الأحد، 11 مايو، 2014

عن النقدوفوبيا في عُمان

(نُشر هذا المقال في مجلة الفلق الإلكترونية بتاريخ 7 مايو 2014)

مدخل                                                                             
من الملاحَظ في السنوات القليلة الماضية أنّ العديد من المواطنين والمسؤولين في عُمان عبّروا بطريقةٍ أو بأخرى عن انزعاجهم من بعض أشكال "النقد" التي يرونها سلبية وغير مبررة وغير بنّاءة ومتصيدة. والمتابع لوسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا يشعر بازدياد هذا الانزعاج، لدرجة كاد معها مفهوم "النقد" يتحول إلى كلمة سيئة السمعة ذات دلالات منفّرة، وهذا مؤشر خطير. هذا المقال محاولة لتفكيك ومساءلة ثلاثة أفكار رئيسية في هذا الخطاب "المنزعج" تنطلق من خوفٍ (فوبيا) من النقد وتسعى إلى إسكاته.

تشويه "النقد"
أول مشكلة تواجهنا في تحليل هذا الخطاب هو عدم وجود تحديد واضح لدلالة مصطلح "النقد". يقدّم البعض أحيانا تعريفا للنقد على أنه "الحكم على الإيجابيات والسلبيات في موضوع ما"، في مقابل "الانتقاد" الذي يذهب كثيرون إلى أنّه "رصد السلبيات أو ترصّدها". ولئن كان هذا الفريق المنزعج يدعو إلى ذكر الإيجابيات وعدم التركيز على السلبيات، إلا أنه لم يلتزم دائما بهذا التفريق بين النقد والانتقاد، وأصرّ على استخدام كلمة "النقد" لوصف الممارسات التي يستهجنها، مما أدى تدريجيا إلى شحن المصطلح بدلالات سيئة. ومما يزيد الأمر إشكالية هو وضع ممارسات مثل الشكوى والتذمر والتهكم والتهجم والتجنّي بالتهم كلها في خانة النقد، وهو أمر مضلّل غير دقيق؛ فالمواطن الذي يكتب عن سوء خدمة من الخدمات لا يقدّم "نقدا" بالضرورة بل يمارس حقه في إبداء الشكوى، كما أنّ غيره قد "يتذمر" من بعض السياسات ولا يقدّم فيها "نقدا".

وللحفاظ على كلمة "النقد" مع استدراج دلالات الانتقاد، يلجأ هذا الخطاب إلى التفريق بين "النقد البنّاء" و"النقد الهدّام"، غير أنّ هذا التفريق يخلق مشكلات أكثر مما يحل؛ إذ ما هو تعريف النقد البنّاء؟ ومن يستطيع الحكم على كونه بنّاء أم لا؟ وهل البنائية هنا تتعلق بالشخص المنتقَد أم الموضوع أم المجتمع؟ النقد البنّاء قد يعني أيضا ذلك الذي يخلق تفاعلا في المجتمع يفضي إلى تحقيق تطوير في مجال معين. من ناحية أخرى يأتي وصف الهدّام خطيرًا للغاية، إذ ما الذي يهدمه هذا النقد بالتحديد؟

هل المقصود أنّ النقد البنّاء هو الذي يقدم علاجا للمشكلة؟ يقودنا هذا إلى الفكرة الثانية التي تقول بأنّ النقد يجب أن يطرح حلولا. نعم، هناك تعريفات تقول بأنّ النقد الجيد يقدّم الحلول، لكنّ ذلك عنصر واحد فقط من عناصر النقد الجيد، فإن لم يشمل النقد هذا العنصر لا يعني ذلك بالضرورة أنه سيء أو هدّام أو مزعج. سيكون مفرحا بالتأكيد لو أنّ النقد اقترن بحلول مفيدة، لكنّ ذلك لا يعني القول بأنّ من لا يقدّم الحلول عليه أن يسكت؛ فمن يشير إلى خطأ ما يكون قد ساعد في حل نصف المشكلة، ويتبقى النصف الثاني الذي قد يقترحه شخص آخر يمتلك المؤهلات الفكرية أو التخصصية اللازمة.

