الأربعاء، 28 أبريل، 2010

إحياء التراث والادبي وتجاوزه معًا: عرض لرواية "أبناء الجبلاوي"




أرأيتَ لو أنّ جزءًا كبيرًا من الأدب العماني، ولنقل المجموعات القصصية مثلا قد اختفت فجأة دون مقدّمات من كلّ المكتبات وكل مكانٍ آخر حتى رفّ مكتبتك وكأن فيروس حاسوب هجم عليها كلها والتهمها مرة واحدة، فماذا سيحدث؟ تخيّل أن يتبع ذلك هرجٌ ومرجٌ كبير ومبادرات لاستعادة ما فُقد، وشائعات لا آخر لها، وأشخاصٌ يدّعون أنهم رأوا شخصيات من تلك القصص على أرض الواقع. وتخيّل أن تظهر فعلا تلك الشخصيات ثائرة على ما يحدث، فتجد في أنحاء مسقط (عبدالفتاح المنغلق) و (عارف البرذول) [من قصص سليمان المعمري]، و (الكابتن حمدان) [من قصة لمازن حبيب]، و العمّة الثرثارة التي لا تعرف نجيب محفوظ [من قصص عبدالعزيز الفارسي]. فكرة فانتازية مُدهشة، أليس كذلك؟ هذا ما استخدمه بصورةٍ رائعة الروائي (إبراهيم فرغلي) في روايته الأخيرة "أبناء الجبلاوي" التي صدرت عام 2009 عن دار العين للنشر في مصر في 470 صفحة. قيل الكثير عن الرواية وتقبلها النقاد والقراء قبولا حسنًا، حتى دعا الدكتور جابر عصفور إلى عقد ندوات خاصة لتحليلها وقراءتها على أكثر من مستوى، وأيده في ذلك الناقد الدكتور خالد عزب. جدير بالذكر أنّ أمسية كاملة خُصصت في الكويت في يناير الماضي لمناقشة أوراق نقدية حول الرواية. باختصار، نحن أمام عملٍ فريد جريء يستحق وقفة تأمل ودراسة.

المؤلف (إبراهيم فرغلي) صحفيٌ وقاص وروائي مصري، صدرت له سابقًا مجموعتان قصصيتان هما "باتجاه المآقي" عام 1997، و "أشباح الحواس" عام 2001، كما صدرت له ثلاث روايات هي "كهف الفراشات" عام 1998، و "ابتسامات القديسين" عام 2004، و"جنية في قارورة" عام 2007، بالإضافة إلى كتاب يحتوي على يوميات سجّلها في رحلةٍ له إلى ألمانيا. ومن المعروف عن هذا الروائي حبّه للتجريب والتجديد، وآراؤه الصريحة الجريئة فيما يتعلق بحال الثقافة والنقد الأدبي في مصر، وهذا ما نراه حاضرًا بقوة في الرواية التي نحن بصدد الحديث عنها.

في الحقيقة يصعب جدًا استعراض هذه الرواية دون "حرقها" على القارئ وإفساد متعته، لذا سنكتفي بذكر إشاراتٍ بسيطة إلى قصتها. تنقسم الرواية إلى أربعة أجزاء يحتوي بعضها على أكثر من قسم. أما الجزء الأول فيسرده البطل (كبرياء) ليحدثنا عن علاقته الغرامية بـ(نجوى) الفتاة ذات الشخصية المركبة الفريدة جدًا، وعلاقته بـ(رفيق فهمي) العجوز في دار المسنين، والذي يقوم (كبرياء) بتدوين مذكراته. ومنذ الصفحات الأولى نعرف الحدث الكبير الذي تدور حوله أحداث الرواية، وهو اختفاء كتب نجيب محفوظ من جميع المكتبات التجارية والعامة والشخصية، مما يسبب بلبلة هائلة في البلد، وتشكيل لجان وهيئات رسمية وشعبية لإحياء تراث محفوظ والبحث في قضية اختفاء كتبه. وفي أجزاءٍ لاحقة نكتشف ظهور الشخصيات المحفوظية إلى الواقع، فنجد (عاشور الناجي) [من رواية الحرافيش]، و (الجبلاوي) [من أولاد حارتنا]، و (السيد أحمد عبد الجواد) [من الثلاثية]، وتعاون (كبرياء) معها في مهمةٍ خطيرة ربما لاستعادة كتب محفوظ. من ناحيةٍ أخرى تتحدث الرواية عن طبيعة العلاقات بين شخوص الرواية وتطورها وتعقيداتها الاجتماعية والنفسية.

ما يميّز "أبناء الجبلاوي" ويجعلها في مصافّ الروايات المهمّة هو بناؤها الروائي الجديد المبدع الثائر على الأشكال التقليدية في كتابة الرواية. وإن شئنا التصنيف فهي رواية تنتمي إلى أدب ما بعد الحداثة، ذلك الأدب المتمرد على الأشكال والموضوعات التقليدية التي سار بها وتناولها الأدب الحداثي. فمن ناحية البناء الروائي، لن تجد في هذه الرواية بداية وحبكة ونهاية خطية كما هو المعتاد، بل رواية داخل رواية تتداخل أحداثهما، وتتقاطعان أيضًا مع عددٍ من الروايات والشخوص من روايات أخرى، فبعد أن تعيش مع شخصيات الجزء الأول، يفاجئك المؤلف بأن هذه مجرد رواية غير مكتملة كتبها مؤلف آخر، ثم يكتشف هذا المؤلف أن ما كتبه ظهر حقيقة على الواقع! هذا وقد يستمتع القارئ بذلك التداخل السردي بين الرواية وروايات نجيب محفوظ، حيث نجد مقاطع كاملة من روايات محفوظ استُخدمت لصالح الرواية وسير أحداثها. أما السرد فجاء مختلفًا أيضًا، يعتمد على تعدد الأصوات، ولكن ليس بالطريقة التقليدية، فالساردون أحيانًا بشر وأحيانًا كائنات أخرى. ويبدو في الرواية تأثرٌ كبير بروايات ما بعد الحداثة والواقعية السحرية لدى كبار ممثلي هذا التيّار مثل ماركيز وبورخيس وأورهان باموق وبول أوستر. ومما تجدر الإشارة إليه نجاح المؤلف في إحياء شخصيات محفوظ وتقديمها بصورةٍ تتماشى مع وظيفتها في النصوص المحفوظية، ولكنها تؤدي دورًا خاصًا لهذه الرواية، فنجد مثلا الحرافيش وهم يحرسون الحارة، ونجد الجبلاوي زعيمًا وأبًا روحيًا، وعاشور الناجي رئيسًا منفذًا، وزينات لعوبًا مثل ما ظهرت في رواية "الحرافيش".

