الأربعاء، 30 مايو 2012

تصريحات غير موفقة لنائب رئيس الجامعة


تناقل العديد من العمانيين بالأمس في شبكات التواصل الاجتماعي خبرَ الإعلان عن طرح تخصص العلوم السياسية في جامعة السلطان قابوس وتغيير مسمى كلية "التجارة والاقتصاد" إلى "الاقتصاد والعلوم السياسية"، وكان من الواضح أن الإحساس العام هو السعادة بهذا التوجه رغم تشكك البعض وتحفظهم إلى أن تتضح معالم التخصص الجديد. في كل الأحوال أعتقد أنها خطوة ممتازة، إذ لا بدّ للجامعة الكبرى في عُمان أن تسعى لطرح تخصصاتٍ هامةٍ كهذه، ومن محاسن الصدف أن نقاشًا جرى في موقع "تويتر" قبل الإعلان بيوم أو يومين حول غياب تخصصات الفلسفة والعلوم السياسية في الجامعات العمانية. نحن في عُمان بحاجةٍ إلى جيلٍ يمتلك وعيًا سياسيًا يسهّل عليه استيعاب وتحليل ما يحدث في العالم الذي غدا مفتوحًا بلا أية قيود، ومن الأفضل أن يتشكل هذا الوعي السياسي بشكلٍ علمي ومنهجي رصين. بالأمس كنتُ أقول في نفسي: يجب أن نقدّم التحية للجامعة على هذه الخطوة التي ما كان يجب أن تتأخر أكثر من ذلك.

أما اليوم فقد شعرتُ بانزعاجٍ بعد قراءة التغطية الصحفية التي نُشرت في جريدة عُمان حول المؤتمر الصحفي الذي تم الإعلان فيه عن طرح التخصص الجديد، ولستُ متأكدًا ما إذا كانت هذه التصريحات قيلت حرفيًا كما هي مكتوبة أم أن الصياغة قد تغيّرت مع التحرير الصحفي. إن كانت قِيلت هكذا، فلا بدّ للمسؤولين في الجامعة أن يعيدوا النظر بجدية في طريقة خطابهم للإعلام، خاصة وأن تصريحاتهم تمثّل المؤسسة الأكاديمية الأكبر في السلطنة. وهنا سأعلق سريعًا على إجابتين تفضل بهما الدكتور نائب رئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية وخدمة المجتمع، وهو المكلّف برئاسة فريقٍ يقدّم تصورًا لإعادة هيكلة كلية "التجارة والاقتصاد" وإعداد برنامج العلوم السياسية. وعسى أن يتقبل ملاحظاتي هذه بصدرٍ رحب، رغم أنه في رأيي يستحق-على هذه التصريحات- نقدًا لاذعًا.

أولا: حينما سُئل نائب الرئيس عن مدى حاجة سوق العمل إلى هذا التخصص قال: "نظرًا للتوجيهات السامية لا بد من وجود حاجة ملحة وضرورية، إلا أنه لا يوجد لدينا في الوقت الحالي تصور عن طبيعة الوظائف التي يمكن أن يشغلها خريجو هذا البرنامج...". الجزء الأول من الإجابة (بحرفيّته) يعكس مصيبة كبرى ويشكّل للقارئ صدمة حقيقية، إلا أنني سأحسن الظنّ وأقول بأنّ التعبير قد خان نائب الرئيس، وأنه أراد القول بأنّ توجيهات جلالة السلطان لا بدّ أن تكون قد جاءت بعد دراسةٍ ومقترحاتٍ من مستشارين ذوي كفاءة وخبرة. أما الجزء الثاني من الإجابة فمن الخطأ أن يصدر عن مسؤول. أتساءل هنا كيف لجامعةٍ أن تُعلن عن طرح تخصصٍ ما وهي لا تملك أي تصورٍ عن الوظائف التي سيشغلها الخريجون؟ لنقل إنّ الأمر في حقيقته ليس كذلك، لأنّ الخبر المنشور يذكر قيام الجامعة بدراساتٍ بعد تلقي الأوامر السامية، ومن الطبيعي جدًا أن أية دراسة مبدئية لا بد أن تتطرق إلى مخرجات التخصص والمهارات التي ستكتسبها، والحيّز الاجتماعي والمهني الذي ستشغله. أريد فعلا أن أحسن الظنّ، إلا أنّ بقية الإجابة تزيد الأمر تعقيدًا حين يقول نائب الرئيس: "إلا أنه لا توجد لدينا رؤية حول ما هي طبيعة الخريج ولكننا بدأنا في التشاور مع الجهات المعنية التي من الممكن أن توظّف الخريج بها". أتفهّم أن لا تكون هناك رؤية نهائية كاملة، ولكن القول بأنه لا توجد رؤية حول طبيعة الخريج فهذه مشكلة، وأقلّ ما يُمكن أن يُفهم منها هو أنّ الجامعة تسارع إلى "تطبيق الأوامر" دون أن تعرف ماذا تفعل. في مؤتمرٍ صحفي ينتظر منه المجتمع أن يعرف إجاباتٍ واضحة لا يصحّ أن تظهر الجامعة بخطابٍ غامضٍ كهذا. ولا بدّ أن نعترف للجامعة بحسن التدبير فيما يختص بالتشاور مع سوق العمل، فهذا التعاون أصبح أمرًا تدعو إليه معظم أدبيات التعليم العالي وتصميم المناهج

ثانيًا: حينما سُئل نائب الرئيس عن المناهج والجامعات التي ستعتمد عليها الجامعة في تدريس هذا التخصص قال بأن: " هناك مصدرين أساسيين سيتم الاعتماد عليهما في برنامج العلوم السياسية وهم النهج السياسي الحكيم للسلطنة الذي لا بدّ أن يكون جزءًا متأصلا في هذا البرنامج والخبرة العالمية من معارف ومهارات...فنحن متوجهون إلى المجتمع والسياسة الحكيمة للسلطنة كمنهج". مع شديد احترامي لسيادة نائب الرئيس، إلا أنّ هذا الكلام لا يصحّ أن يصدر عن مسؤول في مؤسسةٍ أكاديمية، ولا يشير إلى أية معرفةٍ بتخصص العلوم السياسية. كيف تحكم على نهج السلطنة بأنه حكيم وتفرض هذا الحُكم على الطلاب قبل تدريسه؟ لماذا لا بدّ أن يكون جزءًا متأصلا في البرنامج؟ وكيف للسياسة العمانية أن تكون جزءًا "متأصلا" دون أن يكون لدينا منظرون سياسيون أصلا؟ هل نحن بصدد تدريس مرحلةٍ متقدمة من منهج "التربية الوطنية"؟ ليس من حقّ الجامعة أن تفعل ذلك، خاصة وأنّ أحد أهداف دراسة العلوم السياسية هو القدرة على تحليل السياسات ونقدها، لا تمجيدها. كنتُ أتوقع من نائب الرئيس أن يكون قد اطّلع على أيّ منهجٍ متّبع في العالم، ويشير إلى تدريس مواد مثل "مبادئ العلوم السياسية" و"القانون الدولي" و "الأيديولوجيات السياسية" و "حقوق الإنسان" و "العلاقات الدولية" و "علم الاجتماع السياسي" و "القضايا الدولية الراهنة" إضافة إلى السياسات الداخلية. نعم، أتفهم تمامًا أن تشعر الجامعة بالامتنان للتوجيهات السامية، ولكن ذلك لا يعني أن تسخّر التخصص لتمجيد سياسات الحكومة، فهذه ليست وظيفته.

أخيرًا، هذا ليس نقدًا للتخصص الجديد فحتى الآن لا تُعرف ملامحه، ولكنها ملاحظات على الخطاب الإعلامي الذي لم يكن موفقًا أبدًا من جانب نائب رئيس الجامعة.

السبت، 19 مايو 2012

رد على الافتراء ضد عُمان في مسألة الاتحاد الخليجي


في الفترة القليلة الماضية كثُرت الانتقادات الموجّهة لحكومة سلطنة عمان على خلفية تحفظها على مشروع الاتحاد الخليجي الذي نُوقش مؤخرًا في قمة الرياض. وتبدّت هذه الانتقادات ما بين هجومٍ لاذع وعتبٍ متسائل، ونحن يجب أن تكون صدورنا مفتوحة لإخوتنا في الخليج نتقبل نقدهم وعتابهم، وبالحوار نصل إلى نقاطٍ مُشتركة.

ولكن ما أثار انتباهي هو تكرار مقولةٍ عبر شبكات التواصل الاجتماعي، يرددها عددٌ من الناس عوامهم ومفكروهم، بأنّ "عُمان كانت دائمًا ضد أي وحدة خليجية وتصرفها الأخير تكملة لهذا النهج". ولم يكن الأمر ليثير انتباهي لو كان يُطرح على أنه رأي وتحليل يصيب ويخطئ، وإنما يتم تداوله على أنه حقيقة تاريخية لا ريب فيها تتناقلها الألسن بسرعة وتؤمن بها فورًا.

لذا، وبغضّ النظر عن أي رأي شخصي في موضوع الاتحاد، ودون أن يكون رأيي ممثلا بالضرورة للرأي الرسمي في عُمان، توجّب عليّ أن أبيّن زيف تلك المقولة وتهافتها. هناك فرقٌ بين النقد وبين تزوير التاريخ، ونشر المزايدات على الوحدة والتكامل الخليجي. وفيما يلي أستعرض باختصار بعض الحقائق التي تثبت بأنّ عُمان كانت أوّل المبادرين والداعين إلى الوحدة الخليجية، ولا أقول وحدة اقتصادية، بل وحدة عسكرية أمنية كما يبدو أن الرياض تدعو لها الآن.

