الأربعاء، 1 يونيو 2005

هكذا قال الجاحظ


عندما ننظر إلى الوراء في تاريخنا العربي الترجمي، نرى عصرًا زاهرًا بالترجمة احتضنه بيت الحكمة، ونرى مترجمين بارزين ما زلنا نفخر بهم وبإنتاجهم الذي علّمنا ما لم نكن نعلم، وأعاننا على دراسة وتعليم من لا يعلم. ولا نبالغ إن قلنا بأن ذلك العصر كان ثورة ترجمية حقيقية ندر وجودها في التاريخ. وربما كان (بيت الحكمة) أول مؤسسة ترجمية منظمة تتبنى هذا المنهج الثقافي وتجعله بؤرة إنتاجها وخلاصة سيرورتها. بيد أن الملفت للنظر هو غياب التنظير والتوصيف لذلك النشاط الكثيف والقافلة الترجمية الطويلة، فيما شهدت حضارات أخرى تنظيرًا ترجميا لم تكن وراءه مؤسسة مثل بيت الحكمة. نقرأ في التاريخ عن كتابات قديمة في الترجمة لشيشرون والقديس جيروم ومارتن لوثر، ثم درايدن ونيتشه وجوته، وبعدهم كثير مثل نابوكوف وعزرا باوند. وعندما نلتفت إلى الكتابات العربية القديمة لا نكاد نجد من كتب عن الترجمة من الأدباء والشعراء واللغويين وحتى المترجمين أنفسهم. ودائما لا نجد اقتباسا ترجميا من القدماء العرب إلا ما قاله الجاحظ في كتاب الحيوان، حتى ليبدو أنه العربي الوحيد الذي تكلم في الترجمة قديمًا!

ولأن مقولات الجاحظ في الترجمة كثيرًا ما تتردد في الأوساط الترجمية العربية، كان لا بد من وقفة مع هذه المقولات لتحليلها والتعقيب عليها، خصوصًا بعد الفيضان النظري في دراسات الترجمية الغربية والعربية حديثًا. وفيما يلي سوف أسرد ما ذكره الجاحظ على شكل مقولات، ثم أعقب عليها بإيجاز.

المقولة الأولى: "ثم قال بعض من ينصر الشعر ويحوطه ويحتج له: إن الترجمان لا يؤدي أبدا ما قاله الحكيم، على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه، ودقائق اختصاراته، وخفيات حدوده، ولا يقدر أن يوفيها حقوقها، ويؤدي الأمانة فيها، ويقوم بما يلزم الوكيل ويجب على الجري، وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها والإخبار عنها على حقها وصدقها. إلا أن يكون في العلم بمعانيها، واستعمال تصاريف ألفاظها، وتأويلات مخارجها، مثل مؤلف الكتاب وواضعه، فمتى كان رحمه الله تعالى ابن البطريق، وابن ناعمة، وابن قرة، وابن فهريز، وثيفيل، وابن وهيلي، وابن المقفع، مثل أرسطاطاليس؟! ومتى كان خالد مثل أفلاطون؟".

في مستهل الفقرات الشهيرة عن الترجمة، يسرد الجاحظ أولا قائمة بشروطه الصارمة في المترجمين، وتبيّن المقولة أعلاه أول هذه الشروط. يقول الجاحظ إن المترجم لا يستطيع نقل المعنى الدقيق للنص الأصلي نقلا أمينا إلا إن كانت معرفته مساوية لمعرفة مؤلف النص الأصلي. ويبدو هنا أن الجاحظ يريد توضيح أمرين هامين: أولهما إن معرفة المترجم لا بد أن تكون مثل معرفة المؤلف ومساوية لها، وثانيهما أنه في حالة تعذر ذلك، لا يستطيع المترجم الوفاء للنص الأصلي. ونلاحظ في نهاية المقولة سخرية واضحة قد نستشف منها عدم اقتناع الجاحظ بإمكانية الوفاء في ترجمة النص الأصلي نظرًا لعدم توافق المترجم والمؤلف.

وعلى الرغم من هذا الشرط الصارم، إلا أن الجاحظ لا يريد بالتأكيد منع الترجمة. ربما ما يروّج له الجاحظ في مقولته هو التخصص في الترجمة، حيث يترجم المختص في مجالٍ معين النصوص الواقعة في مجاله، فالطبيب يترجم الطب، والمهندس يترجم الهندسة، وهكذا. نخلص من ذلك إلى أن الجاحظ لا يكتفي بالمعرفة التي يتحصلها المترجم في مجالٍ معين عن طريق القراءة والاستشارة والإلمام، دون أن يكون هو ضمن ذلك المجال. وربما كانت هذه الفكرة شائعة في عصر الجاحظ، حينما كانت هناك مجموعات من الأطباء والعلماء المترجمين.