ومع قراءة الرواية يكتشف القارئ أنّ هذا العمل عبارة عن نقد ساخر لاذع للأوضاع الثقافية والأدبية والسياسية في مصر، يأخذ أسلوب الرمز والإسقاط أحيانًا، والمباشرة في أحيان أخرى. أكثر ما ينتقده ويثور عليه المؤلف في هذا العمل هو الوضع الحالي للأدب السردي في مصر، فالرواية برمتها احتجاج على الرواية التقليدية. أما موضوع الرواية نفسه (اختفاء كتب محفوظ) فانتقاد واضح للمشهد الروائي المصري، فمن ناحية يرى المؤلف أنّ الجيل الروائي الحالي ضيّع تاريخ روائي عملاق ولم يستطع أن يُكمل مسيرة روائية عظيمة كان يجب أن يستفيد منها. ونرى في الرواية أنه بعد تضييع هذا التراث يُصاب المجتمع بوباء العمى، دلالة على التخبط الأدبي وغياب الرؤية الإبداعية. ومن ناحية أخرى يريد المؤلف أن يقول بأنّه رُغم روعة نجيب محفوظ لا يجب أن يقف أمر الرواية عنده، بل يجب تجاوزه، ولكن للأسف لا يوجد غير "كتاب يكتبون نصوصًا تدور في أفق مخنوق...لا يسببون دهشة، ولا يقدمون جديدًا" (ص197). وعندما يُصدم (كاتب الكاشف) بوجود شخصية من شخصيات روايته في الواقع يُصاب بالذعر مخافة أن تكون روايته مجرد "نص واقعي يرصد جانبًا من وقائع حياة أشخاص موجودين في الحياة، ويصبح ما كتبه مجرد نقل أمين لوقائع، بإمكان أي مدرس لغة أو "باش كاتب" أن ينقلها بلغته الركيكة العتيقة" (ص230). هذا ويستخدم إبراهيم فرغلي شخصية (كاتب الكاشف) لتقريع النقد الأدبي في مصر، والتعبير عن فشله في القيام بدوره على أكمل وجه، كما يعبّر عن وجهة نظره حول أهمية تناول الجنس أدبيًا، ويسخر من النقاد الذين يمتعضون منه ويصفونه بأنه "غير موظف فنيًا"، ولذلك نجد في الرواية قدرًا كبيرًا من الجنس الذي يعتبره المؤلف أساسيًا ومعبرًا عن الحياة الطبيعية. ومن جانبٍ آخر نجد الكثير من الرسائل الانتقادية، منها غياب الشفافية والمهنية لدى الجهات الحكومية في التعامل مع المصائب، ومنها جهل الناس بأدب محفوظ رغم التشدق بحبه. هذا و نجد نقدًا للواقع السياسي والاجتماعي عبر شخصية (زينب دياب) التي تظهر في الواقع من رواية "الكرنك" لنجيب محفوظ، ونقدًا آخر من شخصية (رادوبيس) الفرعونية التي تنتقد غياب حضارة "العلم، المعرفة، الحكمة، الفلسفة، الطب، التحنيط، وحتى قوة الأفكار والفنون" والتحول إلى مجتمع جاف فارغ حتى أنّ أفضل أهل البلد الآن "لا يرقى لأن يكون في قدر عامل من عمال حضارتنا، ألا تشعرون بالخجل من تفاهتكم وسخافتكم؟" (ص414).

من وجهة نظري أعتقد بأنّ المؤلف قد استهلك عددًا من المقوّمات وقذف بها في عملٍ أدبي واحد يحتاج إلى ترابط وتماسك أكبر يقاوم التشتيت الذي خلقه المؤلف، بينما كان بإمكانه استغلالها في أكثر من عمل. فمثلا قضية محفوظ والإرث الأدبي تصلح لرواية مستقلة بذاتها أيًا كان بناؤها السردي، والعلاقات العاطفية والاجتماعية بين كبرياء ونجوى ورفيق وكاتب الكاشف وجيسيكا وما يعتورها من عقد نفسية وقضايا تتعلق بالهوية والحرية تصلح بامتياز كي تكون مادة روائية منفردة. هذا وهناك فنّ الخط العربي الذي يتقنه "كبرياء" وتحدث عن أنواعه وأساليبه واستخداماته، كان من الممكن أن يتعمق فيه المؤلف ويتبحر حتى يُخرج لنا رواية تستخدم هذه الثيمة الجميلة كما استخدم أورهان باموق فن المنمنمات في رواية "إسمي أحمر". ومن الملاحظات التي نأخذها على هذه الرواية أيضًا كثرة الأخطاء اللغوية المزعجة التي لا تليق بكاتب رواية، وأتمنى أن يتداركها المؤلف في الطبعات اللاحقة، ولكن يجب أن نشهد للمؤلف بدقة الوصف وسلاسة اللغة ومناسبتها للشخصيات. من ناحيةٍ أخرى نعترف بأن الرواية مبدعة غير تقليدية، إلا أن اللعبة السردية التي اختارها المؤلف تُدخل القارئ في متاهات سردية ليست دائمًا ممتعة.

أخيرًا نقول بأن الرواية لا يكفيها هذا العرض، فهناك الكثير جدًا ليُقال عن تقنيات السرد، والثيمات التي تتناولها الرواية، وعن مدى نجاح التوظيف الجنسي والفني فيها. وأعتقد شخصيًا أن قراءة واحدة للرواية لن تكفي لالتقاط جميع الرموز والإسقاطات والرسائل التي تضجّ بها. هناك مواضيع عديدة لم أتطرق إليها بالتفصيل هنا، كشخصية نجوى وما ترمز إليه من قيم التحرر والانطلاق من قيد المجتمع، وعلاقة كبرياء وكاتب بأبويهما كرمزٍ للبحث عن الذات والهوية. هي رواية جميلة يتضح فيها المجهود الكبير الذي بذله إبراهيم فرغلي، تستحق القراءة ولكن بشرط أن يكون لك عقل متفتح متسامح مع التجريب الروائي والمتاهات السردية.

الأحد، 25 أبريل، 2010

رسالة إلى كانزي الكتب


عزيزي القارئ، هل أنت كانزٌ للكتب؟ هناك تجربة بسيطة لمعرفة ذلك: قفْ أمام مكتبتك الشخصية في منزلك، وقلّب ناظريك فيها بحثًا عن كتبٍ لم تعجبك، أو كتبٍ لن تقرأها مرة أخرى، فإن وجدتَ عددًا كبيرًا منها ولم تُطاوعكَ نفسك أن تتخلص منها، فأنتَ كانزُ كتبٍ من الطراز الأول!

هناك فئة من الناس يعشقون الكتب وأغلفتها ورائحتها وملمسها، يلاحقونها في المكتبات التجارية وأكشاك الكتب المستخدمة ومعارض الكتب ومواقع الكتب الإلكترونية (وقد يسرقونها من أصدقائهم ومعارفهم)، يصرفون مئات الريالات ولا يبالون. وحين يجدون كتبًا مجانية، أو معروضة بأسعارٍ زهيدة فذلك لهم عيدٌ سعيد لا يماثله عيد. تجدهم يشترون الأرفف ويصنّفون كتبهم وربما يجلّدونها، ويوقّعون بأسمائهم عليها مع تاريخ الشراء ومكانه. وأنا هنا لا أتحدث عن الذين يحبون القراءة والكتب، فهو أمرٌ محمود أشجع الجميع عليه، إنما حديثي عن "تملّك الكتب" وكنزها في مكتبات شخصية ضخمة، وهو ما أودّ مساءلته وأشكلته (أي أبيّن مشكلته). وأنا حينما أتوجه إليك عزيزي القارئ بهذا الحديث لا أزكّي نفسي، بل أقرّ لك أنني من هذه الفئة التي ذكرتها أعلاه، وفوق ذلك أعترف بأنني أحيانًا أعالج حالات الملل والكآبة بالتسوق في المكتبات! الأمرُ وما فيه أنني بدأتُ مؤخرًا بمساءلة هذا الهَوَس، وأدعوك إلى التفكير فيه معي، علّنا نُشفى منه. هل تجميع الكتب وكنزها أمرٌ جيد؟ القضية في نظري هي ليست ما إذا كان جيدًا أم غير جيد، وإنما في الوهم الذي اكتسح الكثير منا بأن ذلك هو الوضع المثالي الذي يجب أن يكون عليه المثقفون، خاصة عندما نقرأ عن مكتبات مشاهير المثقفين والأعداد الهائلة من الكتب التي يملكونها (مثل أنيس منصور الذي تحتوي مكتبته على أكثر من سبعين ألف كتاب).

هل كل الكتب تُجمع؟
في عام 2004 عندما سافرتُ إلى بريطانيا للدراسة وبدأتُ في شراء الكتب من موقع "أمازون" الشهير، أدهشني ذلك العدد الهائل من الأشخاص-لا المكتبات الصغيرة- الذين يعرضون كتبهم للبيع منفردة، وبصفتي محبًا للكتب مهووسًا بها استنكرتُ جدًا أن يبيع أحدهم كتبه، خاصة في بلاد نعرف عنها حب القراءة. كنتُ حتى ذلك الوقت أؤمن أنّ الكتاب إذا دخل المكتبة الشخصية لا يخرج منها إلا في حالة السرقة أو الاستعارة "المؤبدة" أو الاضطرار إلى بيع المكتبة برمتها لسببٍ أو لآخر. لكنني فهمتُ لاحقًا أنّ بيع الكتب الشخصية أمرٌ طبيعي جدًا ولا يتعارض أبدًا مع حب القراءة والكتب، وبأنّ الناس هناك يبيعون بعض كتبهم بعد قراءتها، خاصة الروايات التي تُقرأ مرة واحدة للمتعة ثم ينتهي أمرها. ورأيتُ هذا الأمر لاحقًا مع اثنين من المدرّسين الأجانب الذين يعشقون القراءة والكتب، ولكنهما لا يترددان أبدًا في التخلي عن بعض الكتب والروايات. وهكذا بدأتُ أتفهم أنّ هناك كتبًا يُحتفظ بها وأخرى لا ضرورة لمراكمتها. (العبارة الأخيرة دليل على بداية شفائي، ففيما مضى ما كنتُ لأتجرأ على قول ذلك، وكنتُ سأعدّه ضربًا من الكفر!)

إذن عزيزي القارئ فالمسألة الأولى التي يتعيّن علينا مناقشتها هي نوعية الكتب التي قد يكون الاحتفاظ بها ضروريًا، فأنا بالطبع لا أدعوك إلى التخلص من جميع كتبك. وبالنظر في مكتبتي الشخصية يمكنني تقسيم ما يمكن الاحتفاظ به إلى خمسة أصناف: (1) المراجع، كالقواميس والموسوعات والتفاسير والكتب المتخصصة التي تُعدّ مرجعًا في موضوعٍ ما. (2) كتب التخصص والاهتمامات البحثية، وهذه من المرجح أنني سأعود إليها من وقتٍ لآخر كي أسترجع معلومة ما أو أكتب بحثًا أو مقالا ونحو ذلك. (3) الكتب النادرة، كطبعةٍ أولى من كتابٍ قديمٍ قيّم أو نسخةٍ من كتاب غير منتشر أو توقف طبعه. (4) الكتب المفضلة، وهذه قد تكون روايات أو دواوين أو دراسات راقتني جدًا وأحبّ أو أنوي العودة إليها من وقتٍ لآخر. (5) كتب الذكرى، وهي كتبٌ مهداة لي من المؤلفين أنفسهم أو غيرهم، أو كتبٌ تذكّرني بحدثٍ ما أو مكان أو شخصٍ أو مناسبةٍ.

وهل توجد في مكتباتنا الشخصية كتبٌ لا تندرج تحت الأصناف الخمسة السابقة؟ بكل تأكيد، وإليك عزيزي القارئ أمثلة من مكتبتي الشخصية. لو نظرتُ في قسم الروايات، سأجد روايات قرأتها ولم تعجبني، وأخرى لا بأس بها ولكنني لا أنوي إعادة قراءتها، وأخرى مُترجمة إلى الإنجليزية من لغاتٍ أخرى ولكنني أفضل قراءة ترجماتها العربية. كما أرى هنا أعمالا كاملة لمؤلفين أريد أن أقرأها "ذات يوم" غير مسمى، وأعمالا "كلاسيكية" أشعر بالذنب والخجل لعدم قراءتها حتى الآن رغم أنني كل يوم وآخر أبدأ في قراءة شيء آخر ولا ألتفت إليها. وهنا أرى كتبًا كنتُ أريد قراءتها عندما اشتريتها ولكنني الآن لا أجد في نفسي أي رغبة في تصفحها. وهنا مجموعة من الكتب "الرديئة" التي قرأت بداياتها ثم سرعان ما تركتها جانبًا، ولا أظنني سأكملها أبدًا. ولو نظرتَ في مكتبتك، عزيزي القارئ، ستجد مثل كتبي تلك. تُرى لماذا جمعتُ هذه الكتب؟

أسباب جمع الكتب
حاولتُ أن أفكر في الأسباب التي دفعتني لجمع هذه الكتب وتخزينها. هل أنا من هواة جمع الكتب؟ إذن لماذا أمرّ على الكثير من الكتب الشهيرة، والكتب رخيصة الثمن، ولا تراودني نفسي لاقتنائها؟ هل هو استغلال لفرصة وجودها في المعارض والمكتبات التجارية السمينة؟ ربما، خاصة في بلدٍ مثل عُمان يعاني شحّ المكتبات (التجارية والعامة) وهزالها، إلا أنّ ذلك يفسّر الجزئية المتعلقة باقتناء الكتب لقراءتها وليس للاحتفاظ بها. هل هي رغبة في تكوين مكتبة شخصية كي يتعلق أطفالي مستقبلا بالكتب والقراءة؟ ولكنّ هؤلاء الأطفال-الذين لم يأتوا بعد- يُمكن أن يكتسبوا حبّ القراءة من مكتبةٍ صغيرة ووالدَين يقرآن باستمرار، ولا يُشترط أن تكون هناك آلاف الكتب في البيت. أعرف الكثير من القرّاء النهمين الذين لم يروا الكتب في بيوتهم إلا لمامًا. هل هي رغبة في الاستفادة من الكتب للكتابة والتدريس والبحث؟ نعم، ولكن ذلك لا يفسّر الاحتفاظ بالكتب التي لا تتعلق بمجالات اهتمامي وتخصصي. هل هي رغبة في إقناع نفسي والآخرين بأنني مثقف؟ أعتقد أنني تجاوزتُ هذه المرحلة منذ زمن. هل يتعلق الأمر بالديكور والمسحة الجمالية التي يوفرها منظر الكتب؟ ربما، وهو أمر مشروع، ولكنّ ذلك لا يبرر مراكمة المزيد من الكتب.

وقفة
لماذا أصرّ على أن أصنع من هذا الموضوع مشكلة؟ لماذا لا أدع الناس تجمع الكتب وتخزنها، ولكل امرئ ما هوى! في الحقيقة لا ضير في أن يكون لدينا بعضٌ من هواة جمع الكتب، فهؤلاء لديهم هواية يمارسونها، ولكنّ ما يقلقني هو أن يعتقد كل قارئ أو مثقف أنّ من واجبه تقديس الكتب وكنزها وعدم التنازل عنها أبدًا. ومما زاد الطين بلة تلك الحكمة "السيئة" التي تندرج تحت الحق الذي يُراد به باطل "أحمق من يعير كتابًا وأكثر حمقًا منه من يعيد الكتاب"، وصار من يقول "أنا لا أعير كتبي أبدًا" رمزًا لعشق الكتب والثقافة! قد تقول عزيزي القارئ أنّ كل إنسانٍ حرٌ في كتبه، وهذا صحيح، ولكنني أنظر إلى الأمر من زاويةٍ أخرى، من زاوية الكتب نفسها. عندما أنظر في مكتبتي أجد الأعمال الكاملة لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وسعد الله ونوس قابعة هناك، سجينة غرفتي لم يستفد منها أحد غيري-هذا إن أكملتُ قراءتها- لا لشيء إلا لنزعةٍ أنانيةٍ استحوذت عليّ لتملكها.

صحيحٌ أنني عندما أشتري الشيء أمتلكه، ولكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنني لا أستطيع بيعه أو إعارته أو المقايضة به أو التبرع به، فلماذا نقبل بتطبيق هذه المعاملات على كل شيء سوى الكتب؟ هو تقديسٌ زرعه فينا بعض المؤلفين والمثقفين وأصبحنا نردده ونؤمن به دون مساءلة. نعم عزيزي القارئ المثقف، الكتب غير مقدسة، يمكنك أن تبيعها إلى مكتبةٍ شرائية ما، ويمكنك أن تهديها إلى زميلك في العمل، أو تستبدلها بأخرى من صديق، أو تتبرع بها.

وقد يقول قائل: لماذا أتخلى عن كتبٍ أودّ قراءتها مستقبلا، أو أريد لأبنائي أن يقرؤوها عندما يكبرون، أو قد أحتاج إليها لسببٍ أو لآخر في أي وقت؟ حسنًا، إن كنتَ لا تريد بيعها أو إهداءها، يمكنك التبرع بها إلى المكتبة العامة القريبة منك، وبذلك تضرب عشرات العصافير بحجر واحد: تكون قد أطلقت سراح الكتاب، وأشعتَ فائدته بين العديد من القراء الذين يمكنهم استعارته أو قراءته في المكتبة، ووضعته في مكانٍ غير بعيدٍ عنك عندما تريده. أما عن أبنائك، فمن خير الأمور أن يتعودوا على زيارة المكتبة العامة، بدلا من الاعتماد على مكتبتك الشخصية فقط! وإن كنت تُراكم الكتب في شتى المجالات كي تستطيع الرجوع إلى معلومةٍ ما متى ما احتجت إليها، فما فائدة المكتبات العامة إذن؟

دعوة
من هنا أوجّه دعوةً لك عزيزي القارئ أولا إلى مساءلة عادتك في تكديس الكتب، وإن بدأتَ في الاقتناع بأنها مجرّد عادة وليست واجبًا مقدسًا أدعوك إلى التخفف من كتبك التي لا توجد ضرورة للاحتفاظ بها بين جدران بيتك. تبرّع بها أو اهدها أو بِعها إن شئت. لتكن لدينا محلات دائمة لبيع الكتب المستخدمة، ويُمكن لبعض المؤسسات الحكومية أن تتبنى ذلك، كأن يخصص النادي الثقافي مثلا يومًا في الأسبوع يكون سوقًا لبيع الكتب المستخدمة. هذا ويمكن للمكتبات التجارية أن تدعو الناس إلى تقديم كتبهم لبيعها هناك، وتكون لهم نسبة من المبيعات. لنتبرع بكتبنا للمكتبات العامة التي دائمًا ما نشتكي من فقرها، أو لنردّ الجميل إلى المدارس التي درسنا فيها ونتبرع لمكتباتها. إن كنت تجمع الكتب حبًا في المعرفة أو المتعة، فلا تحكرها على نفسك.

عزيزي القارئ، لنمنح بعضًا من كتبنا أجنحةً تُحلّقُ بها إلى عقولٍ أخرى!

الأربعاء، 21 أبريل، 2010

نعيب زماننا والعيب فينا: عرض لمسرحية "أهلا يا بكوات"



أعتقد أن الكثير منا-إن لم يكن جميعنا- يتمنى لو كان بالإمكان الضغط على زر "التراجع undo" في حياتنا للتراجع عن عملٍ قمنا به، رغبةً في تعديله أو الإتيان بأفضل منه، ولو سنحت لنا الفرصة وعُدنا للماضي لتخلينا عن كثيرٍ مما فعلنا، ولقدّمنا كثيرًا مما لم نقم به. نتناول اليوم مسرحيةً طرحت هذه الفكرة بأسلوبٍ كوميدي ممتع يجعلك تتفكر كثيرًا فيما كنت ستفعله لو عاد بك الزمن إلى الماضي، وهي مسرحية "أهلا يا بكوات" للكاتب المصري (لينين الرملي). كنتُ عندما أشاهد مسرحية لهذا الكاتب أتساءل متى يمكننا قراءتها، وتحققتْ أمنيتي أخيرًا عندما قامت دار نهضة مصر قبل سنواتٍ قليلة بطباعة مجموعةٍ منها، وهكذا صدرت "أهلا يا بكوات" عام 2008 في 166 صفحة من القطع الصغير. وقد قُدّمت هذه المسرحية على خشبة المسرح لأول مرة عام 1989 وحقق نجاحًا كبيرًا، ثم أعيد عرضها عدة مرات كان آخرها عام 2006.

إن كنتَ من محبي المسرحيات الكوميدية ذات الإسقاطات الرمزية الجادة، فلا بدّ أنك ستهوى عددًا من مسرحيات (لينين الرملي)، هذا الكاتب الذي يجيد إيصال الفكرة بسلاسةٍ وخفة ظل، دون ابتذال أو إسفاف، فيُضحكك على ما هو حريّ أن يبكيك. قدّم عددًا من المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية وحوالي 40 مسرحية. أما أشهر أعماله فتلك التي كوّن فيها ثنائيًا مميزًا مع الفنان الرائع (محمد صبحي)، وهي "انتهى الدرس يا غبي" و "تخاريف" و "أنت حر" و "وجهة نظر" و "الهمجي". وقد حصل الرملي على عدة جوائز في المسرح منها "جائزة كلاوس" عام 2005، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2006، وجائزة سعاد الصباح.

تحكي مسرحية "أهلا يا بكوات" قصة المدرّس الفقير (نادر) و صديقه العالم المثقف الثريّ (د. برهان) الذين يلتقيان بعد طول غياب، ويتناقشان حول المستقبل وما قد يحدث لمصر والإنسانية جمعاء نتيجة للتطور التقاني العجيب. وفجأة يُزَلزلُ المكانُ وينتقلان في الزمن إلى مئتي عامٍ في الماضي (إلى عصر المماليك). هناك يُضطران إلى إخفاء حقيقتهما ومحاولة التعايش مع الوضع الجديد، ثم السعي إلى تغيير التاريخ بإصلاح الأخطاء التي حدثت في الماضي، وتعجيل النهضة والتطور العلمي كي تستطيع مصر (والعرب عمومًا) اللحاق بركب الأمم الأخرى. ومع مرور الأحداث نجد الصديقين يختلفان في التعامل مع هذا الماضي اختلافًا كبيرًا فيتصادمان وتودي بهما مواقفهما إلى مواجهةٍ كبيرة.

بالنظر في لغةِ المسرحية نجدها مُناسبة جدًا لهذا العمل الذي كُتب كي يُقدّم على المسرح الشعبي لا النخبوي، فجاءت سلسة خفيفة مبتعدة عن الشاعرية أو الخطابية (إلا في مواضع تستدعي ذلك) كي تكون قريبة من المتفرجين الذين سيحضرون لمشاهدة المسرحية. وكي تكون اللغة أقرب إلى هذا الجمهور استخدم لينين الرملي اللهجة المصرية. ولأنّ هناك فرقًا زمنيًا بين شخصيتي نادر وبرهان من ناحية وشخصيات العصر المملوكي، كان على المؤلف أن يستخدم لهجةً مصرية لا تبدو معاصرة، تستخدم ألفاظًا توحي بذلك الزمن (مثل: التقيتهم، بصاصين، استخراع، استحرص منهم). ومن علامات نجاح المؤلف أيضًا أن الحوار كان مُناسبًا للشخصيات، فالخطاب الديني واضحٌ في حديث (الشيخ)، واللهجة المصرية المتأثرة بالتركية في حديث الأمير المملوكي (مراد بك)، واللهجة المصرية القريبة جدًا من المعاصرة في حديث الجارية والقهوجي، ربما للدلالة على أن أحوال العامة ما تزال كما هي!