أما الفكرة الثالثة فهي تلك التي تمثلها عبارة "التغيير يبدأ من النفس" (أو: "ابدأ بنفسك فقوّمها" كما استخدمها أحد المسؤولين بالأمس في تويتر)، وهي حِكَم بليغة نستمتع بترديدها، لكننا مع الأسف لا نسائلها. يُعتقد (أو يراد أن يُعتقد) بأنّ معنى هذه العبارات هي أنه لا يحق لنا انتقاد الآخرين قبل أن نصحح أخطاءنا أولا. قد يصحّ هذا المعنى في سياق "التغيير بالقدوة"، وحين يكون موضوع النقد مُشتَرَكا بين الطرفين (على نحو: لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله)، لكنه لا ينطبق على كل أحوال النقد، خاصة النقد المجتمعي/السياسي. فمثلا، كيف تنطبق هذه العبارات على شخص ينتقد مشروعا، أو سياسة تتّبعها جهة معينة؟ وهنا يذهب البعض إلى تفضيل "النصيحة" على النقد العلني، وهو أمر ذو نزعة نبيلة ولا شك، بيد أنّ التعامل مع الأخطاء الواقعة في المجال العام يختلف عن التعامل مع أخطاء الأفراد في المجال الخاص.

النقد تدافع ضروري
في بلدٍ مثل عُمان يرتكز إلى نهضةٍ حديثة ويطمح إلى الإنجاز، لا بد أن تكون هناك أخطاء (فمن يعمل لا بدّ يخطئ)، ومثلما أننا بحاجة إلى التشجيع والإطراء نحتاج أيضا إلى النقد (والانتقاد) حتى تُضاف إلى رؤيتنا زاوية مختلفة. ولا بدّ للمسؤول أن يتقبل النقد بكل أشكاله وإن كان قاسيا (طالما كان في حدود القانون)، ولئن كان هو يخدم الوطن في منصبه، فليُحسن الظن بالمواطن/الكاتب الذي يمارس دوره في رصد الخطأ (من وجهة نظره) خدمة للوطن أيضا. وبدلا من تصنيف النقد إلى بناء وهدام وإيجابي وسلبي، قد يكون الأجدى هو النظر فيما إذا كان النقد موضوعيا أم لا، إذ الموضوعية هي المحك.

هذا ويجدر بنا الانتباه إلى أنّ النقد الذي يمارس في عُمان "نقدٌ ناعمٌ" مقارنة بدول أخرى، وإن كان المسؤول اليوم ينزعج من هذا النقد فكيف به لو كانت لدينا صحف حزبية تشنّ الهجمات المتتالية على المسؤولين. ومن جانب آخر علينا التذكر بأنّ المسؤول الحكومي لديه آلة إعلامية رسمية يستطيع استخدامها بسهولة لتوضيح وجهة نظره، وإبراز إنجازاته، فيما المواطن أو الكاتب لا يملك إلا قلمه. وبين هذا وذاك يستطيع الناس بذكائهم تمييز الصدق.

كلمة أخيرة لا بدّ من قولها تتعلق ببعض الألفاظ المستخدمة في سياق الحديث عن النقد البناء والهدام (أو الإيجابي والسلبي). إن استخدام ألفاظٍ من قبيل "الوطنية" و "الإخلاص" و "الولاء" (ولا أشكّ بأن استخدامها كان عن حسن نية) للإيحاء بأنّها تتعارض مع النقد (أيا كان شكله) لهو أمر خطير؛ إذ بمثل هذه الاستخدامات تُصادر الوطنية وتُفصّل على مقاس واحد، بافتراض أنّ الآخرين أقل وطنية أو إخلاصا فقط لأنهم ينتقدون أو حتى يتذمرون ويهاجمون. لا بد أن نتذكر جميعا بأنّ من يهاجم مشروعا أو سياسة أومسؤولا، فإنه يهاجمها هي ولا يهاجم الوطن، بل الحقيقة أنه يتصور هجومه (وإن كان خاطئا أو متحاملا) خدمة للوطن، ويبقى التزام القانون دائما هو الفيصل.