أما الأمر الآخر الذي يثيره الجاحظ في المقولة أعلاه فهو ضرورة إلمام المترجم بفكر وأيديولوجية مؤلف النص الأصلي، حتى يؤدي "حقائق مذاهبه"، فلا يزجّ بشيءٍ في الترجمة ينافي فكر المؤلف الأصلي ويدحض مسلماته. يؤمن الجاحظ أن المترجم يجب أن يكون عارفا بمعتقدات وفلسفة من يترجم له. وجديرٌ بالذكر أن أساتذة الترجمة الآن ينصحون طلاب الترجمة بقراءة كتابات مؤلفٍ ما، وما كُتب عنه قبل ترجمته، حتى تتكون لديهم فكرة كافية عن أسلوب المؤلف وفكره وفلسفته.

وأخيرًا نلاحظ من كلام الجاحظ استخدامه لمفهوم "الوفاء والخيانة" في الترجمة، وذلك قبل أن تشيع العبارة الإيطالية الشهيرة "الترجمان خوّان". ليس من الواضح تمامًا كيف بدأ ربط هذا المفهوم بالترجمة، وما إذا كان اليونانيون قد بدأوها ثم استخدمها الجاحظ عنهم، ولكن لا أعلم شخصيا ما يشير إلى ذلك. ربما كان العقل البشري في كل الحضارات "مؤهلا" لاستخدام استعارة "الوفاء" مع الترجمة.

المقولة الثانية: "ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية، ومتى وجدناه أيضا قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما؛ لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها، وتعترض عليها، وكيف يكون تمكن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكنه إذا انفرد بالواحدة، وإنما له قوة واحدة، فإن تكلم بلغة واحدة استفرغت تلك القوة عليهما، وكذلك إن تكلم بأكثر من لغتين، على حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات".

تُعتبر الجملة الأولى من هذه المقولة الأشهر إطلاقًا في الترجمة عند العرب، وهي تعتبر إعادة للشرط الأول. وهنا يقول الجاحظ إن الأسلوب الذي يتبعه المترجم في استخدام اللغة لتبيان المعنى يجب أن يعكس معرفته بموضوع النص، فعلى قدر "علمه" يكون "بيانه". هل لنا أن نستنتج من ذلك أن الجاحظ يشجع المترجمين على أن يكونوا مؤلفين، لا مترجمين فقط؟ من الواضح أنه لا يريد للمترجمين أن يظهروا في ترجماتهم أقل قدرًا من المؤلفين، بل يجب أن تظهر الترجمة وكأنها من كلام المترجم.

بعد ذلك يتحدث الجاحظ عن مسألة الإتقان في اللغة، وكيف تتداخل اللغتان في لسان متحدثهما. يشترط الجاحظ أن يكون المترجم متقنا للغتين اللتين يتعامل معهما. ويشير في هذه المقولة إلى ظاهرة لغوية كثيرًا ما نلاحظها نحن المترجمون، ألا وهي تأثير اللغتين على بعضهما البعض، حينما يحدث ما يشبه الترجمة الذهنية الفورية، فيستخدم المتكلم عبارةً أجنبية بلغته الأم، أو يستخدم أسلوبًا في لغته الأم بحروفٍ أجنبية. لذلك، لا يحبذ الجاحظ أن تكون للمترجم أكثر من لغتين، فكلما زادت اللغات، كلما نقص إتقانه لها.

وختامًا نستطيع أن نخلص إلى أن الجاحظ يشجع إنتاج الترجمات التي تبدو نصوصًا أصلية لا تشوبها تدخلات اللغات الأخرى ، على خلاف بعض المنظرين الذين يصرون على "أجنبية النص" ووجوب احتواءه على عناصر اللغة الأجنبية. وإذا استعرنا مصطلح (لورنس فينوتي)، فإن الجاحظ يؤيد "خفاء المترجم" النصي، أي عدم وجود ما يشير إلى أن العمل مترجم.

المقولة الثالثة: "هذا قولنا في كتب الهندسة، والتنجيم، والحساب، واللحون، فكيف لو كانت هذه الكتب كتب دين وإخبار عن الله -عزل وجل- بما يجوز عليه مما لا يجوز عليه، حتى يريد أن يتكلم على تصحيح المعاني في الطبائع، ويكون ذلك معقودا بالتوحيد، ويتكلم في وجوه الإخبار واحتمالاته للوجوه، ويكون ذلك متضمنا بما يجوز على الله تعالى، مما لا يجوز، وبما لا يجوز على الناس مما لا يجوز... ومتى لم يعرف ذلك المترجم أخطأ في تأويل كلام الدين. والخطأ في الدين أضر من الخطأ في الرياضة والصناعة، والفلسفة والكيمياء، وفي بعض المعيشية التي يعيش بها بنو آدم".