أولا، كانت عُمان ربما أول من دعا إلى وحدة الصف الخليجي أمنيًا في بداية السبعينيات، أي في بداية حكم السلطان قابوس. وهذا أمر مفهوم إذ كانت عُمان تواجه المدّ الشيوعي في الجنوب وتحاربه، لكن السلطان قابوس كان يريد إيصال فكرة هامة لإخوته في الخليج أنّ هذا المد الشيوعي لن يقف في عُمان بل سيسعى إلى اختراق الخليج كله. وأشار السلطان إلى ذلك في خطابه السنوي عام 1972 حين قال:

" وقد اتضح من خلال بيانات وتصريحات ما يسمى بالجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي. ان عمان ليست هدفا في حد ذاتها وانما هي الباب او المنفذ الذي تصور لهم اوهامهم اقتحامة الى سائر دول المنطقة لاغراقها في بحر من الدماء والتخريب والفوضى والفقر والالحاد والسلب والنهب وانتهاك الاعراض... نعجب لاؤلئك الذين يحسنون الظن بالشيوعيين وللمتهاونين الذين تخدعهم الشعارات الشيوعية فيتيحون لهم الفرص للاستفادة بها واستغلالها لإشاعة البلبلة ولاضطراب وللمخدوعين الذين يقللون من الخطر الشيوعي وانه بعيد منهم"

ولم يكتفِ السلطان بهذا الخطاب بل أخذ يروّج لفكرة الوحدة عبر لقاءاته مع إخوته القادة في دول الخليج واحدة بعد الأخرى طوال فترة السبعينيات (1). ويقول السلطان في حوارٍ له مع جريدة الرأي الأردنية بتاريخ 28 أبريل 1973: "الموقف فى ظفار كان أحد الموضوعات الرئيسية التى بحثتها أخيرا مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة وقد أكدت له أن دول الخليج تتعرض للأخطار الخارجية تماما مثل سلطنة عمان"، ثم قال في حوار مع مجلة المصوّر المصرية بتاريخ 23 يونيو 1973: "لا ريب أن الاتحاد قوة، وهو إذا أمكن تحقيقه فإنه سيكون الدرع الواقى للمنطقة".

ثانيًا، كرر السلطان ترويجه لفكرة الوحدة الأمنية في خطابه السنوي لشعبه عام 1975 بشكلٍ صريح حين قال:" لقد حذرنا في خطابنا.. في العيد الوطني الرابع، وقلنا أن الحفاظ على امن المنطقة.. مسؤولية شعوب المنطقة كلها".

ثالثا، دعت عُمان في عام 1976 إلى اجتماعٍ لوزراء خارجية الدول الواقعة في الخليج بما فيها إيران والعراق لبحث فكرة الوحدة الأمنية ضد أية تهديدات خارجية، إلا أنّ تلك الدول لم ترَ ضرورة ملحة للوحدة (2).

رابعًا، في عام 1979 طرحت عُمان مجددًا فكرة التعاون الأمني العسكري بالتركيز على قضية الملاحة والتجارة عبر مضيق هرمز ضد أية تهديدات، واقترحت أن يتم ذلك بالتعاون مع قوى عظمى لها قدرات عسكرية وخبرة في التأمين. والذي حدث أنّ عددًا من دول الخليج تحفظت على الفكرة، وأبرزها المملكة العربية السعودية التي كانت ترفض أي دورٍ أمريكي في المنطقة، مما يبدو أنه رد فعل على اتفاقية كامب ديفيد (3). وهكذا ذهب الاقتراح أدراج الرياح.

خامسًا، بعد غزو العراق للكويت، ثم تحريرها اجتمع القادة في قمة الكويت عام 1991، وهنا طرح السلطان قابوس بحماسة شديدة فكرة "الجيش الخليجي الموحد" يكون قوامه مائة ألف جندي خليجي، لصدّ أي عدوان وتهديد لأمن الخليج كما حدث من العراق ضد الكويت والسعودية। وقدّم السلطان قابوس ورئيس الأركان العسكرية مشروعًا مفصلا متكاملا، إلا أنّ دول الخليج تحفظت واحدة بعد الأخرى ووأدت فكرة السلطان بدعوى إحالة الموضوع "للدراسة" (4)। وبعد سنوات تم تعزيز قوات درع الجزيرة التي كانت موجودة منذ الثمانينيات ولكن بشكل ضئيل.

كانت هذه إشارات للرغبة العمانية المتواصلة في إنشاء وحدة خليجية عسكرية أمنية، ليس فقط لحماية عُمان بل كامل الخليج، بل إن فكرة الجيش الموحد جاءت في وقتٍ لم تكن عمان فيه مهددة بل الكويت والسعودية. فنتمنى على إخوتنا في الخليج أن يتذكروا التاريخ ويقرؤوه جيدًا قبل قذف التهم بين الأشقاء.

وأخيرًا، فإن ما ذكرته آنفًا ليس دفاعًا عن الموقف الرسمي للسلطنة (والذي لم تُعلن أسبابه أساسًا)، ولكن دفاعًا عن التاريخ ضد أي تزوير، ولو كان هذا الكلام قيل عن أية دولة خليجية أخرى لكتبت الشيء نفسه. جلّ ما نريده هو أن نتحاور بهدوء كي يكون بيننا اختلاف لا خلاف، فهكذا يُبنى الاتحاد، ولا يُبنى على التشكيك لمجرد اختلاف في وجهة نظر.

المراجع
1- انظر: ابراهيم نوار، "السياسة الخارجية العمانية من العزلة إلى دبلوماسية الوساطة":
http://digital.ahram.org.eg/articles.aspx?Serial=217392&eid=13
2- انظر: John Reese and Joseph Englehardt, ‘Toward Collective Security in the Gulf: An Evolving United States Role in Support of the GCC States.
http://www.dtic.mil/dtic/tr/fulltext/u2/a236050.pdf
3- المصدر السابق.
4- انظر: ابراهيم نوار (مصدر سابق)، "ترتيبات الأمن في منطقة الخليج العربي بعد تحرير الكويت" من موسوعة "مقاتل في الصحراء":
http://www.moqatel.com/openshare/Behoth/IraqKwit/30/sec06.doc_cvt.htm
وانظر أيضًا: ظافر العجمي "تفكيك درع الجزيرة: نهاية حلم الأمن الجماعي الخليجي":
http://gulfsecurity.blogspot.co.uk/2007/09/blog-post_17.html
وانظر أيضًا: Mohammed al-Rumaihi “The Gulf Monarchies: Testing Time”
http://www.meforum.org/422/the-gulf-monarchies-testing-time

الأحد، 13 مايو 2012

الخادمة موظفة أم..؟


من المتعارف عليه في أخلاقيات العمل أنّ للموظف الذي يعمل لديك حقوقًا عليك، مثلما عليه واجبات تجاهك. وإنْ كان الهدف الأساسي لربّ العمل هو تحقيق الحدّ الأقصى من الفائدة من الموظف، فإنّ من حقّ هذا الموظف أيضًا أن تضمنَ له التطور في إمكانياته، لا رفع مخصصاته فحسب. فإذا جئتَ بمنسّق أو سكرتير، وعمل لديك خمسة أعوام ثم خرج من عندك وإمكانياته لا تؤهله إلا أن يعمل سكرتيرًا في مكانٍ مشابه، فأنت قد قصّرت في حقه.

قد يكون هذا المفهوم مفعّلا في سوق العمل (وفي بعض الأحيان في القطاع الخاص أكثر من الحكومي) إلا أنه غائب تمامًا في المنزل؛ فالغالبية العظمى منا (إن لم نكن جميعنا) لا تنظر إلى الخادمة أو العاملة على أنها موظفة. صحيحٌ أننا نوفر لها المسكن، والغذاء، والعلاج، وتذاكر السفر، وأحيانًا بعض الترفيه، إضافة إلى الراتب الشهري، ولكنّ هذه الخادمة مهما قضت مع مخدوميها من سنين، وإن وصلت 15 سنة، فإنها تعود إلى بلادها بالنقود التي ادّخرتها لا غير، وليس لها إلا أن تبحث عن مخدومٍ آخر. في هذا السياق، هل الخادمة أقرب إلى الموظفة..أم العبدة؟

في تقديري أننا نستقدمُ عبيدًا لا موظفين، نبحث عن العمالة التي تقبل بأي شي وأقل شيء، والتي لا تعرف ولا تستطيع أن تطالب بحقوق لا نريد نحن أن نوفرها। لذلك نحن نستقدم الخادمات من البلاد الفقيرة، ولا نفكر مجرد التفكير في البحث في دول شرق أوروبا مثلا। الخادمة التي نعطيها خمسين ريالا في الشهر، ولا يوجد تحديد واضح لساعات عملها الذي يبدأ في الفجر ولا ينتهي إلا قرب منتصف الليل، والتي لا نقبل بحالٍ من الأحوال أن تجلس معنا على المائدة لتناول الغداء أو العشاء، والتي يمنعها مخدومها من السفر إلى أهلها في إجازة قصيرة إلا بعد سنواتٍ طوال، والتي تنهرها ربّة البيت ليل نهار، ويتحرش بها "شباب البيت" إلا من رحم الله، والتي لا يُسمح لها حتى بتلفازٍ في غرفتها—هذه الخادمة ليست موظفة، بل عبدة।

تُرى هل فكّر أحدنا أن يساعد خادمته على تطوير قدراتها؟ على انتشال نفسها من الخدمة في البيوت إلى وظيفةٍ أفضل؟ هل فكّر أحدنا يومًا أن يوفر لها شيئا من التعليم؟ ربما دورة في لغةٍ أجنبية (غير العربية المكسرة طبعًا) أو دورة في تعليم الخياطة أو أي صنعةٍ أخرى يمكن للخادمة أن تتكسب منها بعد انقضاء خدمتها؟ أمّ أنّ ما نريده نحن هو أن تظلّ خادمة طوال عمرها؟

إن روح الإسلام لا تدعو فقط إلى إزاحة العبودية بمفهومها الحرفي، بل إلى تحقيق حرية الإنسان بمعناها الواسع، والتي يدخل من ضمنها حق التنمية الذاتية. وإن كنا نسعى إلى التمسك بهذه الروح، فلنفكر قليلا في إتاحة الفرصة للخدم أن يطوروا من أنفسهم، حتى لا يكونوا عبيدًا. 

الثلاثاء، 20 مارس 2012

ضعف انتشار الكتاب العماني: رأي في المشكلة واقتراح للحل


في حوارٍ قصير على "التويتر" أشار الناقد السعوديّ (محمد العبّاس) إلى أنّ "عُمان تمتلك منتجها الثقافي اللافت، ولكن لديكم مشكلة في تصدير المنتج وتسويقه"، وأقرَّه على ذلك أكثر من شخصٍ عماني بينهم كاتب هذه السطور، فكان أن أثار ذلك الحوار بعض الأفكار التي أطرحها في هذا المقام. والسؤال الأساسي الذي تنطلق منه المناقشة هو: لماذا لا يحقق الكتاب العماني انتشارًا وحضورًا بارزًا على المستوى الخليجي أو العربي؟

يرى البعض أنّ أحد أسباب ذلك هو قلة المؤلفين والكتب العمانية مقارنة بالدول الأخرى، خاصة تلك التي تصدر عن كبريات دور النشر العربية. وهذه الملاحظة صائبة في تفسيرها للوضع خلال العقود الماضية، إلا أنّ الأمر قد تغير كثيرًا في السنين الأخيرة، فمعرض الكتاب الفائت خير شاهدٍ على وفرة الإصدارات العمانية الجديدة في عدة مجالات وعن مختلف دور النشر في العالم العربي. وبعد أن كان أغلب المؤلفين العمانيين يطبعون كتبهم بأنفسهم، توجد الآن عدّة قنواتٍ لنشر الكتاب العماني في داخل عُمان كإصدارات وزارة التراث والثقافة، أو عبر دورٍ عربية كبرى كمشروع البرنامج الوطني لدعم الكتاب، والجمعية العمانية للكتاب والأدباء، ومشروع أقاصي، وحتى المبادرات الشخصية من بعض المواقع الإلكترونية العمانية مثل سبلة عمان ومجلة الفلق ومدوّنة ساعي البريد.

ويرى البعض أيضًا أنّ أحد الأسباب هو غياب دار نشرٍ عمانية تقترب في مستواها من دور النشر العربية الكبيرة من حيث إقبال المؤلفين، وتنوّع الإصدارات، ومستوى التوزيع، وجودة الإخراج، الخ. يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أنّ وجود مثل هذه الدار سوف يسوّق اسم الثقافة العمانية وبالتالي المثقف العماني وإصداراته. وبرغم ما في هذا الرأي من صواب، إلا أنّ وجود الدار ليس عاملا حاسمًا أو ذا تأثير كبير؛ فكبار الكتّاب الخليجيين المعروفين الآن على المستوى العربي لم يذع صيتهم من خلال دور نشرٍ في بلادهم. في الواقع لم توجد دور نشرٍ خليجية بارزة إلا منذ عهدٍ قريب فقط (كالعبيكان في السعودية ومدارك في الإمارات والدوسري في البحرين).

وهناك من يرى أنّ المؤلف العماني يفتقر إلى الثقة بنفسه وبقدرته على المنافسة، وهذا رأيٌ لا يستند على دليلٍ موضوعي، ولا يكاد يتكئ إلا على التواضع المعهود لدى "الشعب" العماني. كما أنّ فاقد الثقة لا ينشر إصداراته عن دور نشرٍ كبرى (مثل دار الآداب، ومركز دراسات الوحدة العربية، والجمل، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، ومؤسسة الانتشار العربي، وغيرها). إنّ المشكلة الحقيقية لا تبدو في نقص المؤلفين أو الإصدارات أو الثقة، ولا غياب دار النشر العمانية، فهذه قد يُنظر إليها على أنها تمثلات للمشكلة وليست أسبابها. ما أقترحه هنا كتشخيصٍ للمشكلة هو غياب "صِناعة الكتاب"، والمقصود بهذا المصطلح وجود منهجٍ واضح ومدروس لإنتاج الكتاب العماني الناجح وتسويقه.

رأي في الحل
فيما يلي بعض الملامح التي يمكن أن يتصف بها منهج "صناعة الكتاب".

أولا: صناعة مشاريع الكتب. إنّ للناشر دورًا هامًا لا يُلتفت إليه عادة في تأريخ الكتابة والنشر، ألا وهو انتقاء أفكارٍ للكتب أو "اختراعها"؛ فالناشر الناجح لا يكتفي بانتظار ما يجود به الكتّاب من مخطوطات، وإنما هو الذي يقترح عليهم أفكارًا مميزة للتأليف. الكاتب يُتقن صَنعة الكتابة والتأليف، بينما الناشر هو الأقرب إلى سوق الكتاب وذائقة القرّاء ومعرفة الفجوة التي يُمكن سدّها بكتابٍ جيد. يحدث هذا دائمًا في دور النشر الغربية، حيث يدرس الناشر سوقًا محددة في مجالٍ محدد ويستنتج المؤلفات التي ستلقى قبولا في تلك السوق، فيقوم باستكتاب كاتبٍ ما لإنجاز الكتاب. دار النشر ليست مؤسسة ثقافية خيرية وإنما شركة تجارية، وعلى الناشر أن يسعى إلى توفير الإصدارات التي تحقق الأرباح. يذكر موقع النادي الثقافي أنّ البرنامج الوطني لدعم الكتاب يطرح "فكرة الاستكتاب في محاور معينة ذات أهمية قصوى أو ندرة في التأليف، حتى يسهم البرنامج في سدّ حاجة معرفية تتسم بالضرورة البالغة"، ولعلنا نذكر إعلان البرنامج قبل حوالي عامين عن رغبته في استكتاب مؤلفين لإنجازٍ كتب للجيب. لا يذكر الموقع ما حدث لمشروع الاستكتاب هذا، وإذا كانت الكتب التي صدرت عن البرنامج هي نتيجة الاستكتاب فيجب إعادة النظر في مواضيعها تماشيًا مع النقطة الثالثة المبينة أدناه، وإن لم يصدر شيء من الاستكتاب حتى الآن فيمكن التخطيط لمشاريع كتبٍ ناجحة يُستكتب من أجلها الكتّاب العمانيون، أدباء كانوا أو باحثين أو صحفيين. ولا بد لمن يتصدى لهذا الأمر أن يعرف سوق الكتب جيدًا في الدول العربية حتى يختار ما يناسب وما يحقق الربح و/أو الانتشار. ولا بدّ له من أن يجيد اقتناص الفرص التأليفية كإقناع شخصيات عامة بتأليف كتب. مثلا، يُمكن لشخصيةٍ سياسية كمعالي يوسف بن علوي أن يكتب كتابًا سياسيًا ناجحًا، ويُمكن لشخصيةٍ رياضية مثل علي الحبسي أن يكتب في المستقبل سيرة شائقة، ويمكن للأديب أحمد الفلاحي أن يكتب ذكرياتٍ مثيرة للاهتمام عن مثقفي الخليج في الستينيات والسبعينيات، هذا بالإضافة إلى العديد من الباحثين والأكاديميين العمانيين الذين يمكنهم تأليف كتبٍ من وحي تخصصاتهم للقارئ العام. وفي حال تبنى البرنامج الوطني لدعم الكتاب سياسة صارمة "نخبوية" في اختيار مواضيع الكتب نظرًا لطبيعته الرسمية، يُمكن تعزيز المشروع بجهةٍ خاصة.

ثانيًا: صِناعة المؤلف. الكتابة في واقع الأمر حتى الأدبية منها لا تعتمد كليًا على "الوحي" و "الإلهام"، وإنما على مهارات "الصَنعة". هناك الآن عشرات الكتب والدورات التدريبية في هذا المجال، ويُمكن الاستفادة منها في تأهيل جيلٍ من الكتّاب المتمكنين من صنعتهم. وهذا لا يلغي بالتأكيد ضرورة وجود مَلَكة الكتابة، إلا أنّ الكاتب المحترف بحاجة إلى مهارات إضافية في أساليب الكتابة وطرق البحث وإدارة الوقت، الخ.

ثالثًا: استهداف القارئ العربي. المتتبع للإصدارات العمانية (غير الأدبية) يُلاحظ انحصار أغلبها على المواضيع المتعلقة بعُمان في شتى المجالات، ولذلك فقارئها يكون في العادة عُمانيًا أو مهتمًا بالشأن العماني. ويجدر القول إنّ هذه ظاهرة تنسحب أيضًا على الترجمة(1). وفي القائمة التي توردها مدوّنة "أكثر من حياة" للكتب العمانية (غالبًا الصادرة عن دور نشر عربية) يتبيّن أنّ هناك ثلاثة كتب فقط لا تتعلق بعمان من الكتب (غير الأدبية) العديدة التي صدرت في نهاية 2011/بداية 2012(2). في حقيقة الأمر هذه ظاهرة تستحق إفراد دراسة مطوّلة مستقلة للوقوف على العوامل التي تدفع العمانيين إلى حصر أنفسهم في التأليف أو الترجمة فيما يتعلق بعمان فقط، إلا فيما ندر. وهكذا فإنّ انتشار الكتاب والكاتب العماني سيتطلب في المرحلة المقبلة توجيه الجهد نحو التأليف في مواضيع ثقافية وفكرية عامة تهمّ القراء في كل مكان(3).

رابعًا: استغلال الكتب العمانية التي أثبتت نجاحها في الخارج. كتاب "عين وجناح" لمحمد الحارثي فاز بجائزة ابن بطوطة للرحلة عام 2003، ومجموعة "الأشياء أقرب مما تبدو في المرآة" لسليمان المعمري فازت بجائزة يوسف إدريس للقصة القصيرة عام 2007، ورواية "الأشياء ليست في أماكنها" لهدى الجهوري فازت بجائزة الرواية في مسابقة الشارقة للإبداع العربي عام 2008، ومسرحية "ما حدث بعد ذلك" لهلال البادي فازت بجائزة الهيئة العربية للمسرح عام 2009، وروايتا "تبكي الأرض يضحك زحل" و"سيدات القمر" لعبدالعزيز الفارسي وجوخة الحارثي تأهلتا لجوائز روائية عربية رفيعة المستوى. هذه فرصٌ ذهبية لم تُستغل كما يجب، فكان يمكن للمؤسسات الثقافية العمانية اقتناء نسخ هذه الكتب ثم إصدار طبعةٍ جديدة عن دورٍ معروفة تحمل على غلافها عبارات تسويقية مثل "فائز بجائزة ابن بطوطة" أو "الرواية الفائزة بجائزة الشارقة" الخ، وكان ذلك كفيلا بزيادة مبيعاتها. ولم يكن اختيار المؤسسة الثقافية صائبًا حين أصدرت طبعة جديدة من رواية هدى الجهوري لا تحمل إشارة على الغلاف إلى فوز الرواية، ولم تصدر عن دار الساقي أو الآداب مثلا وإنما عن "كتاب نزوى" الذي يشتكي العمانيون أساسًا من سوء توزيعه في عمان نفسها.

خامسًا: الترويج للكتاب والكاتب العماني محليًا. ولا يُقصد من ذلك مجرد توفير نسخٍ من الكتاب العماني في المكتبات العامة والتجارية-فتلك مرحلة مبدئية يجب تجاوزها سريعًا- بل إبراز المُنتَج الثقافي العماني الجيد وتحبيب القرّاء فيه، وهو أمرٌ شديد الأهمية. في حواراتٍ مع طلاب في مؤسسات التعليم العالي في عُمان، وفي نقاشاتٍ عبر الإنترنت، ترددت جملة "ما أقرا للكتّاب العمانيين"، وذلك إما عن عدم معرفة بهم، أو إشارة إلى "الترفع" عنهم. وفي مقالٍ حول الكتاب العماني يستشهد (د. زكريا المحرمي) بدراسةٍ أجرتها باحثة في عُمان أظهرت أنّ "16% من فتيات المرحلة الثانوية لا يحبذن اقتناء الكتاب العماني! وأنّ 34% [من عينة البحث] يعتبرون عنوان الكتاب العماني غير جذاب، وهذه النسبة تتضاعف عند طالبات المرحلة الثانوية إلى 50%، و 41% غير راضين عن تصميم الكتاب العماني..."(4). هذه المؤشرات على محدوديتها تمثل حالة سلبية خطيرة. ليس شرطًا بطبيعة الحال لبدء نجاح الكاتب أن يكون مقدرًا في بلده، بيد أنّ هذا التقدير خطوة هامة لتسويقه بصورةٍ أسرع، كما أنّ الكاتب يحتاج إلى تشجيعٍ من محيطه القريب كي يزداد عطاؤه. عند تصفّح المنتديات الثقافية السعودية أو الكويتية (أو حتى حسابات التويتر) يُلاحظ المرء إشاراتٍ إيجابية كثيرة ومتكررة إلى كتبٍ سعودية وكويتية، سواء على مستوى النخبة أو العامة، مما يشجّع على تصفح تلك الكتب على أقل تقدير. ليس المطلوب اتباع شوفينية لتمجيد الإصدارات العمانية لمجرد كونها عمانية، وإنما المطلوب انتقاء الجيد وإبرازه بما يستحق.

سادسًا: ترويج الكتاب خارجيًا. والمسؤولية هنا تقع بطبيعة الحال على الناشر الذي يُفترض به أن يروّج "سلعته" جيدًا، إلا أنّ المؤلفين أنفسهم أو المؤسسة الرسمية (كالنادي الثقافي) يُمكن أن تتعاون مع الناشر. أما تحديد الطُرق الأنجع لترويج الكتاب فيعتمد على دراسة أنماط "الاستهلاك" في سوق الكتب. تفتقر الدول العربية إلى مثل هذه الدراسات، ولكن يمكن الاستشهاد بدراسةٍ غربية هنا للتمثيل لا أكثر، وهي دراسة أعدّها موقع "Book Facts Online" عام 2006، وتبيّن من خلالها أنّ دوافع شراء الكتب في بريطانيا ليست في الحقيقة كما نتصور؛ إذ جرى الاعتقاد بأنّ عروض الكتب في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية وترشيحات الكتب لها الدور الأكبر في حثّ القارئ على اقتناء الكتاب. أظهرت الدراسة أنّ النسبة الأعلى كانت لتوفر الكتاب في المكتبات (35%) وبعد ذلك اسم المؤلف (14%) ثم وجود معلومات تخصصية في الكتاب (13%)، في حين حققت ترشيحات الكتب (10%)، ولم يصل تأثير عروض الكتب في المجلات والصحف أكثر من (4%) وذِكر الكتب في التلفاز والإذاعة (1%)(5).

تلك أمثلة لأبرز القواعد التي يمكن أن تستند عليها الاستراتيجية الوطنية لصناعة الكتاب العماني، والأمرُ ولا شكّ يتطلب نقاشًا جادًا هادفًا بين جميع الأطراف ذات العلاقة من مسؤولين وكتّاب وناشرين وخبراء تسويق وباحثين. وأخيرًا، فإن هذا المقال لا يسعى إلى إنكار ما يُبذل من جهود طيبة لدعم الكتاب العماني كان آخرها إطلاق جائزة السلطان قابوس للثقافة والفنون والآداب، وإنما يهدف إلى تشجيعها والبناء عليها وتعزيزها بأفكار جديدة.

الإحالات
1- زكريا المحرمي (2008) "هموم الكتاب العماني"، منشور على موقعه الإلكتروني: http://www.drzak.net/index/?p=47
2- الغالبية العظمى من الكتب المترجمة (غير الأدبية) التي أنجزها عمانيون تتعلق بعمان، باستثناء كتاب "ملاحظات في السينماتوغرافيا" بترجمة عبدالله حبيب، و "إعلام جديد..سياسة جديدة" بترجمة عبدالله الكندي. للاستزادة انظر: أحمد حسن المعيني (2010) "الترجمة في عصر النهضة العمانية" في كتاب "وفاء الكلمة"، عن لجنة معرض مسقط للكتاب.
3- كتاب "تحليقات طفولية في فضاء الكتابة الإبداعية: دراسة تحليلية وفنية لقصص الأطفال" لليلى البلوشي، وكتاب "مساجلات نقدية" لعبدالله العليان، وكتاب "ثقافة الطفل بين الهوية والعولمة" لعزيزة الطائي. هذا الإحصاء غير دقيق بالطبع، ولكنه يبقى مؤشرًا.
4- من الأمثلة على ذلك: "مساءلات سينمائية" لعبدالله حبيب، و "دراسات في الاستعارة المفهومية" لعبدالله الحراصي، و"نافذة على القصة القصيرة الفارسية الحديثة" ترجمة وإعداد د. إحسان صادق اللواتي، و "المعنى خارج النص" للدكتورة فاطمة الشيدي، و "الاستشراق بين الإنصاف والإجحاف" لعبدالله العليان.
5- Giles Clark and Angus Phillips (2008) Inside Book Publishing, London: Routledge, p. 169.

الأحد، 16 يناير 2011

كلمات حول برنامج "كتاب أعجبني"

كلمات حول برنامج "كتاب أعجبني"

رسالة
عزيزي القارئ، حين يأتيك شخصٌ ما كل يوم وينصحك بكتابٍ مفيدٍ أو جميل لتقرأه، فتلك نعمة تستحق الشكر، صدّقني!
إنّ النصيحة الجاهزة التي نقدّمها دومًا للطلاب والناشئة حينما يريدون تطويرعقولهم هي أن نوصيهم بالقراءة، ولكننا لا نعي أنّ هذه النصيحة قد أصبحت مُستهلكة جدًا ولا تحوي قيمة كبيرة من حيث التوجيه الحقيقي؛ فالجميع يحفظ الآن بيت المتنبي الشهير وشعارات "أمة إقرأ" وما إلى ذلك، في حين ما يحتاجون إليه حقًا هو النصح بكيفية القراءة، واختيار الكتب. عندما سُئل الفيلسوف العظيم (أرسطو) كيف يحكم على إنسانٍ ما، قال بأنه يسأله "كم كتابا يقرأ وماذا يقرأ"، إلا أن أرسطو لم يخبرنا كيف نختار الكتب، وقد أصبح جليًا الآن أن الشقّ الأول من الجواب غير مفيد، فالعبرة بكيفية القراءة لا بكثرتها. وفي هذا الزمان مع وجود بلايين الكتب في كل علم وفن، وحين أصبح كل من يدفع بعض مئات الريالات قادرًا على نشر كتاب، يزداد اختيار القراءات صعوبة؛ فليس لدى الجميع مهارة انتقاء الكتب، وحتى أولئك القارئين المهرة تصيبهم في بعض الأحيان حيرة تحتاج إلى نصيحةٍ وتشجيع. وهنا تظهر قيمة برنامج مثل "كتاب أعجبني" الذي يعدّه ويقدّمه يوميًا (سليمان المعمري) في إذاعة سلطنة عمان. في هذا المقال سنتعرض إلى أهمّ ملامح هذه التجربة، ثم سنقترح بعض الأفكار التي قد يستفيد منها البرنامج مستقبلا.

إن الملمح الأول الذي تتصف به سياسةُ هذا البرنامج مأخوذ من اسم البرنامج نفسه؛ فالكتب التي سيتم الحديث عنها ليست كتبًا أعجبت (سليمان المعمري) أو المخرج (حمد الحبسي)، بل الضيوف أنفسهم. هناك عددٌ من البرامج العربية والعالمية التي تحتفي بالكتب والقراءة، وهي برامج ثرية مفيدة، إلا أنّ ما يميّز برنامج "كتاب أعجبني" هو ترك حرية اختيار الكتاب للضيف، ففي النوع الأول تتحكم ذائقة المعدّ واطّلاعه في عناوين الكتب التي يتم تناولها، في حين يأتي ضيوف (سليمان المعمري) بقراءاتهم المختلفة، متحمسين للحديث عن كتابٍ قرؤوه ويودّون-هم- الحديث عنه. ولذلك فإن المستمعَ ليس وحده المتلقي والمستفيد، بل كذلك مقدّم البرنامج الذي ربما يتعرف إلى كتابٍ جديدٍ لا يعرفه أو لم يقرأه، كما أنه قد يجد نفسه يتحاور حول كتاب لم يعجبه أساسًا، ولكنه ربما يعجب المستمعين.

و أما الملمح الثاني الذي نودّ التركيز عليه فهو الجهد والإتقان البارزان في حوارات (سليمان المعمري). ذات مرة في لقاءٍ تلفزيوني مع الإعلامي المعروف (أحمد منصور) سُئل عن سبب براعته في إجراء الحوارات، فقال "بزاكر كويّس". وعندما تستمع إلى حلقةٍ من حلقات "كتاب أعجبني" تدرك أنّ (المعمري) قد "ذاكرَ جيدًا" هو الآخر، فهو لا يكتفي باستضافة قارئ ما والاستماع إلى استعراضه للكتاب، بل يقرأ ويبحث فيما يتعلق بالكتاب ومؤلفه، وقد يتفاجأ الضيف بأنّ (المعمري) يعرف معلوماتٍ لا يعرفها هو. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ هذا الأمر يشكّل تحديًا كبيرًا على الإعلاميّ في أن يتحكّم في نفسه ويقاوم الإغراء الطاغي في فتل العضلات وإقحام المعلومات. والحق يُقال أنّ (المعمري) نجح في هذا التحدي إلى حدٍ كبير، ومع أنه يستطيع أن يطرح المزيد من الأسئلة ويناقش ويردّ، إلا أنه يعي تمامًا أنّ وقت البرنامج لا يسمح بذلك. وما دمنا بصدد الحديث عن الإعلاميين، نودّ الإشارة إلى أنّهم عادة ما يصنعون لأنفسهم "ماركة مسجلة"، أي حركة جسدية أو طريقة جلوس أو جملة يشتهرون بها، وقد استطاع (سليمان المعمري) أن يدغدغ المستمعين كل يوم بجملته الجميلة "أعزاءنا..أهلا بكم" فأصبحت فاتحة جميلة لحواراته يشعر معها المستمع بنوعٍ من الألفة.

من جانبٍ آخر، عندما نقول بأن البرنامج هو "كتاب أعجبني" وليس "كتاب أعجبهم" فذلك يعني أنه لا داعي ولا معنى أن ينحصر البرنامج في دائرةٍ معينة من "المعجبين بالكتب". بيد أنّ المتابع للبرنامج من حلقاته الأولى وحتى الآن (الحلقة 107) يكتشف أن الضيوف ينحصرون في دائرة نخبوية نوعًا ما (كتّاب/أدباء/باحثين/أكاديميين/إعلاميين) مع استثناءات قليلة جدًا. قد يكون السبب الأول في ذلك هو أنّ معدّ البرنامج سيعتمد بطبيعة الحال وبالدرجة الأولى على علاقاته ومعارفه، وبما أنّ (سليمان المعمري) واحدٌ من الأدباء فليس غريبًا أن تتركز علاقاته بأوساط النخبة الثقافية. وقد يكون السبب أيضًا في أنّ هؤلاء هم من يتحدثون عادة عن قراءاتهم في الصحف والمجلات، ومن المنطقي جدًا أن يتواصل معهم (المعمري) للحديث عن قراءاتهم. ما يهمنا هنا هو سبب ثالث ضمني ربما يعمل في اللاوعي الجمعي، متمثلا في الصورة النمطية الشائعة التي تحصر القراءة وعشق الكتب في الكتّاب والأدباء والباحثين، وكأنّ السياسيين و الأطباء والمحاسبين والرياضيين والفنانين وغيرهم لا يقرؤون، أو على الأقل ليسوا "قراء نوعيين" بحسب تعبير مخرج البرنامج. لستُ بصدد التهكم أو الشكوى هنا، ولكن كم سيكون الأمر مختلفًا لو استضاف (المعمري) ربة منزل، أو لاعب كرة، أو وزيرًا من الوزراء للحديث عن كتاب أعجبهم! أعتقد أننا بحاجةٍ إلى الخروج بالقراءة من محيط الكتّاب والأدباء، لنؤكد على أنها ليست حكرًا لفئةٍ ما، بل ممارسة شعبية غير نخبوية، وكي نفعل ذلك علينا تقديم أسماء مختلفة من كافة القطاعات، لسحب القراءة من احتكار النخبة لها، ولاجتذاب المستمعين إلى شخصيات يعرفونها أو يحبونها، بدلا من التركيز على مجموعةٍ معينة يجب أن نعترف بأنها لا تصل إلى غالبية الناس. ألم تكن استضافة طالبة جامعية (في الحلقة 56) و تلميذة في الإعدادية (الحلقة 69) تجربة لافتة للانتباه، لقيت صدى واسعًا؟

وأما الملاحظة الأخيرة في هذا المقام فتتعلق بالصورة المثالية التي تُقدَّم للقارئ عن الكتب المستعرضة في البرنامج. لا شكّ في أنّ ضيوف البرنامج معجبون بتلك الكتب ويعتقدون أنها تستحق القراءة وأنهم يفعلون خيرًا إذ ينصحون بها، ولكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنهم معجبون بكل شيء فيها، أو أنهم يتفقون مع كل ما جاء فيها. أعتقد أنه من المهم تخصيص دقيقتين مثلا في نهاية الحلقة لانتقاد الكتاب أو تبيان الأمور التي "لم تعجبني فيه"؛ وذلك كي لا يعزّز البرنامج بشكلٍ غير مباشر الوهم الشائع بقدسية الكتب، فالأجيال الناشئة تكاد تصدق كل ما تقرأ، أو تعتقد بأنه لا يحق لها أن تشكك في كلام مطبوع أو في رأي كاتب ما. راقني كثيرًا في الحلقتين (106 و 107) أن طلب (المعمري) من ضيفيه (د. إحسان صادق و عبدالله النهدي) سرد انتقاداتهما لكتابَي "الصور الاستعارية في الشعر العربي الحديث" و "زنجبار: شخصيات وأحداث"، ولم يقلل ذلك من قيمة الكتابين أو إعجاب الضيفين بهما، بل أضفى توازنًا وموضوعية كنتُ أتمنى أن تشمل كل الحلقات.

ختامًا لا بد من توجيه الشكر والتحية إلى (سليمان المعمري) على هذا البرنامج الفريد الرائع، متمنيًا له النجاح في الاستمرار فيه لسنواتٍ قادمة، لا لأشهر فقط. ولعلّي لا أبالغ إن قلتُ بأن البرنامج على بساطته واحدٌ من أفضل البرامج القرائية الموجودة على الساحة. ونقدّم هنا أربعة اقتراحات قد يجد القائمون على البرنامج فائدةً في تنفيذها بغية التطوير:

1- إنّ أهمّ أهداف البرنامج هو حثّ المستمع على قراءة الكتاب، إلا أنّ المستمع قد لا يعرف أين يجده، خاصة مع تواضع مستوى المكتبات العامة والشرائية في السلطنة. أعتقد أنه من المفيد أن يذكر الضيف أو مقدّم البرنامج المكتبات التي يُمكن الحصول على الكتاب منها (وأرجو أن تتغاضى هيئة الإذاعة والتلفزيون عن اعتبار ذلك دعاية للمكتبة). هذا وهناك فكرةٌ أخرى يمكن اقتباسها من جريدة " لندن لاستعراض الكتب
London Review of Books" والتي فتحت مكتبة شرائية تبيع الكتب التي يتم استعراضها في الجريدة، حيث يُمكن وضع الكتب التي تُستعرض في هذا البرنامج أو بعضها لدى جهةٍ ثقافيةٍ ما، كالنادي الثقافي مثلا.
2- من الأهداف التي يجدر التفكير بها تعريف المستمعين بالكتب العمانية، وقد استعرض البرنامج حتى الآن حوالي 18 كتابًا عمانيًا أو عن عُمان. ماذا لو تم تخصيص يومٍ محدد في الأسبوع للكتب العمانية، بحيث يعرف المستمعون أنهم كل خميس (مثلا) على موعدٍ مع كتابٍ عماني؟ بالطبع سيعتمد الأمر على توفّر ضيوفٍ يتحدثون عن كتبٍ عمانية أعجبتهم!
3- لهذا البرنامج وغيره أيضًا قيمة ثقافية حقيقية، وأتصوّر أنّ على هيئة الإذاعة والتلفزيون التفكير جديًا في إنتاج هذه البرامج في أقراصٍ مدمجة لبيعها أو توزيعها.
4- يغيب عن البرنامج حاليًا عامل التفاعل مع الجمهور، وربما يُمكن تجاوز ذلك بتخصيص مساحةٍ على الإنترنت (كالفيس بوك، أو مدوّنة مثلا) يستطيع الجمهور من خلالها التعليق على الحلقات وإبداء الآراء في الكتب التي تعرفوا عليها من خلال البرنامج، أو حتى اقتراح كتبٍ ذات علاقة.


الاثنين، 10 مايو 2010

بين زيف الهوية وقلق المستقبل: عرض كتاب "مسألة الهوية"



رحل (محمد عابد الجابري)!
وهكذا خسرنا واحدًا من ألمع المفكرين العرب وأكثرهم ممارسة وإنتاجًا للفكر العقلاني والمنهجية البحثية الرصينة، ذلك المفكر صاحب السلسلة المهمة الشهيرة "نقد العقل العربي" وغير ذلك من الدراسات الكثيرة في التراث الإسلامي وفلسفة ابن رشد والفكر العربي والإسلامي المعاصر. من يقرأ للجابري يعرف أنه بصحبة رجلٍ يُتقن ترويض الفكرة والجملة، يقدّم لك أعتى الأفكار وأكثرها عمقًا في جملٍ بسيطةٍ واضحة. أعترف للقارئ الكريم بأنّ هذا المقال لا يرقى –كمًا ونوعًا- للحديث عن مفكر حقيقي مثل الجابري، ولكن ما أصبو إليه في حقيقة الأمر هو تقديم جانبٍ آخر من كتابات الجابري. المثقفون وأفراد النخبة من الوطن العربي يعرفون كتابات الجابري بوصفها إنتاجًا فكريًا فلسفيًا نقديًا ذا محتوى عميقٍ ثقيل بعض الشيء، ولذلك لا تنتشر كتبه كثيرًا بين العامة. بيد أنّ الجابري له بعض الكتب التي كتبها لـ"سلسلة الثقافة القومية" التي أصدرها (مركز دراسات الوحدة العربية)، وهي سلسلة من الكتب الموجّهة أساسًا للقارئ العام غير المتخصص، والشباب الجامعي الذي يحتاج إلى استيعاب القضايا الكبرى المتعلقة بالوطن العربي ككل. هي كتبٌ صغيرة بحجم الجيب، مكتوبة بأسلوبٍ بسيط واضح يسهّل استيعاب الفكرة تناقش قضايا مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والوحدة والهوية والتقانة والتنمية والتعريب والصراع العربي-الإسرائيلي إلى غير ذلك من قضايا الأمة العربية. شخصيًا أرى أنّ كل مكتبةٍ عامةٍ وجامعيةٍ في الوطن العربي ستقدّم خدمة كبيرة للشباب العربي بتوفيرها هذه السلسلة. اليوم نستعرض كتابًا من الكتب الأربعة التي كتبها الدكتور الجابري في هذه السلسلة، وهو كتاب "مسألة الهوية: العروبة والإسلام..والغرب" الصادر في طبعته الأولى عام 1995 وفي طبعته الثالثة التي بين يديّ عام 2006 في 197 صفحة.

يحتوي الكتاب على مدخلٍ وثلاثة أقسام يتضمن كل منها مباحث قصيرة في موضوع معين. أما المدخل فهو تقديم مميز وضروري للوقوف على أهداف الكتاب ومبررات البحث في مواضيعه. ويبدأ الجابري بالسؤال "ما العربي؟" فيبيّن أن هُوية العربي ليست واحدة، بل هي صورة تتحدد بحسب وعي الشخص والموضع الذي يرى تلك الصورة فيه، فالأوروبي الذي تتشكل معرفته من وسائل الإعلام الغربي يربط العربي بالنفط والإرهاب والعمالة المهاجرة، في حين ينظر العربي المقيم في الغرب للعمل أو الهجرة أو اللجوء السياسي إلى "العربي" بوصفه شخصًا مضطهدًا، أما العربي المشرقي فقد يعرّفه بأنه جزء من الأمة العربية التي تسبب الغرب وإسرائيل في تقسيمها وإضعافها، وأما العربي المغربي فقد يعتبر العربي مسلمًا يستغله الأوروبيون المسيحيون ويحاربونه في دينه. وبعد التحليل يتوصل الجابري إلى أنّ العربي هو أن يكون الإنسان "عروبيا" أي مهتمًا بالوحدة العربية وقضاياها ومستقبلها.

في القسم الأول من الكتاب يعرض المؤلف المشكلة الموجودة في الفكر العربي وهي تلك الأصوات التي تضع في إطروحاتها عن الهوية ثنائية العروبة/الإسلام بحيث يبدو أحدهما في مواجهة الآخر، وأنه يجب اختيار أحدهما ليكون المحدد الأساسي لهويتنا. ولا ينكر الجابري أن هناك أطروحات معتدلة تبرز التكامل بين الاثنين ونفي تناقضهما، من قبيل "العرب مادة الإسلام"، إلا أن ذلك في رأي الجابري لا يصل إلى عمق المسألة بل في الحقيقة ينحاز إلى العروبة ويمنحها الأولوية على الإسلام. ويناقش المؤلف إطروحات القائلين بعروبة الإسلام والأطروحات المضادة القائلة بعدم عروبته رغم عروبة القرآن والرسول، ويتبين أن هناك طرفًا يقدّم القومية، وطرفًا يقدّم الدين، وبأن ثنائية العروبة/الإسلام لا يمكن إيجاد حل وسط لها بسبب تكافؤ أدلة الطرفين. ولكن القضية الأساسية في رأي الجابري لا يجب أن تكون ترجيح طرف على طرف، بل إعادة النظر في جميع الآراء ومساءلتها.

بعد ذلك ينفذ الجابري إلى أصل المشكلة بقوله إن سوء التفاهم الحادث بين أصحاب الأطروحتين هو في حقيقته نتيجة لاختلاف المرجعية المعرفية لدى كل طرف؛ فأصبح كل منهما يرى العروبة والإسلام بشكل مختلف. في المرجعية التراثية يتحدد مفهوم "العربي" بالتعاريف اللغوية القديمة التي تجعل فصاحة اللسان هي المحدد للعروبة، وبالنسب التاريخي، وهكذا فإن من يفكر في مفهوم "العربي" من هذه المرجعية لا يستحضر "الإسلام" بالضرورة، فالإسلام شيء آخر أتى محلّ العروبة (الإسلام يجبّ ما قبله). والإسلام في هذه المرجعية دينٌ لا يمكن أن يوضع في ثنائية مقابل العروبة، لأن ما يوضع مقابل الإسلام لا بد أن يكون دينًا أو فلسفة منافسة. أما في المرجعية النهضوية في المشرق العربي فمفهوم "العربي" مرتبط بالعلاقة مع الآخر: التركي الذي يهدد العروبة بسياسة التتريك، والمستعمر الإمبريالي المسيحي الذي يهدد الإسلام، وهكذا لم يكن هناك تضاد بين العروبة والإسلام وإنما اجتهاد في تقرير أيهما يجب الذود عنه أولا. أما في المغرب العربي فكان الآخر واحدًا هو المستعمر الأوروبي المسيحي الذي يهدد الإسلام بعمليات التنصير والعروبة بتفريق البربر عن العرب، فأصبحت العروبة والإسلام شيئا واحدًا هو الهوية الوطنية التي يجب الحفاظ عليها. والإسلام تبعًا لهذه المرجعية يتخذ ثلاثة أشكال: الإسلام كنموذج مثالي، والإسلام التاريخي كما مارسه السلف، والحضارة الإسلامية، وجميع هذه الأشكال لا تصلح حقيقة لأن توضع في تقابل وتضاد مع العروبة. وبذلك يخلص الجابري إلى أن ثنائية العروبة/الإسلام لم تكن سوى قضية سياسية زالت وأصبحت الآن "قضية أيديولوجية مزيفة" (ص50)، وإذن لا معنى أبدًا لأن يُوضع الاختيار بين العروبة والإسلام.

وفي المباحث التالية يناقش الجابري أطروحات القومية والوحدة العربية مستنتجًا أنّ الدولة القطرية (المجزئة) أصبحت واقعًا دوليًا واجتماعيًا واقتصاديًا ونفسيًا لا يمكن معه الاستمرار في حلم الوحدة العربية الشاملة، كما يؤكد المؤلف على ضرورة ربط الديمقراطية بالفكر القومي، ثم ينقض الأطروحة القائلة بضرورة وجود دولة تكون قاعدة للوحدة العربية تتبعها جميع الدول الأخرى. بيد أنّ الجابري يعود ليؤكد على ضرورة الوحدة الجزئية التي تُبنى على أساس التعاون والتكامل وتحقيق المصالح والحاجات.

