القصصية والسيناريوهات السينمائية، إضافة إلى روايتين وعددٍ من الكتب في أدب الرحلات وأدب الأطفال.

أما الرواية التي نتحدث عنها اليوم فجاءت في 11 فصلا، كل فصلٍ مخصص لمكانٍ من الأمكنة التي تدور فيها الأحداث، فتبدأ الرواية في (أسيوط) وتمرّ بـ(المنيا) و (مقابر بني حسن) و(السيدة زينب) و (نجع بني خلف) وغيرها إلى أن تنتهي في (وادي طيبة). سيلاحظ القارئ أن الفصول طويلة جدًا، ولكنه قرار له أسبابه في رواية تحتفي بالمكان وتركز عليه، فيكون محور الفصول هو المكان لا الشخصية أو الحدث. أما السرد فينبعث في ثلاثة خطوط، أولها مع البطلة الرئيسة (عائشة)، ثم يظهر بعد مائة صفحة الفنان والمنقّب الأثري (كارتر) حين تتقاطع حياته مع عائشة، ثم يختفي لأكثر من مائتي صفحة ويعود بعدها ليجتمع بعائشة مرة أخرى. وأما الخيط الثالث فهو الذي يشير بقوةٍ إلى إبداع الرواية، وهو خيط شخصية فرعونية تأتي في أواخر الرواية عندما تتقاطع حياة كارتر معها. وهكذا فالمؤلف يحكي لنا قصة في بدايات القرن العشرين، ولكنه في لحظةٍ ما تستدعيها الرواية يُعيدنا آلاف السنين إلى الحضارة الفرعونية. هذا وقد اختار المؤلف أن ينوّع في طريقة السرد، حيث استخدم صوت الضمير الغائب العليم مع عائشة والشخصية الفرعونية، وضمير المتكلم مع كارتر. ويبدو أن هذا الخيار لم يكن اعتباطيًا أو لمجرد التنويع، فشخصية كارتر احتاجت إلى تقنيةٍ تُخرج أفكارها الداخلية ونزقها وتمردها ومُشاهداتها المباشرة في المواقع الأثرية.

يتجلى إبداع هذه الرواية في بناء قصتها وقدرة المؤلف على تسليط الضوء على أماكن مهملة في التاريخ. تبدأ الرواية بمشهدٍ درامي قوي يُفجّر الكثير من الأسئلة ويفتح أبوابًا من التشويق تجعلك تقلّب الصفحات دون ضجر. وهكذا نتعرف إلى البطلة عائشة، الفتاة المصرية التي تسوقها أقدارها إلى عوالم مختلفة في بدايات القرن العشرين مع الوجود البريطاني في مصر وحركات الثوريين ونضالهم ضد الذلّ والمهانة. ونتعرف كذلك إلى كارتر الفنان والمنقب الأثري في زمن الحملات التنقيبية عن الآثار الفرعونية ونقوشها وكنوزها وأسرارها، وهو سياق لم يأخذ ما يستحقه من حيزٍ في الرواية المصرية. وربما ما يجمع بين عائشة وكارتر هو رحلة البحث عن تحقيق الذات، وبينما عائشة تبدو كأنها تبحث عن شيء لا تعرفه، نجد كارتر يبدأ مثلها ثم ما يلبث أن يعرف ما يبحث عنه ولكنه يعجز عن الوصول إليه. وعندما يتلاقى طريقاهما يصلان إلى مكانٍ جغرافي يتقاطعان فيه مع شخصية فرعونية هي الأخرى كانت تبحث عن تحقيق ذاتها، فنتعرف إليها وعلى رحلتها قبل أن نعود إلى حاضر عائشة وكارتر.

إن ما فعله المؤلف في هذه الرواية هو زرع شخصية خيالية (عائشة) في عالمٍ تاريخي حقيقي، بين شخصياتٍ يعرفها الجميع، ولكننا قلما نجد الفرصة لنشاهدها من كثب. فالبطل الثاني كارتر ليس إلا المنقب الأثري البريطاني الشهير (هوارد كارتر Howard Carter) صاحب الاكتشاف العظيم في الآثار الفرعونية، والبطل الثالث ليس إلا شخصية فرعونية مثيرة معروفة لنا أيضًا. وإلى جانب هؤلاء نجد شخصيات ثانوية (في الرواية) كثيرة نعرفها بأسمائها وربما ببعضٍ من تاريخها، كالزعيم الثوري (مصطفى كامل)، والنحّات المصري الأشهر (محمود مختار)، والمندوب السامي البريطاني (اللورد كرومر Lord Cromer)، إضافة إلى منقبين أثريين معروفين وشخصيات فرعونية بارزة مثل (نفرتيتي) و (توت عنخ آمون). ومما يُحسب للمؤلف قدرته على تصوير الشخصيات بصورةٍ تتوافق مع ما عُرف عنها، فنجد اللورد كرومر مثلا بغروره وعنجهيته وتسلطه ونظرته العنصرية للمصريين، وفي المقابل نجد مصطفى كامل الثوري المتحمس القائد المُلهِم. ومن الواضح جدًا أن المؤلف قد بحث طويلا في تاريخ مصر في تلك الفترة وسِيَر شخصياتها، وفي أخبار التنقيب الأثري وأبرز أسمائه، وفي التاريخ الفرعوني وقصصه، فنجد مثلا حادثة دنشواي الشهيرة، ومشهد خروج اللورد كرومر، والمظاهرة التي وقع فيها الحكمدار الإنجليزي من فوق حصانه. ومن العناصر التاريخية التي استخدمها المؤلف على نحوٍ جميل الجملة التي يقولها كارتر في المشهد الأخير، حيث إنها هي نفسها الجملة الشهيرة التي نُقلت عنه كثيرًا، وفي المقام نفسه. ونحن إذ نقول ذلك يجب أن ننوّه إلى أن المؤلف رغم ذلك لم يقدم تقريرًا تاريخيًا، بل وظّف التاريخ لينسج قصة جديدة منسجمة معه.

ومما يجب أن يُحسب للمؤلف أيضًا قدرته الفائقة على التصوير، فالقارئ لا يملك إلا أن يشاهد ما يصفه المؤلف بتفاصيله الدقيقة، بلونه وشكله ورائحته وحتى ملمسه، وهذا في الواقع ليس بغريب على كاتب سيناريو. ولأنّ الرواية كما ذكرنا آنفًا تحتفي بالمكان، فقد كان لزامًا أن يأتينا الوصف دقيقًا لتفاصيل المكان برمله وحجره ومبانيه والروائح المنبعثة منه. وبالإضافة إلى وصف الأماكن والشخوص، هناك مشاهد رسمها المؤلف مفصّلة بحرفية عالية، بحيث يجد القارئ نفسه يتساءل "من أين له أن يعرف كل هذا؟". فمثلا يقدم لك المؤلف وصفًا تفصيليا لعملية وشم، وعملية اغتصاب، وعملية إجهاض، وينجح تمامًا في أن يشعرك بالألم والتقزز والإشفاق، فلا ينتهي المشهد إلا بأنفاسك المتلاحقة.

أما لغة الرواية فجاءت خفيفة جميلة، متوازنة بين الحوار والسرد. واختار المؤلف أن يلتزم بالعربية الفصحى وتجنب العامية، وفي رأيي هذا قرار صائب، حيث إن الأماكن في هذه الرواية متغيرة وبالتالي هناك عدة لهجات، إضافة إلى أن هناك شخصيات كثيرة ليست العربية لغتها أصلا، وهكذا فإن الفصحى هنا تكون وعاء شاملا للجميع. ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض الحوارات التي جاءت على لسان الأجانب-رغم فصاحتها- تبدو وكأنها مُترجمة عن أصلٍ إنجليزي: "يا للمسيح!...ماذا تظن أنك تفعل؟" (ص121)، "من أنتِ على أي حال؟" (ص177)، "كفى..الأمور سيئة بما يكفي" (ص200). من ناحية أخرى جاءت الحوارات مُناسبة لشخصياتها، فلغة بائعة الهوى (نبوية المستحية) بلزمتها "يا قلبي" لها مِزاجٌ مختلف عن لغة عائشة أو لغة الصحفي (عبدالرحمن الرافعي) مثلا.

هناك سؤالان هامان يستمران لدى القارئ أثناء قراءة الرواية، أما السؤال الأول فهو: إلام ترمز عائشة؟ هل هي مصر في كفاحها وفي أصالتها وفي تعرضها للإذلال والاستغلال؟ ألذلك كان لعائشة اسم إسلامي، وملامح فرعونية، ووشم مسيحي يبقى معها إلى الأبد؟ ربما. أما السؤال الثاني فهو: ما دور الذئاب في الرواية؟ لقد استخدم المؤلف الذئاب بطريقةٍ رائعة، فالذئاب تتبع الشخصيات وتظهر لهم في مواقف معينة، تنذرهم، وترعبهم، وتحميهم، وتوجههم وتنتقم لهم. ومع القراءة سيتبين للقارئ أن هناك رابطًا قويًا بين الذئاب وبين أبطال الرواية، قد يكون خياليًا جدًا، ولكنه ليس فجًا، بل جاء بطريقةٍ جميلة صبغت الرواية بطابع غرائبي بديع.

ومن الطريف أن يبني المؤلف جزءًا من أحداث الرواية على أنّ (توت عنخ آمون) هو طفل وجده (أخناتون) واتخذه ولدًا ليخلفه في حكمه، بينما يظهر لنا هذا الشهر فقط-فبراير 2010- الدكتور (زاهي حوّاس) الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر ويُعلن للعالم أن تحليل الحمض النووي أثبت بأن توت عنخ آمون هو ابن أخناتون بلا شك.
هي رواية شديدة الإمتاع والإبداع، مكتوبة بحرفية عالية، تأخذنا في رحلة طويلة لنشهد على صراع مصر مع الاحتلال، وصراعها مع من يسرقون آثارها، وصراعها لتحقيق ذاتها. لقد استطاع محمد المنسي قنديل ببحثه وخياله أن ينتج رواية تستحق بجدارة أن تكون على قائمة جائزة البوكر العربية. وفي رأيي الشخصي بعد قراءة الروايات الست المتنافسة واستعراضها على مدى الأسابيع الماضية، أتوقع أن تنحصر المنافسة النهائية بين رواية "أميركا" لربيع جابر ورواية "يوم غائم في البر الغربي"، وكلا الروايتان تستحقان الفوز، والاحترام، والتقدير.

الأربعاء، 10 فبراير 2010

عالم روائي بديع وملحمة بطلتها امرأة: عرض لرواية "أميركا"



ربما أكثر ما يحترمه القارئ في أي روائي هو أنه تعب وبحث كثيرًا حتى يُخرج العالم الروائي الذي صنعه وتعمّق فيه، ولا يكتفي بـ"سوالف" وحكايات يجيد حياكتها. وهكذا لا يسعك إلا أن تشعر باحترامٍ وتقديرٍ كبيرين بعد قراءة رواية "أميركا" الصادرة عن المركز الثقافي العربي ودار الآداب عام 2009 في 430 صفحة.

المؤلف (ربيع جابر) روائي شاب غزير الإنتاج، لا يكاد يمر عليه عام دون أن يصدر رواية أو اثنتين أحيانًا، فمنذ روايته الأولى "سيد العتمة" عام 1992 صدرت له حتى الآن 16 رواية. ويبدو أن ربيع جابر يتبع في كتابته نوعًا خاصًا من الرواية التاريخية، بحيث يقدّم لك التاريخ بشكلٍ شائقٍ وبسيط، لكنه لا يسمح لهذا التاريخ أن يُحاصر خياله وإبداعه، بل يوظفه لإشعال مخيلته.

اختار ربيع جابر أن يقسّم الرواية إلى فصولٍ قصيرة لا يتعدى طول كل منها 3 أو 4 صفحات، بمجموع 126 فصلا موزعة على أربعة أجزاء. وإلى جانب ترقيم الفصول يضع المؤلف عنوانًا لكل فصل (باستثناء الفصل الأخير من كل جزء) ليمهّد للقارئ ويوجّه عنايته إلى تركيز الفصل على شخصيةٍ أو حدثٍ أو مكان. وربما أراد المؤلف من هذه الفصول القصيرة أن يُريح القارئ في روايةٍ طويلةٍ مليئةٍ بالشخصيات والحكايات، إضافة إلى سهولة الرجوع إلى فصلٍ من الفصول عندما يُحال إليه لاحقًا. ونجد أن هناك ثلاثة خطوطٍ سردية رئيسة في الرواية، خطّ البطلة (مرتا حداد) ويبدأ من الفصل الأول مستمرًا إلى النهاية، وخط (علي جابر) الذي يبدأ في الفصل الثاني تمهيدًا ثم نراه في الفصل السادس عشر، ولا يعود بعد ذلك إلا في الجزء الثاني الفصل 54 حيث تستمر قصته وتقاطعه مع البطلة. أما الخيط الثالث فهو خط (خليل حداد) الذي يبدأ في الفصول الأولى ثم يختفي ويعود لاحقًا.

تحكي الرواية قصة مرتا حدّاد الشابة السورية من قرية "بتاتر" التي تُسافر إلى أميركا بحثًا عن زوجها الذي انقطعت رسائله وأخباره. تصل إلى هناك وحيدة ليس معها إلا كيس به زوّادة بسيطة وقليل من المال، تتجه إلى التاجر الأميركي الذي يعمل زوجها عنده. الجميع يعرف زوجها (خليل) أو (جو) كما يطلقون عليه هناك، ولكن أخباره انقطعت منذ فترة ولا أحد يعرف مكانه أو ما حدث له. تعمل مرتا لدى التاجر الأميركي في معمل خياطة، منتظرة أن تسمع أخبارًا عن زوجها. تمرّ الأيام وتكتشف مرتا أخبارًا سيئة عنه، فتقرر الابتعاد عنه والمضيّ في حياتها، لكنها لا تعود إلى بلادها. تعمل بائعة متجولة "كشّاشة"، ثم تعمل في متجر في فيلادلفيا. وتستمر القصة من عام 1913 مرورًا بسنوات الحرب العالمية الأولى، ووباء الإنفلونزا الإسبانية، والكساد الاقتصادي ثم الحرب العالمية الثانية إلى عام 1973 مرّت فيها مرتا وبقية السوريين المهاجرين بأحداث كثيرة، تُكافح وتعمل حتى نراها في نهاية الرواية وقد وصلت إلى الثمانين من العمر بين أولادها وأحفادها في كاليفورنيا ثرية لها أملاك وتجارة. هذه هي القصة باختصار شديد، والحقيقة أن القصة بحد ذاتها (رغم جمالها وإمتاعها) ليست السبب الأهم في روعة الرواية، وإنما العالم الروائي والتقنيات الكتابية التي استُخدمت في الرواية.

يتجلى إبداع الرواية حقًا في التقنيات السردية، فالسارد يبدو أحيانًا وكأنه يعرض علينا فيلمًا سينمائيًا ويعلّق عليه، مثلا حين يقول: "أخاف على مرتا. أراها وحدها على الطريق..." (ص 100) أو حين يُدخل القارئ/المشاهد معه فيقول "لكن ما ستسمعه [مرتا] الآن لا يشبه ما سمعته من قبل. الكلمات سكاكين، يمكن أن تقتل. كل ما نستطيعه الصلاة من أجلها" (ص101). وفي مواضع عدة في الرواية نجد السارد يحدثنا مباشرة فيقول "عزيزي القارئ" وينبهنا إلى أنه لاحقًا سيحدث كذا وكذا. ورغم أن السارد من وجهة نظر النقد الأدبي هو من نوع "السارد العليم"، إلا أنه لا يعرف كل شيء دائمًا، بل يتساءل بين قوسين مع القارئ عن دواخل الشخصيات وعن بعض التصرفات، وفي بعض الأحيان يعترف لنا بنقص المعلومات عن شخصيةٍ أو حادثةٍ ما، مما يُشعرنا بنوعٍ من الواقعية. والمثيرُ أنّ المؤلفَ يلعب مع القارئ لعبة طويلة، فالقارئ يحاول أن يعرف من الذي يسرد الرواية، ولكنه لا يعرف إلا في الجزء الثالث (ص298) أن السارد أحد أفراد العائلة، ولا يعرف حقيقة السارد وشخصيته إلا قرب النهاية (ص353) في مفاجأة مذهلة.

وأما اللعبة الأكبر والأكثر إمتاعًا نجدها في العالم الروائي الذي بناه ربيع جابر، فيظل القارئ يتأرجح حول سؤال ما إذا كانت القصة هذه حقيقية أم لا. الرواية تُعيدنا إلى بدايات القرن العشرين زمن الهجرة السورية (والمقصود سورية الكبرى) إلى "العالم الجديد"، فنشاهد أحوال المهاجرين هناك وفي ماذا يعملون، وكيف نقلوا بلادهم وثقافتهم إلى "الحي السوري" في قلب نيويورك. في الرواية إشارات إلى أشخاصٍ حقيقيين (جبران خليل جبران و هاري ترومان مثلا) ومصادر حقيقية من كتب لميخائيل نعيمة وميخائيل أسعد وربيع جابر مثلا، وحوادث تاريخية حقيقية، ومع ذلك يقول لنا ربيع جابر قبل الرواية "هذه الرواية من نسج الخيال، وأي شبه بين أحداثها وشخوصها وأماكنها مع أشخاص حقيقيين وأحداث وأماكن حقيقية هو محض مصادفة ومجرد عن أي قصد". ولكنك ستظل تسأل نفسك ما إذا كانت الرواية حقيقية أم لا عندما تشاهد المراجع والمصادر المُحال إليها. مثلا، يقول لك الساردُ أن بعض أسماء المهاجرين موجودة في موقع "إيليس آيلاند"، ويُحيل إلى قتالٍ بين السوريين في الحي السوري ويقول لك بأن صحيفة "نيويورك تايمز" كتبت عن ذلك. ولو عُدتَ إلى الموقع المذكور لوجدت اسم (مرتا حداد) و (علي جابر) بالفعل من بين أسماء المهاجرين! ولو راجعت أرشيف الصحيفة المذكورة لوجدتَ الخبر منشورًا بالفعل! يبدو أن ما فعله ربيع جابر هو أنه استخدم عالمًا تاريخيًا حقيقيًا وُجد ذات يوم، وفي داخله صنع عالمه الروائي المُتخيّل، عالم مرتا حداد وباقي الشخوص.

يقودنا ذلك إلى قضية البحث الذي يبدو أن ربيع جابر قد أجراه لكتابة الرواية، فهناك إحالات إلى كتب ورسائل وتقارير وأخبار صحفية تشير إلى بحث المؤلف. ومن اللافت للنظر قدرة المؤلف على تصوير أميركا وولاياتها وأحيائها وعلمه بتاريخها وكأنه قد عاش هناك. هذا ولا نعرف كيف عرف [أو اخترع] ربيع جابر قائمة البضائع التي يبيعها الكشاشون وأسعارها، والموجودة في بيت مرتا حدّاد على حد قول السارد: "يردة شاش أنواتو 50 سنت، يردة شاش سوزني 30 سنت، مخدة أطلس ديفال 35 سنت، صرامي اسلامبولية للنسوان 90 سنت، عوينات مذهبة 25 دولار، نكلس (عقود) 90 سنت..." (ص154). هذا ونجد استخدامًا بديعًا (مؤلمًا في الحقيقة) لعنصرٍ تاريخي يتذكره من يعرف التاريخ الأميركي الحديث، وهو عبارة "أخرجوا موتاكم bring out your dead" والتي يُنادي بها سائقو عربات نقل الموتى في وقت الوباء لدفن الجثث في قبور جماعية تخلصًا منها. وفي رحلة مرتا حداد من نيويورك إلى لويزيانا يصف لنا السارد المشاهد والمحطات التي يقف عندها القطار، وكأن المؤلف قد سار في هذا المشوار فعلا. يمكنني الاستنتاج أن ربيع جابر استخدم معلومات من مصادر كثيرة ليرسم عالمه الروائي، وقد اكتشفتُ أنه في وصفه لـ"الحي السوري Syrian Quarter" في الفصل (29) قام بترجمة بعض فقراتٍ من مقال منشور في جريدة نيويورك تايمز عام 1924 يتحدث عن الحيّ السوري، ولكنه لم يشر إلى المصدر، إلا أنه قال في السرد "انظر أعداد الأسبوع الأول من أيار/مايو في جريدتنا [نيويورك تايمز]، هذه السنة"، كإشارة خفية إلى تغيّر السارد هنا.

وأما اللغة فقد جاءت بمستوى بسيط سلس دون تنميق، إلا أن ربيع جابر وُفق في استخدامها بما يكفي لتصوير المشاهد والمشاعر والأحداث تصويرًا مُلائمًا جذابًا. واختار المؤلف أن يلتزم بالعربية الفصحى في السرد والحوارات، في حين هناك بعض المواضع في الحوار تستخدم بعض الكلمات العامية، ربما لإشعار القارئ بالألفة التي شعرت بها الشخصية عند الحديث بالعامية في الغربة. هذا وقد حاول المؤلف الإبقاء على السياق اللغوي الأميركي من خلال استخدام الإنجليزية في بعض عناوين الفصول وأسماء المناطق، إلى جانب بعض الترجمات الإنجليزية في الهامش لجملٍ جاءت على لسان شخصيةٍ ما بالإنجليزية.

رواية جميلة جدًا في غاية الإمتاع وتتسم بنفسٍ ملحمي يأخذنا في حوالي ستين سنة من أميركا المهاجرين السوريين في القرن العشرين، كاشفة عن الصراع الذي يدور في داخلهم بين الحنين إلى الوطن الأصلي، ومحاولة التصالح مع الوطن الجديد والانسجام معه في حياة تشهد الكفاح والألم والخسارات والنجاحات، في مقابل الجيل الثاني الذي لا يجد له جذورًا قوية في الوطن الأصلي، وتكون أميركا له وطنًا يُدافع عنه ويحتمي به. لقد قدّم لنا ربيع جابر ملحمة كفاح رائعة البطل فيها أنثى لها قوة وصبر وشهامة تساوي ما عند ألفٍ من الرجال. لا شكّ عندي في أن هذا العمل منافسٌ قويٌ جدًا في جائزة البوكر العربية.

الأربعاء، 3 فبراير 2010

الهروب من الأحلام أم منها؟ عرض رواية "وراء الفردوس"



يحدث أن ننصت لشخصٍ يحدّثنا طويلا عن قصةٍ ما، ونستمع له بكل اهتمام دون أن تحتوي القصة على أحداثٍ وأسرارٍ خطيرة مفاجئة لتشويقنا. هنالك شيء ما في ذلك الحديث والوصف يجعلنا مستمتعين منصتين، ومتشوقين. في رواية "وراء الفردوس" الصادرة عن دار العين عام 2009 نكتشف معنى آخر للتشويق والمتعة السردية. مؤلفة الرواية هي (منصورة عزّ الدين)، من الجيل الروائي الجديد في مصر، وقد يعرفها أغلبنا محررة في جريدة "أخبار الأدب". لها العديد من النصوص الأدبية المنشورة في مصر والوطن العربي، وصدرت لها مجموعة قصصية بعنوان "ضوء مهتز" عام 2001، ورواية "متاهة مريم" عام 2004. ورغم أن الراوية التي نحن بصددها هي الثانية للمؤلفة، إلا أنها تكشف عن روائيةٍ تعرف كيف تستفيد من أدوات الرواية.

فمثلا، رغم أن الرواية لا تعتمد على عنصر التشويق في الأحداث، إلا أن اختيار العنوان أدّى هذا الدور بنجاح، فالمؤلفة تريدك فقط أن تبدأ بالقراءة، وهي كفيلة بجعلك تستمر. العنوان مثيرٌ جدًا، وصورة الغلاف لا تقدم معلومات كثيرة، فيا تُرى ما هو الفردوس المقصود في الرواية؟ ستخبرك البطلة عن هذا الفردوس بعد نحو 80 صفحة، ولكن السؤال الذي سيبقى لديك حتى آخر كلمة في الرواية هو ماذا يُمكن أن يكون "وراء" الفردوس؟

استخدمت منصورة عزّ الدين في روايتها تقنية سردية مميزة غير تقليدية، وربما تكون أجمل ما في العمل كله، وهي تقنية "الاسترجاع" أو استعادة الذكريات. وهذه الذكريات لا تأتينا بالضرورة في تتابعٍ زمني كما حدثت، بل بطريقة المشاهد التي تعيد إلى الأذهان ذكريات معينة، مما يذكرنا بالفيلم العالمي الرائع "المليونير المتشرد Slumdog Millionaire" حيث البطل يستعيد مع كل سؤال يُطرح عليه ذكريات من الماضي عرف فيها الجواب. وهكذا تبدأ الرواية بحدثٍ قُبيل النهاية تظهر فيه البطلة (سلمى رشيد)، ثم نعود إلى الماضي من خلال مشاهدٍ من الحاضر. ولقد اتخذت المؤلفة قرارًا ذكيًا بأن تكون هي الساردة، لا سلمى، لأن الرواية تعتمد بشكلٍ كبير على كشف الصراع النفسي الذي تعيشه سلمى. من جهةٍ أخرى، تريد المؤلفة أن تؤكد معرفة سلمى بمعاناتها ورغبتها في الخلاص، فتُورد لنا بعض المذكرات التي كتبتها سلمى.

تبدأ الرواية بمشهد سلمى وهي تحرق صندوقًا كبيرًا مليئًا بالأوراق والذكريات، تريد التخلص منها "كي تبدأ من جديد بروحٍ شابة وذكريات أقل ألمًا" (ص8). منذ وفاة أبيها تعيش صراعًا نفسيًا من ذكرياتها وكوابيسها، تحاول الهروب إلى جنةٍ في عالم آخر، فتغمض عينيها لتعود إلى ذكريات زاهية، أو تغوص في أوهام تختلقها من تغيير الوقائع والشخصيات حين تكتب روايةٍ عن عائلتها، بناءً على نصيحةٍ من طبيبتها النفسية. تعيش سلمى حياة مفككة الآن بعد انفصالها عن زوجها، وتوتر علاقتها بصديقة عمرها (جميلة). ومن ذكريات سلمى نعود إلى قريةٍ ريفية في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، نشاهد حياة الفلاحين والصيادين، وتكوّن الطبقة الوسطى بعد إنشاء مصانع الطوب الأحمر. ولكن التركيز في الرواية ينصب على عائلة سلمى الكبيرة وتطوّر الأحداث فيها، وكذلك علاقة سلمى بصديقتها جميلة. كانت سلمى المدللة التي تسرق الأضواء دومًا، يؤمن والدها بها جدًا ويتوقع لها نجاحًا باهرًا، في حين كانت جميلة ابنة الخادم صابر طفلة هادئة من أولئك الذين لا يشعر المرء بوجودهم. يمضي الزمان فيتغير حال جميلة إلى تفوق ونجاح واستقلال، في الوقت الذي لا تحقق فيه سلمى أي نجاحٍ يُذكر. لذلك تعتقد سلمى أن جميلة سرقت قدرها، لأن "جميلة" كان اسمها قبل أن يغيره أبوها بعد أسبوع من ولادتها. وهكذا فالرواية تحكي لنا هواجس سلمى وذكرياتها وأحلامها، وما أدى إليه تفاعلها مع ذلك كله.

ورغم أن الرواية قصيرة (222 صفحة) إلا أنّ هناك عددًا كبيرًا من الشخصيات، مما قد يسبب للقارئ ربكة في الوهلة الأولى. وقد رسمت المؤلفة بعض الشخصيات رسمًا مميزًا، فـ(رشيد) أبو سلمى إنسان فريد من نوعه، منغمس في لذاته، ولكنه في نفس الوقت يريد أن يكون أولاده متدينين. يصرف ببذخ ولا مبالاة، ولكنه يجيد بناء العلاقات الاجتماعية التي تدرّ على مصنعه أرباحًا وفيرة. هو الولد المدلل الوحيد الذي تعلّم وتفوق في دراسته، إلا أنه قرر أن لا يحضر امتحانات الثانوية العامة، وبأنه سينجح في حياته بالتعليم أو من غيره. هناك أيضًا شخصية العمة (نظلة) التي تعيش في ملكوتٍ آخر، تقضي وقتها في قراءة القرآن وتفسير الأحلام للذين يلجؤون إليها. لقد أضافت هذه الشخصية "الروحانية" قوة للجوّ العام الذي أرادته المؤلفة للرواية. ونجد كذلك (سميح) أخا رشيد من أبيه، ويجسّد في الرواية قيمة التسامح والسلام، يرعى بستانه بعيدًا عن المصنع، يعتني بثماره التي يصف منها أدوية للناس. ليس له أولاد، ولكن الأطفال دائمًا ما يلعبون في بستانه وسيّارته القديمة، ويهتّم كثيرًا بالطفلة (ماريز) ابنة العائلة المسيحية. ومن الشخصيات التي سيتذكرها القارئ (بدر الهبلة) تلك الفتاة المجنونة التي يربطها أبوها بـ"جنزير" كي يسلم الناسُ من لسانها وتسلم هي من تحرش محتمل، لكنها تهرب دائمًا وتلجأ إلى (جابر)، الوحيد الذي تصادقه وتودّه وتغار عليه، حتى أنها هربت من القرية بعد زواجه.

تتناول الرواية عددًا من الثيمات التي تتفاوت في قوتها وانتشارها، إلا أن الثيمة الأكبر هي الأحلام، وغالبًا ما تكون أحلام سلمى. وهذه الأحلام ليست إلا واقعا مشوهًا بطريقةٍ أو بأخرى، كما في أحلام سلمى عن أبيها وعن جميلة، وهي ليست مجرد أحلام لا تؤثر في الواقع، فنجد سلمى وكأنها تستجيب لأحلامها وتطيعها، حين تُحاسب زوجها على خيانته لها في الحلم، أو حين تقرر العودة إلى منزل أبيها الذي صار يلاحقها في الأحلام. وتحاول منصورة عزّ الدين تقوية هذه الثيمة من خلال المعلومات التي توردها في الحواشي عن تفاسير الأحلام لدى ابن سيرين، أو بالإشارة إلى أن سلمى تستعين بهذا الكتاب إلى جانب كتابات فرويد و يونج. ومن الطريف أن توظّف المؤلفة إحدى قصصها القصيرة ليكون حلمًا تحلمه سلمى (ص15). أما الثيمة القوية الأخرى فهي الخرافة، ونجدها في مقاطع عديدة في الرواية سواء من خلال شبح صابر الذي لا يكفّ عن الظهور لزوجته وابنته وغيرهما، أو الحكايات الشعبية التي استخدمتها المؤلفة بذكاء مثل قصة "كمّونة" التي تحاول الهرب من خاطفها، أو الممارسات التي يقوم بها أهل القرية مثل تقديم القرابين البشرية للحصول على البركة، و رمي البصل في النيل في موسم شم النسيم كي يخلصهم من اللعنات والشرور.

ومن الثيمات الفرعية نجد فكرة التعايش الديني، حيث نشاهد بشرى وهي تحاول بيع منتجاتها طلبا للرزق في مُولد "مار جرجس" و أمام كنيسة الشهيدة رفقة، قبل أن تعرّج على مقام سيدي أبي بكر. كما نجد شخصيات مسيحية مثل (رزق) الذي يعمل في مصنع جابر ورشيد، ويتعرض لمحاولةٍ مستمرة من إمام القرية لـ"هدايته" إلى الإسلام، و(عايدة) زوجة رزق التي يتولّد بينها وبين نساء القرية توجّس وكراهية دينية، خاصة مع (رحمة) والدة رشيد التي لم يرق لها أن يعمل في مصنع ابنيها "نصراني" وأن يسكن في ملكهم، إضافة إلى (مارجو) الطفلة المسيحية الأرستقراطية التي كانت دائمًا تلعب مع سلمى وجميلة وباقي الأطفال. كما نجد في الرواية ثيمة الخطيئة حاضرة في (لولا) خالة سلمى التي تموت منتحرة بعد حملها دون زواج، في حين فتحت الخطيئة بالنسبة لبشرى وابنتها جميلة بابًا تدلفان منه إلى عالم أفضل وشخصية أقوى.

من أقوى معالم هذه الرواية الاستخدام اللغوي، فقد أجادت منصورة عزّ الدين في الحفاظ على مستوى لغوي متوسط يبتعد عن التكلف أو الشاعرية المفرطة ويجتنب السطحية واللغة الجافة. هذا وقد نجحت المؤلفة في توظيف اللغة لتقريب المسافة بين القارئ والشخصيات والمكان الجغرافي الذي تدور فيه أحداث الرواية، حيث اعتمد الحوار كله على العامية الريفية، وتخللت السرد مفرداتٌ كثيرة متداولة في مصر من لغاتٍ أجنبية أو من العامية (مثل: فراندة، فوتيه، ألا جارسون، كوبيا، طبلية، لمبة، طلمبة، ساكسونيا). وهذا الهاجس في خلق نصٍ حي عاكسٍ للواقع تجلى أيضًا بشكلٍ مميز في رسالة كريستا الألمانية إلى هشام، حيث استخدمت المؤلفة لغة عربية (مصرية) ركيكة، مثل "لكن أنا عاوزة صراحة...لو إنت خلصت تحبني، لازم تقولي! أنا عارفة إنك حبتني، كان فيه الحب الحقيقي بيننا...شعوري ما غيرش، وإنت؟؟".

نلاحظ في الرواية أيضًا تدخّل المؤلفة بإيراد بعض الحواشي التي تشرح حلما أو حكاية شعبية أو حدثا تاريخيًا، وهذا ليس سيئا رغم أنه كان يُمكن دمج ذلك في النص نفسه، إلا أن هناك إحالات فرضتها المؤلفة تبدو خارجة عن سياق الرواية، مثلا في المقارنة بين رزق وبطل رواية "المهدي" لعبدالحكيم قاسم (ص139)، وبين عمل سلمى وبطل رواية "التاريخ العالمي للعار" لبورخيس (ص87).

في النهاية نقول بأن المؤلفة استطاعت أن تستغني عن الأحداث المتسارعة والأسرار وما إلى ذلك من عناصر التشويق، واستعاضت بسردها السلس الذي لا يطيل المكوث في مكانٍ أو زمان، فينتقل بالقارئ بسرعةٍ من صفحةٍ إلى أخرى دون أن يشعر بذلك. هي رواية جميلة، ولكن يحق لنا أن نتساءل (وربما نشكك) فيما إذا كانت ستستطيع المنافسة بقوة على جائزة البوكر مع الروايات الخمس الأخرى.

الأربعاء، 27 يناير 2010

أرواح تُباع للشيطان: عرض لرواية "ترمي بشرر"



أن تقرأ لـ(عبده خال) يعني أن تستعد لوجبةٍ دسمة من السواد والعذاب وتعرية النفس البشرية، ولعلّ أفضل وصفٍ يُقال في هذا الروائي ما قاله عنه الأديب (غازي القصيبي): "إن الإنسان الذي يستطيع أن يعذبك هذا العذاب كله، أن يشقيك هذا الشقاء كله عبر رواية، مجرد رواية، لا بد أن يكون روائيًا موهوبًا تحبه لموهبته، وتكرهه لأنه يذكرك بالمأساة الإنسانية". قال القصيبي هذا الكلام على غلاف الرواية الأولى لعبده خال، إلا أنه ما يزال ينطبق بامتياز على روايته الجديدة "ترمي بشرر" الصادرة عن دار الجمل عام 2009 في 416 صفحة.

يختارُ عبده خال في هذه الرواية أن يكون مباشرًا منذ البداية، فالعنوان المقتبس من الآية القرآنية المعروفة يشي بالكثير؛ حيث نعرف أن هناك قصرًا-كما هو واضح من صورة الغلاف- مقذوفًا من الأعلى، من تلك التي ترمي بالشرر. ومن صفحة الإهداء نعرف أن عبده خال ليس الراوي، فالذي كتب الإهداء شخصٌ اسمه (طارق فاضل) هو الذي سنستمع إلى القصة من خلاله. وتستمر هذه المباشرة في أول سطرٍ من الرواية، حيث يقول الراوي "خسِئَت روحي، فانزلقتُ للإجرام بخطى واثقة".

جاء تقسيم الرواية مختلفا وجديدًا، حيث تبدأ بـ"عتبة أولى" طويلة يبدؤها الراوي طارق بمشهدٍ هو في الحقيقة ليس أول القصة، بل من أواخرها. ويأخذنا طارق في بوحٍ مسترسل ليصل في نهاية العتبة الأولى إلى ما قبل المشهد الذي بدأ به. أما في "العتبة الثانية" فيسلط طارق الضوء على حقائق حول الشخصيات الرئيسة مستعيدًا تاريخها، وساردًا أحداثًا سابقة أو موازية، إلى أن يصل إلى ما قبل المشهد الأول. ومع اكتمال هذا المشهد تصل الحبكة ذروتها ثم تهبط قليلا، لترتفع في مفاجأة أخيرة صادمة تنتهي بها الرواية. بعد ذلك نجد فصلا إضافيًا بعنوان "البرزخ" يكتبه عبده خال، يتحدث فيه عن أحداث ومعلوماتٍ متعلقة بشخصيات الرواية وأحداثها، إما قبل دخولها عالمه السردي أو بعده.

يحكي لنا طارق قصة حارته البسيطة الملاصقة للبحر في جدة، والتي يسميها أهلها "الحفرة" أو "جهنم"، ويعيشون فيها حياة فقيرة قوامها الصيد والأعمال البسيطة. وفجأة مع دخول المدنية يُسوّر البحرُ لإقامة "كورنيش" عصري، ويظهر قبالة الحارة قصرٌ فخم جديد يحجب جانبًا كبيرًا من البحر عنها. وهكذا أصبح هناك عالمان: عالم الحارة الفقيرة بأناسها البسطاء وفقرها، وعالم القصر المهيب بأنواره الفخمة وخدمه وحرّاسه وسياراته الفارهة وأهله فاحشي الثراء. وبالمقارنة الظاهرية بين هذين العالمين لا يكون مُستغربًا أن يطلق أهل الحارة على القصر اسم "الجنة"، ولأنها جنة فالكل يحلم بدخولها، ورؤيتها، وشمّ روائحها، واقتطاف ثمارها. إذن تُصبح هذه "الجنة" حلمًا يسيل له لعاب الكبار والصغار معًا، على الرغم من تكبر سيد القصر، وحرصه على الفصل بين قصره وبين الحارة وكل ما يتعلق بها.

والشخص الوحيد الذي استطاع دخول "الجنة" هو (عيسى الرديني) الذي هرب من الحارة وسكن مكانًا وسطًا بين القصر والحارة، وأسدى خدمة كبيرة لصاحب القصر، استحق بسببها أن يدخله. يخطط عيسى لإدخال الآخرين من حارته إلى القصر، ليس بالضرورة لمساعدتهم، بل أيضًا للانتقام منهم. يُدخل صديقيه (طارق) و (أسامة)، ثم يتبعهما سيلٌ من رجال الحارة ما بين حارسٍ ومربي كلاب وقائد يخت وخادم. إذن فقد أصبح عيسى هو الطريق المؤدية للقصر بالنسبة لأهل الحارة الذين يحلمون بالدخول إلى الجنة، فإذا دخلوها تكشفت لهم حقيقتها، وأنهم دخلوا عبودية دنيئة لا مهرب منها، ولا هدف لها إلا إرضاء سيد القصر وشهواته وملذاته. ويصوّر لنا طارق صاحبَ القصر المتسلط المتطرف في شهواته وعقابه، والذي لا يقبل أن ينافسه أحد، ولا أن يخرج من طوعه أحد. يحكي لنا طارق في بوحٍ طويل عن حياته وأصدقائه وأهل الحارة قبل الدخول، ثم ما حدث له ولغيره بعد الدخول من سقوطٍ يتبعه سقوط.

من الثيمات القوية في هذه الرواية ثيمة الحب، حيث نجد العاشق المتيّم في شخصية أسامة الذي يظلّ محتفظًا بحب تهاني، وكذلك كمال مع سميرة، و في علاقة عيسى بموضي ، وحتى أم سيد القصر التي تحكي عن حبيب قديم لم تنسه، إلا أنّ الحب في جميع هذه الحالات غير متحقق، لا يقدّم إلا الألم. كما نجد ثيمة أخرى حاضرة هي رغبة الانتقام، متمثلة في سلوك العمة خيرية، وطارق بطل الرواية، وعيسى، ومرام، وأسامة، إلا أنّ رغبة الانتقام المشتعلة في كل هذه الحالات تنتهي بحرق أصحابها، بطريقة أو بأخرى. أما ما يمكن اعتبارها الثيمة الأساسية في الرواية فهي السقوط المؤدي للعبودية، حيث نجد الإنسان يعقد صفقة مع الشيطان كي يدخله الجنة، وسرعان ما يكتشف أنه وقّع صك عبوديته للشيطان، سواء أكان هذا الشيطان داخليًا أم خارجيًا. كلنا عبدٌ لضعفٍ ما فينا، ولكننا نادرًا ما نقف مثل طارق ونعرّي أنفسنا، بل نستمر في النظر إلى سوءات الآخرين. يقول طارق عن ذلك: "كل إنسان يتخفى بقذارته، ويخرج منها مشيرًا لقذارة الآخرين" (ص18).

شخصيات الرواية كثيرة، كالعادة في روايات عبده خال، إلا أنه يتميز بقدرته الفائقة على رسمها وتحريكها رغم كثرتها. وهنا تُقدم لنا الشخصيات على لسان طارق، لذا فهي تتفاوت في قوتها وتأثيرها بقدر احتكاكها بطارق وتأثيرها عليه، فمثلا نجد شخصية العمة خيرية أقوى وأكثر حضورًا بكثير من شخصية الأم التي لا نعرف حتى اسمها. كل شخصية تحمل تناقضاتها وصراعها مع نفسها ومع الآخرين، وربما كانت لأسمائها دلالات ومفارقات قصدها عبده خال. (طارق) هو السلاح "الفحل" الذي يستخدمه صاحب القصر لدكّ أعدائه وكسر رجولتهم، ويستمر طوال الرواية في أداء هذا الدور الدنيء من وقتٍ لآخر، إلا أنه لم يستطع أبدًا أن "يطرق" عدوّه الذي طالما تمنى قتله. من جهةٍ أخرى نجد العمة (خيرية) لا تحمل من اسمها شيئا، سليطة اللسان، حسودة، حقودة، تنصب العداء لطارق وأمه، وتظلّ تترصد لهما الأخطاء، بل وترشده إليها من حيث لا يعلم. أما (عيسى) فهو ذلك الذي يسكن بين "الجنة" و"جهنم" ويبدو دائمًا "المنقذ" و "المخلّص" الذي يقود أهل الحارة من دنيا الفقر والحاجة إلى جنة القصر، إلا أنه في حقيقة الأمر من يضعهم على عتبات السقوط. وأما (مرام) فهي التفاحة الفاتنة التي يشتهيها كل من تقع عليها عيناه، إلا أنّها في نهاية الرواية تصبح الشجرة الملعونة. ويبقى صاحب القصر المتسلط المتجبر دون اسم، يشير إليه طارق باسم "السيّد"، فهذه الكلمة أبلغ في وصفه من أي اسم. ويبدو هذا السيد وكأنه الشيطان نفسه، فهو الذي يحرّك الجميع لخدمته، وله نفوذ في كل مكان، ويرى ويسمع كل شيء، ويعيش عمرًا مديدًا بجبروته وكأن الموت لا يصل إليه!

أما لغة السرد فجاءت قوية بليغة، ما بين وصفٍ للأحداث، وتعليقٍ فلسفي عليها، وهو أسلوب يجيده (عبده خال)، حيث يمنحك متعة الحدث في تسارع، ثم يُسكرك بفقرةٍ وجدانية، فيؤرجحك هكذا بين الحدث واللغة الجميلة دون ملل. ولأنّ السرد كله يأتينا من خلال طارق فاضل، لا نتوقع أن يكون هناك خط زمني أفقي ثابت، بل هو كاستعادة الذاكرة، يلملم أجزاءً من هنا وهناك محاولا إعطاءك الصورة كاملة. برأيي نجح عبده خال جدًا في هذه النقطة، إلا أن القارئ يستغرب أن شخصًا بسيطًا تعليميًا وثقافيًا مثل طارق يمكن أن تكون له تلك اللغة القوية والملاحظات الفلسفية، إلا أن يكون عبده خال هو المتكلم، مثل: "الشهوة..هذه النار المشعلة من أول قطرة دم سفكت على الأرض، تحتاج دومًا إلى نفط الدم كوقود لمواصلة اشتعالها. شهوة، ودم، وضحية. تثليث معاكس للقداسة، ومعاكس لشرائع كل الديانات. هذا التثليث الموازي هو الملعب المقابل لإحداث الفعل، ومن ثم صناعة التاريخ" (ص18-19). يحتاج الكاتبُ إلى وعي مستمر أثناء الكتابة بضرورة فصل نفسه ولغته وفكره عن شخصياته، فالشخصية ليست بالضرورة هي الكاتب أو صوته. ويمكننا أن نضرب مثلا رائعًا بالكاتب البريطاني (مارك هادون) في روايته "الحادثة الغريبة للكلب في منتصف الليل"، وبطلها الطفل المصاب بالتوحد، حيث تشعر طوال قراءة الرواية بأن الذي يحدّثك هو فعلا طفل مصاب بالتوحد.

ونلاحظ أيضًا في هذه الرواية الاعتماد الكبير على السرد واجترار الذاكرة، بدلا من الحوار الذي لا يكاد يوجد، كما لا نجد طريقة ثابتة لاستخدام اللهجة المحكية في الحوار، حيث نجدها في مواضع نادرة ولا نجدها في بقية الرواية، دون سبب منطقي لذلك.

ربما أكثر ما يميّز هذه الرواية هو بناء شخصية الراوي، حيث يُشركك طارق في تطور شخصيته، ويُطلعك على دواخله وانحرافاته وسقطاته. ورغم أنك شاهدٌ على جميع ما اقترفه طارق من جرائم وآثام، إلا أنك لا تملك أن تكرهه، ولا أن تحبه. يظلّ شعورك محايدًا، كما ظلّ هو نفسه مُحايدًا وغير مبالٍ طوال أحداث الرواية، يشبه إلى حدٍ ما "ميرسو" في رواية "الغريب" لألبير كامو الذي ينقل لك عدوى اللامبالاة. أما ما نأخذه على هذه الرواية فهو انتشار الأخطاء اللغوية في أجزاء من الرواية، وكأن عبده خال قد أنهكته أحداث الرواية وشخوصها، فأرسلها إلى المطبعة فور انتهائه منها. ويدلّ على ذلك تضارب في اسم شخصية زوج الأم، حيث يقول لنا طارق في صفحة 108 بأن اسمه (جمال المهندس)، إلا أنه عندما يعود ليكمل حكاية أمه بدءا من صفحة 233 نجد أن اسمه (غيث المهند)!

رواية جديرة بالقراءة أكثر من مرة، وذلك للزخم الحكائي الموجود فيها، وللبناء السردي المميز الذي أقامه المؤلف، ولقدرته على أن يؤلم القارئ ويقززه ويستفزه ويجعله يتفكر في نفسه وفي تطوحه ما بين استهانةٍ بالسقوط، وبين عجز عن كبح الذات من الانزلاق المستمر. في النهاية نقول بأن الرواية استحقت أن تكون بين ست روايات تتنافس على الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2010.

الأربعاء، 20 يناير 2010

أصوات متعددة بين الأمل والواقع: عرض لرواية "السيدة من تل أبيب"


عادة ما تشدّ القصصُ التي تتناول موضوع فلسطين اهتمامَ القارئ العربي، حتى لو لم تكن لراويها براعة (ربعي المدهون) في السرد. وهنا نتحدثُ عن روايته "السيدة من تل أبيب" الصادرة عام 2009 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. هي الرواية الأولى لهذا الصحافي والكاتب الفلسطيني الأصل، البريطاني الجنسية الذي أصدر سابقًا مجموعة قصصية، ودراسة، وسيرة ذاتية، إلا أن الحِرفية التي صِيغت بها الرواية تُشعر المرءَ بأن المدهون قصّاصٌّ متمرّس يجيد تطويع الرواية وأدواتها لخدمته.

أولّ ما يشدّ الانتباه في هذه الرواية ويسبب شكلا من أشكال الحيرة والتشويق لدى القارئ هو الغلاف، حيث تُقدَّمُ لنا رواية "السيدة من تل أبيب" من تأليف المدهون وإصدار المؤسسة العربية، ومعها أيضًا على الغلاف يظهر رجلٌ بجانبه رواية أخرى من إصدار المؤسسة العربية عنوانها "ظلان لبيت واحد" من تأليف كاتب اسمه (وليد دهمان). إذن فالغلاف هنا ليس مجرد غطاء لمحتويات الرواية وتعريف باسمها وكاتبها، بل أداة يستخدمها المدهون كي يُقحم القارئ منذ النظرة الأولى في مراوغةٍ سردية، كي يعرف أنه بصدد أكثر من كاتبٍ، وأكثر من رواية.

ولا بد من الاعتراف لربعي المدهون بقدرته الفائقة على التعامل مع اللغة، فهي هنا ليست مجرد وعاء يحمل الوصف والأحداث، بل أداة يتم توظيفها لخدمة العمل. ويتبدى ذلك جليًا على أكثر من مستوى، فمن ناحيةٍ نجد لغة السرد عربية فصحى سليمة، ولكنها بعيدة عن التفخيم والتنميق، بسيطة واضحة وسلسة. أما في الحوار فلا يُلزم المدهون نفسه بالوفاء للعربية الفصحى، وذلك لكي يضيفَ إليه عنصر الواقعية والحيوية، فتجد اللهجة الفلسطينية كي يقترب القارئ من الشخصيات والأرض التي تجري فيها أحداث الرواية. ولقد أحسنَ المدهون في استخدام اللهجة المحكية ببراعةٍ تذكرنا بعبدالرحمن منيف مثلا. إضافة إلى ذلك نجد بعض العبارات باللغة العبرية، وبعض الكلمات بالإنجليزية، وبعض الجمل بالعربية المكسّرة حين يتحدثها الإسرائيليون مع العرب.

تقع القصة في ثلاثة خطوط سردية يمسك بها الراوي (ربعي المدهون)، و شخصية (وليد دهمان) مؤلف رواية "ظلان لبيت واحد"، وشخصية الممثلة الإسرائيلية (دانا أهوفا). يفتتح القصة الراوي ربعي المدهون ليحكي لنا أصل حكاية وليد دهمان الصحافي الفلسطيني البريطاني الجنسية الذي سيسافر غدًا إلى غزة للقاء أمه بعد غربة دامت 38 عامًا، وهنا نتعرف إلى عائلة وليد وأصدقائه وحكايات صِباه في خان يونس، وسفره إلى القاهرة لإكمال دراسته، ثم مهجره الطويل الذي بدأ بعد اندلاع حرب 1967. وكلّ هذا (في 43 صفحة) ليس إلا مقدمة للرواية، حيث تتفاجأ في الصفحة 44 بالغلاف الداخلي لرواية "السيدة من تل أبيب"، وكأنها ستبدأ الآن فقط.

هنا ينتقلُ الصوت السردي من ربعي المدهون، تارة إلى وليد دهمان الذي يحكي لنا تفاصيل رحلته من مطار هيثرو إلى مطار بن غوريون، ولقاءه بجارته في الطائرة الممثلة الإسرائيلية دانا أهوفا، وتارة أخرى إلى دانا أهوفا التي تحكي لنا حكايتها مع حبيبها ورحلتها الأخيرة ولقاءها بوليد دهمان على الطائرة. ورغم التوجس المبدئي بين هذا الصحافي الفلسطيني والممثلة الإسرائيلية، إلا أنهما سرعان ما يتآلفان ويغرقان في حديث طويل، يخبرها فيه وليد بأنه يكتب روايته الرابعة عن فلسطيني اسمه (عادل البشيتي) يعود إلى فلسطين بعد غربة طويلة بحثا عن حبيبة قديمة اسمها (ليلى دهمان) فرقت بينهما الحروب، وبأنه (أي وليد) يريد أن يتابع أحداث الرواية من واقع زيارته هذه إلى غزة، ولكنه لم يجد اسمًا للرواية بعد. تقترح عليه اسم "ظلان لبيت واحد"، ويتبادلان عناوين البريد الإلكترونية للتواصل لاحقا.

بعد ذلك يبدأ القسمُ الأكبر من الكتاب، حيث نجد غلافا داخليًا آخر لروايةٍ بعنوان "ظلان لبيتٍ واحد" من تأليف وليد دهمان، وهنا يستمر تعدد الرواة ما بين المؤلف (وليد دهمان) و الراوي (ربعي المدهون) والممثلة (دانا أهوفا). ويتحدث هذا القسم عن وصول وليد إلى تل أبيب ثم غزة والأحداث التي جرت إلى أن عاد إلى لندن، إضافة إلى الأحداث التي مرّت بها دانا منذ وصولها وحتى سفرها إلى لندن قبل وليد. في هذا القسم يراوغنا وليد دهمان كثيرًا، فيفاجئنا بظهور شخصيتين من روايته إلى الواقع (واقع وليد دهمان)، فتتقاطع الشخصيات داخل الرواية الثانية (التي يكتبها وليد) مع شخصيات في الرواية الأولى (التي يكتبها ربعي)، وكأننا في مسرحية عبثية، فيلتقي وليد بعادل ويسهّل له النهاية التي كان يسعى إليها. ولكن في الحقيقة كل ذلك يحدث بطريقة غير فجة، بل جميلة وسلسة ومقنعة إلى حدٍ ما.

في هذا العمل يشتغل ربعي المدهون على أكثر من ثيمة كالحب والموت والحنين، إلا أن هناك عاملا مشتركا تصبّ فيه جميعًا هو الصراع مع الحياة، الرغبة في الخلاص من الماضي أو الحاضر إلى مستقبل أفضل. عادل البشيتي يريد الخلاص من غربته وفشله العاطفي، باحثًا عن الحب القديم من أجل مستقبل أجمل. دانا أهوفا تريد الخلاص من نمط حياتها وواقعها الذي تكرهه، متعلقة بالحب الذي سيمنحها مستقبلا أجمل. وليد دهمان يريد إنهاء غربته والعودة إلى أرضه وماضيه، آملا أن ينتهي ما فيها من موت و حروب. وكذلك أهل وليد في غزة يأملون أن ينتهي ما هم فيه من ألم ومذلة وموت، ليعيشوا على أرضهم بسلام.

لكنّ الصوتَ الأعلى في الرواية كلها هو صوت السأم من الواقع الفلسطيني-الإسرائيلي والحلمِ بالعيش المشترك في سلام وأمان. نجد ذلك لدى وليد دهمان الفلسطيني الذي يجلس إلى جانب ممثلة إسرائيلية يسارية على الطائرة ويصادقها، ويقول في نفسه: "أتمنى أن يخرج الفلسطينيون والإسرائيليون من ساحة الحرب إلى العيش المشترك. ونتمشى أنا وهي معًا، في أوتستراد طويل لا عداء فيه ولا معابر. لا اغتيالات ولا انتحاريين. لا مجندين ولا مقاومين. لا صهيونية ولا حركة تحرر وطني فلسطينية. لا انتفاضة ولا مستوطنات. لا شارون ولا عرفات. لا أبو مازن ولا شاؤول موفاز. لا شيوخ ولا مستوطنين. لا أباتشي ولا اف-16، ولا انتحاريين..." (ص 96). ونجده أيضًا لدى دانا أهوفا صاحبة الآراء اليسارية المناهضة للاستيطان والعنف الإسرائيلي، والتي تنخرط في علاقة حب مع ابن زعيمٍ عربي وقبل ذلك مع يهودي أوكراني الأصل رفض المشاركة في أعمال الجيش الإسرائيلي بعد ما رأى فيه من ممارسات غير إنسانية. ونجده مرة أخرى لدى أحد أقارب وليد الذي يقول في نقاش عائلي سياسي: "عارف..هوّ لو ما صارتش الانتفاضة الاولى، وظلينا ع شعار زمان دولة علمانية ديمقراطية يمكن كانو اندمجو الشعبين مع بعض لأنو كتير فلسطينية اتجوزو يهوديات من عرب اسرائيل وأخدو الهوية والجنسية" (ص 294). حتى عادل البشيتي الشخصية التي يكتبها وليد دهمان يصادق في الطائرة امرأة إسرائيلية. هذا وهناك أكثر من رمزٍ في الرواية يؤكد هذه الرسالة، فمثلا تلك الرواية التي يكتبها وليد دهمان لا يستطيع اختيار عنوانٍ لها، فيأتي العونُ من دانا التي تقترح "ظلان لبيت واحد"، دلالة على "العمل المشترك" الممكن بين دانا (الإسرائيلية) ووليد (الفلسطيني) للوصول إلى سلام يعمّ البيت الواحد الذي له ظل فلسطيني وآخر إسرائيلي. ولا يكتفي المدهون بذلك، بل يرسم مشهدًا رمزيًا صارخًا إن صحّ التعبير، حين يحاول الفلسطينيون عبور معبر إيريز إلى غزة، فيما تحاول فتاة فلسطينية تفجير نفسها بحزام ناسف، فتجعل الإسرائيليين يتشددون في الإجراءات، وبذلك "تنسف" آمال أبناء بلدها في "الوصول إلى أرضهم". ولاحقا في الرواية نسمع أقارب وليد دهمان يكيلون اللوم على أعضاء "حماس" الذين وظفوا هذه الفتاة وقادوها إلى محاولة التفجير تلك. ومن الجانب الآخر نجد شخصية (بني شلومو) الناشط ضد الاستيطان، والذي يتمنى سلاما شاملا دائما، ويقيم في كل عام عزاء خاصًا لأسحاق رابين، والذي يحب زيتون "غزّة" ويتمنى أن يقيم مطاعم يقدّم فيها الحمص والفلافل وزيتون غزة، لكنه يصطدم بممارسات الدولة الإسرائيلية في احتلال غزة وبناء المستوطنات.

برأيي إن ما يميّز هذه الرواية وربما يثير حولها بعض الجدل هو تقديم الآخر (العدوّ) بصورةٍ جديدة مختلفة عن المعهود في تصوير الشخصية الإسرائيلية. هنا يُحاول ربعي المدهون تغيير صورة العدوّ إلى صورة الإنسان الذي ربما لا يختلف عنا كثيرًا، بل ويتفق معنا في الرغبة في السلام. وقد يعيب الرواية المبالغة في تصوير الألفة التي تشكلت بين وليد ودانا في الطائرة، فمن بعض كلمات إلى طبطبة إلى ضغطةٍ حانية على اليد إلى مزاحٍ بالكلام إلى مزاحٍ بالأيدي، وكل ذلك في رحلة طائرة! من يقرأ هذا الجزء من الرواية لا يكاد يصدّق أنه يحدث بين فلسطيني وإسرائيلية، فما الذي يريده المدهون من ذلك؟ هل لأن الشخصيتين متفقتان على السلام؟ يبقى أن نقول بأنه رغم هذا التصوير المغالي في الأمل، يعود المدهون إلى الواقع في استدراك بعد نهاية الرواية في رمزٍ له دلالته، إلى التأكيد بأن وليد و دانا "لم يلتقيا ذلك المساء". وعلاوة على ذلك يبقى سؤال كبير معلق بين يدي القارئ بعد إفشال محاولة دانا أهوفا الأخيرة للتقريب بين الجانبين: من الذي أفشلها، الفلسطينيون أم الإسرائيليون، أم كلاهما؟

بعيدًا عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الأفكار السياسية التي قد تحملها الرواية، يبقى أن المدهون قدّم رواية ممتعة تحتوي على الجديد المبدع من حيث البناء الروائي، واللغة، وتناول الموضوع. وليس مستغربًا أن تكون هذه الرواية من بين ست روايات تتنافس على الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2010، وأن تكون قد صدرت منها مؤخرًا طبعة ثانية.

الثلاثاء، 13 مايو 2008

يوم عادي ، بالفول السوداني



قصة: شيرلي جاكسون
ترجمة: أحمد حسن المعيني

أوصد (جون فيليب جونسون) باب شقته خلفه وهبط السلم منطلقًا إلى الصباح الساطع مستشعرًا أنّ العالم بكل ما فيه على ما يرام في هذا اليوم الأروع من كل يوم. أولم تكن الشمسُ دافئة بهيجة؟ أولم يكن حذاؤه الجديد مريحًا؟ وكان واثقًا أنه قد اختار بلا شك ربطة العنق الأنسب لهذا اليوم والشمسِ وقدميه المرتاحتين، وفوق كل ذلك أليس العالم مكانًا رائعًا؟ وعلى الرغم من أن جونسون كان رجلا ضئيلا، وبرغم أن ربطة عنقه كانت قليلة الزَّهاء، إلا أنه كان يُشِعّ إحساسًا واثقًا بالإشراق والسعادة وهو يهبط الدرجات إلى الرصيف القذر، وكان يبتسم للمارين بجانبه، حتى أنّ بعضهم قد بادله الابتسامة. توقف عند كشك الجرائد على ناصية الشارع واشترى جريدته وهو يقول من كل قلبه "صباح الخير" للرجل الذي باعه الجريدة والشخصين أو الثلاثة الذين كان لهم حظّ الوجود هناك يشترون جرائدهم عندما مرّ جونسون. لم ينسَ أن يملأ جيوبه ببعض السكاكر والفول السوداني، وبعدها استعدّ للانطلاق باتجاه الحيّ السكني في المدينة. توقف عند بائع الزهور واشترى زهرةً لعروةِ معطفه، وما كاد يمشي حتى أهداها لطفلٍ صغير في عربة، نظر إليه باستغراب ثم ابتسم، فابتسم له جونسون، ونظرت أم الطفل إلى جونسون لدقيقةٍ، ثم ابتسمت هي أيضًا.

وعندما اجتاز بعض المباني الكبيرة في المدينة، قطع جونسون الشارع ومشى على طول شارع جانبي اختاره عشوائيًا. لم يكن يسلك الدرب نفسه كل صباح، بل كان يفضّل إيجاد طريقٍ حافلٍ بأحداثٍ جديدةٍ وانعطافاتٍ واسعة، كأنه جروٌ أكثر منه إنسانًا منكّبًا على عملٍ ما. وحدث هذا الصباح في منتصف المجمّع السكني أن توقفت شاحنة، وكان أثاث شقةٍ مركونًا على الرصيف، نصفه على السلم، بينما مجموعة من الناس تتلكأ متسلية بتفحص الخدوش على الطاولات والمواضع البالية على الكراسي، وامرأةٌ منزعجة- تحاول مراقبة طفلٍ صغيرٍ وناقلي الأثاث والأثاث في الوقت نفسه- بدا واضحًا أنها تحاول ستر حياتها الخاصة من الناس المحدقين في أغراضها. توقف جونسون، ولثانيةٍ انضمّ إلى الحشد، ثم تقدم ووضع يده على قبعته تلطّفًا وقال: "يمكنني أن أراقب طفلك لك".

استدارت المرأة وحملقت فيه بريبة، فأضاف جونسون بسرعة: "سنجلس هنا على السلم". أومأ إلى الصبيّ الذي تردد ثم استجاب لابتسامة جونسون الودودة. أخرج جونسون من جيبه حفنة من الفول السوداني وجلس على السلم مع الصبيّ الذي رفض قبول الفول السوداني، لأن والدته لم تكن تسمح له أن يقبل طعامًا من الغرباء. فقال له جونسون بأن والدته ربما لم تقصد الفول السوداني، فحتى الفيلة في السيرك تأكله. فكّر الصبي ثم قبِلَ بتحفظ. جلسا على السلم يقرضان الفول السوداني كأنهما رفيقان، وقال جونسون: "إذن فأنتم تنتقلون إلى منزل جديد؟". قال الصبي: "نعم".

- إلى أين تذهبون؟
- فيرمونت.
- مكانٌ جميل. هناك الكثير من الثلج، وسكاكر القيقب كذلك. أتحب سكاكر القيقب؟
- أكييد.
- هناك الكثير من سكاكر القيقب في فيرمونت. هل ستعيشون في مزرعة؟
- سنسكن مع جدّي.
- أيحب جدّك الفول السوداني؟
- أكيد.

قال جونسون مادًا يده إلى جيبه: "لا بد إذن أن تأخذ له بعضًا منه. أذاهب أنت وماما فقط؟"
- نعم.

قال جونسون: "اسمع ، خذ بعض الفول السوداني لتأكله في القطار". بدا أن والدة الصبي حكمت بأن جونسون محل ثقة بعد استراقها النظر إليهما بين الفينة والأخرى، لذا انكبّت بكلّها على التأكد من أن ناقلي الأثاث لم يكسروا رجل طاولةٍ أو يهووا بكرسيٍ على مصباح- وهُم نادرًا ما يفعلون ذلك رغم أن كل ربة بيت تعتقد أنهم سيفعلون. في ذلك الوقت كان أغلب الأثاث قد حُمّل إلى الشاحنة وكانت هي شديدة القلق عندما أدركت أنها نسيت أن تحزم غرضًا ما- قد يكون مخبئًا خلف دولاب، أو منسيًا عند أحد الجيران، أو على حبل الغسيل- وكانت تحاول أن تتذكر ذلك الشيء بتوترٍ ظاهر.

قال رئيس العمّال مضيفًا إلى رعبها: "أهذا كل شيء يا سيدتي؟". وقال العامل للصبي ضاحكًا: "هل تريد أن نضعك في الشاحنة مع الأثاث يا صغيري؟". ضحك الصبي وقال لجونسون: "أظنني سأمضي وقتًا جميلا في فيرمونت". قال جونسون للصبي ناهضًا: "بل وقتًا رائعًا. خذ حبة فول أخرى قبل الذهاب". وقالت والدة الصبي لجونسون: "أشكرك جدًا. لقد أسديتَ لي خدمة كبيرة". ردّ جونسون بودّ: "لا داعي للشكر. أين تقصدون في فيرمونت؟". نظرت الأم إلى الصبي باتهام، وكأنه أفشى سرًا مهمًا، ثم قالت على مضض: "جرينتش". قال جونسون: "مدينة رائعة". أخرج بطاقة وكتب اسمًا على ظهرها ثم قال: "يقيم في جرينتش صديقٌ عزيزٌ جدًا لي. اتصلي به إن احتجتِ أي شيء." ثم أضاف قائلا للصبي في وقار: "زوجته تُعِدّ أفضل كعكٍ محلّى في جرينتش".

- رائع!
- مع السلامة.

مضى في طريقه يدقّ الأرض بحذائه الجديد، مستشعرًا دفء الشمس على ظهره وفوق رأسه. وفي منتصف الطريق رأى كلبًا ضالا فأطعمه حبة فولٍ سوداني. وعند ناصية الشارع حيث واجهه شارعٌ واسعٌ آخر قرر جونسون العودة للحي السكني. وفي هذه المرة كان يتحرك بكسلٍ مقارنة بالمرة السابقة حتى أنّ العابرين من جانبيه كانوا مستعجلين مقطّبين، وكانوا يلكزونه بمرافقهم وهم يتجهون للجهة الأخرى من الشارع، مسرعين ليصلوا إلى مكانٍ ما بسرعة. توقف جونسون عند كل إشارة مرور وانتظر بصبرٍ حتى تتغير الإشارة للعبور، وكان يبتعد عن طريق أي شخص يبدو في عجلةٍ من أمره، إلا أنّ شابة اقتربت بسرعةٍ شديدة نحوه وصدمته بقوة عندما انحنى ليداعب قطة صغيرة هربت إلى الرصيف وأصبحت غير قادرة الآن على العودة بين الأقدام المسرعة. قالت الشابة محاولة في نزق أن ترفع جونسون من الأرض وتعجّل إلى طريقها في الوقت نفسه: "معذرة. أنا آسفة جدًا".

أسرعت القطة الصغيرة إلى بيتها رغم الخطر. قال جونسون وهو يعتدل في وقفته: "لا عليكِ. يبدو أنكِ مستعجلة". قالت الشابة: "بالطبع أنا مستعجلة. إنني متأخرة". كانت شديدة النزق، وبدا ذلك التقطيب الذي بين عينيها أنه سيُخلّد هناك. من الواضح أنها نهضت من النوم متأخرة، حيث أنها لم تمض أي وقتٍ إضافي لتجميل نفسها، وكان ثوبها بسيطًا جدًا غير مزخرف بقلادةٍ أو دبوسٍ زيني، وكان أحمرُ شفاهها غير متساوٍِ على الشفتين. حاولت أن تمرّ من جانب جونسون بسرعة، إلا أنه- مُخاطرًا بما قد يسببه من استياء وريبة- أمسكها برفق من مرفقها وقال: "لحظة من فضلك".

قالت بنبرةٍ مُنذِرة: "اسمع، لقد صدمتك ويمكن لمحاميك أن يتحدث مع محاميّ وسأدفع بكل ترحاب ثمن كل الأضرار التي تسببت بها، ولكن أرجوك دعني أذهب الآن فأنا متأخرة". قال جونسون: "متأخرة عن ماذا؟" مجربًا عليها ابتسامته الرابحة دومًا، ولكن ابتسامته- حسب ظنه- لم تفعل أكثر من أن تمنعها من الإطاحة به أرضًا مرة أخرى. قالت وهي تصرّ على أسنانها: "متأخرة عن العمل. متأخرة عن وظيفتي. لديّ وظيفة وإن تأخرت خسرتُ ساعة بالضبط ولا يمكنني تحمل ما تكلفني إياه محادثتك اللطيفة، حتى وإن كانت لطيفة جدًا".
قال جونسون: "سأدفع ثمن ذلك". كانت تلك كلمات سحرية، ليس بالضرورة لأنها كانت حقيقية، أو لأنها كانت تتوقع بجد أن يدفع جونسون أي شيء، ولكن لأن جملة جونسون المباشرة، الخالية من السخرية، لا يمكن أن تكون، وهي صادرة عن جونسون، غير كلام رجل مسؤول وصادق ومحترم. سألتْ: "ماذا تقصد؟".

- قلتُ بأنه ما دمتُ أنا السبب في تأخيرك، عليّ أن أدفع ثمن ذلك.

قالت، ولأول مرة اختفى عبوسها: "لا تكن سخيفًا. لا أتوقع منك أن تدفع أي شيء..قبل دقائق كنتُ أنا من أعرض عليك أن أدفع لك". ثم أضافت، تكاد تبتسم: "على أية حال، كان خطأي أنا".

- ماذا يحدث إن لم تذهبي للعمل؟

حدّقت فيه وقالت: "لا أستلم أجري لذلك اليوم".
فقال جونسون: "بالضبط".
قالت: "ماذا تقصد بقولك بالضبط؟ إن لم أكن في العمل منذ عشرين دقيقة بالضبط أخسر دولارا وعشرين سنتا، أو سِنتين لكل دقيقة، أو..." فكّرت ثم أضافت: "حوالي عشرة سنتات للوقت الذي أمضيته في الحديث معك".

ضحك جونسون وأخيرًا ضحكت هي. قال: "إنكِ الآن متأخرة على أية حال. هلا أعطيتني ما قيمته أربعة سنتات أخرى؟".

- ولكن لماذا؟

قال جونسون: "سترَين". قادها إلى جانب الرصيف حذو البنايات وقال: "قفي هنا"، ثم دخل في معمعة الناس السائرين في الاتجاهين. كان يختار ويفكر كما يفكر من سيقرر اختيارًا يحتوي ربما سنوات كاملة في حياة شخصين. كان يحاول تقييم الناس من حوله، وفي مرة كاد أن يتحرك، ثم تراجع في آخر لحظة. أخيرًا، رأى ما أراده على بعد نصف صفٍ من البنايات، وتحرك إلى مركز المعمعة ليعترض سبيل شاب كان يُسرع، يبدو من هيئته وكأنه استيقظ متأخرا، وكان عابسًا.

تأفف الشاب لأن جونسون لم يفكر لاعتراض سبيله في طريقة أفضل من الطريقة التي استخدمتها الشابة معه دون قصد. قال الشاب بغلظة: "ألا ترى طريقك يا هذا؟". قال جونسون بنبرةٍ مُوحية بشيء ما: "أريد أن أتحدث إليك". نهض الشاب بعصبية نافضًا الغبار عن ملابسه ومحدقًا في جونسون: "لماذا؟ ماذا فعلت؟". قال جونسون بنبرة شكوى: "هذا أكثر ما يزعجني في الناس هذه الأيام، فهم إن فعلوا شيئًا أو لم يفعلوا يظنون أن أحدًا يلاحقهم. أريد أن أتحدث إليك عن شيء ستفعله". قال الشاب محاولا تجاوز جونسون: "اسمع، إنني متأخر وليس لدي وقت لأسمعك. خذ العشرة سنتات هذه وانصرف". دسّ جونسون الورقة في جيبه وقال: "شكرًا لك. اسمع، ماذا سيحدث إن لم تسرع في مشيك الآن؟". قال الشاب وما زال يحاول أن يعبر من جانب جونسون الذي كان فجأة ملتصقًا به: "إنني متأخر". سأله جونسون: "كم يُدفع لك في الساعة؟". ردّ الشاب: "هل أنت شيوعي؟ هلا سمحت بأن تدعني..." فقال جونسون بإلحاح: "لا. كم؟" فتمتم الشاب: "دولار ونصف. والآن هلا..."

- هل تحب المغامرة؟

حدّق فيه الشاب، وبينما كان محدقًا وجد نفسه قد قبضت عليه ابتسامة جونسون الودودة. كاد أن يبتسم له ثم كتمها وحاول أن ينسلّ: "عليّ أن أسرع".

- تحب الغموض؟ المفاجآت؟ الأحداث المبهجة غير العادية؟
- هل تبيع شيئًا؟
- بالطبع. هل تريد أن تجرب؟

تردد الشاب، وهو يتطلع إلى الشارع الذي ربما كان وُجْهَتَه، حينما قال جونسون بنبرة التوكيد المقنعة: "سأدفع ثمن ذلك"، فاستدار وقال: "حسنًا. ولكن يجب أن أرى بنفسي أولا ما سأشتريه".

قاد جونسون الشابَ وهو يتنفس بصعوبة إلى جانب الرصيف حيث كانت تقف الشابة. كانت تراقب باهتمام كيف أمسك جونسون بالشاب، والآن تبتسم بخوفٍ وتنظر إلى جونسون وكأنه لم يعد هناك ما يفاجئها. أخرج جونسون محفظته من جيبه وقال مادًا ورقة نقدية إلى الشابة: "تفضلي. هذا يساوي تقريبًا أجر يوم من عملك". إلا أنها قالت باستغراب رغما عنها: "لا لا.. أقصد لا يمكنني...". قاطعها جونسون: "دعيني أكمل لو سمحتِ". ثم قال للشاب: "وتفضل. هذه لك". قبل الشاب الورقة النقدية وهو مبهور ولكنه قال من زاوية فمه للشابة: "ربما تكون مزيفة". وتابع جونسون متجاهلا الشاب: "والآن، ما اسمكِ آنستي؟". قالت باستسلام: "كينت. ميلدرد كينت". قال جونسون: "جميل. وما اسمكَ سيدي؟". قال الشاب بتصلّب: "آرثر آدمز". فقال جونسون: "رائع. والآن آنسة كينت أودّ أن أعرفك على السيد آدمز. سيد آدمز، هذه الآنسة كينت". حدّقتْ الآنسة كينت ورطّبت شفتيها بتوتر، وصدرت عنها حركة ترددٍ تشي بالهروب، وقالت: "كيف حالك؟". انتصب آدمز وقطّب لجونسون، وصدرت عنه حركة ترددٍ تشي بالهروب وقال: "كيف حالكِ؟". قال جونسون وهو يخرج عدة أوراق نقدية من محفظته: "هذا سيكفي لمصاريف يوم. أقترح عليكما زيارة جزيرة كوني-رغم أنني لستُ مغرما بها- أو ربما غداءً في مكانٍ ما ورقصة لطيفة، أو حفلة نهارية أو حتى فيلما، ولكن احرص على اختيار فيلمٍ جيد. هناك الكثير من الأفلام الرديئة هذه الأيام". وأضاف كأنه اُلهِمَ: "أو ربما تزوران حديقة حيوانات برونكس، أو القبة الكونية" وانتهى بقوله: "أيّ مكان تودان الذهاب إليه. استمتعا بوقتكما".

وبينما هو يشرع بالانصراف، قال آرثر آدمز متخلصًا من تسمّره وذهوله: "ولكن مهلا يا سيدي. لا يمكنك فعل هذا.كيف تعرف..أقصد أننا لا نعرف...أقصد كيف تعرف أننا لن نأخذ المال ولا نفعل ما قلته؟". قال جونسون: "لقد أخذتما المال. لستما ملزمَين باتباع اقتراحاتي. قد يخطر ببالكما شيئًا تفضلان القيام به- ربما زيارة متحفٍ أو أي شيء آخر".

- هَب أنني أخذتُ المال وهربت وتركتها هنا؟

قال جونسون بهدوء: "إنني واثق من أنك لن تفعل؛ لأنك سألتني هذا السؤال. مع السلامة". ثم انصرف.

وبينما هو يمضي في الشارع، شاعرًا بالشمس فوق رأسه وحذائه المُريح، سمع من مكانٍ ما خلفه الشاب يقول: "اسمعي. تعرفين أنك لستِ ملزمة بذلك إن لم ترغبي" والشابة تقول: "إلا إذا كنت أنت لا تريد...". ابتسم جونسون وفكر في أنه يجب أن يسرع. يستطيع المشي بسرعة عندما يريد، وقبل أن تقول الشابة: "موافقة إذا كنت أنت موافق" كان جونسون قد قطع عدة بنايات وتوقف مرتين، مرة ليساعد سيدة في تحميل بعض الحقائب في سيارة أجرة، ومرة ليقدم حبة فول سوداني إلى نورس.عندها كان موجودًا في منطقة بها الكثير من المحلات وعددًا أكبر من الناس، وكان يُلكز باستمرار من الجانبين إثر مرور الناس المسرعين النزقين المتأخرين المتجهمين. في مرةٍ قدّم حبة فول سوداني إلى رجل طلب منه عشرة سنتات، ومرة أعطى حبة فول سوداني لسائق باص توقف عند تقاطع مروري وأخرج رأسه من النافذة وكأنه مشتاق إلى الهواء النقي والحركة المرورية الأهدأ نسبيًا. أما الرجل الذي أراد العشرة سنتات فقد أخذ حبة الفول لأن جونسون ربط حولها دولارا، وأما سائق الباص فأخذ حبة الفول وسأل ساخرًا: "تريد توصيلة يا صاح؟".

وفي زاويةٍ مزدحمة صادفَ جونسون شابًا وفتاة- وظنّ لأول وهلة أنهما ميلدرد كينت وآرثر آدمز- يتفرسان باهتمام بالغ في جريدة، مسندَين ظهريهما إلى واجهة محل ليتفاديا المارين، ورأساهما منحنيان بتوافق. انحنى جونسون بفضوله اللامتناهي بجانبهما وأطلّ من فوق كتف الشاب. كانا يبحثان في ركن الشقق الشاغرة. تذكر جونسون الشارع الذي كانت فيه المرأة وابنها الصغير ينطلقان إلى فيرمونت، فنقر بإصبعه على كتف الشاب وقال بودّ: "جرّب في شارع ويست سفنتين، قرب منتصف المجمّع السكني، حيث انتقل أناس من هناك صباح اليوم". قال الرجل: "ماذا ت..." ثم رأى جونسون بوضوح وقال: "شكرًا. أين قلت بالضبط؟" فقال جونسون: "ويست سفنتين، قرب منتصف المجمّع". ابتسم مجددًا وأضاف: "حظّا طيبًا". شكره الشاب والفتاة فقال لهما مودعًا: "مع السلامة".

تناول غداءه وحيدًا في مطعمٍ جيد، حيث كان الطعام دسمًا، ولولا قدرة جونسون الهضمية المميزة لما أمكنه أن يحلّي بكعكتَي الكريما المخفوقة مع الشوكولاته والرمّ. احتسى ثلاثة أقداح من القهوة وبقشش الجرسون بسخاء، ثم خرج إلى الشارع مجددًا إلى ضوء الشمس الرائع، وحذاؤه ما زال مُريحًا. وفي الخارج وجد متسولا يحدّق في نوافذ المطعم الذي خرج منه للتو، وتمعّن في المال الذي في جيبه ثم اقترب من المتسول ودسّ بعض القطع والأوراق النقدية في يده، ثم قال: "هذا ثمن شريحة لحم عِجل مع بقشيش. مع السلامة".

أخذ قسطًا من الراحة بعد الغداء. مشى إلى أقرب حديقة وأطعمَ الحمام بعض الفول السوداني. وعندما استعد للعودة إلى المدينة كان الوقت عصرًا، حيث كان قد حكّم جولتين في لعبة الدامة، وراقب ولدًا صغيرًا وصبية كانت أمهما قد نعست ثم استيقظت متفاجئة ومذعورة إلا أنها ارتاحت عندما رأت جونسون. وزّع كل ما معه من سكاكر تقريبا، وأطعم الحمام كل ما بقي معه من فول سوداني، وجاء وقت العودة إلى المنزل. وبالرغم من أن شمس العصر كانت منعشة، وما يزال حذاؤه مُريحًا، قرر أن يستقل تاكسيًا إلى مركز المدينة.

وجد صعوبة في إيقاف تاكسيّ، لأنه تنازل عن أول ثلاثة أو أربعة تاكسيات شاغرة لأشخاصٍ بدوا أكثر حاجة إليها منه. وفي النهاية وقف وحيدًا في الناصية- وكأنه يتربص بسمكة صعبة الصيد- وأخذ يلوّح دون توقف حتى نجح في إيقاف تاكسي كان يسرع باتجاه الحي السكني، وبدا أنه يقترب من جونسون بعكس إرادته. قال سائق التاكسي لجونسون فور دخوله السيارة: "سيدي.لا بد أنك فأل خير. لم أكن أنوي أن أقف لك أبدًا". قال جونسون في حيرة: "هذا طيب منك". قال السائق: "لو لم أقف لك لكلفني ذلك عشرة دولارات". سأله جونسون: "حقا؟". قال السائق: "نعم. خرج للتو من سيارتي رجلٌ ثم استدار وأعطاني عشرة دولارات وقال لي خذها وراهن بها بسرعة على خيل اسمه فولكان، الآن الآن". قال جونسون في نبرة خوف: "فولكان؟ برجٌ ناري في يوم أربعاء*؟". ردّ السائق: "نعم؟ على العموم قلتُ لنفسي إن لم أحصل على أجرة من هنا إلى حلبة السباق سأراهن بالعشرة، ولكن إذا وجدت أحدًا شديد الحاجة إلى تاكسي سأعتبر ذلك فألا حسنا وآخذ العشرة إلى زوجتي". قال جونسون بحماس: "أحسنتَ صنعًا. إنه يوم أربعاء وكنتَ ستخسر مالك. الإثنين نعم، أو حتى السبت، ولكن أبدًا أبدًا لا تراهن على برجٍ ناريٍّ في أربعاء. الأحد سيكون جيدًا". قال السائق: "فولكان لا يسابق يوم الأحد". قال جونسون: "انتظر يومًا آخر. آخرُ هذا الشارع من فضلك. سأنزل عند الناصية القادمة". قال السائق: "لكنه قال لي فولكان". فقال جونسون مترددًا وباب السيارة نصف مفتوح: "اسمع. خذ العشرة دولارات تلك وسأعطيك عشرة أخرى، وراهن بالمال في أي خميس على أي خيل يحمل اسمًا يشير إلى..دعني أفكر..الخميس..نعم، الحبوب. أو أي طعام ينبت". قال السائق: "حبوب؟ تعني أن يكون اسم الخيل شيئا مثل القمح أو ما شابه؟". قال جونسون: "بالضبط. لأسهّل عليك الأمر، أي خيل يحمل اسمًا يحتوي على الأحرف (ط) (ل) (ر) (ذ)". قال السائق وقد برقت عيناه: "ذرة طويلة؟ تقصد أن يكون اسم الخيل ذرة طويلة". قال جونسون: "بالضبط. تفضّل المال". قال السائق: "ذرة طويلة. شكرًا جزيلا سيدي". ودعه جونسون قائلا: "مع السلامة".

صعد من فوره إلى شقته، دلف إليها ونادى: "مرحبا؟"، فردّت زوجته من المطبخ: "مرحبا عزيزي. كأنك مبكر اليوم!". قال جونسون: "أخذت تاكسيًا إلى البيت. ولم أنسَ فطيرة الجبن كذلك. ماذا أعددتِ للعشاء؟". جاءت زوجته من المطبخ وقبّلته. كانت مرتاحة تبتسم له كما ابتسم. سألته: "أكان يومًا شاقًا؟" قال جونسون وهو يعلّق معطفه في الدولاب: "ليس كثيرًا. ماذا عنكِ؟". قالت: "بين بين".وقفت على ممر المطبخ بينما كان يرتاح على كرسيه ويخلع حذاءه المريح ويخرج الصحيفة التي اشتراها صباحًا. قال جونسون: "لم يكن الأمر سيئًا جدًا. شاب وشابة".

- جميل. أنا أخذتُ قيلولة بعد الظهر. كنت مرتاحة أغلب النهار. ذهبتُ إلى متجر صباح اليوم واتّهمتُ المرأة التي بجانبي بسرقة شيء من المحل، وجعلت ضابط الأمن في المتجر يمسك بها. بلّغتُ عن ثلاثة كلاب سائبة لتُرسل إلى محجر الكلاب- كالعادة مثل ما تعرف. آه تذكرت، اسمع..
- ماذا؟
- ركبتُ باصًا وطلبت من السائق توصيلة. وعندما أعطى التذكرة لأحدٍ قبلي قلتُ أن هذه وقاحة وتشاجرت معه، وقلتُ لماذا لم يكن في الجيش؟ وقلتها بصوتٍ عال كي يسمعها الجميع، ثم أخذتُ رقمه وقدّمتُ شكوى بشأنه. أظنه طُرِد.
- جميل. ولكنكِ تبدين متعبة. أتريدين أن تغيّري معي غدًا؟
- أودّ ذلك فعلا. أظنني محتاجة للتغيير.
- حسنًا. ماذا أعددتِ للعشاء؟
- شريحة لحم عِجل.
- أكلتها على الغداء.



* فولكان إله النار عند الرومان.

الأحد، 13 مايو 2007

تشارلز


قصة: شيرلي جاكسون
ترجمة: أحمد حسن المعيني


في اليوم الذي بدأ فيه (لوري) الدراسة في الروضة، ودّع البنطال القطني ذا الحمالتين، والصديريّات، وارتدى الجينز الأزرق والحزام. راقبته في أول صباح ذاهبًا مع ابنة الجيران الأكبر منه، مدركة أن مرحلة من حياتي قد انتهت، فطفل الحضانة بصوته الرقيق تحوّل إلى شخص مختال طويل البنطال نسيَ أن يقف عند زاوية المنزل ليلوّح لي مودّعًا.

عاد إلى المنزل بالطريقة نفسها، بدويّ الباب نفسه، والقبعة الملقاة على الأرض، وفجأة يأتي صوته الخشن صاحئا: "ألا يوجد أحد هنا؟"

على الغداء تحدّث بوقاحةٍ إلى أبيه، ودلق حليب أخته الرضيعة، وذكر أن معلّمته قالت بأنه يُفترض بنا ألا نذكر اسم الرب عبثًا.

سألته عَرَضًا: "كيف كانت المدرسة اليوم؟"، فأجاب "جيدة". وسأله والده: "هل تعلمتَ شيئًا؟". نظر لوري إلى والده ببرود وقال: "لم أتعلم ولا شيء". فصححّتُ له قائلة: "أي شيء. لم أتعلم أيّ شيء".

قال لوري وهو يمسح الزبدة على رغيف خبز: "ولكنّ المعلّمة عاقبت ولدًا"، ثم أضاف وفمه مليء بالطعام: "لأنه كان مشاغبًا". فسألته: "ماذا فعل؟ ومن هو؟". فكّر لوري ثم قال: "اسمه تشارلز. كان مشاغبًا. عاقبته المعلّمة وجعلته يقف في زاوية الفصل. كان شديد الشغب". سألتُ مجددًا: "ماذا فعل؟" إلا أن لوري انسلّ من فوق كرسيه، وأخذ كعكة ثم تركنا بينما كان والده يخاطبه.

في اليوم التالي قال لوري على الغداء فور جلوسه: "تشارلز كان سيئًا اليوم أيضًا". علت وجهه تكشيرةٌ كبيرة وهو يقول: "اليوم ضرب تشارلز المعلّمة". "يا إلهي" قلتها منتبهة إلى اسم الرب، "لا بد أنه عوقب مجددًا، صحيح؟". أجاب لوري: "أكيد". ثم قال لوالده: "انظر للأعلى". سأله والده ناظرًا للأعلى: "ماذا هناك؟". فقال لوري: "انظر للأسفل. انظر إلى اصبعي. هيا بسرعة..كم أنت غبي". وبدأ يضحك بجنون.

سألتُ بسرعة: "لماذا ضرب تشارلز المعلّمة؟". قال لوري: "لأنها حاولت أن تجعله يلوّن بأقلام تلوين حمراء. أراد تشارلز أن يلوّن بالأخضر فضربها ثم عاقبته وقالت لنا ألا نلعب مع تشارلز، ولكن الجميع لعب معه".

في اليوم الثالث- وقد كان الأربعاء من أول أسبوع- لوّح تشارلز بنوّاسة على رأس صبية فأدماها، فأجلسته المعلّمة في الفصل طوال وقت الفسحة. في يوم الخميس أوقفته المعلّمة في زاوية الفصل خلال حصة القصص لأنه كان يضرب بقدميه على الأرض. في يوم الجمعة حُرم تشارلز من الكتابة على السبورة لأنه كان يرمي بالطباشير.

في يوم السبت قلت لزوجي: "هل تعتقد أن الروضة شديدة التشويش على لوري؟ كل هذه الخشونة والأخطاء اللغوية، ويبدو أن لذلك الولد تشارلز تأثيرًا سيئًا عليه". قال زوجي مُطَمْئنًا: "سيكون كل شيء على ما يرام. لا بد أن يوجد أشخاص في العالم مثل تشارلز. قد يصادفهم اليوم كما يصادفهم غدًا".

وفي يوم الإثنين عاد لوري إلى المنزل متأخرًا، ومُحملا بالأخبار. صاح وهو يقترب: "تشارلز". كنتُ أنتظر بقلق على الدرجات الأمامية للمنزل. قال وهو يصعد التلة: "تشارلز كان سيئًا اليوم أيضًا". قلتُ فور اقترابه: "ادخل، فالغداء جاهز".

سأل بإلحاح وهو يتبعني: "أتعرفين ماذا فعل؟. لقد صرخ عاليًا في المدرسة حتى أنهم أرسلوا ولدًا من الصف الأول ليقول للمعلّمة يجب عليها أن تُسكت تشارلز، لذا أبقتْهُ في المدرسة بعد انتهاء الحصص. وهكذا بقي جميع الأطفال ليشاهدوه".

سألتُ: "ماذا فعل؟"، فقال لوري وهو يصعد على كرسيه أمام الطاولة: "كان جالسًا هناك فقط".

- مرحبا بابي يا بابي..يا ممسحة الترابي..

قلتُ لزوجي: "أُبقيَ تشارلز في المدرسة بعد انتهاء الحصص".

- الكل جلس معه.

سأل زوجي لوري: "كيف يبدو هذا التشارلز؟"

- ما اسم ابيه؟

قال لوري: "إنه أكبر مني. وليس لديه أية ممحاوات ولا يرتدي حتى معطفًا".

مساء الاثنين كان أول اجتماع أولياء الأمور مع المعلّمين، ولم يمنعني من الحضور سوى أن طفلتي أصيبت بنزلة برد. كنتُ أرغب بشدة في لقاء والدة تشارلز. في يوم الثلاثاء قال لوري فجأة: "اليوم كانت هناك زيارة لمعلّمتنا في المدرسة".

فسألتُ وزوجي بصوت واحد: "والدة تشارلز؟". قال لوري بامتعاض: "لاااا. كان رجلا، وقد جعلنا نؤدي بعض التمارين. هكذا". قفز من كرسيه ثم قرفص ولمس أصابع قدميه. عاد بكآبة إلى كرسيه والتقط شوكته ثم قال: "تشارلز لم يؤدي التمارين حتى". قلت بحماس: "لا بأس. ألم يرغب تشارلز في تأدية التمارين؟". فقال لوري: "لااااا. كان مشاغبًا جدًا مع صديق المعلّمة، حتى أنه لم يُسمح له بأداء التمارين". قلتُ: "مشاغبًا مرة أخرى؟".

قال لوري: "لقد ركل صديق المعلّمة. طلب صديق المعّلمة من تشارلز أن يلمس أصابع قدميه كما فعلتُ للتو، فركله تشارلز".

سأله والده: "ماذا تعتقد أنهم سيفعلون بشأن تشارلز؟". هزّ لوري كتفيه وقال: "أظنهم سيطردونه من المدرسة".

كان يوما الأربعاء والخميس اعتياديين: تشارلز صرخ في حصة القصص وضرب ولدًا في بطنه فأبكاه. وفي يوم الجمعة بقي تشارلز بعد انتهاء الحصص مرة أخرى وبقي معه الأطفال الآخرون.

ومع حلول الأسبوع الثالث من الروضة أصبح تشارلز عُرفا في أسرتنا: كانت الطفلة تشارلزًا عندما بكت طوال الظهيرة. ارتكب لوري تشارلزًا عندما ملأ عربته بالوحل وسحبها على أرضية المطبخ. حتى زوجي، عندما اشتبك مرفقه بسلك الهاتف وأطاح بالهاتف ومنفضة السجائر والمزهرية من على الطاولة، قال بعد دقيقة: "كان ذلك تشارلزيًا".

خلال الأسبوعين الثالث والرابع بدا أن هناك تغييرًا إصلاحيًا في تشارلز. أخبرنا لوري على الغداء في يوم الخميس من الأسبوع الثالث بتجهم: "كان تشارلز جيدًا جدًا اليوم وأعطته المعلّمة تفاحة".

قلت: "ماذا؟؟" وأضاف زوجي بحذر: "تقصد تشارلز؟". قال لوري: "تشارلز. قام بتوزيع أقلام التلوين على الأطفال وجمع الكتب لاحقا من الجميع، وقالت المعلّمة بأنه كان خير مُعاون". سألتُ باستنكار: "ما الذي حدث؟". قال لوري هازا كتفيه: "كان مُعاونًا لها. هذا كل شيء".

سألتُ زوجي تلك الليلة: "هل يمكن أن يكون هذا حقيقة؟ ذلك الأمر مع تشارلز؟ هل يمكن أن يحدث شيء كهذا؟". قال زوجي بشكّ: "انتظري وسنرى. عندما يكون شخص كتشارلز، قد يعني الأمر أنه يخطط لشيء ما".
بدا أنه كان مخطئًا. لأكثر من أسبوع كان تشارلز مُعاونًا للمعلّمة. كل يوم كان يوزّع بعض الأشياء في الفصل ويجمعها. ولم يعد يبقَ أحدٌ بعد انتهاء الحصص.

قلت لزوجي ذات مساء: "اجتماع أولياء الأمور والمعلّمين الأسبوع القادم. سأرى والدة تشارلز هناك". قال زوجي: "اسأليها ماذا حدث لتشارلز. أودّ أن أعرف". فقلت: "أودّ أن أعرف أنا أيضًا".

في جُمعة ذاك الأسبوع عادت الأمور كما كانت. سأل لوري على طاولة الغداء بصوت يشوبه قليل من الخوف: "أتعرفان ما فعل تشارلز اليوم؟ قال لطفلة أن تقول كلمة، وقالتها، فغسلت المعلّمة فم الطفلة بالصابون بينما كان تشارلز يضحك".

سأله والده بغير حكمة: "أي كلمة؟" فقال لوري: "عليّ أن أهمس بها لك، فهي بذيئة جدا". نزل من كرسيه وذهب إلى والده. احنى والده رأسه وهمس له لوري بمرح. اتسعت حدقتا والده وسأل: "هل قال تشارلز للطفلة أن تتلفظ بهذا؟". قال لوري: "قالتها مرتين. قال لها تشارلز أن تقولها مرتين". فسأل زوجي: "وماذا حدث لتشارلز؟". قال لوري: "لا شيء. كان يوزّع أقلام التلوين".

في صباح الاثنين تخلى تشارلز عن الطفلة وقال الكلمة البذيئة بنفسه ثلاث أو أربع مرات، وغُسِل فمه بالصابون في كل مرة. وقد رمى بالطباشير أيضًا.

رافقني زوجي ذلك المساء إلى الباب بينما كنت متجهة إلى اجتماع أولياء الأمور. قال: "ادعيها لشرب الشاي بعد الاجتماع. أريد أن أراها". قلتُ برجاء: "إن كانت موجودة". فقال زوجي: "ستكون هناك. لا أتصور أنهم يعقدون اجتماعًا كهذا دون حضور والدة تشارلز".

في الاجتماع جلستُ متململة، أتفحص كل وجهٍ كهلٍِ مرتخ، أحاول أن أحدد أيها يخفي سرّ تشارلز. لم يبد أي وجه منهكًا بما فيه الكفاية. لم تقف واحدة في الاجتماع لتعتذر عن سلوك ابنها، ولم يذكر أحدٌ تشارلز.

بعد الاجتماع بحثتُ عن معلّمة لوري في الروضة. كانت تحمل صحنًا وكوب شاي وكعكة شوكولاتة. وكنت أحمل صحنًا وكوب شاي وكعكة خطميّ. ناورنا حول بعضنا بحذر وابتسمنا.

قلتُ: "كنت متلهفة للقائك. أنا والدة لوري". فقالت: "نحن كلنا مهتمون بلوري". قلت: "أنا متأكدة من أنه يحب الروضة. إنه يتحدث عنها طوال الوقت". قالت بتكلف: "كنا نعاني من مشكلة التكيّف في أول أسبوع أو أكثر، ولكن الآن هو متعاون بشكل جيد. مع بعض الانتكاسات بالطبع". قلت: "عادة ما يتكيف لوري بسرعة شديدة. أظنّ الأمر متعلق بتأثير تشارلز عليه".

- تشارلز؟

قلت ضاحكة: "نعم، لا بد أن لديك الكثير من المتاعب في الروضة، مع تشارلز".

- تشارلز؟ لا يود لدينا تشارلز في الروضة.