المقطع السابق عبارة عن مقتطفات من فقرة طويلة يتحدث فيها الجاحظ عن صعوبة ترجمة النصوص الدينية، وهو يريد في الحقيقة إثبات استحالة مثل هذه الترجمة. يبدو أن الجاحظ كان ضد ترجمة القرآن، حيث كانت هذه المسألة قائمة في عصره. وموقف الجاحظ هذا من ترجمة النصوص الدينية لا يعتبر غريبًا البتة، فقد كانت ولا زالت مسألة ترجمة النصوص الدينية في كل الحضارات شائكة جدًا، وما حصل للقديس جيروم مترجم الكتاب المقدس يشهد بذلك. أما ترجمة القرآن، فما زالت إلى اليوم غير مشروعة، وما يحلّ ترجمته هو معاني القرآن لا القرآن نفسه. وبعيدًا عن موقف الجاحظ، لا بد من الاعتراف بموضوعية النقاط التي احتج بها في صعوبة الترجمة الدينية، والمتمثلة في إمكانية الخطأ في توضيح المعتقدات، والخلط بين الأحكام التشريعية، والوصف الغير جائز للذات الإلهية، هذا إلى جانب صعوبة وحساسية ترجمة الحجج والمناظرات الدينية العقائدية. ويعزز الجاحظ حجته بأن تبعات الخطأ في ترجمة النص الديني أكبر مصيبة من الخطأ في النصوص الأخرى، وهذا معروف في دراسات الترجمة الحديثة، الأمر الذي يدفع أبناء دينٍ معين لتحريم ترجمة كتبهم المقدسة إلا إذا كان المترجم منهم.

المقولة الرابعة: "وما علم المترجم بالدليل عن شبه الدليل؟ وما علمه بالأخبار النجومية؟ وما علمه بالحدود الخفية؟ وما علمه بإصلاح سقطات الكلام، وأسقاط الناسخين للكتب؟ وما علمه ببعض الخطرفة لبعض المقدمات؟ لا بد أن تكون اضطرارية، ولا بد أن تكون مرتبة، وكالخيط الممدود... "ولو كان الحاذق بلسان اليونانيين يرمي إلى الحاذق بلسان العربية، ثم كان العربي مقصرا عن مقدار بلاغة اليوناني، لم يجد المعنى والناقل التقصير، ولم يجد اليوناني الذي لم يرض بمقدار بلاغته في لسان العربية بدا من الاغتفار والتجاوز، ثم يصير إلى ما يعرض من الآفات لأصناف الناسخين؛ وذلك أن نسخته لا يعدمها الخطأ، ثم ينسخ له من تلك النسخة من يزيده من الخطأ الذي يجده في النسخة، ثم لا ينقص منه، ثم يعارض بذلك من يترك ذلك المقدار من الخطأ على حاله، إذا كان ليس من طاقته إصلاح السقط الذي لا يجده في نسخته ".

في هذه الفقرة يكلف الجاحظ المترجمين بدورٍ أكبر من مجرد الترجمة، حيث يريد منهم أن يكونوا محللين للنصوص التي يترجمونها، فيقرأونها قراءة نقدية ويثبتون الأخطاء الواقعة فيها. إن ما يريده الجاحظ من المترجمين هو أن يقوموا بتحقيق النصوص وتنقيحها من الشوائب النحوية والإملائية وغيرها. ومن الواضح أن الجاحظ ينظر إلى الترجمة على أنها مهمة وتكليف لا يؤديها مجرد "النقل"، بل تمتد إلى عملية إنتاج نص كاملة.

وفي الجزء الثاني من المقولة نلاحظ اللوم الذي يضعه الجاحظ على كلٍ من الناسخ المهمل والمترجم الجاهل، حيث يتهكم من الأخطاء التي يسببها الناسخون الذين لا يؤدون عملهم بإتقان، ثم يسحب نفس المنطق على المترجمين الجهلة، الذين يضيفون على أخطاء النسخ أخطاءً ترجمية. في الحقيقة، إن المتأمل في هذه المقارنة ليجد حكمًا كثيرة توضح المعنى الحقيقي للترجمة والمترجم. بكل بساطة نستطيع تشبيه المترجم الجاهل بالناسخ الذي ينقل حروفًا لا يفقه معانيها، وبعبارة "أقبح" نشبهه بالحمار الذي يحمل أسفارًا. ما يريده الجاحظ هو أن الترجمة ليست "نقلا" أو "نسخا" بل عملية ذهنية لغوية تشارك في إنتاجٍ ثقافي لا يقل عن التأليف.


المرجع:
الجاحظ، كتاب الحيوان، موقع الوراق الإلكتروني، ص24-25.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق