الثلاثاء، 20 مارس 2012
ضعف انتشار الكتاب العماني: رأي في المشكلة واقتراح للحل
في حوارٍ قصير على "التويتر" أشار الناقد السعوديّ (محمد العبّاس) إلى أنّ "عُمان تمتلك منتجها الثقافي اللافت، ولكن لديكم مشكلة في تصدير المنتج وتسويقه"، وأقرَّه على ذلك أكثر من شخصٍ عماني بينهم كاتب هذه السطور، فكان أن أثار ذلك الحوار بعض الأفكار التي أطرحها في هذا المقام. والسؤال الأساسي الذي تنطلق منه المناقشة هو: لماذا لا يحقق الكتاب العماني انتشارًا وحضورًا بارزًا على المستوى الخليجي أو العربي؟
يرى البعض أنّ أحد أسباب ذلك هو قلة المؤلفين والكتب العمانية مقارنة بالدول الأخرى، خاصة تلك التي تصدر عن كبريات دور النشر العربية. وهذه الملاحظة صائبة في تفسيرها للوضع خلال العقود الماضية، إلا أنّ الأمر قد تغير كثيرًا في السنين الأخيرة، فمعرض الكتاب الفائت خير شاهدٍ على وفرة الإصدارات العمانية الجديدة في عدة مجالات وعن مختلف دور النشر في العالم العربي. وبعد أن كان أغلب المؤلفين العمانيين يطبعون كتبهم بأنفسهم، توجد الآن عدّة قنواتٍ لنشر الكتاب العماني في داخل عُمان كإصدارات وزارة التراث والثقافة، أو عبر دورٍ عربية كبرى كمشروع البرنامج الوطني لدعم الكتاب، والجمعية العمانية للكتاب والأدباء، ومشروع أقاصي، وحتى المبادرات الشخصية من بعض المواقع الإلكترونية العمانية مثل سبلة عمان ومجلة الفلق ومدوّنة ساعي البريد.
ويرى البعض أيضًا أنّ أحد الأسباب هو غياب دار نشرٍ عمانية تقترب في مستواها من دور النشر العربية الكبيرة من حيث إقبال المؤلفين، وتنوّع الإصدارات، ومستوى التوزيع، وجودة الإخراج، الخ. يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أنّ وجود مثل هذه الدار سوف يسوّق اسم الثقافة العمانية وبالتالي المثقف العماني وإصداراته. وبرغم ما في هذا الرأي من صواب، إلا أنّ وجود الدار ليس عاملا حاسمًا أو ذا تأثير كبير؛ فكبار الكتّاب الخليجيين المعروفين الآن على المستوى العربي لم يذع صيتهم من خلال دور نشرٍ في بلادهم. في الواقع لم توجد دور نشرٍ خليجية بارزة إلا منذ عهدٍ قريب فقط (كالعبيكان في السعودية ومدارك في الإمارات والدوسري في البحرين).
وهناك من يرى أنّ المؤلف العماني يفتقر إلى الثقة بنفسه وبقدرته على المنافسة، وهذا رأيٌ لا يستند على دليلٍ موضوعي، ولا يكاد يتكئ إلا على التواضع المعهود لدى "الشعب" العماني. كما أنّ فاقد الثقة لا ينشر إصداراته عن دور نشرٍ كبرى (مثل دار الآداب، ومركز دراسات الوحدة العربية، والجمل، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، ومؤسسة الانتشار العربي، وغيرها). إنّ المشكلة الحقيقية لا تبدو في نقص المؤلفين أو الإصدارات أو الثقة، ولا غياب دار النشر العمانية، فهذه قد يُنظر إليها على أنها تمثلات للمشكلة وليست أسبابها. ما أقترحه هنا كتشخيصٍ للمشكلة هو غياب "صِناعة الكتاب"، والمقصود بهذا المصطلح وجود منهجٍ واضح ومدروس لإنتاج الكتاب العماني الناجح وتسويقه.
رأي في الحل
فيما يلي بعض الملامح التي يمكن أن يتصف بها منهج "صناعة الكتاب".
أولا: صناعة مشاريع الكتب. إنّ للناشر دورًا هامًا لا يُلتفت إليه عادة في تأريخ الكتابة والنشر، ألا وهو انتقاء أفكارٍ للكتب أو "اختراعها"؛ فالناشر الناجح لا يكتفي بانتظار ما يجود به الكتّاب من مخطوطات، وإنما هو الذي يقترح عليهم أفكارًا مميزة للتأليف. الكاتب يُتقن صَنعة الكتابة والتأليف، بينما الناشر هو الأقرب إلى سوق الكتاب وذائقة القرّاء ومعرفة الفجوة التي يُمكن سدّها بكتابٍ جيد. يحدث هذا دائمًا في دور النشر الغربية، حيث يدرس الناشر سوقًا محددة في مجالٍ محدد ويستنتج المؤلفات التي ستلقى قبولا في تلك السوق، فيقوم باستكتاب كاتبٍ ما لإنجاز الكتاب. دار النشر ليست مؤسسة ثقافية خيرية وإنما شركة تجارية، وعلى الناشر أن يسعى إلى توفير الإصدارات التي تحقق الأرباح. يذكر موقع النادي الثقافي أنّ البرنامج الوطني لدعم الكتاب يطرح "فكرة الاستكتاب في محاور معينة ذات أهمية قصوى أو ندرة في التأليف، حتى يسهم البرنامج في سدّ حاجة معرفية تتسم بالضرورة البالغة"، ولعلنا نذكر إعلان البرنامج قبل حوالي عامين عن رغبته في استكتاب مؤلفين لإنجازٍ كتب للجيب. لا يذكر الموقع ما حدث لمشروع الاستكتاب هذا، وإذا كانت الكتب التي صدرت عن البرنامج هي نتيجة الاستكتاب فيجب إعادة النظر في مواضيعها تماشيًا مع النقطة الثالثة المبينة أدناه، وإن لم يصدر شيء من الاستكتاب حتى الآن فيمكن التخطيط لمشاريع كتبٍ ناجحة يُستكتب من أجلها الكتّاب العمانيون، أدباء كانوا أو باحثين أو صحفيين. ولا بد لمن يتصدى لهذا الأمر أن يعرف سوق الكتب جيدًا في الدول العربية حتى يختار ما يناسب وما يحقق الربح و/أو الانتشار. ولا بدّ له من أن يجيد اقتناص الفرص التأليفية كإقناع شخصيات عامة بتأليف كتب. مثلا، يُمكن لشخصيةٍ سياسية كمعالي يوسف بن علوي أن يكتب كتابًا سياسيًا ناجحًا، ويُمكن لشخصيةٍ رياضية مثل علي الحبسي أن يكتب في المستقبل سيرة شائقة، ويمكن للأديب أحمد الفلاحي أن يكتب ذكرياتٍ مثيرة للاهتمام عن مثقفي الخليج في الستينيات والسبعينيات، هذا بالإضافة إلى العديد من الباحثين والأكاديميين العمانيين الذين يمكنهم تأليف كتبٍ من وحي تخصصاتهم للقارئ العام. وفي حال تبنى البرنامج الوطني لدعم الكتاب سياسة صارمة "نخبوية" في اختيار مواضيع الكتب نظرًا لطبيعته الرسمية، يُمكن تعزيز المشروع بجهةٍ خاصة.
ثانيًا: صِناعة المؤلف. الكتابة في واقع الأمر حتى الأدبية منها لا تعتمد كليًا على "الوحي" و "الإلهام"، وإنما على مهارات "الصَنعة". هناك الآن عشرات الكتب والدورات التدريبية في هذا المجال، ويُمكن الاستفادة منها في تأهيل جيلٍ من الكتّاب المتمكنين من صنعتهم. وهذا لا يلغي بالتأكيد ضرورة وجود مَلَكة الكتابة، إلا أنّ الكاتب المحترف بحاجة إلى مهارات إضافية في أساليب الكتابة وطرق البحث وإدارة الوقت، الخ.
ثالثًا: استهداف القارئ العربي. المتتبع للإصدارات العمانية (غير الأدبية) يُلاحظ انحصار أغلبها على المواضيع المتعلقة بعُمان في شتى المجالات، ولذلك فقارئها يكون في العادة عُمانيًا أو مهتمًا بالشأن العماني. ويجدر القول إنّ هذه ظاهرة تنسحب أيضًا على الترجمة(1). وفي القائمة التي توردها مدوّنة "أكثر من حياة" للكتب العمانية (غالبًا الصادرة عن دور نشر عربية) يتبيّن أنّ هناك ثلاثة كتب فقط لا تتعلق بعمان من الكتب (غير الأدبية) العديدة التي صدرت في نهاية 2011/بداية 2012(2). في حقيقة الأمر هذه ظاهرة تستحق إفراد دراسة مطوّلة مستقلة للوقوف على العوامل التي تدفع العمانيين إلى حصر أنفسهم في التأليف أو الترجمة فيما يتعلق بعمان فقط، إلا فيما ندر. وهكذا فإنّ انتشار الكتاب والكاتب العماني سيتطلب في المرحلة المقبلة توجيه الجهد نحو التأليف في مواضيع ثقافية وفكرية عامة تهمّ القراء في كل مكان(3).
رابعًا: استغلال الكتب العمانية التي أثبتت نجاحها في الخارج. كتاب "عين وجناح" لمحمد الحارثي فاز بجائزة ابن بطوطة للرحلة عام 2003، ومجموعة "الأشياء أقرب مما تبدو في المرآة" لسليمان المعمري فازت بجائزة يوسف إدريس للقصة القصيرة عام 2007، ورواية "الأشياء ليست في أماكنها" لهدى الجهوري فازت بجائزة الرواية في مسابقة الشارقة للإبداع العربي عام 2008، ومسرحية "ما حدث بعد ذلك" لهلال البادي فازت بجائزة الهيئة العربية للمسرح عام 2009، وروايتا "تبكي الأرض يضحك زحل" و"سيدات القمر" لعبدالعزيز الفارسي وجوخة الحارثي تأهلتا لجوائز روائية عربية رفيعة المستوى. هذه فرصٌ ذهبية لم تُستغل كما يجب، فكان يمكن للمؤسسات الثقافية العمانية اقتناء نسخ هذه الكتب ثم إصدار طبعةٍ جديدة عن دورٍ معروفة تحمل على غلافها عبارات تسويقية مثل "فائز بجائزة ابن بطوطة" أو "الرواية الفائزة بجائزة الشارقة" الخ، وكان ذلك كفيلا بزيادة مبيعاتها. ولم يكن اختيار المؤسسة الثقافية صائبًا حين أصدرت طبعة جديدة من رواية هدى الجهوري لا تحمل إشارة على الغلاف إلى فوز الرواية، ولم تصدر عن دار الساقي أو الآداب مثلا وإنما عن "كتاب نزوى" الذي يشتكي العمانيون أساسًا من سوء توزيعه في عمان نفسها.
خامسًا: الترويج للكتاب والكاتب العماني محليًا. ولا يُقصد من ذلك مجرد توفير نسخٍ من الكتاب العماني في المكتبات العامة والتجارية-فتلك مرحلة مبدئية يجب تجاوزها سريعًا- بل إبراز المُنتَج الثقافي العماني الجيد وتحبيب القرّاء فيه، وهو أمرٌ شديد الأهمية. في حواراتٍ مع طلاب في مؤسسات التعليم العالي في عُمان، وفي نقاشاتٍ عبر الإنترنت، ترددت جملة "ما أقرا للكتّاب العمانيين"، وذلك إما عن عدم معرفة بهم، أو إشارة إلى "الترفع" عنهم. وفي مقالٍ حول الكتاب العماني يستشهد (د. زكريا المحرمي) بدراسةٍ أجرتها باحثة في عُمان أظهرت أنّ "16% من فتيات المرحلة الثانوية لا يحبذن اقتناء الكتاب العماني! وأنّ 34% [من عينة البحث] يعتبرون عنوان الكتاب العماني غير جذاب، وهذه النسبة تتضاعف عند طالبات المرحلة الثانوية إلى 50%، و 41% غير راضين عن تصميم الكتاب العماني..."(4). هذه المؤشرات على محدوديتها تمثل حالة سلبية خطيرة. ليس شرطًا بطبيعة الحال لبدء نجاح الكاتب أن يكون مقدرًا في بلده، بيد أنّ هذا التقدير خطوة هامة لتسويقه بصورةٍ أسرع، كما أنّ الكاتب يحتاج إلى تشجيعٍ من محيطه القريب كي يزداد عطاؤه. عند تصفّح المنتديات الثقافية السعودية أو الكويتية (أو حتى حسابات التويتر) يُلاحظ المرء إشاراتٍ إيجابية كثيرة ومتكررة إلى كتبٍ سعودية وكويتية، سواء على مستوى النخبة أو العامة، مما يشجّع على تصفح تلك الكتب على أقل تقدير. ليس المطلوب اتباع شوفينية لتمجيد الإصدارات العمانية لمجرد كونها عمانية، وإنما المطلوب انتقاء الجيد وإبرازه بما يستحق.
سادسًا: ترويج الكتاب خارجيًا. والمسؤولية هنا تقع بطبيعة الحال على الناشر الذي يُفترض به أن يروّج "سلعته" جيدًا، إلا أنّ المؤلفين أنفسهم أو المؤسسة الرسمية (كالنادي الثقافي) يُمكن أن تتعاون مع الناشر. أما تحديد الطُرق الأنجع لترويج الكتاب فيعتمد على دراسة أنماط "الاستهلاك" في سوق الكتب. تفتقر الدول العربية إلى مثل هذه الدراسات، ولكن يمكن الاستشهاد بدراسةٍ غربية هنا للتمثيل لا أكثر، وهي دراسة أعدّها موقع "Book Facts Online" عام 2006، وتبيّن من خلالها أنّ دوافع شراء الكتب في بريطانيا ليست في الحقيقة كما نتصور؛ إذ جرى الاعتقاد بأنّ عروض الكتب في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية وترشيحات الكتب لها الدور الأكبر في حثّ القارئ على اقتناء الكتاب. أظهرت الدراسة أنّ النسبة الأعلى كانت لتوفر الكتاب في المكتبات (35%) وبعد ذلك اسم المؤلف (14%) ثم وجود معلومات تخصصية في الكتاب (13%)، في حين حققت ترشيحات الكتب (10%)، ولم يصل تأثير عروض الكتب في المجلات والصحف أكثر من (4%) وذِكر الكتب في التلفاز والإذاعة (1%)(5).
تلك أمثلة لأبرز القواعد التي يمكن أن تستند عليها الاستراتيجية الوطنية لصناعة الكتاب العماني، والأمرُ ولا شكّ يتطلب نقاشًا جادًا هادفًا بين جميع الأطراف ذات العلاقة من مسؤولين وكتّاب وناشرين وخبراء تسويق وباحثين. وأخيرًا، فإن هذا المقال لا يسعى إلى إنكار ما يُبذل من جهود طيبة لدعم الكتاب العماني كان آخرها إطلاق جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، وإنما يهدف إلى تشجيعها والبناء عليها وتعزيزها بأفكار جديدة.
الإحالات
1- زكريا المحرمي (2008) "هموم الكتاب العماني"، منشور على موقعه الإلكتروني: http://www.drzak.net/index/?p=47
2- الغالبية العظمى من الكتب المترجمة (غير الأدبية) التي أنجزها عمانيون تتعلق بعمان، باستثناء كتاب "ملاحظات في السينماتوغرافيا" بترجمة عبدالله حبيب، و "إعلام جديد..سياسة جديدة" بترجمة عبدالله الكندي. للاستزادة انظر: أحمد حسن المعيني (2010) "الترجمة في عصر النهضة العمانية" في كتاب "وفاء الكلمة"، عن لجنة معرض مسقط للكتاب.
3- كتاب "تحليقات طفولية في فضاء الكتابة الإبداعية: دراسة تحليلية وفنية لقصص الأطفال" لليلى البلوشي، وكتاب "مساجلات نقدية" لعبدالله العليان، وكتاب "ثقافة الطفل بين الهوية والعولمة" لعزيزة الطائي. هذا الإحصاء غير دقيق بالطبع، ولكنه يبقى مؤشرًا.
4- من الأمثلة على ذلك: "مساءلات سينمائية" لعبدالله حبيب، و "دراسات في الاستعارة المفهومية" لعبدالله الحراصي، و"نافذة على القصة القصيرة الفارسية الحديثة" ترجمة وإعداد د. إحسان صادق اللواتي، و "المعنى خارج النص" للدكتورة فاطمة الشيدي، و "الاستشراق بين الإنصاف والإجحاف" لعبدالله العليان.
5- Giles Clark and Angus Phillips (2008) Inside Book Publishing, London: Routledge, p. 169.
الأحد، 16 يناير 2011
كلمات حول برنامج "كتاب أعجبني"
كلمات حول برنامج "كتاب أعجبني"
رسالة
عزيزي القارئ، حين يأتيك شخصٌ ما كل يوم وينصحك بكتابٍ مفيدٍ أو جميل لتقرأه، فتلك نعمة تستحق الشكر، صدّقني!
إنّ النصيحة الجاهزة التي نقدّمها دومًا للطلاب
والناشئة حينما يريدون تطويرعقولهم هي أن نوصيهم بالقراءة، ولكننا لا نعي أنّ هذه
النصيحة قد أصبحت مُستهلكة جدًا ولا تحوي قيمة كبيرة من حيث التوجيه الحقيقي؛
فالجميع يحفظ الآن بيت المتنبي الشهير وشعارات "أمة إقرأ" وما إلى ذلك،
في حين ما يحتاجون إليه حقًا هو النصح بكيفية القراءة، واختيار الكتب. عندما سُئل الفيلسوف
العظيم (أرسطو) كيف يحكم على إنسانٍ ما، قال بأنه يسأله "كم كتابا يقرأ وماذا
يقرأ"، إلا أن أرسطو لم يخبرنا كيف نختار الكتب، وقد أصبح جليًا الآن أن
الشقّ الأول من الجواب غير مفيد، فالعبرة بكيفية القراءة لا بكثرتها. وفي هذا
الزمان مع وجود بلايين الكتب في كل علم وفن، وحين أصبح كل من يدفع بعض مئات
الريالات قادرًا على نشر كتاب، يزداد اختيار القراءات صعوبة؛ فليس لدى الجميع
مهارة انتقاء الكتب، وحتى أولئك القارئين المهرة تصيبهم في بعض الأحيان حيرة تحتاج
إلى نصيحةٍ وتشجيع. وهنا تظهر قيمة برنامج مثل "كتاب أعجبني" الذي يعدّه
ويقدّمه يوميًا (سليمان المعمري) في إذاعة سلطنة عمان. في هذا المقال سنتعرض إلى
أهمّ ملامح هذه التجربة، ثم سنقترح بعض الأفكار التي قد يستفيد منها البرنامج
مستقبلا.
إن الملمح الأول الذي تتصف به سياسةُ هذا البرنامج مأخوذ من اسم البرنامج نفسه؛ فالكتب التي سيتم الحديث عنها ليست كتبًا أعجبت (سليمان المعمري) أو المخرج (حمد الحبسي)، بل الضيوف أنفسهم. هناك عددٌ من البرامج العربية والعالمية التي تحتفي بالكتب والقراءة، وهي برامج ثرية مفيدة، إلا أنّ ما يميّز برنامج "كتاب أعجبني" هو ترك حرية اختيار الكتاب للضيف، ففي النوع الأول تتحكم ذائقة المعدّ واطّلاعه في عناوين الكتب التي يتم تناولها، في حين يأتي ضيوف (سليمان المعمري) بقراءاتهم المختلفة، متحمسين للحديث عن كتابٍ قرؤوه ويودّون-هم- الحديث عنه. ولذلك فإن المستمعَ ليس وحده المتلقي والمستفيد، بل كذلك مقدّم البرنامج الذي ربما يتعرف إلى كتابٍ جديدٍ لا يعرفه أو لم يقرأه، كما أنه قد يجد نفسه يتحاور حول كتاب لم يعجبه أساسًا، ولكنه ربما يعجب المستمعين.
و أما الملمح الثاني الذي نودّ التركيز عليه فهو الجهد والإتقان البارزان في حوارات (سليمان المعمري). ذات مرة في لقاءٍ تلفزيوني مع الإعلامي المعروف (أحمد منصور) سُئل عن سبب براعته في إجراء الحوارات، فقال "بزاكر كويّس". وعندما تستمع إلى حلقةٍ من حلقات "كتاب أعجبني" تدرك أنّ (المعمري) قد "ذاكرَ جيدًا" هو الآخر، فهو لا يكتفي باستضافة قارئ ما والاستماع إلى استعراضه للكتاب، بل يقرأ ويبحث فيما يتعلق بالكتاب ومؤلفه، وقد يتفاجأ الضيف بأنّ (المعمري) يعرف معلوماتٍ لا يعرفها هو. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا الأمر يشكّل تحديًا كبيرًا على الإعلاميّ في أن يتحكّم في نفسه ويقاوم الإغراء الطاغي في فتل العضلات وإقحام المعلومات. والحق يُقال أنّ (المعمري) نجح في هذا التحدي إلى حدٍ كبير، ومع أنه يستطيع أن يطرح المزيد من الأسئلة ويناقش ويردّ، إلا أنه يعي تمامًا أنّ وقت البرنامج لا يسمح بذلك. وما دمنا بصدد الحديث عن الإعلاميين، نودّ الإشارة إلى أنّهم عادة ما يصنعون لأنفسهم "ماركة مسجلة"، أي حركة جسدية أو طريقة جلوس أو جملة يشتهرون بها، وقد استطاع (سليمان المعمري) أن يدغدغ المستمعين كل يوم بجملته الجميلة "أعزاءنا..أهلا بكم" فأصبحت فاتحة جميلة لحواراته يشعر معها المستمع بنوعٍ من الألفة.
من جانبٍ آخر، عندما نقول بأن البرنامج هو "كتاب أعجبني" وليس "كتاب أعجبهم" فذلك يعني أنه لا داعي ولا معنى أن ينحصر البرنامج في دائرةٍ معينة من "المعجبين بالكتب". بيد أنّ المتابع للبرنامج من حلقاته الأولى وحتى الآن (الحلقة 107) يكتشف أن الضيوف ينحصرون في دائرة نخبوية نوعًا ما (كتّاب/أدباء/باحثين/أكاديميين/إعلاميين) مع استثناءات قليلة جدًا. قد يكون السبب الأول في ذلك هو أنّ معدّ البرنامج سيعتمد بطبيعة الحال وبالدرجة الأولى على علاقاته ومعارفه، وبما أنّ (سليمان المعمري) واحدٌ من الأدباء فليس غريبًا أن تتركز علاقاته بأوساط النخبة الثقافية. وقد يكون السبب أيضًا في أنّ هؤلاء هم من يتحدثون عادة عن قراءاتهم في الصحف والمجلات، ومن المنطقي جدًا أن يتواصل معهم (المعمري) للحديث عن قراءاتهم. ما يهمنا هنا هو سبب ثالث ضمني ربما يعمل في اللاوعي الجمعي، متمثلا في الصورة النمطية الشائعة التي تحصر القراءة وعشق الكتب في الكتّاب والأدباء والباحثين، وكأنّ السياسيين و الأطباء والمحاسبين والرياضيين والفنانين وغيرهم لا يقرؤون، أو على الأقل ليسوا "قراء نوعيين" بحسب تعبير مخرج البرنامج. لستُ بصدد التهكم أو الشكوى هنا، ولكن كم سيكون الأمر مختلفًا لو استضاف (المعمري) ربة منزل، أو لاعب كرة، أو وزيرًا من الوزراء للحديث عن كتاب أعجبهم! أعتقد أننا بحاجةٍ إلى الخروج بالقراءة من محيط الكتّاب والأدباء، لنؤكد على أنها ليست حكرًا لفئةٍ ما، بل ممارسة شعبية غير نخبوية، وكي نفعل ذلك علينا تقديم أسماء مختلفة من كافة القطاعات، لسحب القراءة من احتكار النخبة لها، ولاجتذاب المستمعين إلى شخصيات يعرفونها أو يحبونها، بدلا من التركيز على مجموعةٍ معينة يجب أن نعترف بأنها لا تصل إلى غالبية الناس. ألم تكن استضافة طالبة جامعية (في الحلقة 56) و تلميذة في الإعدادية (الحلقة 69) تجربة لافتة للانتباه، لقيت صدى واسعًا؟
وأما الملاحظة الأخيرة في هذا المقام فتتعلق بالصورة المثالية التي تُقدَّم للقارئ عن الكتب المستعرضة في البرنامج. لا شكّ في أنّ ضيوف البرنامج معجبون بتلك الكتب ويعتقدون أنها تستحق القراءة وأنهم يفعلون خيرًا إذ ينصحون بها، ولكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنهم معجبون بكل شيء فيها، أو أنهم يتفقون مع كل ما جاء فيها. أعتقد أنه من المهم تخصيص دقيقتين مثلا في نهاية الحلقة لانتقاد الكتاب أو تبيان الأمور التي "لم تعجبني فيه"؛ وذلك كي لا يعزّز البرنامج بشكلٍ غير مباشر الوهم الشائع بقدسية الكتب، فالأجيال الناشئة تكاد تصدق كل ما تقرأ، أو تعتقد بأنه لا يحق لها أن تشكك في كلام مطبوع أو في رأي كاتب ما. راقني كثيرًا في الحلقتين (106 و 107) أن طلب (المعمري) من ضيفيه (د. إحسان صادق و عبدالله النهدي) سرد انتقاداتهما لكتابَي "الصور الاستعارية في الشعر العربي الحديث" و "زنجبار: شخصيات وأحداث"، ولم يقلل ذلك من قيمة الكتابين أو إعجاب الضيفين بهما، بل أضفى توازنًا وموضوعية كنتُ أتمنى أن تشمل كل الحلقات.
ختامًا لا بد من توجيه الشكر والتحية إلى (سليمان المعمري) على هذا البرنامج الفريد الرائع، متمنيًا له النجاح في الاستمرار فيه لسنواتٍ قادمة، لا لأشهر فقط. ولعلّي لا أبالغ إن قلتُ بأن البرنامج على بساطته واحدٌ من أفضل البرامج القرائية الموجودة على الساحة. ونقدّم هنا أربعة اقتراحات قد يجد القائمون على البرنامج فائدةً في تنفيذها بغية التطوير:
1- إنّ أهمّ أهداف البرنامج هو حثّ المستمع على قراءة الكتاب، إلا أنّ المستمع قد لا يعرف أين يجده، خاصة مع تواضع مستوى المكتبات العامة والشرائية في السلطنة. أعتقد أنه من المفيد أن يذكر الضيف أو مقدّم البرنامج المكتبات التي يُمكن الحصول على الكتاب منها (وأرجو أن تتغاضى هيئة الإذاعة والتلفزيون عن اعتبار ذلك دعاية للمكتبة). هذا وهناك فكرةٌ أخرى يمكن اقتباسها من جريدة " لندن لاستعراض الكتبLondon Review of Books" والتي فتحت مكتبة شرائية تبيع الكتب التي يتم استعراضها في الجريدة، حيث يُمكن وضع الكتب التي تُستعرض في هذا البرنامج أو بعضها لدى جهةٍ ثقافيةٍ ما، كالنادي الثقافي مثلا.
2- من الأهداف التي يجدر التفكير بها تعريف المستمعين بالكتب العمانية، وقد استعرض البرنامج حتى الآن حوالي 18 كتابًا عمانيًا أو عن عُمان. ماذا لو تم تخصيص يومٍ محدد في الأسبوع للكتب العمانية، بحيث يعرف المستمعون أنهم كل خميس (مثلا) على موعدٍ مع كتابٍ عماني؟ بالطبع سيعتمد الأمر على توفّر ضيوفٍ يتحدثون عن كتبٍ عمانية أعجبتهم!
3- لهذا البرنامج وغيره أيضًا قيمة ثقافية حقيقية، وأتصوّر أنّ على هيئة الإذاعة والتلفزيون التفكير جديًا في إنتاج هذه البرامج في أقراصٍ مدمجة لبيعها أو توزيعها.
4- يغيب عن البرنامج حاليًا عامل التفاعل مع الجمهور، وربما يُمكن تجاوز ذلك بتخصيص مساحةٍ على الإنترنت (كالفيس بوك، أو مدوّنة مثلا) يستطيع الجمهور من خلالها التعليق على الحلقات وإبداء الآراء في الكتب التي تعرفوا عليها من خلال البرنامج، أو حتى اقتراح كتبٍ ذات علاقة.
إن الملمح الأول الذي تتصف به سياسةُ هذا البرنامج مأخوذ من اسم البرنامج نفسه؛ فالكتب التي سيتم الحديث عنها ليست كتبًا أعجبت (سليمان المعمري) أو المخرج (حمد الحبسي)، بل الضيوف أنفسهم. هناك عددٌ من البرامج العربية والعالمية التي تحتفي بالكتب والقراءة، وهي برامج ثرية مفيدة، إلا أنّ ما يميّز برنامج "كتاب أعجبني" هو ترك حرية اختيار الكتاب للضيف، ففي النوع الأول تتحكم ذائقة المعدّ واطّلاعه في عناوين الكتب التي يتم تناولها، في حين يأتي ضيوف (سليمان المعمري) بقراءاتهم المختلفة، متحمسين للحديث عن كتابٍ قرؤوه ويودّون-هم- الحديث عنه. ولذلك فإن المستمعَ ليس وحده المتلقي والمستفيد، بل كذلك مقدّم البرنامج الذي ربما يتعرف إلى كتابٍ جديدٍ لا يعرفه أو لم يقرأه، كما أنه قد يجد نفسه يتحاور حول كتاب لم يعجبه أساسًا، ولكنه ربما يعجب المستمعين.
و أما الملمح الثاني الذي نودّ التركيز عليه فهو الجهد والإتقان البارزان في حوارات (سليمان المعمري). ذات مرة في لقاءٍ تلفزيوني مع الإعلامي المعروف (أحمد منصور) سُئل عن سبب براعته في إجراء الحوارات، فقال "بزاكر كويّس". وعندما تستمع إلى حلقةٍ من حلقات "كتاب أعجبني" تدرك أنّ (المعمري) قد "ذاكرَ جيدًا" هو الآخر، فهو لا يكتفي باستضافة قارئ ما والاستماع إلى استعراضه للكتاب، بل يقرأ ويبحث فيما يتعلق بالكتاب ومؤلفه، وقد يتفاجأ الضيف بأنّ (المعمري) يعرف معلوماتٍ لا يعرفها هو. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا الأمر يشكّل تحديًا كبيرًا على الإعلاميّ في أن يتحكّم في نفسه ويقاوم الإغراء الطاغي في فتل العضلات وإقحام المعلومات. والحق يُقال أنّ (المعمري) نجح في هذا التحدي إلى حدٍ كبير، ومع أنه يستطيع أن يطرح المزيد من الأسئلة ويناقش ويردّ، إلا أنه يعي تمامًا أنّ وقت البرنامج لا يسمح بذلك. وما دمنا بصدد الحديث عن الإعلاميين، نودّ الإشارة إلى أنّهم عادة ما يصنعون لأنفسهم "ماركة مسجلة"، أي حركة جسدية أو طريقة جلوس أو جملة يشتهرون بها، وقد استطاع (سليمان المعمري) أن يدغدغ المستمعين كل يوم بجملته الجميلة "أعزاءنا..أهلا بكم" فأصبحت فاتحة جميلة لحواراته يشعر معها المستمع بنوعٍ من الألفة.
من جانبٍ آخر، عندما نقول بأن البرنامج هو "كتاب أعجبني" وليس "كتاب أعجبهم" فذلك يعني أنه لا داعي ولا معنى أن ينحصر البرنامج في دائرةٍ معينة من "المعجبين بالكتب". بيد أنّ المتابع للبرنامج من حلقاته الأولى وحتى الآن (الحلقة 107) يكتشف أن الضيوف ينحصرون في دائرة نخبوية نوعًا ما (كتّاب/أدباء/باحثين/أكاديميين/إعلاميين) مع استثناءات قليلة جدًا. قد يكون السبب الأول في ذلك هو أنّ معدّ البرنامج سيعتمد بطبيعة الحال وبالدرجة الأولى على علاقاته ومعارفه، وبما أنّ (سليمان المعمري) واحدٌ من الأدباء فليس غريبًا أن تتركز علاقاته بأوساط النخبة الثقافية. وقد يكون السبب أيضًا في أنّ هؤلاء هم من يتحدثون عادة عن قراءاتهم في الصحف والمجلات، ومن المنطقي جدًا أن يتواصل معهم (المعمري) للحديث عن قراءاتهم. ما يهمنا هنا هو سبب ثالث ضمني ربما يعمل في اللاوعي الجمعي، متمثلا في الصورة النمطية الشائعة التي تحصر القراءة وعشق الكتب في الكتّاب والأدباء والباحثين، وكأنّ السياسيين و الأطباء والمحاسبين والرياضيين والفنانين وغيرهم لا يقرؤون، أو على الأقل ليسوا "قراء نوعيين" بحسب تعبير مخرج البرنامج. لستُ بصدد التهكم أو الشكوى هنا، ولكن كم سيكون الأمر مختلفًا لو استضاف (المعمري) ربة منزل، أو لاعب كرة، أو وزيرًا من الوزراء للحديث عن كتاب أعجبهم! أعتقد أننا بحاجةٍ إلى الخروج بالقراءة من محيط الكتّاب والأدباء، لنؤكد على أنها ليست حكرًا لفئةٍ ما، بل ممارسة شعبية غير نخبوية، وكي نفعل ذلك علينا تقديم أسماء مختلفة من كافة القطاعات، لسحب القراءة من احتكار النخبة لها، ولاجتذاب المستمعين إلى شخصيات يعرفونها أو يحبونها، بدلا من التركيز على مجموعةٍ معينة يجب أن نعترف بأنها لا تصل إلى غالبية الناس. ألم تكن استضافة طالبة جامعية (في الحلقة 56) و تلميذة في الإعدادية (الحلقة 69) تجربة لافتة للانتباه، لقيت صدى واسعًا؟
وأما الملاحظة الأخيرة في هذا المقام فتتعلق بالصورة المثالية التي تُقدَّم للقارئ عن الكتب المستعرضة في البرنامج. لا شكّ في أنّ ضيوف البرنامج معجبون بتلك الكتب ويعتقدون أنها تستحق القراءة وأنهم يفعلون خيرًا إذ ينصحون بها، ولكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنهم معجبون بكل شيء فيها، أو أنهم يتفقون مع كل ما جاء فيها. أعتقد أنه من المهم تخصيص دقيقتين مثلا في نهاية الحلقة لانتقاد الكتاب أو تبيان الأمور التي "لم تعجبني فيه"؛ وذلك كي لا يعزّز البرنامج بشكلٍ غير مباشر الوهم الشائع بقدسية الكتب، فالأجيال الناشئة تكاد تصدق كل ما تقرأ، أو تعتقد بأنه لا يحق لها أن تشكك في كلام مطبوع أو في رأي كاتب ما. راقني كثيرًا في الحلقتين (106 و 107) أن طلب (المعمري) من ضيفيه (د. إحسان صادق و عبدالله النهدي) سرد انتقاداتهما لكتابَي "الصور الاستعارية في الشعر العربي الحديث" و "زنجبار: شخصيات وأحداث"، ولم يقلل ذلك من قيمة الكتابين أو إعجاب الضيفين بهما، بل أضفى توازنًا وموضوعية كنتُ أتمنى أن تشمل كل الحلقات.
ختامًا لا بد من توجيه الشكر والتحية إلى (سليمان المعمري) على هذا البرنامج الفريد الرائع، متمنيًا له النجاح في الاستمرار فيه لسنواتٍ قادمة، لا لأشهر فقط. ولعلّي لا أبالغ إن قلتُ بأن البرنامج على بساطته واحدٌ من أفضل البرامج القرائية الموجودة على الساحة. ونقدّم هنا أربعة اقتراحات قد يجد القائمون على البرنامج فائدةً في تنفيذها بغية التطوير:
1- إنّ أهمّ أهداف البرنامج هو حثّ المستمع على قراءة الكتاب، إلا أنّ المستمع قد لا يعرف أين يجده، خاصة مع تواضع مستوى المكتبات العامة والشرائية في السلطنة. أعتقد أنه من المفيد أن يذكر الضيف أو مقدّم البرنامج المكتبات التي يُمكن الحصول على الكتاب منها (وأرجو أن تتغاضى هيئة الإذاعة والتلفزيون عن اعتبار ذلك دعاية للمكتبة). هذا وهناك فكرةٌ أخرى يمكن اقتباسها من جريدة " لندن لاستعراض الكتبLondon Review of Books" والتي فتحت مكتبة شرائية تبيع الكتب التي يتم استعراضها في الجريدة، حيث يُمكن وضع الكتب التي تُستعرض في هذا البرنامج أو بعضها لدى جهةٍ ثقافيةٍ ما، كالنادي الثقافي مثلا.
2- من الأهداف التي يجدر التفكير بها تعريف المستمعين بالكتب العمانية، وقد استعرض البرنامج حتى الآن حوالي 18 كتابًا عمانيًا أو عن عُمان. ماذا لو تم تخصيص يومٍ محدد في الأسبوع للكتب العمانية، بحيث يعرف المستمعون أنهم كل خميس (مثلا) على موعدٍ مع كتابٍ عماني؟ بالطبع سيعتمد الأمر على توفّر ضيوفٍ يتحدثون عن كتبٍ عمانية أعجبتهم!
3- لهذا البرنامج وغيره أيضًا قيمة ثقافية حقيقية، وأتصوّر أنّ على هيئة الإذاعة والتلفزيون التفكير جديًا في إنتاج هذه البرامج في أقراصٍ مدمجة لبيعها أو توزيعها.
4- يغيب عن البرنامج حاليًا عامل التفاعل مع الجمهور، وربما يُمكن تجاوز ذلك بتخصيص مساحةٍ على الإنترنت (كالفيس بوك، أو مدوّنة مثلا) يستطيع الجمهور من خلالها التعليق على الحلقات وإبداء الآراء في الكتب التي تعرفوا عليها من خلال البرنامج، أو حتى اقتراح كتبٍ ذات علاقة.
الاثنين، 10 مايو 2010
بين زيف الهوية وقلق المستقبل: عرض كتاب "مسألة الهوية"
رحل (محمد عابد الجابري)!
وهكذا خسرنا واحدًا من ألمع المفكرين العرب وأكثرهم ممارسة وإنتاجًا للفكر العقلاني والمنهجية البحثية الرصينة، ذلك المفكر صاحب السلسلة المهمة الشهيرة "نقد العقل العربي" وغير ذلك من الدراسات الكثيرة في التراث الإسلامي وفلسفة ابن رشد والفكر العربي والإسلامي المعاصر. من يقرأ للجابري يعرف أنه بصحبة رجلٍ يُتقن ترويض الفكرة والجملة، يقدّم لك أعتى الأفكار وأكثرها عمقًا في جملٍ بسيطةٍ واضحة. أعترف للقارئ الكريم بأنّ هذا المقال لا يرقى –كمًا ونوعًا- للحديث عن مفكر حقيقي مثل الجابري، ولكن ما أصبو إليه في حقيقة الأمر هو تقديم جانبٍ آخر من كتابات الجابري. المثقفون وأفراد النخبة من الوطن العربي يعرفون كتابات الجابري بوصفها إنتاجًا فكريًا فلسفيًا نقديًا ذا محتوى عميقٍ ثقيل بعض الشيء، ولذلك لا تنتشر كتبه كثيرًا بين العامة. بيد أنّ الجابري له بعض الكتب التي كتبها لـ"سلسلة الثقافة القومية" التي أصدرها (مركز دراسات الوحدة العربية)، وهي سلسلة من الكتب الموجّهة أساسًا للقارئ العام غير المتخصص، والشباب الجامعي الذي يحتاج إلى استيعاب القضايا الكبرى المتعلقة بالوطن العربي ككل. هي كتبٌ صغيرة بحجم الجيب، مكتوبة بأسلوبٍ بسيط واضح يسهّل استيعاب الفكرة تناقش قضايا مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والوحدة والهوية والتقانة والتنمية والتعريب والصراع العربي-الإسرائيلي إلى غير ذلك من قضايا الأمة العربية. شخصيًا أرى أنّ كل مكتبةٍ عامةٍ وجامعيةٍ في الوطن العربي ستقدّم خدمة كبيرة للشباب العربي بتوفيرها هذه السلسلة. اليوم نستعرض كتابًا من الكتب الأربعة التي كتبها الدكتور الجابري في هذه السلسلة، وهو كتاب "مسألة الهوية: العروبة والإسلام..والغرب" الصادر في طبعته الأولى عام 1995 وفي طبعته الثالثة التي بين يديّ عام 2006 في 197 صفحة.
يحتوي الكتاب على مدخلٍ وثلاثة أقسام يتضمن كل منها مباحث قصيرة في موضوع معين. أما المدخل فهو تقديم مميز وضروري للوقوف على أهداف الكتاب ومبررات البحث في مواضيعه. ويبدأ الجابري بالسؤال "ما العربي؟" فيبيّن أن هُوية العربي ليست واحدة، بل هي صورة تتحدد بحسب وعي الشخص والموضع الذي يرى تلك الصورة فيه، فالأوروبي الذي تتشكل معرفته من وسائل الإعلام الغربي يربط العربي بالنفط والإرهاب والعمالة المهاجرة، في حين ينظر العربي المقيم في الغرب للعمل أو الهجرة أو اللجوء السياسي إلى "العربي" بوصفه شخصًا مضطهدًا، أما العربي المشرقي فقد يعرّفه بأنه جزء من الأمة العربية التي تسبب الغرب وإسرائيل في تقسيمها وإضعافها، وأما العربي المغربي فقد يعتبر العربي مسلمًا يستغله الأوروبيون المسيحيون ويحاربونه في دينه. وبعد التحليل يتوصل الجابري إلى أنّ العربي هو أن يكون الإنسان "عروبيا" أي مهتمًا بالوحدة العربية وقضاياها ومستقبلها.
في القسم الأول من الكتاب يعرض المؤلف المشكلة الموجودة في الفكر العربي وهي تلك الأصوات التي تضع في إطروحاتها عن الهوية ثنائية العروبة/الإسلام بحيث يبدو أحدهما في مواجهة الآخر، وأنه يجب اختيار أحدهما ليكون المحدد الأساسي لهويتنا. ولا ينكر الجابري أن هناك أطروحات معتدلة تبرز التكامل بين الاثنين ونفي تناقضهما، من قبيل "العرب مادة الإسلام"، إلا أن ذلك في رأي الجابري لا يصل إلى عمق المسألة بل في الحقيقة ينحاز إلى العروبة ويمنحها الأولوية على الإسلام. ويناقش المؤلف إطروحات القائلين بعروبة الإسلام والأطروحات المضادة القائلة بعدم عروبته رغم عروبة القرآن والرسول، ويتبين أن هناك طرفًا يقدّم القومية، وطرفًا يقدّم الدين، وبأن ثنائية العروبة/الإسلام لا يمكن إيجاد حل وسط لها بسبب تكافؤ أدلة الطرفين. ولكن القضية الأساسية في رأي الجابري لا يجب أن تكون ترجيح طرف على طرف، بل إعادة النظر في جميع الآراء ومساءلتها.
بعد ذلك ينفذ الجابري إلى أصل المشكلة بقوله إن سوء التفاهم الحادث بين أصحاب الأطروحتين هو في حقيقته نتيجة لاختلاف المرجعية المعرفية لدى كل طرف؛ فأصبح كل منهما يرى العروبة والإسلام بشكل مختلف. في المرجعية التراثية يتحدد مفهوم "العربي" بالتعاريف اللغوية القديمة التي تجعل فصاحة اللسان هي المحدد للعروبة، وبالنسب التاريخي، وهكذا فإن من يفكر في مفهوم "العربي" من هذه المرجعية لا يستحضر "الإسلام" بالضرورة، فالإسلام شيء آخر أتى محلّ العروبة (الإسلام يجبّ ما قبله). والإسلام في هذه المرجعية دينٌ لا يمكن أن يوضع في ثنائية مقابل العروبة، لأن ما يوضع مقابل الإسلام لا بد أن يكون دينًا أو فلسفة منافسة. أما في المرجعية النهضوية في المشرق العربي فمفهوم "العربي" مرتبط بالعلاقة مع الآخر: التركي الذي يهدد العروبة بسياسة التتريك، والمستعمر الإمبريالي المسيحي الذي يهدد الإسلام، وهكذا لم يكن هناك تضاد بين العروبة والإسلام وإنما اجتهاد في تقرير أيهما يجب الذود عنه أولا. أما في المغرب العربي فكان الآخر واحدًا هو المستعمر الأوروبي المسيحي الذي يهدد الإسلام بعمليات التنصير والعروبة بتفريق البربر عن العرب، فأصبحت العروبة والإسلام شيئا واحدًا هو الهوية الوطنية التي يجب الحفاظ عليها. والإسلام تبعًا لهذه المرجعية يتخذ ثلاثة أشكال: الإسلام كنموذج مثالي، والإسلام التاريخي كما مارسه السلف، والحضارة الإسلامية، وجميع هذه الأشكال لا تصلح حقيقة لأن توضع في تقابل وتضاد مع العروبة. وبذلك يخلص الجابري إلى أن ثنائية العروبة/الإسلام لم تكن سوى قضية سياسية زالت وأصبحت الآن "قضية أيديولوجية مزيفة" (ص50)، وإذن لا معنى أبدًا لأن يُوضع الاختيار بين العروبة والإسلام.
وفي المباحث التالية يناقش الجابري أطروحات القومية والوحدة العربية مستنتجًا أنّ الدولة القطرية (المجزئة) أصبحت واقعًا دوليًا واجتماعيًا واقتصاديًا ونفسيًا لا يمكن معه الاستمرار في حلم الوحدة العربية الشاملة، كما يؤكد المؤلف على ضرورة ربط الديمقراطية بالفكر القومي، ثم ينقض الأطروحة القائلة بضرورة وجود دولة تكون قاعدة للوحدة العربية تتبعها جميع الدول الأخرى. بيد أنّ الجابري يعود ليؤكد على ضرورة الوحدة الجزئية التي تُبنى على أساس التعاون والتكامل وتحقيق المصالح والحاجات.
أما القسم الثاني فيتحدث عن المستقبل العربي، ويبدأ بتحديد أساسيات التفكير في المستقبل، حيث لا بد أولا من معرفة أن "كل تفكير مستقبلي هو في جزء منه، على الأقل، عبارة عن بناء علاقة جديدة مع ‘الآخر’، أعني الطرف المزاحم في الماضي والحاضر، أحدهما أو كليهما، فضلا عن كونه المنافس في المستقبل" (ص91)، وبأن تفكير العرب في المستقبل يستحضر دومًا صورًا من ماضيهم الحضاري، إلا أنّ هذا الاستحضار لا بد أن يرافقه استحضار لماضي الآخر (إسرائيل والغرب) أيضًا لمعرفة طريقة تفكيره في المستقبل ومزاحمتنا عليه. بعد ذلك يستعرض المؤلف نظرة إسرائيل (اليهود) إلى المستقبل حيث هو بالنسبة إليها مصير جماعي يتحقق بخلاص بني إسرائيل، في حين يعتقد الفكر المسيحي البابوي أن تجسد الإله في شخص عيسى (عليه السلام) بداية لتاريخ جديد ومستقبل جديد للبشرية كلها يتحقق بدولةٍ عالمية ذات سلطة مركزية تحكم جميع البشر. وينبّه المؤلف على أنّ توجه الغرب إلى العلمانية لم يكن في حقيقته سوى إحلالا لـ"الغرب" مكان الكنيسة، حيث إن الفكر الأوروبي الذي عبّر عنه فلاسفته (مثل كانط وهيغل ومونتسيكو) ينظر إلى أوروبا على أنها مركز التاريخ وتمام نضجه وأوج تقدمه (قارن ذلك بمقولة نهاية التاريخ لفوكوياما). ويشير الجابري إلى أنّ "الوعي بالذات-في الثقافة الأوروبية خاصة- إنما يتم عبر ‘الآخر’" (ص127)، وهكذا كان لا بدّ من تحديد هذا الآخر وتفكيكه وإقصائه وتحويله إلى تابع، وهذا ما فعله الاستشراق حين أقصى الشرق جغرافيًا وعرقيًا وعقليًا وحضاريًا.
لذلك يرى الجابري أنّ تفكير العرب في مستقبلهم وعلاقتهم بالآخر يجب أن يستحضر الخلفية الثقافية الدينية للغرب العلماني الذي –في لا وعيه على الأقل- يرى الإسلام ذلك المنافس التاريخي في الماضي، وأكثر المرشحين ليكون عدوًا في المستقبل. بعد ذلك يقول الجابري أن تفكير العرب يجب أن يبتعد عن السذاجة التي تصوّر لهم أن الغرب سيكون حليفًا وصديقًا، فهذا الغرب مهتم بالشرق الأوسط لسببين أولهما الموقع الاستراتيجي "الذي يجعل منه ممرا ضروريا للغرب إلى كل من آسيا وافريقيا يجعل مصلحته الأكيدة في امتلاك هذا الممر، في الهيمنة عليه، في إضعاف أهله، في تشتيت صفوفهم، في تجزئة وطنهم، في منعهم من الأخذ بأسباب القوة والمنعة، في مراقبته لهم مراقبة مستمرة" (ص144)، وثانيهما كونه أكبر مخزون في العالم للنفط الذي يرى الغرب ضرورة استمرار تدفقه إليه لتستمر حضارته، ويرى بأن هذا النفط من حقه لأنه اكتشفه وصنعه، وهكذا يجب أن يحصل عليه دائمًا و"‘بسعر معقول’ للحفاظ على ‘نمط الحياة الغربية’" (ص145).
أما القسم الثالث فيركز على صورة العرب والمسلمين كما تشكلها وسائل الإعلام الغربية، ويرى الجابري أن صورة الإسلام تتشكل في (أو ترتبط بـ) ثلاثة أبعاد هي العرب والهجرة والإرهاب. وهكذا فالإسلام هنا مرتبط بفئة محددة من المسلمين هم تارة العرب وتارة المهاجرين وتارة الإرهابيين. في البعد الأول نلاحظ أن الإعلام الغربي في تصويره للإسلام لا يتحدث عن نيجيريا وإندونيسيا مثلا، بل العرب وإيران، كما لا يتحدث عن المسيحيين والأقليات العرقية والدينية الأخرى. إذن فكما يقول الجابري "ما يجمع بين العرب والإسلام في الصورة التي تقدمها عنهما وسائل الإعلام الغربية هو شيء آخر يقع خارج المعنى الديني لـ‘الإسلام’ والمفهوم العرقي لـ ‘العرب’، شيء يجمع إيران إلى العرب ويفصل عنهما باقي المسلمين. إنه نفط الشرق الأوسط" (ص170). وفي البعد الثاني نلاحظ أن الإعلام الغربي ينظر إلى المهاجرين على أنهم خطر يهدد فرص العمل والهوية من ناحية، وأنهم ضرورة لحل مشكلات العمل والتوازن السكاني من ناحية أخرى. وفي البعد الثالث نلاحظ خطاب الخوف من الإسلام وربطه بالإرهاب رغم أن الإرهاب ظاهرة عالمية لا تُربط أفعالها بديانات مرتكبيها في الحالات الأخرى. وبعد التحليل يخلص المؤلف إلى أن الترابط بين الإسلام من جهة وبين العرب والمهاجرين والإرهاب من جهة هو ارتباط زائف غير مبرر. بعد ذلك يتحدث الجابري عن آليات العقل الأوروبي فيبين أن هذا العقل "لا يعرف الإثبات إلا من خلال النفي، وبالتالي لا يتعرف إلى الأنا إلا عبر الآخر" (ص183)، فالمسيحية تعرفت إلى أناها في القرون الوسطى بوضع الإسلام موضع الآخر الخصم، وفي العصر الحديث وضع الغربُ الشرقَ في مكان الآخر، ثم الاتحاد السوفييتي النقيض الاقتصادي الاجتماعي للغرب. ومن جهةٍ أخرى يوضح الجابري أن العقل الأوروبي يحبّ وضع التصورات أو السيناريوهات للمستقبل ثم يأخذ أرجحها، وهكذا فما إن انهار الاتحاد السوفييتي حتى بحث "صانعو السيناريوهات" عن الآخر العدو المحتمل الجديد، فلم يكن هناك مرشح أكبر من الإسلام لأنه الخصم التاريخي ولاحتواء منطقته على النفط، ولقضايا المهاجرين والإرهاب.
كان ذلك عرضًا سريعًا جدًا لا يغنى عن قراءة الكتاب، وهو كتابٌ شديد المتعة والفائدة رغم أنّ جزءًا مما جاء فيه يُعتبر الآن غير جديد وتحفل به الصحف ووسائل الإعلام العربية في كل وقت، إلا أنّ أسلوب الجابري في التحليل والاستنتاج يبقى فريدًا من نوعه. أنصح الشباب الجامعي باقتناء هذا الكتاب وقراءته جيدًا لتشكيل وعي بما جرى ويجري حولهم فيما يتعلق بهويتنا ومستقبلنا في مقابل "الآخر".
الأربعاء، 28 أبريل 2010
إحياء التراث والادبي وتجاوزه معًا: عرض لرواية "أبناء الجبلاوي"
أرأيتَ لو أنّ جزءًا كبيرًا من الأدب العماني، ولنقل المجموعات القصصية مثلا قد اختفت فجأة دون مقدّمات من كلّ المكتبات وكل مكانٍ آخر حتى رفّ مكتبتك وكأن فيروس حاسوب هجم عليها كلها والتهمها مرة واحدة، فماذا سيحدث؟ تخيّل أن يتبع ذلك هرجٌ ومرجٌ كبير ومبادرات لاستعادة ما فُقد، وشائعات لا آخر لها، وأشخاصٌ يدّعون أنهم رأوا شخصيات من تلك القصص على أرض الواقع. وتخيّل أن تظهر فعلا تلك الشخصيات ثائرة على ما يحدث، فتجد في أنحاء مسقط (عبدالفتاح المنغلق) و (عارف البرذول) [من قصص سليمان المعمري]، و (الكابتن حمدان) [من قصة لمازن حبيب]، و العمّة الثرثارة التي لا تعرف نجيب محفوظ [من قصص عبدالعزيز الفارسي]. فكرة فانتازية مُدهشة، أليس كذلك؟ هذا ما استخدمه بصورةٍ رائعة الروائي (إبراهيم فرغلي) في روايته الأخيرة "أبناء الجبلاوي" التي صدرت عام 2009 عن دار العين للنشر في مصر في 470 صفحة. قيل الكثير عن الرواية وتقبلها النقاد والقراء قبولا حسنًا، حتى دعا الدكتور جابر عصفور إلى عقد ندوات خاصة لتحليلها وقراءتها على أكثر من مستوى، وأيده في ذلك الناقد الدكتور خالد عزب. جدير بالذكر أنّ أمسية كاملة خُصصت في الكويت في يناير الماضي لمناقشة أوراق نقدية حول الرواية. باختصار، نحن أمام عملٍ فريد جريء يستحق وقفة تأمل ودراسة.
المؤلف (إبراهيم فرغلي) صحفيٌ وقاص وروائي مصري، صدرت له سابقًا مجموعتان قصصيتان هما "باتجاه المآقي" عام 1997، و "أشباح الحواس" عام 2001، كما صدرت له ثلاث روايات هي "كهف الفراشات" عام 1998، و "ابتسامات القديسين" عام 2004، و"جنية في قارورة" عام 2007، بالإضافة إلى كتاب يحتوي على يوميات سجّلها في رحلةٍ له إلى ألمانيا. ومن المعروف عن هذا الروائي حبّه للتجريب والتجديد، وآراؤه الصريحة الجريئة فيما يتعلق بحال الثقافة والنقد الأدبي في مصر، وهذا ما نراه حاضرًا بقوة في الرواية التي نحن بصدد الحديث عنها.
في الحقيقة يصعب جدًا استعراض هذه الرواية دون "حرقها" على القارئ وإفساد متعته، لذا سنكتفي بذكر إشاراتٍ بسيطة إلى قصتها. تنقسم الرواية إلى أربعة أجزاء يحتوي بعضها على أكثر من قسم. أما الجزء الأول فيسرده البطل (كبرياء) ليحدثنا عن علاقته الغرامية بـ(نجوى) الفتاة ذات الشخصية المركبة الفريدة جدًا، وعلاقته بـ(رفيق فهمي) العجوز في دار المسنين، والذي يقوم (كبرياء) بتدوين مذكراته. ومنذ الصفحات الأولى نعرف الحدث الكبير الذي تدور حوله أحداث الرواية، وهو اختفاء كتب نجيب محفوظ من جميع المكتبات التجارية والعامة والشخصية، مما يسبب بلبلة هائلة في البلد، وتشكيل لجان وهيئات رسمية وشعبية لإحياء تراث محفوظ والبحث في قضية اختفاء كتبه. وفي أجزاءٍ لاحقة نكتشف ظهور الشخصيات المحفوظية إلى الواقع، فنجد (عاشور الناجي) [من رواية الحرافيش]، و (الجبلاوي) [من أولاد حارتنا]، و (السيد أحمد عبد الجواد) [من الثلاثية]، وتعاون (كبرياء) معها في مهمةٍ خطيرة ربما لاستعادة كتب محفوظ. من ناحيةٍ أخرى تتحدث الرواية عن طبيعة العلاقات بين شخوص الرواية وتطورها وتعقيداتها الاجتماعية والنفسية.
ما يميّز "أبناء الجبلاوي" ويجعلها في مصافّ الروايات المهمّة هو بناؤها الروائي الجديد المبدع الثائر على الأشكال التقليدية في كتابة الرواية. وإن شئنا التصنيف فهي رواية تنتمي إلى أدب ما بعد الحداثة، ذلك الأدب المتمرد على الأشكال والموضوعات التقليدية التي سار بها وتناولها الأدب الحداثي. فمن ناحية البناء الروائي، لن تجد في هذه الرواية بداية وحبكة ونهاية خطية كما هو المعتاد، بل رواية داخل رواية تتداخل أحداثهما، وتتقاطعان أيضًا مع عددٍ من الروايات والشخوص من روايات أخرى، فبعد أن تعيش مع شخصيات الجزء الأول، يفاجئك المؤلف بأن هذه مجرد رواية غير مكتملة كتبها مؤلف آخر، ثم يكتشف هذا المؤلف أن ما كتبه ظهر حقيقة على الواقع! هذا وقد يستمتع القارئ بذلك التداخل السردي بين الرواية وروايات نجيب محفوظ، حيث نجد مقاطع كاملة من روايات محفوظ استُخدمت لصالح الرواية وسير أحداثها. أما السرد فجاء مختلفًا أيضًا، يعتمد على تعدد الأصوات، ولكن ليس بالطريقة التقليدية، فالساردون أحيانًا بشر وأحيانًا كائنات أخرى. ويبدو في الرواية تأثرٌ كبير بروايات ما بعد الحداثة والواقعية السحرية لدى كبار ممثلي هذا التيّار مثل ماركيز وبورخيس وأورهان باموق وبول أوستر. ومما تجدر الإشارة إليه نجاح المؤلف في إحياء شخصيات محفوظ وتقديمها بصورةٍ تتماشى مع وظيفتها في النصوص المحفوظية، ولكنها تؤدي دورًا خاصًا لهذه الرواية، فنجد مثلا الحرافيش وهم يحرسون الحارة، ونجد الجبلاوي زعيمًا وأبًا روحيًا، وعاشور الناجي رئيسًا منفذًا، وزينات لعوبًا مثل ما ظهرت في رواية "الحرافيش".
ومع قراءة الرواية يكتشف القارئ أنّ هذا العمل عبارة عن نقد ساخر لاذع للأوضاع الثقافية والأدبية والسياسية في مصر، يأخذ أسلوب الرمز والإسقاط أحيانًا، والمباشرة في أحيان أخرى. أكثر ما ينتقده ويثور عليه المؤلف في هذا العمل هو الوضع الحالي للأدب السردي في مصر، فالرواية برمتها احتجاج على الرواية التقليدية. أما موضوع الرواية نفسه (اختفاء كتب محفوظ) فانتقاد واضح للمشهد الروائي المصري، فمن ناحية يرى المؤلف أنّ الجيل الروائي الحالي ضيّع تاريخ روائي عملاق ولم يستطع أن يُكمل مسيرة روائية عظيمة كان يجب أن يستفيد منها. ونرى في الرواية أنه بعد تضييع هذا التراث يُصاب المجتمع بوباء العمى، دلالة على التخبط الأدبي وغياب الرؤية الإبداعية. ومن ناحية أخرى يريد المؤلف أن يقول بأنّه رُغم روعة نجيب محفوظ لا يجب أن يقف أمر الرواية عنده، بل يجب تجاوزه، ولكن للأسف لا يوجد غير "كتاب يكتبون نصوصًا تدور في أفق مخنوق...لا يسببون دهشة، ولا يقدمون جديدًا" (ص197). وعندما يُصدم (كاتب الكاشف) بوجود شخصية من شخصيات روايته في الواقع يُصاب بالذعر مخافة أن تكون روايته مجرد "نص واقعي يرصد جانبًا من وقائع حياة أشخاص موجودين في الحياة، ويصبح ما كتبه مجرد نقل أمين لوقائع، بإمكان أي مدرس لغة أو "باش كاتب" أن ينقلها بلغته الركيكة العتيقة" (ص230). هذا ويستخدم إبراهيم فرغلي شخصية (كاتب الكاشف) لتقريع النقد الأدبي في مصر، والتعبير عن فشله في القيام بدوره على أكمل وجه، كما يعبّر عن وجهة نظره حول أهمية تناول الجنس أدبيًا، ويسخر من النقاد الذين يمتعضون منه ويصفونه بأنه "غير موظف فنيًا"، ولذلك نجد في الرواية قدرًا كبيرًا من الجنس الذي يعتبره المؤلف أساسيًا ومعبرًا عن الحياة الطبيعية. ومن جانبٍ آخر نجد الكثير من الرسائل الانتقادية، منها غياب الشفافية والمهنية لدى الجهات الحكومية في التعامل مع المصائب، ومنها جهل الناس بأدب محفوظ رغم التشدق بحبه. هذا و نجد نقدًا للواقع السياسي والاجتماعي عبر شخصية (زينب دياب) التي تظهر في الواقع من رواية "الكرنك" لنجيب محفوظ، ونقدًا آخر من شخصية (رادوبيس) الفرعونية التي تنتقد غياب حضارة "العلم، المعرفة، الحكمة، الفلسفة، الطب، التحنيط، وحتى قوة الأفكار والفنون" والتحول إلى مجتمع جاف فارغ حتى أنّ أفضل أهل البلد الآن "لا يرقى لأن يكون في قدر عامل من عمال حضارتنا، ألا تشعرون بالخجل من تفاهتكم وسخافتكم؟" (ص414).
من وجهة نظري أعتقد بأنّ المؤلف قد استهلك عددًا من المقوّمات وقذف بها في عملٍ أدبي واحد يحتاج إلى ترابط وتماسك أكبر يقاوم التشتيت الذي خلقه المؤلف، بينما كان بإمكانه استغلالها في أكثر من عمل. فمثلا قضية محفوظ والإرث الأدبي تصلح لرواية مستقلة بذاتها أيًا كان بناؤها السردي، والعلاقات العاطفية والاجتماعية بين كبرياء ونجوى ورفيق وكاتب الكاشف وجيسيكا وما يعتورها من عقد نفسية وقضايا تتعلق بالهوية والحرية تصلح بامتياز كي تكون مادة روائية منفردة. هذا وهناك فنّ الخط العربي الذي يتقنه "كبرياء" وتحدث عن أنواعه وأساليبه واستخداماته، كان من الممكن أن يتعمق فيه المؤلف ويتبحر حتى يُخرج لنا رواية تستخدم هذه الثيمة الجميلة كما استخدم أورهان باموق فن المنمنمات في رواية "إسمي أحمر". ومن الملاحظات التي نأخذها على هذه الرواية أيضًا كثرة الأخطاء اللغوية المزعجة التي لا تليق بكاتب رواية، وأتمنى أن يتداركها المؤلف في الطبعات اللاحقة، ولكن يجب أن نشهد للمؤلف بدقة الوصف وسلاسة اللغة ومناسبتها للشخصيات. من ناحيةٍ أخرى نعترف بأن الرواية مبدعة غير تقليدية، إلا أن اللعبة السردية التي اختارها المؤلف تُدخل القارئ في متاهات سردية ليست دائمًا ممتعة.
أخيرًا نقول بأن الرواية لا يكفيها هذا العرض، فهناك الكثير جدًا ليُقال عن تقنيات السرد، والثيمات التي تتناولها الرواية، وعن مدى نجاح التوظيف الجنسي والفني فيها. وأعتقد شخصيًا أن قراءة واحدة للرواية لن تكفي لالتقاط جميع الرموز والإسقاطات والرسائل التي تضجّ بها. هناك مواضيع عديدة لم أتطرق إليها بالتفصيل هنا، كشخصية نجوى وما ترمز إليه من قيم التحرر والانطلاق من قيد المجتمع، وعلاقة كبرياء وكاتب بأبويهما كرمزٍ للبحث عن الذات والهوية. هي رواية جميلة يتضح فيها المجهود الكبير الذي بذله إبراهيم فرغلي، تستحق القراءة ولكن بشرط أن يكون لك عقل متفتح متسامح مع التجريب الروائي والمتاهات السردية.
الأحد، 25 أبريل 2010
رسالة إلى كانزي الكتب
عزيزي القارئ، هل أنت كانزٌ للكتب؟ هناك تجربة بسيطة لمعرفة ذلك: قفْ أمام مكتبتك الشخصية في منزلك، وقلّب ناظريك فيها بحثًا عن كتبٍ لم تعجبك، أو كتبٍ لن تقرأها مرة أخرى، فإن وجدتَ عددًا كبيرًا منها ولم تُطاوعكَ نفسك أن تتخلص منها، فأنتَ كانزُ كتبٍ من الطراز الأول!
هناك فئة من الناس يعشقون الكتب وأغلفتها ورائحتها وملمسها، يلاحقونها في المكتبات التجارية وأكشاك الكتب المستخدمة ومعارض الكتب ومواقع الكتب الإلكترونية (وقد يسرقونها من أصدقائهم ومعارفهم)، يصرفون مئات الريالات ولا يبالون. وحين يجدون كتبًا مجانية، أو معروضة بأسعارٍ زهيدة فذلك لهم عيدٌ سعيد لا يماثله عيد. تجدهم يشترون الأرفف ويصنّفون كتبهم وربما يجلّدونها، ويوقّعون بأسمائهم عليها مع تاريخ الشراء ومكانه. وأنا هنا لا أتحدث عن الذين يحبون القراءة والكتب، فهو أمرٌ محمود أشجع الجميع عليه، إنما حديثي عن "تملّك الكتب" وكنزها في مكتبات شخصية ضخمة، وهو ما أودّ مساءلته وأشكلته (أي أبيّن مشكلته). وأنا حينما أتوجه إليك عزيزي القارئ بهذا الحديث لا أزكّي نفسي، بل أقرّ لك أنني من هذه الفئة التي ذكرتها أعلاه، وفوق ذلك أعترف بأنني أحيانًا أعالج حالات الملل والكآبة بالتسوق في المكتبات! الأمرُ وما فيه أنني بدأتُ مؤخرًا بمساءلة هذا الهَوَس، وأدعوك إلى التفكير فيه معي، علّنا نُشفى منه. هل تجميع الكتب وكنزها أمرٌ جيد؟ القضية في نظري هي ليست ما إذا كان جيدًا أم غير جيد، وإنما في الوهم الذي اكتسح الكثير منا بأن ذلك هو الوضع المثالي الذي يجب أن يكون عليه المثقفون، خاصة عندما نقرأ عن مكتبات مشاهير المثقفين والأعداد الهائلة من الكتب التي يملكونها (مثل أنيس منصور الذي تحتوي مكتبته على أكثر من سبعين ألف كتاب).
هل كل الكتب تُجمع؟
في عام 2004 عندما سافرتُ إلى بريطانيا للدراسة وبدأتُ في شراء الكتب من موقع "أمازون" الشهير، أدهشني ذلك العدد الهائل من الأشخاص-لا المكتبات الصغيرة- الذين يعرضون كتبهم للبيع منفردة، وبصفتي محبًا للكتب مهووسًا بها استنكرتُ جدًا أن يبيع أحدهم كتبه، خاصة في بلاد نعرف عنها حب القراءة. كنتُ حتى ذلك الوقت أؤمن أنّ الكتاب إذا دخل المكتبة الشخصية لا يخرج منها إلا في حالة السرقة أو الاستعارة "المؤبدة" أو الاضطرار إلى بيع المكتبة برمتها لسببٍ أو لآخر. لكنني فهمتُ لاحقًا أنّ بيع الكتب الشخصية أمرٌ طبيعي جدًا ولا يتعارض أبدًا مع حب القراءة والكتب، وبأنّ الناس هناك يبيعون بعض كتبهم بعد قراءتها، خاصة الروايات التي تُقرأ مرة واحدة للمتعة ثم ينتهي أمرها. ورأيتُ هذا الأمر لاحقًا مع اثنين من المدرّسين الأجانب الذين يعشقون القراءة والكتب، ولكنهما لا يترددان أبدًا في التخلي عن بعض الكتب والروايات. وهكذا بدأتُ أتفهم أنّ هناك كتبًا يُحتفظ بها وأخرى لا ضرورة لمراكمتها. (العبارة الأخيرة دليل على بداية شفائي، ففيما مضى ما كنتُ لأتجرأ على قول ذلك، وكنتُ سأعدّه ضربًا من الكفر!)
إذن عزيزي القارئ فالمسألة الأولى التي يتعيّن علينا مناقشتها هي نوعية الكتب التي قد يكون الاحتفاظ بها ضروريًا، فأنا بالطبع لا أدعوك إلى التخلص من جميع كتبك. وبالنظر في مكتبتي الشخصية يمكنني تقسيم ما يمكن الاحتفاظ به إلى خمسة أصناف: (1) المراجع، كالقواميس والموسوعات والتفاسير والكتب المتخصصة التي تُعدّ مرجعًا في موضوعٍ ما. (2) كتب التخصص والاهتمامات البحثية، وهذه من المرجح أنني سأعود إليها من وقتٍ لآخر كي أسترجع معلومة ما أو أكتب بحثًا أو مقالا ونحو ذلك. (3) الكتب النادرة، كطبعةٍ أولى من كتابٍ قديمٍ قيّم أو نسخةٍ من كتاب غير منتشر أو توقف طبعه. (4) الكتب المفضلة، وهذه قد تكون روايات أو دواوين أو دراسات راقتني جدًا وأحبّ أو أنوي العودة إليها من وقتٍ لآخر. (5) كتب الذكرى، وهي كتبٌ مهداة لي من المؤلفين أنفسهم أو غيرهم، أو كتبٌ تذكّرني بحدثٍ ما أو مكان أو شخصٍ أو مناسبةٍ.
وهل توجد في مكتباتنا الشخصية كتبٌ لا تندرج تحت الأصناف الخمسة السابقة؟ بكل تأكيد، وإليك عزيزي القارئ أمثلة من مكتبتي الشخصية. لو نظرتُ في قسم الروايات، سأجد روايات قرأتها ولم تعجبني، وأخرى لا بأس بها ولكنني لا أنوي إعادة قراءتها، وأخرى مُترجمة إلى الإنجليزية من لغاتٍ أخرى ولكنني أفضل قراءة ترجماتها العربية. كما أرى هنا أعمالا كاملة لمؤلفين أريد أن أقرأها "ذات يوم" غير مسمى، وأعمالا "كلاسيكية" أشعر بالذنب والخجل لعدم قراءتها حتى الآن رغم أنني كل يوم وآخر أبدأ في قراءة شيء آخر ولا ألتفت إليها. وهنا أرى كتبًا كنتُ أريد قراءتها عندما اشتريتها ولكنني الآن لا أجد في نفسي أي رغبة في تصفحها. وهنا مجموعة من الكتب "الرديئة" التي قرأت بداياتها ثم سرعان ما تركتها جانبًا، ولا أظنني سأكملها أبدًا. ولو نظرتَ في مكتبتك، عزيزي القارئ، ستجد مثل كتبي تلك. تُرى لماذا جمعتُ هذه الكتب؟
أسباب جمع الكتب
حاولتُ أن أفكر في الأسباب التي دفعتني لجمع هذه الكتب وتخزينها. هل أنا من هواة جمع الكتب؟ إذن لماذا أمرّ على الكثير من الكتب الشهيرة، والكتب رخيصة الثمن، ولا تراودني نفسي لاقتنائها؟ هل هو استغلال لفرصة وجودها في المعارض والمكتبات التجارية السمينة؟ ربما، خاصة في بلدٍ مثل عُمان يعاني شحّ المكتبات (التجارية والعامة) وهزالها، إلا أنّ ذلك يفسّر الجزئية المتعلقة باقتناء الكتب لقراءتها وليس للاحتفاظ بها. هل هي رغبة في تكوين مكتبة شخصية كي يتعلق أطفالي مستقبلا بالكتب والقراءة؟ ولكنّ هؤلاء الأطفال-الذين لم يأتوا بعد- يُمكن أن يكتسبوا حبّ القراءة من مكتبةٍ صغيرة ووالدَين يقرآن باستمرار، ولا يُشترط أن تكون هناك آلاف الكتب في البيت. أعرف الكثير من القرّاء النهمين الذين لم يروا الكتب في بيوتهم إلا لمامًا. هل هي رغبة في الاستفادة من الكتب للكتابة والتدريس والبحث؟ نعم، ولكن ذلك لا يفسّر الاحتفاظ بالكتب التي لا تتعلق بمجالات اهتمامي وتخصصي. هل هي رغبة في إقناع نفسي والآخرين بأنني مثقف؟ أعتقد أنني تجاوزتُ هذه المرحلة منذ زمن. هل يتعلق الأمر بالديكور والمسحة الجمالية التي يوفرها منظر الكتب؟ ربما، وهو أمر مشروع، ولكنّ ذلك لا يبرر مراكمة المزيد من الكتب.
وقفة
لماذا أصرّ على أن أصنع من هذا الموضوع مشكلة؟ لماذا لا أدع الناس تجمع الكتب وتخزنها، ولكل امرئ ما هوى! في الحقيقة لا ضير في أن يكون لدينا بعضٌ من هواة جمع الكتب، فهؤلاء لديهم هواية يمارسونها، ولكنّ ما يقلقني هو أن يعتقد كل قارئ أو مثقف أنّ من واجبه تقديس الكتب وكنزها وعدم التنازل عنها أبدًا. ومما زاد الطين بلة تلك الحكمة "السيئة" التي تندرج تحت الحق الذي يُراد به باطل "أحمق من يعير كتابًا وأكثر حمقًا منه من يعيد الكتاب"، وصار من يقول "أنا لا أعير كتبي أبدًا" رمزًا لعشق الكتب والثقافة! قد تقول عزيزي القارئ أنّ كل إنسانٍ حرٌ في كتبه، وهذا صحيح، ولكنني أنظر إلى الأمر من زاويةٍ أخرى، من زاوية الكتب نفسها. عندما أنظر في مكتبتي أجد الأعمال الكاملة لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وسعد الله ونوس قابعة هناك، سجينة غرفتي لم يستفد منها أحد غيري-هذا إن أكملتُ قراءتها- لا لشيء إلا لنزعةٍ أنانيةٍ استحوذت عليّ لتملكها.
صحيحٌ أنني عندما أشتري الشيء أمتلكه، ولكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنني لا أستطيع بيعه أو إعارته أو المقايضة به أو التبرع به، فلماذا نقبل بتطبيق هذه المعاملات على كل شيء سوى الكتب؟ هو تقديسٌ زرعه فينا بعض المؤلفين والمثقفين وأصبحنا نردده ونؤمن به دون مساءلة. نعم عزيزي القارئ المثقف، الكتب غير مقدسة، يمكنك أن تبيعها إلى مكتبةٍ شرائية ما، ويمكنك أن تهديها إلى زميلك في العمل، أو تستبدلها بأخرى من صديق، أو تتبرع بها.
وقد يقول قائل: لماذا أتخلى عن كتبٍ أودّ قراءتها مستقبلا، أو أريد لأبنائي أن يقرؤوها عندما يكبرون، أو قد أحتاج إليها لسببٍ أو لآخر في أي وقت؟ حسنًا، إن كنتَ لا تريد بيعها أو إهداءها، يمكنك التبرع بها إلى المكتبة العامة القريبة منك، وبذلك تضرب عشرات العصافير بحجر واحد: تكون قد أطلقت سراح الكتاب، وأشعتَ فائدته بين العديد من القراء الذين يمكنهم استعارته أو قراءته في المكتبة، ووضعته في مكانٍ غير بعيدٍ عنك عندما تريده. أما عن أبنائك، فمن خير الأمور أن يتعودوا على زيارة المكتبة العامة، بدلا من الاعتماد على مكتبتك الشخصية فقط! وإن كنت تُراكم الكتب في شتى المجالات كي تستطيع الرجوع إلى معلومةٍ ما متى ما احتجت إليها، فما فائدة المكتبات العامة إذن؟
دعوة
من هنا أوجّه دعوةً لك عزيزي القارئ أولا إلى مساءلة عادتك في تكديس الكتب، وإن بدأتَ في الاقتناع بأنها مجرّد عادة وليست واجبًا مقدسًا أدعوك إلى التخفف من كتبك التي لا توجد ضرورة للاحتفاظ بها بين جدران بيتك. تبرّع بها أو اهدها أو بِعها إن شئت. لتكن لدينا محلات دائمة لبيع الكتب المستخدمة، ويُمكن لبعض المؤسسات الحكومية أن تتبنى ذلك، كأن يخصص النادي الثقافي مثلا يومًا في الأسبوع يكون سوقًا لبيع الكتب المستخدمة. هذا ويمكن للمكتبات التجارية أن تدعو الناس إلى تقديم كتبهم لبيعها هناك، وتكون لهم نسبة من المبيعات. لنتبرع بكتبنا للمكتبات العامة التي دائمًا ما نشتكي من فقرها، أو لنردّ الجميل إلى المدارس التي درسنا فيها ونتبرع لمكتباتها. إن كنت تجمع الكتب حبًا في المعرفة أو المتعة، فلا تحكرها على نفسك.
عزيزي القارئ، لنمنح بعضًا من كتبنا أجنحةً تُحلّقُ بها إلى عقولٍ أخرى!
الأربعاء، 21 أبريل 2010
نعيب زماننا والعيب فينا: عرض لمسرحية "أهلا يا بكوات"

أعتقد أن الكثير منا-إن لم يكن جميعنا- يتمنى لو كان بالإمكان الضغط على زر "التراجع undo" في حياتنا للتراجع عن عملٍ قمنا به، رغبةً في تعديله أو الإتيان بأفضل منه، ولو سنحت لنا الفرصة وعُدنا للماضي لتخلينا عن كثيرٍ مما فعلنا، ولقدّمنا كثيرًا مما لم نقم به. نتناول اليوم مسرحيةً طرحت هذه الفكرة بأسلوبٍ كوميدي ممتع يجعلك تتفكر كثيرًا فيما كنت ستفعله لو عاد بك الزمن إلى الماضي، وهي مسرحية "أهلا يا بكوات" للكاتب المصري (لينين الرملي). كنتُ عندما أشاهد مسرحية لهذا الكاتب أتساءل متى يمكننا قراءتها، وتحققتْ أمنيتي أخيرًا عندما قامت دار نهضة مصر قبل سنواتٍ قليلة بطباعة مجموعةٍ منها، وهكذا صدرت "أهلا يا بكوات" عام 2008 في 166 صفحة من القطع الصغير. وقد قُدّمت هذه المسرحية على خشبة المسرح لأول مرة عام 1989 وحقق نجاحًا كبيرًا، ثم أعيد عرضها عدة مرات كان آخرها عام 2006.
إن كنتَ من محبي المسرحيات الكوميدية ذات الإسقاطات الرمزية الجادة، فلا بدّ أنك ستهوى عددًا من مسرحيات (لينين الرملي)، هذا الكاتب الذي يجيد إيصال الفكرة بسلاسةٍ وخفة ظل، دون ابتذال أو إسفاف، فيُضحكك على ما هو حريّ أن يبكيك. قدّم عددًا من المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية وحوالي 40 مسرحية. أما أشهر أعماله فتلك التي كوّن فيها ثنائيًا مميزًا مع الفنان الرائع (محمد صبحي)، وهي "انتهى الدرس يا غبي" و "تخاريف" و "أنت حر" و "وجهة نظر" و "الهمجي". وقد حصل الرملي على عدة جوائز في المسرح منها "جائزة كلاوس" عام 2005، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2006، وجائزة سعاد الصباح.
تحكي مسرحية "أهلا يا بكوات" قصة المدرّس الفقير (نادر) و صديقه العالم المثقف الثريّ (د. برهان) الذين يلتقيان بعد طول غياب، ويتناقشان حول المستقبل وما قد يحدث لمصر والإنسانية جمعاء نتيجة للتطور التقاني العجيب. وفجأة يُزَلزلُ المكانُ وينتقلان في الزمن إلى مئتي عامٍ في الماضي (إلى عصر المماليك). هناك يُضطران إلى إخفاء حقيقتهما ومحاولة التعايش مع الوضع الجديد، ثم السعي إلى تغيير التاريخ بإصلاح الأخطاء التي حدثت في الماضي، وتعجيل النهضة والتطور العلمي كي تستطيع مصر (والعرب عمومًا) اللحاق بركب الأمم الأخرى. ومع مرور الأحداث نجد الصديقين يختلفان في التعامل مع هذا الماضي اختلافًا كبيرًا فيتصادمان وتودي بهما مواقفهما إلى مواجهةٍ كبيرة.
بالنظر في لغةِ المسرحية نجدها مُناسبة جدًا لهذا العمل الذي كُتب كي يُقدّم على المسرح الشعبي لا النخبوي، فجاءت سلسة خفيفة مبتعدة عن الشاعرية أو الخطابية (إلا في مواضع تستدعي ذلك) كي تكون قريبة من المتفرجين الذين سيحضرون لمشاهدة المسرحية. وكي تكون اللغة أقرب إلى هذا الجمهور استخدم لينين الرملي اللهجة المصرية. ولأنّ هناك فرقًا زمنيًا بين شخصيتي نادر وبرهان من ناحية وشخصيات العصر المملوكي، كان على المؤلف أن يستخدم لهجةً مصرية لا تبدو معاصرة، تستخدم ألفاظًا توحي بذلك الزمن (مثل: التقيتهم، بصاصين، استخراع، استحرص منهم). ومن علامات نجاح المؤلف أيضًا أن الحوار كان مُناسبًا للشخصيات، فالخطاب الديني واضحٌ في حديث (الشيخ)، واللهجة المصرية المتأثرة بالتركية في حديث الأمير المملوكي (مراد بك)، واللهجة المصرية القريبة جدًا من المعاصرة في حديث الجارية والقهوجي، ربما للدلالة على أن أحوال العامة ما تزال كما هي!
وأما عن الشخصيات فكان رسمها مُتقنًا منطقيًا طوال المسرحية، فمثلا نتعرف على الدكتور برهان، العالِم المثقف المرفّه صاحب الشقة الفاخرة والخادمة الأجنبية، وهو ذو شخصية متعالية بعلمها ووجاهتها عن باقي الشعب، وربما يرمز إلى ذلك مسكنه في ناطحة سحابٍ على جبل المقطم. والدكتور برهان شخصٌ لا يهمه من العلم والمعرفة إلا ما يزيده راحةً ومتعة، ولا يهتم إلا بنفسه كما يقول لصديقه نادر " وهو أنا المسئول عن البشريه؟ ولا تكونش فاهم إن ما فيش دكاتره في البلد غيري..دا احنا بقينا على قفا من يشيل" (ص17). وعندما يعود الزمن إلى عصر المماليك نجد برهان يتزلف إلى المسؤولين ويناور وينافق كي ينال حظوتهم ويتنعم في ظلهم. والمثير في شخصيته أنه بعد عودته مائتي عامٍ في الماضي تحوّل من الأرستقراطية الغربية المعاصرة إلى رجل شرقي يمارس ما تمارسه الطبقة الارستقراطية آنذاك من تعدد الزوجات واتخاذ الجواري والعبيد وكبت المرأة، فبرهان يرمز إلى الطبقة الانتهازية مطاطية المبادئ التي لا تأخذ من الحضارة إلا قشورها. في الجهة الأخرى نجد صديقه نادر مهتمًا ليس بنفسه بل بالبشرية جمعاء وبأمته خصوصًا، وقد أتى يستفسر عن مصيرها لا مصيره، وعندما عاد إلى عصر المماليك آلمه ذلك فلم يستطع التكيف مع ذلك الزمن وفقدانه للحضارة والتقدم. وهكذا يحاول نادر أن يُوجد في مصر قِيَم الحريّة والعدالة والمساواة والنهضة والعلم، رافضًا الخضوع لمزاج ذلك العصر وتخلفه، إلا أنه شخصية من النوع الثوري الذي يريد التغيير الجذري السريع.
هناك ثيمتان رئيستان في هذه المسرحية يمكن تتبعهما في الحوار والشخصيات والرموز. أما الثيمة الأولى فهي الأثر الذي يحدثه الفكر الديني السلفي في الدولة، ويجب ألا ننسى أنّ هذه المسرحية كُتبت في الثمانينات مع صعود التيار السلفي في مصر. ويذكر المؤلف ذلك في مقدمته حين يقول بأن فكرة المسرحية جاءت بعد أشهرٍ من اغتيال الرئيس أنور السادات وانتشار التيار الإسلامي السلفي في مصر، رغم أنه ليس الدافع الوحيد لكتابة المسرحية. وبغضّ النظر عن كلام لينين الرملي إذا ما تأملنا في المسرحية وإسقاطاتها نجد فزعًا واضحًا من التيار السلفي. ومن أوضح المواضع في هذا الشأن ما قاله نادر متحسرًا بعد عودته إلى الماضي: "يعني خلاص..مش هيبقى راديو ولا تليفزيون ولا جرايد ولا مسارح ولا سينماهات؟ مش هتقرأ روايات ولا دواوين شعر؟ مش هنسمع مزيكا ولا أغاني؟ مش هنتفرج على تماثيل ولا معارض رسم..مش هيبقى فيه برلمان ولا نقابات ولا مدارس ولا كليات، مش هيبقى عندما متاحف ولا بلاجات ولا نوادي ولا ماتشات كورة حتى؟ مش هيبقى فيه كازينوهات على النيل ولا شبان وبنات بيتمشوا وإيديهم في إيدين بعض؟ طب والحياة يبقى طعمها إيه من غير دا كله؟" (ص46) وفي ذلك إسقاط على ما يُمكن للفكر السلفي أن يقوم به من تحريم وتجريم لأنواع الفنون والترفيه. كما نجد هذه الثيمة واضحة في شخصية (الشيخ) الذي يعارض التغيير والابتكار ويدعو إلى نبذ ذلك بدعوى البدع والضلالات. وفي نهاية المسرحية نصل إلى مرحلة أكبر من التصريح والوضوح حيث نجد صوتين يناديان في الناس أحدهما صوت نادر الذي يدعو إلى التقدم والعلم ونبذ الجهل والخرافة، والثاني صوت الشيخ الذي يدعو إلى محاربة الخلاعة والتبرج والسفور والشعر والكتابة والفن.
أما الثيمة الأخرى التي تبرزها المسرحية فهي تدهور الأمة العربية وعجزها عن مواكبة التقدم والتحضر، ويظهر القلق من ذلك في بداية المسرحية حين يقول نادر لصديقه برهان: "ولمّا العالم هيحصل فيه التقدم دا كله! بلدنا هتبقى فين منه؟ هنعمل إيه وقتها؟ هنقدر نجاري الناس دي ولا هنفضل قاعدين نتفرج عليهم؟" (ص16). ورغم عودة الزمن إلى الوراء إلا أننا لا نجد شيئًا قد تغيّر، فعقلية الشعب والقادة لا تحتوي على أية حكمةٍ أو نظرةٍ مستقبلية أو رغبةٍ في التقدم، فحين يحاول نادر وبرهان تنبيههم على ما سيحدث في العالم وتزويدهم بأدوات التقانة والعلم نجدهم لا يتقبلونها، وإن تقبلوها لا يحسنون استخدامها. وكأنّ المسرحية تقول أننا نحن العرب نعيش ليومنا فقط ولا نأخذ من الحضارة إلا مظاهرها، ولا هِمّة لدينا لنتعلم ونشترك في إنتاج العلم والمعرفة، حيث يقول الشيخ: "احنا مالنا حاجه بعلوم الدنيا إحنا اشترينا الآخره" (ص43) و "لقد خص الله الأجانب بالعلم والتقدم وسخرهم ليخترعوا ويبتكروا لخدمتنا فنتفرغ نحن لعبادته سبحانه وتعالى وندخل الجنة من أوسع أبوابها" (ص162). ولا يفوت المؤلف أن يشير إلى الفساد والرشوة ورغبة الحكام في بقاء الناس في جهل حتى يسهل حكمهم، قديمًا وحديثًا. ومن المفارقات الطريفة أنه في عام 2006 عندما اُعلن عن إعادة عرض المسرحية في مصر قال مخرجها عصام السيد إن "الظروف السياسية التي تناقشها لم تتغير وإنما تفاقمت أكثر".
ما نأخذه على هذه المسرحية هجومها الشرس على الفكر الديني السلفي دون الإتيان بشخصية تمثل التيار الديني الآخر، فالإسلام ليس كله سلفيًا، و كان جديرًا بالمؤلف الذي يتحدث عن التطور والنهضة المصرية أن يُنصف فيذكر شيئا يمثل الإسهامات العلمية والفكرية لشخصيات دينية أثرت في نهضة مصر مثل رفاعة الطهطاوي والإمام محمد عبده. عدا ذلك فالمسرحية جميلة ممتعة لها رسالة قوية نجح المؤلف في إيصالها بسلاسة كي تبقى في الأذهان طويلا.
السبت، 17 أبريل 2010
متى تنكشف الذئاب؟ عرض لرواية "عندما تشيخ الذئاب"
هل التأليفُ الإبداعي إلهامٌ أم اشتغال؟ قد تتضاربُ الآراء في هذا الموضوع، ولكن المؤكد أن توفير المساحة والمناخ الملائم للاشتغال يساعد في الخروج بعملٍ إبداعي. والعملُ الذي نحن بصدده اليوم هو ما أنتجه (جمال ناجي) في إجازة التفرغ الأدبي التي حصل عليها عام 2007 من وزارة الثقافة الأردنية، وصدرت الرواية عن الوزارة عام 2008، ثم في طبعتها الثانية عن الدار العربية للعلوم عام 2010 في 245 صفحة. جمال ناجي روائي وقاص أردني من أهم الأسماء الأدبية في الأردن، وقد صدرت له ست روايات وثلاث مجموعات قصصية حتى الآن. له مشاركات فاعلة في المشهد الأدبي الأردني قد يكون أبرزها ترأسه لرابطة الكتاب الأردنيين من عام 2001 حتى 2003. نُشرت أول رواية له عام 1982 "الطريق إلى بلحارث" وحققت نجاحًا كبيرًا وأعيدت طباعتها عدة مرات. أما قصصه القصيرة فقد تميزت بأسلوب المفاجأة في آخر القصة، وهذا ما سنراه في الرواية التي نتحدث عنها.
في رواية "عندما تشيخ الذئاب" اعتمد المؤلف تقنية سردية بدأت تنتشر عربيًا في السنين الماضية وتحقق قدرًا من القبول والمتعة لدى القارئ، وهي تقنية تعدد الرواة أو الأصوات، بحيث لا يكون هناك ساردٌ واحد عليم بكل شيء، بل ينساب السردُ على لسان عدة شخصيات. وهكذا نجد في الرواية خمس شخصيات تتبادل السرد (إضافة إلى شخصية سادسة تظهر في أواخر الرواية مرة واحدة)، فتروي لنا الأحداث كما عرفتها (أو كما تريد أن تحكيها)، فلا تكتفي بتكرار ما عرفناه من شخصية أخرى، بل تضيف إليه وتوضح جوانب أخرى منه. وسيلاحظ القارئ أن (عزمي الوجيه)-الشخصية الرئيسة المحورية التي يدور الجميع في فلكها- ليس أحد الساردين، وإنما يأتينا وصفه عبر الشخصيات الأخرى. وأعتقد أن هذا قرار صائب وذكي من المؤلف؛ لأنه بذلك حافظ على الحَيرة والغموض الذي تتشبع به هذه الشخصية، فنبقى نحن القراء مثل بقية الشخصيات حائرين فيها ولا نعرف كيف تفكر ولماذا تتصرف بهذا الشكل.
أما العالم الذي تبنيه هذه الرواية بثيمتها الأساسية فهو عالم الخيانات، عالم نوعٍ من الناس لا يعرف الأمانة، كالذئاب. وتتخذ الخيانة في الرواية أشكالا مختلفة: اجتماعية وسياسية وفكرية ودينية وزوجية وأخلاقية، فجمال ناجي يطرق في روايته المواضيع الثلاثة المحرم نقاشها في المجتمع العربي: الدين والجنس والسياسة، وكل ذلك يتكشف لنا عبر علاقات الشخصيات وتفاعلاتها مع أنفسها، ومع بعضها، ومع العالم من حولها بدءًا من المجتمع الصغير في قرية جبل الجوفة وحتى المناطق الأخرى في العاصمة عمّان.
تبدأ الرواية بأسلوبٍ تشويقي مميز مع (سندس) بجملتها "عزمي الوجيه أذلني ثلاث مرات"، وسيعرف القارئ ظروف هذه المرات وملابساتها بمرور الأحداث. وسندس هذه فتاة ظلمتها ظروفها عندما أفسد أبوها عرسها فتشاجر مع أهل العريس، فتطلقت. ومع كثرة كلام النسوة المتزوجات ومعاكسة الشباب لم تستطع مقاومة رغباتها الجسدية، فرضخت لملاحقات (رباح الوجيه) للزواج منها رغم أنها أصغر منه بـ27 عامًا. ولكن رباح ما يلبث أن يفشل في مجاراة غرائزها ويخونه جسده، فينهزم أمامها وينكسر، وستكون هذه هي نقطة التحول والجموح في شخصية سندس، حيث تتعلق بابن زوجها (عزمي) وتراوده عن نفسه دون هوادة، متسلحة بأنوثتها الطاغية و موهبة الغواية التي تتمتع بها كما وصفها عزمي. ويظلّ تعلقها بعزمي يزداد كلما أذلها وتمنّع عنها، ورغم زواجها برباح وبـ(صبري أبو حصة) لاحقًا، إلا أنها لا تنفك تبحث عن فراش عزمي.
أما عزمي الوجيه فهو شخصية فريدة من نوعها يتمتع بذكاء حاد وكبرياء وثقة بالنفس وسحر على الآخرين، استقلالي منذ شبابه، لم يأبه ببخلِ أبيه ولم يرضخ له، وانضم إلى حلقات دروس الشيخ (عبد الحميد الجنزير). يُعجَب الشيخ بذكائه الفائق وشخصيته القوية دونًا عن جميع أقرانه فيقربه منه ويكلفه بمهام عديدة يبرع في تنفيذها، ويصبح ذراعًا يُمنى للشيخ إلى أن يصبحا شريكين لاحقًا في مشاريع كثيرة. أما نقطة التحول في حياة عزمي فتحدث حين يكتشف سرًا خفيًا في حياة الشيخ الجنزير، وبذلك تسقط أقنعة الدين والأخلاق فيشقّ حياته بأسلوبٍ مختلف ليصنع اسمه ومجده وثروته، ولكن يبدو أن نبوءة زوجة خاله لم تخل من الصحة: "من يريد كل شيء لا يحصل على شيء" (ص112).
وأما الشيخ عبدالحميد الجنزير فهو "رجل الدين" الجليل الذي يعطي الدروس الدينية وينفق على الطلاب، ويجمع الأموال للمشاريع الخيرية، ويداوي الناس بالأعشاب، ويطرد الجن والشياطين. متزوج من امرأتين ولكنه لا يسكن معهما، بينما يتمتع بأجساد النساء اللاتي يأتين إليه للعلاج. الشيخ الجنزير رمزُ لأولئك الذين يتخذون الدين إطارًا يعملون فيه لتحقيق غاياتٍ عديدة، ولا مانع لديهم من مُحالفة الشيطان نفسه إن كان سيوصلهم إلى بغيتهم.
وأما (جبران) خال عزمي فهو المناضل الماركسي الذي دخل المعتقل السياسي مُكافحًا في سبيل قضية المحرومين والطبقة الكادحة. فجأة وبُعيد احتلال الجيش الإسرائيلي لبيروت يترك جبران القرية ويسكن في إحدى مناطق الأثرياء، فتنمو الشائعات حول مصدر أمواله وتشكك في نزاهته. مع حضور الثروة تبدأ زوجته محدثة النعمة في التغيّر، فلا تخالط معارفها الفقراء، ويبدأ هو كذلك في تجنبهم، ونجدها تربي طفليها تربية برجوازية جديدة وتتصرف مثل نساء الأثرياء إلى درجة أنها تشتري قطة شيرازية تربيها. يحاول جبران مقاومة هذه النزعة الجديدة، ويقول عن نفسه أنه لم يتنكر لأفكاره الماركسية، وإنما يقصرها على الجانب السياسي دون الاجتماعي، إلا أننا نجده تدريجيًا يتحول إلى شخص رأسمالي حقيقي، وانتهازي متسلق يبحث عن المنصب بكل قوة.
هذه الرواية تحاول كشف المستور عن خفايا المجتمع والتحولات الفكرية والأخلاقية فيه تبعًا لتطور الأحداث السياسية والاقتصادية في الأردن، فنجدها تسخر من التقارب العجيب بين التيارين اليميني واليساري، لا إيمانًا بالحوار أو الديمقراطية، بل لتحقيق المصالح. ونجد كذلك إشاراتٍ إلى الفساد السياسي، والبطالة، والانحراف والتطرف في بعض من ينتسب للجماعات الدينية. ليس من الغريب إذن أن يُحتفى بهذه الرواية في الأردن كونها تناقش قضايا من هموم المجتمع.
ومن جماليات الرواية أيضًا اللغة التي كتب بها جمال ناجي الرواية، فنلاحظ لغة بسيطة لا تهدف إلى التفاصح أو فتل العضلات اللغوية، ولكنها في الوقت نفسه سليمة جميلة وثريّة، ولا تخلو من عبارات كالحكم، مثل: "كيف يمكنه عقد السلام مع النجاح إذا كان يحاربه حين يمتلكه الآخرون؟" (ص109). أما الجانب الأبرز في اللغة فيتجلى في اعتناء المؤلف بأن تكون لغة الشخصية نابعة من الخطاب الذي تنتمي إليه، فنجد ألفاظًا وعبارات من المناخ الذي تعيش فيه الشخصية وتفكر في إطاره (الخطاب السياسي لدى جبران، والخطاب الديني لدى الشيخ الجنزير وبكر الطايل، مثلا). ومما يُلاحظ أيضًا أن الحوار حاول التقريب بين العامية والفصحى، فاستخدم مفردات أو عبارات عامية لا تبتعد كثيرًا عن الفصحى، مثل: "عادي/نسوان/جهزي حالك/مفعوصة/عليها القيمة/الشور شورها/احكي مثل الأوادم".
ورغم ما ذكرناه آنفًا من عناصر إيجابية في الرواية، وجدتُ بعض الأجزاء لم يُوفق المؤلف في "سبكها" وبدت لي غير مقنعة أو غير مبررة. فمثلا انتقام سندس من زوجها الثالث بعد موته هو عمل وحشي إجرامي، ولا يوجد في شخصية سندس اللعوب ما يدعم هذه النزعة الإجرامية أو حتى المبالغة في رد الفعل، كما أنه لا يضيف أي شيء لقيمة الرواية وما كانت لتخسر شيئا من دونه. ومن جانبٍ آخر نجد أن تصرفات هذا الزوج الثالث غريبة وغير مبررة، فما الذي يجعله يقبل أن يشتري عزمي لسندس شقة وسيارة؟! هذا ويأتي في أواخر الرواية مشهد يصف مطاردات المباحث لعزمي وقدرته على التخفي والهروب والمراوغة والتنكر، بينما لا نجد في شخصية عزمي ما يجعله (جيمس بوند) فجأة هكذا! أما السر الأكبر الذي تعتمد عليه الرواية ولا يُكشف إلا في السطر الأخير منها فلم يبرع جمال ناجي في صناعته والحفاظ عليه، حيث هناك الكثير من الإشارات التي تجعل القارئ قادرًا على معرفته قبل الصفحة الأخيرة بكثير.
لا شكّ أن جمال ناجي أخرج نصًا ممتعًا، إلا أنني أتساءل عن الجديد الذي جاءت به هذه الرواية لتكون في القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، فالمتدين المنافق والسياسي الفاسد، والمتدين المتطرف، والزوجة الصغيرة اللعوب كلها صور استهلكتها المسلسلات العربية مؤخرًا، ويُفضل لو تم تناولها بشكلٍ جديد غير مألوف. ربما أفضل ما أنجزه جمال ناجي هو إتقانه لتطوّر الشخصيات وانتقالها من البراءة إلى الانحراف الكامن فيها الذي كان ينتظر شيئا ما ليخرج، وهذا الإتقان في الحقيقة يحتاج إلى روائي ماهر.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)