أما القسم الثاني فيتحدث عن المستقبل العربي، ويبدأ بتحديد أساسيات التفكير في المستقبل، حيث لا بد أولا من معرفة أن "كل تفكير مستقبلي هو في جزء منه، على الأقل، عبارة عن بناء علاقة جديدة مع ‘الآخر’، أعني الطرف المزاحم في الماضي والحاضر، أحدهما أو كليهما، فضلا عن كونه المنافس في المستقبل" (ص91)، وبأن تفكير العرب في المستقبل يستحضر دومًا صورًا من ماضيهم الحضاري، إلا أنّ هذا الاستحضار لا بد أن يرافقه استحضار لماضي الآخر (إسرائيل والغرب) أيضًا لمعرفة طريقة تفكيره في المستقبل ومزاحمتنا عليه. بعد ذلك يستعرض المؤلف نظرة إسرائيل (اليهود) إلى المستقبل حيث هو بالنسبة إليها مصير جماعي يتحقق بخلاص بني إسرائيل، في حين يعتقد الفكر المسيحي البابوي أن تجسد الإله في شخص عيسى (عليه السلام) بداية لتاريخ جديد ومستقبل جديد للبشرية كلها يتحقق بدولةٍ عالمية ذات سلطة مركزية تحكم جميع البشر. وينبّه المؤلف على أنّ توجه الغرب إلى العلمانية لم يكن في حقيقته سوى إحلالا لـ"الغرب" مكان الكنيسة، حيث إن الفكر الأوروبي الذي عبّر عنه فلاسفته (مثل كانط وهيغل ومونتسيكو) ينظر إلى أوروبا على أنها مركز التاريخ وتمام نضجه وأوج تقدمه (قارن ذلك بمقولة نهاية التاريخ لفوكوياما). ويشير الجابري إلى أنّ "الوعي بالذات-في الثقافة الأوروبية خاصة- إنما يتم عبر ‘الآخر’" (ص127)، وهكذا كان لا بدّ من تحديد هذا الآخر وتفكيكه وإقصائه وتحويله إلى تابع، وهذا ما فعله الاستشراق حين أقصى الشرق جغرافيًا وعرقيًا وعقليًا وحضاريًا.

لذلك يرى الجابري أنّ تفكير العرب في مستقبلهم وعلاقتهم بالآخر يجب أن يستحضر الخلفية الثقافية الدينية للغرب العلماني الذي –في لا وعيه على الأقل- يرى الإسلام ذلك المنافس التاريخي في الماضي، وأكثر المرشحين ليكون عدوًا في المستقبل. بعد ذلك يقول الجابري أن تفكير العرب يجب أن يبتعد عن السذاجة التي تصوّر لهم أن الغرب سيكون حليفًا وصديقًا، فهذا الغرب مهتم بالشرق الأوسط لسببين أولهما الموقع الاستراتيجي "الذي يجعل منه ممرا ضروريا للغرب إلى كل من آسيا وافريقيا يجعل مصلحته الأكيدة في امتلاك هذا الممر، في الهيمنة عليه، في إضعاف أهله، في تشتيت صفوفهم، في تجزئة وطنهم، في منعهم من الأخذ بأسباب القوة والمنعة، في مراقبته لهم مراقبة مستمرة" (ص144)، وثانيهما كونه أكبر مخزون في العالم للنفط الذي يرى الغرب ضرورة استمرار تدفقه إليه لتستمر حضارته، ويرى بأن هذا النفط من حقه لأنه اكتشفه وصنعه، وهكذا يجب أن يحصل عليه دائمًا و"‘بسعر معقول’ للحفاظ على ‘نمط الحياة الغربية’" (ص145).

أما القسم الثالث فيركز على صورة العرب والمسلمين كما تشكلها وسائل الإعلام الغربية، ويرى الجابري أن صورة الإسلام تتشكل في (أو ترتبط بـ) ثلاثة أبعاد هي العرب والهجرة والإرهاب. وهكذا فالإسلام هنا مرتبط بفئة محددة من المسلمين هم تارة العرب وتارة المهاجرين وتارة الإرهابيين. في البعد الأول نلاحظ أن الإعلام الغربي في تصويره للإسلام لا يتحدث عن نيجيريا وإندونيسيا مثلا، بل العرب وإيران، كما لا يتحدث عن المسيحيين والأقليات العرقية والدينية الأخرى. إذن فكما يقول الجابري "ما يجمع بين العرب والإسلام في الصورة التي تقدمها عنهما وسائل الإعلام الغربية هو شيء آخر يقع خارج المعنى الديني لـ‘الإسلام’ والمفهوم العرقي لـ ‘العرب’، شيء يجمع إيران إلى العرب ويفصل عنهما باقي المسلمين. إنه نفط الشرق الأوسط" (ص170). وفي البعد الثاني نلاحظ أن الإعلام الغربي ينظر إلى المهاجرين على أنهم خطر يهدد فرص العمل والهوية من ناحية، وأنهم ضرورة لحل مشكلات العمل والتوازن السكاني من ناحية أخرى. وفي البعد الثالث نلاحظ خطاب الخوف من الإسلام وربطه بالإرهاب رغم أن الإرهاب ظاهرة عالمية لا تُربط أفعالها بديانات مرتكبيها في الحالات الأخرى. وبعد التحليل يخلص المؤلف إلى أن الترابط بين الإسلام من جهة وبين العرب والمهاجرين والإرهاب من جهة هو ارتباط زائف غير مبرر. بعد ذلك يتحدث الجابري عن آليات العقل الأوروبي فيبين أن هذا العقل "لا يعرف الإثبات إلا من خلال النفي، وبالتالي لا يتعرف إلى الأنا إلا عبر الآخر" (ص183)، فالمسيحية تعرفت إلى أناها في القرون الوسطى بوضع الإسلام موضع الآخر الخصم، وفي العصر الحديث وضع الغربُ الشرقَ في مكان الآخر، ثم الاتحاد السوفييتي النقيض الاقتصادي الاجتماعي للغرب. ومن جهةٍ أخرى يوضح الجابري أن العقل الأوروبي يحبّ وضع التصورات أو السيناريوهات للمستقبل ثم يأخذ أرجحها، وهكذا فما إن انهار الاتحاد السوفييتي حتى بحث "صانعو السيناريوهات" عن الآخر العدو المحتمل الجديد، فلم يكن هناك مرشح أكبر من الإسلام لأنه الخصم التاريخي ولاحتواء منطقته على النفط، ولقضايا المهاجرين والإرهاب.

كان ذلك عرضًا سريعًا جدًا لا يغنى عن قراءة الكتاب، وهو كتابٌ شديد المتعة والفائدة رغم أنّ جزءًا مما جاء فيه يُعتبر الآن غير جديد وتحفل به الصحف ووسائل الإعلام العربية في كل وقت، إلا أنّ أسلوب الجابري في التحليل والاستنتاج يبقى فريدًا من نوعه. أنصح الشباب الجامعي باقتناء هذا الكتاب وقراءته جيدًا لتشكيل وعي بما جرى ويجري حولهم فيما يتعلق بهويتنا ومستقبلنا في مقابل "الآخر".

الأربعاء، 28 أبريل 2010

إحياء التراث والادبي وتجاوزه معًا: عرض لرواية "أبناء الجبلاوي"




أرأيتَ لو أنّ جزءًا كبيرًا من الأدب العماني، ولنقل المجموعات القصصية مثلا قد اختفت فجأة دون مقدّمات من كلّ المكتبات وكل مكانٍ آخر حتى رفّ مكتبتك وكأن فيروس حاسوب هجم عليها كلها والتهمها مرة واحدة، فماذا سيحدث؟ تخيّل أن يتبع ذلك هرجٌ ومرجٌ كبير ومبادرات لاستعادة ما فُقد، وشائعات لا آخر لها، وأشخاصٌ يدّعون أنهم رأوا شخصيات من تلك القصص على أرض الواقع. وتخيّل أن تظهر فعلا تلك الشخصيات ثائرة على ما يحدث، فتجد في أنحاء مسقط (عبدالفتاح المنغلق) و (عارف البرذول) [من قصص سليمان المعمري]، و (الكابتن حمدان) [من قصة لمازن حبيب]، و العمّة الثرثارة التي لا تعرف نجيب محفوظ [من قصص عبدالعزيز الفارسي]. فكرة فانتازية مُدهشة، أليس كذلك؟ هذا ما استخدمه بصورةٍ رائعة الروائي (إبراهيم فرغلي) في روايته الأخيرة "أبناء الجبلاوي" التي صدرت عام 2009 عن دار العين للنشر في مصر في 470 صفحة. قيل الكثير عن الرواية وتقبلها النقاد والقراء قبولا حسنًا، حتى دعا الدكتور جابر عصفور إلى عقد ندوات خاصة لتحليلها وقراءتها على أكثر من مستوى، وأيده في ذلك الناقد الدكتور خالد عزب. جدير بالذكر أنّ أمسية كاملة خُصصت في الكويت في يناير الماضي لمناقشة أوراق نقدية حول الرواية. باختصار، نحن أمام عملٍ فريد جريء يستحق وقفة تأمل ودراسة.

المؤلف (إبراهيم فرغلي) صحفيٌ وقاص وروائي مصري، صدرت له سابقًا مجموعتان قصصيتان هما "باتجاه المآقي" عام 1997، و "أشباح الحواس" عام 2001، كما صدرت له ثلاث روايات هي "كهف الفراشات" عام 1998، و "ابتسامات القديسين" عام 2004، و"جنية في قارورة" عام 2007، بالإضافة إلى كتاب يحتوي على يوميات سجّلها في رحلةٍ له إلى ألمانيا. ومن المعروف عن هذا الروائي حبّه للتجريب والتجديد، وآراؤه الصريحة الجريئة فيما يتعلق بحال الثقافة والنقد الأدبي في مصر، وهذا ما نراه حاضرًا بقوة في الرواية التي نحن بصدد الحديث عنها.

في الحقيقة يصعب جدًا استعراض هذه الرواية دون "حرقها" على القارئ وإفساد متعته، لذا سنكتفي بذكر إشاراتٍ بسيطة إلى قصتها. تنقسم الرواية إلى أربعة أجزاء يحتوي بعضها على أكثر من قسم. أما الجزء الأول فيسرده البطل (كبرياء) ليحدثنا عن علاقته الغرامية بـ(نجوى) الفتاة ذات الشخصية المركبة الفريدة جدًا، وعلاقته بـ(رفيق فهمي) العجوز في دار المسنين، والذي يقوم (كبرياء) بتدوين مذكراته. ومنذ الصفحات الأولى نعرف الحدث الكبير الذي تدور حوله أحداث الرواية، وهو اختفاء كتب نجيب محفوظ من جميع المكتبات التجارية والعامة والشخصية، مما يسبب بلبلة هائلة في البلد، وتشكيل لجان وهيئات رسمية وشعبية لإحياء تراث محفوظ والبحث في قضية اختفاء كتبه. وفي أجزاءٍ لاحقة نكتشف ظهور الشخصيات المحفوظية إلى الواقع، فنجد (عاشور الناجي) [من رواية الحرافيش]، و (الجبلاوي) [من أولاد حارتنا]، و (السيد أحمد عبد الجواد) [من الثلاثية]، وتعاون (كبرياء) معها في مهمةٍ خطيرة ربما لاستعادة كتب محفوظ. من ناحيةٍ أخرى تتحدث الرواية عن طبيعة العلاقات بين شخوص الرواية وتطورها وتعقيداتها الاجتماعية والنفسية.

ما يميّز "أبناء الجبلاوي" ويجعلها في مصافّ الروايات المهمّة هو بناؤها الروائي الجديد المبدع الثائر على الأشكال التقليدية في كتابة الرواية. وإن شئنا التصنيف فهي رواية تنتمي إلى أدب ما بعد الحداثة، ذلك الأدب المتمرد على الأشكال والموضوعات التقليدية التي سار بها وتناولها الأدب الحداثي. فمن ناحية البناء الروائي، لن تجد في هذه الرواية بداية وحبكة ونهاية خطية كما هو المعتاد، بل رواية داخل رواية تتداخل أحداثهما، وتتقاطعان أيضًا مع عددٍ من الروايات والشخوص من روايات أخرى، فبعد أن تعيش مع شخصيات الجزء الأول، يفاجئك المؤلف بأن هذه مجرد رواية غير مكتملة كتبها مؤلف آخر، ثم يكتشف هذا المؤلف أن ما كتبه ظهر حقيقة على الواقع! هذا وقد يستمتع القارئ بذلك التداخل السردي بين الرواية وروايات نجيب محفوظ، حيث نجد مقاطع كاملة من روايات محفوظ استُخدمت لصالح الرواية وسير أحداثها. أما السرد فجاء مختلفًا أيضًا، يعتمد على تعدد الأصوات، ولكن ليس بالطريقة التقليدية، فالساردون أحيانًا بشر وأحيانًا كائنات أخرى. ويبدو في الرواية تأثرٌ كبير بروايات ما بعد الحداثة والواقعية السحرية لدى كبار ممثلي هذا التيّار مثل ماركيز وبورخيس وأورهان باموق وبول أوستر. ومما تجدر الإشارة إليه نجاح المؤلف في إحياء شخصيات محفوظ وتقديمها بصورةٍ تتماشى مع وظيفتها في النصوص المحفوظية، ولكنها تؤدي دورًا خاصًا لهذه الرواية، فنجد مثلا الحرافيش وهم يحرسون الحارة، ونجد الجبلاوي زعيمًا وأبًا روحيًا، وعاشور الناجي رئيسًا منفذًا، وزينات لعوبًا مثل ما ظهرت في رواية "الحرافيش".

ومع قراءة الرواية يكتشف القارئ أنّ هذا العمل عبارة عن نقد ساخر لاذع للأوضاع الثقافية والأدبية والسياسية في مصر، يأخذ أسلوب الرمز والإسقاط أحيانًا، والمباشرة في أحيان أخرى. أكثر ما ينتقده ويثور عليه المؤلف في هذا العمل هو الوضع الحالي للأدب السردي في مصر، فالرواية برمتها احتجاج على الرواية التقليدية. أما موضوع الرواية نفسه (اختفاء كتب محفوظ) فانتقاد واضح للمشهد الروائي المصري، فمن ناحية يرى المؤلف أنّ الجيل الروائي الحالي ضيّع تاريخ روائي عملاق ولم يستطع أن يُكمل مسيرة روائية عظيمة كان يجب أن يستفيد منها. ونرى في الرواية أنه بعد تضييع هذا التراث يُصاب المجتمع بوباء العمى، دلالة على التخبط الأدبي وغياب الرؤية الإبداعية. ومن ناحية أخرى يريد المؤلف أن يقول بأنّه رُغم روعة نجيب محفوظ لا يجب أن يقف أمر الرواية عنده، بل يجب تجاوزه، ولكن للأسف لا يوجد غير "كتاب يكتبون نصوصًا تدور في أفق مخنوق...لا يسببون دهشة، ولا يقدمون جديدًا" (ص197). وعندما يُصدم (كاتب الكاشف) بوجود شخصية من شخصيات روايته في الواقع يُصاب بالذعر مخافة أن تكون روايته مجرد "نص واقعي يرصد جانبًا من وقائع حياة أشخاص موجودين في الحياة، ويصبح ما كتبه مجرد نقل أمين لوقائع، بإمكان أي مدرس لغة أو "باش كاتب" أن ينقلها بلغته الركيكة العتيقة" (ص230). هذا ويستخدم إبراهيم فرغلي شخصية (كاتب الكاشف) لتقريع النقد الأدبي في مصر، والتعبير عن فشله في القيام بدوره على أكمل وجه، كما يعبّر عن وجهة نظره حول أهمية تناول الجنس أدبيًا، ويسخر من النقاد الذين يمتعضون منه ويصفونه بأنه "غير موظف فنيًا"، ولذلك نجد في الرواية قدرًا كبيرًا من الجنس الذي يعتبره المؤلف أساسيًا ومعبرًا عن الحياة الطبيعية. ومن جانبٍ آخر نجد الكثير من الرسائل الانتقادية، منها غياب الشفافية والمهنية لدى الجهات الحكومية في التعامل مع المصائب، ومنها جهل الناس بأدب محفوظ رغم التشدق بحبه. هذا و نجد نقدًا للواقع السياسي والاجتماعي عبر شخصية (زينب دياب) التي تظهر في الواقع من رواية "الكرنك" لنجيب محفوظ، ونقدًا آخر من شخصية (رادوبيس) الفرعونية التي تنتقد غياب حضارة "العلم، المعرفة، الحكمة، الفلسفة، الطب، التحنيط، وحتى قوة الأفكار والفنون" والتحول إلى مجتمع جاف فارغ حتى أنّ أفضل أهل البلد الآن "لا يرقى لأن يكون في قدر عامل من عمال حضارتنا، ألا تشعرون بالخجل من تفاهتكم وسخافتكم؟" (ص414).

من وجهة نظري أعتقد بأنّ المؤلف قد استهلك عددًا من المقوّمات وقذف بها في عملٍ أدبي واحد يحتاج إلى ترابط وتماسك أكبر يقاوم التشتيت الذي خلقه المؤلف، بينما كان بإمكانه استغلالها في أكثر من عمل. فمثلا قضية محفوظ والإرث الأدبي تصلح لرواية مستقلة بذاتها أيًا كان بناؤها السردي، والعلاقات العاطفية والاجتماعية بين كبرياء ونجوى ورفيق وكاتب الكاشف وجيسيكا وما يعتورها من عقد نفسية وقضايا تتعلق بالهوية والحرية تصلح بامتياز كي تكون مادة روائية منفردة. هذا وهناك فنّ الخط العربي الذي يتقنه "كبرياء" وتحدث عن أنواعه وأساليبه واستخداماته، كان من الممكن أن يتعمق فيه المؤلف ويتبحر حتى يُخرج لنا رواية تستخدم هذه الثيمة الجميلة كما استخدم أورهان باموق فن المنمنمات في رواية "إسمي أحمر". ومن الملاحظات التي نأخذها على هذه الرواية أيضًا كثرة الأخطاء اللغوية المزعجة التي لا تليق بكاتب رواية، وأتمنى أن يتداركها المؤلف في الطبعات اللاحقة، ولكن يجب أن نشهد للمؤلف بدقة الوصف وسلاسة اللغة ومناسبتها للشخصيات. من ناحيةٍ أخرى نعترف بأن الرواية مبدعة غير تقليدية، إلا أن اللعبة السردية التي اختارها المؤلف تُدخل القارئ في متاهات سردية ليست دائمًا ممتعة.

أخيرًا نقول بأن الرواية لا يكفيها هذا العرض، فهناك الكثير جدًا ليُقال عن تقنيات السرد، والثيمات التي تتناولها الرواية، وعن مدى نجاح التوظيف الجنسي والفني فيها. وأعتقد شخصيًا أن قراءة واحدة للرواية لن تكفي لالتقاط جميع الرموز والإسقاطات والرسائل التي تضجّ بها. هناك مواضيع عديدة لم أتطرق إليها بالتفصيل هنا، كشخصية نجوى وما ترمز إليه من قيم التحرر والانطلاق من قيد المجتمع، وعلاقة كبرياء وكاتب بأبويهما كرمزٍ للبحث عن الذات والهوية. هي رواية جميلة يتضح فيها المجهود الكبير الذي بذله إبراهيم فرغلي، تستحق القراءة ولكن بشرط أن يكون لك عقل متفتح متسامح مع التجريب الروائي والمتاهات السردية.