وأما عن الشخصيات فكان رسمها مُتقنًا منطقيًا طوال المسرحية، فمثلا نتعرف على الدكتور برهان، العالِم المثقف المرفّه صاحب الشقة الفاخرة والخادمة الأجنبية، وهو ذو شخصية متعالية بعلمها ووجاهتها عن باقي الشعب، وربما يرمز إلى ذلك مسكنه في ناطحة سحابٍ على جبل المقطم. والدكتور برهان شخصٌ لا يهمه من العلم والمعرفة إلا ما يزيده راحةً ومتعة، ولا يهتم إلا بنفسه كما يقول لصديقه نادر " وهو أنا المسئول عن البشريه؟ ولا تكونش فاهم إن ما فيش دكاتره في البلد غيري..دا احنا بقينا على قفا من يشيل" (ص17). وعندما يعود الزمن إلى عصر المماليك نجد برهان يتزلف إلى المسؤولين ويناور وينافق كي ينال حظوتهم ويتنعم في ظلهم. والمثير في شخصيته أنه بعد عودته مائتي عامٍ في الماضي تحوّل من الأرستقراطية الغربية المعاصرة إلى رجل شرقي يمارس ما تمارسه الطبقة الارستقراطية آنذاك من تعدد الزوجات واتخاذ الجواري والعبيد وكبت المرأة، فبرهان يرمز إلى الطبقة الانتهازية مطاطية المبادئ التي لا تأخذ من الحضارة إلا قشورها. في الجهة الأخرى نجد صديقه نادر مهتمًا ليس بنفسه بل بالبشرية جمعاء وبأمته خصوصًا، وقد أتى يستفسر عن مصيرها لا مصيره، وعندما عاد إلى عصر المماليك آلمه ذلك فلم يستطع التكيف مع ذلك الزمن وفقدانه للحضارة والتقدم. وهكذا يحاول نادر أن يُوجد في مصر قِيَم الحريّة والعدالة والمساواة والنهضة والعلم، رافضًا الخضوع لمزاج ذلك العصر وتخلفه، إلا أنه شخصية من النوع الثوري الذي يريد التغيير الجذري السريع.

هناك ثيمتان رئيستان في هذه المسرحية يمكن تتبعهما في الحوار والشخصيات والرموز. أما الثيمة الأولى فهي الأثر الذي يحدثه الفكر الديني السلفي في الدولة، ويجب ألا ننسى أنّ هذه المسرحية كُتبت في الثمانينات مع صعود التيار السلفي في مصر. ويذكر المؤلف ذلك في مقدمته حين يقول بأن فكرة المسرحية جاءت بعد أشهرٍ من اغتيال الرئيس أنور السادات وانتشار التيار الإسلامي السلفي في مصر، رغم أنه ليس الدافع الوحيد لكتابة المسرحية. وبغضّ النظر عن كلام لينين الرملي إذا ما تأملنا في المسرحية وإسقاطاتها نجد فزعًا واضحًا من التيار السلفي. ومن أوضح المواضع في هذا الشأن ما قاله نادر متحسرًا بعد عودته إلى الماضي: "يعني خلاص..مش هيبقى راديو ولا تليفزيون ولا جرايد ولا مسارح ولا سينماهات؟ مش هتقرأ روايات ولا دواوين شعر؟ مش هنسمع مزيكا ولا أغاني؟ مش هنتفرج على تماثيل ولا معارض رسم..مش هيبقى فيه برلمان ولا نقابات ولا مدارس ولا كليات، مش هيبقى عندما متاحف ولا بلاجات ولا نوادي ولا ماتشات كورة حتى؟ مش هيبقى فيه كازينوهات على النيل ولا شبان وبنات بيتمشوا وإيديهم في إيدين بعض؟ طب والحياة يبقى طعمها إيه من غير دا كله؟" (ص46) وفي ذلك إسقاط على ما يُمكن للفكر السلفي أن يقوم به من تحريم وتجريم لأنواع الفنون والترفيه. كما نجد هذه الثيمة واضحة في شخصية (الشيخ) الذي يعارض التغيير والابتكار ويدعو إلى نبذ ذلك بدعوى البدع والضلالات. وفي نهاية المسرحية نصل إلى مرحلة أكبر من التصريح والوضوح حيث نجد صوتين يناديان في الناس أحدهما صوت نادر الذي يدعو إلى التقدم والعلم ونبذ الجهل والخرافة، والثاني صوت الشيخ الذي يدعو إلى محاربة الخلاعة والتبرج والسفور والشعر والكتابة والفن.

أما الثيمة الأخرى التي تبرزها المسرحية فهي تدهور الأمة العربية وعجزها عن مواكبة التقدم والتحضر، ويظهر القلق من ذلك في بداية المسرحية حين يقول نادر لصديقه برهان: "ولمّا العالم هيحصل فيه التقدم دا كله! بلدنا هتبقى فين منه؟ هنعمل إيه وقتها؟ هنقدر نجاري الناس دي ولا هنفضل قاعدين نتفرج عليهم؟" (ص16). ورغم عودة الزمن إلى الوراء إلا أننا لا نجد شيئًا قد تغيّر، فعقلية الشعب والقادة لا تحتوي على أية حكمةٍ أو نظرةٍ مستقبلية أو رغبةٍ في التقدم، فحين يحاول نادر وبرهان تنبيههم على ما سيحدث في العالم وتزويدهم بأدوات التقانة والعلم نجدهم لا يتقبلونها، وإن تقبلوها لا يحسنون استخدامها. وكأنّ المسرحية تقول أننا نحن العرب نعيش ليومنا فقط ولا نأخذ من الحضارة إلا مظاهرها، ولا هِمّة لدينا لنتعلم ونشترك في إنتاج العلم والمعرفة، حيث يقول الشيخ: "احنا مالنا حاجه بعلوم الدنيا إحنا اشترينا الآخره" (ص43) و "لقد خص الله الأجانب بالعلم والتقدم وسخرهم ليخترعوا ويبتكروا لخدمتنا فنتفرغ نحن لعبادته سبحانه وتعالى وندخل الجنة من أوسع أبوابها" (ص162). ولا يفوت المؤلف أن يشير إلى الفساد والرشوة ورغبة الحكام في بقاء الناس في جهل حتى يسهل حكمهم، قديمًا وحديثًا. ومن المفارقات الطريفة أنه في عام 2006 عندما اُعلن عن إعادة عرض المسرحية في مصر قال مخرجها عصام السيد إن "الظروف السياسية التي تناقشها لم تتغير وإنما تفاقمت أكثر".

ما نأخذه على هذه المسرحية هجومها الشرس على الفكر الديني السلفي دون الإتيان بشخصية تمثل التيار الديني الآخر، فالإسلام ليس كله سلفيًا، و كان جديرًا بالمؤلف الذي يتحدث عن التطور والنهضة المصرية أن يُنصف فيذكر شيئا يمثل الإسهامات العلمية والفكرية لشخصيات دينية أثرت في نهضة مصر مثل رفاعة الطهطاوي والإمام محمد عبده. عدا ذلك فالمسرحية جميلة ممتعة لها رسالة قوية نجح المؤلف في إيصالها بسلاسة كي تبقى في الأذهان طويلا.

السبت، 17 أبريل، 2010

متى تنكشف الذئاب؟ عرض لرواية "عندما تشيخ الذئاب"



هل التأليفُ الإبداعي إلهامٌ أم اشتغال؟ قد تتضاربُ الآراء في هذا الموضوع، ولكن المؤكد أن توفير المساحة والمناخ الملائم للاشتغال يساعد في الخروج بعملٍ إبداعي. والعملُ الذي نحن بصدده اليوم هو ما أنتجه (جمال ناجي) في إجازة التفرغ الأدبي التي حصل عليها عام 2007 من وزارة الثقافة الأردنية، وصدرت الرواية عن الوزارة عام 2008، ثم في طبعتها الثانية عن الدار العربية للعلوم عام 2010 في 245 صفحة. جمال ناجي روائي وقاص أردني من أهم الأسماء الأدبية في الأردن، وقد صدرت له ست روايات وثلاث مجموعات قصصية حتى الآن. له مشاركات فاعلة في المشهد الأدبي الأردني قد يكون أبرزها ترأسه لرابطة الكتاب الأردنيين من عام 2001 حتى 2003. نُشرت أول رواية له عام 1982 "الطريق إلى بلحارث" وحققت نجاحًا كبيرًا وأعيدت طباعتها عدة مرات. أما قصصه القصيرة فقد تميزت بأسلوب المفاجأة في آخر القصة، وهذا ما سنراه في الرواية التي نتحدث عنها.

في رواية "عندما تشيخ الذئاب" اعتمد المؤلف تقنية سردية بدأت تنتشر عربيًا في السنين الماضية وتحقق قدرًا من القبول والمتعة لدى القارئ، وهي تقنية تعدد الرواة أو الأصوات، بحيث لا يكون هناك ساردٌ واحد عليم بكل شيء، بل ينساب السردُ على لسان عدة شخصيات. وهكذا نجد في الرواية خمس شخصيات تتبادل السرد (إضافة إلى شخصية سادسة تظهر في أواخر الرواية مرة واحدة)، فتروي لنا الأحداث كما عرفتها (أو كما تريد أن تحكيها)، فلا تكتفي بتكرار ما عرفناه من شخصية أخرى، بل تضيف إليه وتوضح جوانب أخرى منه. وسيلاحظ القارئ أن (عزمي الوجيه)-الشخصية الرئيسة المحورية التي يدور الجميع في فلكها- ليس أحد الساردين، وإنما يأتينا وصفه عبر الشخصيات الأخرى. وأعتقد أن هذا قرار صائب وذكي من المؤلف؛ لأنه بذلك حافظ على الحَيرة والغموض الذي تتشبع به هذه الشخصية، فنبقى نحن القراء مثل بقية الشخصيات حائرين فيها ولا نعرف كيف تفكر ولماذا تتصرف بهذا الشكل.

أما العالم الذي تبنيه هذه الرواية بثيمتها الأساسية فهو عالم الخيانات، عالم نوعٍ من الناس لا يعرف الأمانة، كالذئاب. وتتخذ الخيانة في الرواية أشكالا مختلفة: اجتماعية وسياسية وفكرية ودينية وزوجية وأخلاقية، فجمال ناجي يطرق في روايته المواضيع الثلاثة المحرم نقاشها في المجتمع العربي: الدين والجنس والسياسة، وكل ذلك يتكشف لنا عبر علاقات الشخصيات وتفاعلاتها مع أنفسها، ومع بعضها، ومع العالم من حولها بدءًا من المجتمع الصغير في قرية جبل الجوفة وحتى المناطق الأخرى في العاصمة عمّان.

تبدأ الرواية بأسلوبٍ تشويقي مميز مع (سندس) بجملتها "عزمي الوجيه أذلني ثلاث مرات"، وسيعرف القارئ ظروف هذه المرات وملابساتها بمرور الأحداث. وسندس هذه فتاة ظلمتها ظروفها عندما أفسد أبوها عرسها فتشاجر مع أهل العريس، فتطلقت. ومع كثرة كلام النسوة المتزوجات ومعاكسة الشباب لم تستطع مقاومة رغباتها الجسدية، فرضخت لملاحقات (رباح الوجيه) للزواج منها رغم أنها أصغر منه بـ27 عامًا. ولكن رباح ما يلبث أن يفشل في مجاراة غرائزها ويخونه جسده، فينهزم أمامها وينكسر، وستكون هذه هي نقطة التحول والجموح في شخصية سندس، حيث تتعلق بابن زوجها (عزمي) وتراوده عن نفسه دون هوادة، متسلحة بأنوثتها الطاغية و موهبة الغواية التي تتمتع بها كما وصفها عزمي. ويظلّ تعلقها بعزمي يزداد كلما أذلها وتمنّع عنها، ورغم زواجها برباح وبـ(صبري أبو حصة) لاحقًا، إلا أنها لا تنفك تبحث عن فراش عزمي.

أما عزمي الوجيه فهو شخصية فريدة من نوعها يتمتع بذكاء حاد وكبرياء وثقة بالنفس وسحر على الآخرين، استقلالي منذ شبابه، لم يأبه ببخلِ أبيه ولم يرضخ له، وانضم إلى حلقات دروس الشيخ (عبد الحميد الجنزير). يُعجَب الشيخ بذكائه الفائق وشخصيته القوية دونًا عن جميع أقرانه فيقربه منه ويكلفه بمهام عديدة يبرع في تنفيذها، ويصبح ذراعًا يُمنى للشيخ إلى أن يصبحا شريكين لاحقًا في مشاريع كثيرة. أما نقطة التحول في حياة عزمي فتحدث حين يكتشف سرًا خفيًا في حياة الشيخ الجنزير، وبذلك تسقط أقنعة الدين والأخلاق فيشقّ حياته بأسلوبٍ مختلف ليصنع اسمه ومجده وثروته، ولكن يبدو أن نبوءة زوجة خاله لم تخل من الصحة: "من يريد كل شيء لا يحصل على شيء" (ص112).

وأما الشيخ عبدالحميد الجنزير فهو "رجل الدين" الجليل الذي يعطي الدروس الدينية وينفق على الطلاب، ويجمع الأموال للمشاريع الخيرية، ويداوي الناس بالأعشاب، ويطرد الجن والشياطين. متزوج من امرأتين ولكنه لا يسكن معهما، بينما يتمتع بأجساد النساء اللاتي يأتين إليه للعلاج. الشيخ الجنزير رمزُ لأولئك الذين يتخذون الدين إطارًا يعملون فيه لتحقيق غاياتٍ عديدة، ولا مانع لديهم من مُحالفة الشيطان نفسه إن كان سيوصلهم إلى بغيتهم.

وأما (جبران) خال عزمي فهو المناضل الماركسي الذي دخل المعتقل السياسي مُكافحًا في سبيل قضية المحرومين والطبقة الكادحة. فجأة وبُعيد احتلال الجيش الإسرائيلي لبيروت يترك جبران القرية ويسكن في إحدى مناطق الأثرياء، فتنمو الشائعات حول مصدر أمواله وتشكك في نزاهته. مع حضور الثروة تبدأ زوجته محدثة النعمة في التغيّر، فلا تخالط معارفها الفقراء، ويبدأ هو كذلك في تجنبهم، ونجدها تربي طفليها تربية برجوازية جديدة وتتصرف مثل نساء الأثرياء إلى درجة أنها تشتري قطة شيرازية تربيها. يحاول جبران مقاومة هذه النزعة الجديدة، ويقول عن نفسه أنه لم يتنكر لأفكاره الماركسية، وإنما يقصرها على الجانب السياسي دون الاجتماعي، إلا أننا نجده تدريجيًا يتحول إلى شخص رأسمالي حقيقي، وانتهازي متسلق يبحث عن المنصب بكل قوة.

هذه الرواية تحاول كشف المستور عن خفايا المجتمع والتحولات الفكرية والأخلاقية فيه تبعًا لتطور الأحداث السياسية والاقتصادية في الأردن، فنجدها تسخر من التقارب العجيب بين التيارين اليميني واليساري، لا إيمانًا بالحوار أو الديمقراطية، بل لتحقيق المصالح. ونجد كذلك إشاراتٍ إلى الفساد السياسي، والبطالة، والانحراف والتطرف في بعض من ينتسب للجماعات الدينية. ليس من الغريب إذن أن يُحتفى بهذه الرواية في الأردن كونها تناقش قضايا من هموم المجتمع.

ومن جماليات الرواية أيضًا اللغة التي كتب بها جمال ناجي الرواية، فنلاحظ لغة بسيطة لا تهدف إلى التفاصح أو فتل العضلات اللغوية، ولكنها في الوقت نفسه سليمة جميلة وثريّة، ولا تخلو من عبارات كالحكم، مثل: "كيف يمكنه عقد السلام مع النجاح إذا كان يحاربه حين يمتلكه الآخرون؟" (ص109). أما الجانب الأبرز في اللغة فيتجلى في اعتناء المؤلف بأن تكون لغة الشخصية نابعة من الخطاب الذي تنتمي إليه، فنجد ألفاظًا وعبارات من المناخ الذي تعيش فيه الشخصية وتفكر في إطاره (الخطاب السياسي لدى جبران، والخطاب الديني لدى الشيخ الجنزير وبكر الطايل، مثلا). ومما يُلاحظ أيضًا أن الحوار حاول التقريب بين العامية والفصحى، فاستخدم مفردات أو عبارات عامية لا تبتعد كثيرًا عن الفصحى، مثل: "عادي/نسوان/جهزي حالك/مفعوصة/عليها القيمة/الشور شورها/احكي مثل الأوادم".

ورغم ما ذكرناه آنفًا من عناصر إيجابية في الرواية، وجدتُ بعض الأجزاء لم يُوفق المؤلف في "سبكها" وبدت لي غير مقنعة أو غير مبررة. فمثلا انتقام سندس من زوجها الثالث بعد موته هو عمل وحشي إجرامي، ولا يوجد في شخصية سندس اللعوب ما يدعم هذه النزعة الإجرامية أو حتى المبالغة في رد الفعل، كما أنه لا يضيف أي شيء لقيمة الرواية وما كانت لتخسر شيئا من دونه. ومن جانبٍ آخر نجد أن تصرفات هذا الزوج الثالث غريبة وغير مبررة، فما الذي يجعله يقبل أن يشتري عزمي لسندس شقة وسيارة؟! هذا ويأتي في أواخر الرواية مشهد يصف مطاردات المباحث لعزمي وقدرته على التخفي والهروب والمراوغة والتنكر، بينما لا نجد في شخصية عزمي ما يجعله (جيمس بوند) فجأة هكذا! أما السر الأكبر الذي تعتمد عليه الرواية ولا يُكشف إلا في السطر الأخير منها فلم يبرع جمال ناجي في صناعته والحفاظ عليه، حيث هناك الكثير من الإشارات التي تجعل القارئ قادرًا على معرفته قبل الصفحة الأخيرة بكثير.

لا شكّ أن جمال ناجي أخرج نصًا ممتعًا، إلا أنني أتساءل عن الجديد الذي جاءت به هذه الرواية لتكون في القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، فالمتدين المنافق والسياسي الفاسد، والمتدين المتطرف، والزوجة الصغيرة اللعوب كلها صور استهلكتها المسلسلات العربية مؤخرًا، ويُفضل لو تم تناولها بشكلٍ جديد غير مألوف. ربما أفضل ما أنجزه جمال ناجي هو إتقانه لتطوّر الشخصيات وانتقالها من البراءة إلى الانحراف الكامن فيها الذي كان ينتظر شيئا ما ليخرج، وهذا الإتقان في الحقيقة يحتاج إلى روائي ماهر.

الأربعاء، 14 أبريل، 2010

عادات التفكير ما بين الشرق والغرب: عرض كتاب "جغرافية الفكر"



هناك نكتة تقول بأن الأمم المتحدة وزّعت استبانة حول العالم تسأل فيها السؤال التالي: "من فضلك هلاّ قدّمت لنا رأيك الشخصي الصادق حول الحلول لمشكلة نقص الغذاء في بقية أنحاء العالم؟"، وتبيّن من النتائج أنه في أفريقيا لم يفهموا كلمة "غذاء"، وفي الشرق الأوسط لم يفهموا كلمة "حلول" وفي الصين لم يفهموا معنى "الرأي الشخصي" وفي أميركا لم يفهموا معنى "بقية أنحاء العالم"! هي مجرد طرفة لا تعميمات تُرجى منها، ولكنها قد تشير إلى فروقٍ كبيرة بين شعوب العالم على مستوى التفكير. هذا ما يُحاول أن يقوله كتاب "جغرافية الفكر: كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف ولماذا؟" الذي صدر عام 2003 ونُشرت نسخته العربية عام 2005 في سلسلة عالم الفكر بترجمة (شوقي جلال).

الكتاب من تأليف (ريتشارد إي نيسبت) البروفيسور في علم النفس الاجتماعي، ومدير مشارك في برنامج الثقافة والإدراك في جامعة ميتشيجان بالولايات المتحدة. صدرت له ثلاثة كتب كان آخرها "الذكاء وكيفية الحصول عليه: أهمية المدارس والثقافات" (2009) والعديد من الدراسات. ولقد حصل (نيسبت) على العديد من الجوائز العلمية والبحثية كان آخرها عام 2007 من جامعة فورزبرغ الألمانية. وفي الكتاب الذي نحن بصدده يحاول (نيسبت) إثبات أنّ التفكير ليس غريزة أو عادة ثابتة يشترك فيها جميع البشر في كل مكان، وإنما هناك عوامل ثقافية واجتماعية تؤثر فيه تأثيرًا كبيرًا وتشكّل طريقة عمله. وهكذا يقوم المؤلف بالمقارنة بين أساليب التفكير لدى الغربيين (وبخاصة سكّان أميركا وكندا) وتلك لدى الشرق-آسيويين، متتبعًا الجذور التاريخية والفلسفية والاجتماعية التي أنتجت هذين النمطين المتمايزين من التفكير.

يقارن الفصل الأول بين الأسس الفلسفية التي اتكأ عليها كل من المجتمع الغربي والمجتمع الشرق-آسيوي، فالمجتمع الغربي وريث الفلسفة الإغريقية التي اتسمت بتمجيد الحرية الشخصية والمسؤولية الذاتية عن الاختيار واستغلال الطاقات الفردية لتحقيق الإنجازات، ولم يكن غريبًا إذن أن يؤدي ذلك إلى نزعةٍ جدالية يحاول كل فردٌ بها إثبات تفوقه على الآخر، كما كان لدى الإغريق رخاء اقتصادي نسبي ساهم في تنمية فضولهم المعرفي وولعهم بإضفاء الصفات ووضع التصنيفات والقوانين. من الناحية الأخرى ورث الشرق-آسيويون الفلسفة الصينية التي تُعلي من قيمة التناغم والانتماء إلى الجماعة والالتزامات المتبادلة والحث على الإنتاج الجماعي، ولم يكن لدى الصينيين القدماء ولعٌ بالتجريد النظري المنفصل عن القيمة العملية، حيث أنتجوا الكثير من التقانات التي لم يعرفها الإغريق، ولكنهم لم يمتلكوا فضولا معرفيًا تجريديًا كبيرًا. العالم بالنسبة للإغريق بسيط يُمكن معرفته بالتركيز على صفات المواضيع ووضع قواعد كلية لها، في حين نظر الصينيون إلى العالم على أنه معقد يتكون من جواهر عديدة متفاعلة متبادلة التأثير، ولا سبيل إلى التعامل معه إلا بروح التناغم والتكافل والنظرة إلى السياق الكامل.

ولكنّ الفلاسفة الذين وضعوا هذه الأسس هم حقيقةً نتاج مجتمعهم لا صانعيه، وهكذا يُمكن رد الفوارق الفلسفية إلى فوارق اجتماعية تعود بدورها إلى فوارق بيئية جغرافية. في بلد مثل الصين حيث السهول الخصبة والأنهار تنشط الزراعة، مما يحتّم انتشار قيم التعاون والتكافل والانسجام، أما اليونان فمكونة من جبال وسفوح منحدرة نحو البحر شجّعت أعمال القنص والرعي والصيد والقرصنة، وهذه كلها لم تستوجب التعاون والانسجام. وهكذا فالمجتمع الزراعي يميل بطبعه إلى الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية والمجال العام للأمور، بينما المجتمع الإغريقي يبرز الفردية والاهتمام بالموضوعات وصفاتها من غير حاجةٍ إلى النظر في تأثير الآخرين أو المجال العام عليها.

أما الفصل الثالث فيتطرق إلى بعض القيم الاجتماعية ويقارن بينها في المجتمعين الغربي والشرق-آسيوي. يوضّح المؤلف أنّ الغربيين يُعلون من قيمة الذات كثيرًا ويربّون أبناءهم عليها كي تكون لهم ذوات مستقلة متميزة متفردة، في حين لا نجد ذلك لدى الشرق-آسيويين، فـ"النجاح هدف منشود، باعتباره هدفًا جماعيًا، وليس وسام استحقاق شخصي" (ص62). والإنسان في شرق آسيا يرى ذاته متداخلة مع الجماعة التي ينتمي إليها في مقابل الجماعة الخارجية، فيما يرى الإنسان الغربي ذاته منفصلة مستقلة عن أي جماعة. الغربيون يهتمون بقيمة الاستقلالية وتنشئتها منذ الصغر، فنجد مثلا أن الطفل الغربي ينام في سرير مستقل، بينما ينام أطفال شرق آسيا على السرير نفسه مع أبويهم، ونجد أن الأبوين الغربيين يعلّمان طفلهما أن يستقل برأيه وخياراته، فيما يفضل الشرق-آسيوي أن يختار لطفله لأنه يعرف أكثر منه. من ناحيةٍ أخرى أبرز الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية في شرق آسيا اهتمامًا بمشاعر الآخرين وقدرة على تقدير مواقفهم وتفهمها، وهذا غير بارز في الثقافة الغربية التي تؤمن بالقواعد الكلية الشاملة التي يجب تطبيقها على الجميع دون النظر إلى ملاءمة الحالات الفردية. ولا يفوت المؤلف أن يؤكد أنّ ذلك لا يعني أن جميع المجتمعات الغربية أو الشرق-آسيوية سواء في ممارستها لهذه القيم. ومن أكثر أجزاء هذا الفصل إثارة حديث المؤلف عن فن الخطابة والمحاججة وغيابه في الفكر الآسيوي، مما يؤثر على عدة ممارسات حياتية مثل النقاشات الديمقراطية وكتابة البحوث العلمية، وكل ذلك يعتمد بشكلٍ كبير على المحاججة.

وفي الفصل الرابع يحاول المؤلف التدليل على أن هذه الفوارق النابعة من الإرث القديم ما تزال موجودة في المجتمعات الحديثة، ويوضح أن الصينيين القدماء رأوا العالم مؤلفًا من جواهر متصلة ببعضها، بينما رأى الإغريق العالم مكونًا من جسيمات مختلفة، ويستشهد المؤلف بعددٍ من الدراسات والتجارب التي تثبت أثر هاتين النظرتين على المجتمعات الغربية والشرق-آسيوية، حيث ثبت أن الآسيويين لديهم اهتمام أكبر بالمجال والبيئة المحيطة بالأشياء وتفهّم العلاقات بينها، بينما يهتم الغربيون بالموضوع نفسه وصفاته منفصلا عن السياق العام. وإذا كان الأمر كذلك فمن المرجح أنّ المهتمين بالسياق سوف ينظرون إلى أحداث العالم على أنها ناتجة من تفاعل عدة عوامل في عدة سياقات، بينما ينظر الآخرون إلى الأحداث على أنها ناتجة من خواص الموضوع نفسه، وهذا ما يحاول الفصل الخامس إثباته. يروي المؤلف أن طالبًا صينيًا خسر في جائزة تقدّم لها فطعن في قرار لجنة التحكيم ولكن دون جدوى، فأطلق النار على الأستاذ المشرف عليه والشخص الذي نظر في رسالة الطعن وعدد من زملائه ثم قتل نفسه. وبمقارنة ما كتبته الصحف الصينية بالصحف الأميركية تبيّن أن الأخيرة تُرجع الأمر إلى صفات الطالب وشخصيته (سيء الطباع، سوداوي، لديه مشاكل نفسية)، بينما تحاول الصحف الصينية تفسير الأمر من خلال سياق الأحداث (غيرة الآخرين، عدم الانسجام مع المجتمع الصيني، خلاف مع المشرف، السماح بحمل الأسلحة). وكي يتأكد الباحثون من أن الفارق هذا لا يعود إلى نُصرة الصحف الصينية لمواطنها درسوا قضية مشابهة كان فيها القاتل أميركيا، فلم تختلف النتائج. ويخلص المؤلف في هذا الفصل إلى أن الصينيين يميلون إلى إرجاع الأسباب إلى السياق، فيما يميل الأميركيون إلى إرجاع الأسباب إلى السلوك الشخصي.

بعد ذلك يناقش المؤلف قضية تصنيف الأشياء، ويبيّن أن الصينيين القدماء لم يميلوا إلى تقسيم الأشياء إلى فئات حسب تشابه خواصها، وإنما إلى تأثير بعضها في الآخر، فقد كانوا يهتمون بعلاقة الجزء بالكل. أما الإغريق الذين كانوا يهتمون بالموضوعات فقد قسّموا الأشياء إلى فئات واهتموا بعلاقة الفرد بالفئة، بحيث يمكنهم بسهولة وضع قانون واحد ينطبق على جميع أفراد الفئة. وهناك تجربة طريفة أُجريت لتأكيد ذلك حيث عُرضت على المشاركين صورة لقرد ثم سُئِلوا أي الشيئين يلائم صورة القرد أكثر: الباندا أم الموز؟ أما الأميركان ففضلوا التصنيف الفئوي واختاروا الباندا لأنه يشترك مع القرد في فئة الحيوان، وأما الصينيون ففضلوا التصنيف على أساس العلاقات واختاروا الموز لأن القرد يأكل الموز. ويقول المؤلف بأن ميل الغربيين إلى الفئات وقصور ذلك لدى الشرق آسيويين يمكن ردّه إلى أسباب فلسفية ولغوية، فالصينيون القدماء لم يهتموا بالفئات (والتي تحتاج إلى أسماء)، بل ركزوا على العلاقات (والتي تبرز الأفعال). هذا ويسهل في اللغات الهند-أوروبية تحويل الصفات إلى أسماء، ومن السهل التفرقة بين المعرف والنكرة، بينما لا يوجد ذلك في الصينية واليابانية، والرمز الواحد فيهما له عدة معاني، لذلك يعتمد المستمع/القارئ على السياق. يتبيّن من ذلك أن هناك تأثيرًا واضحًا للغة على الفكر.

بعد ذلك يستعرض الكاتب الاستدلال العقلي في المجتمعين الغربي والشرق-آسيوي، ويوضّح أن المنطق حاضر بقوة في التفكير الغربي الذي يمجد المحاججة، فيما يقل الاهتمام به كثيرًا في التفكير الشرق-آسيوي الذي يمكن أن يطرح المنطق جانبًا إن كان لا يتوافق مع النماذج المعروفة (وهذا لا يعني أنهم لا يجيدون استخدامه). أما الفصل الأكثر إثارة وإمتاعًا فهو الفصل الثامن الذي يناقش أثر هذه الاختلافات الفكرية على المجتمعات الغربية والآسيوية (مثلا، في الطب الغربي نجد الاهتمام بالجزء المسبب للعلة وإزالته، فيما يهتم الطب الشرق-آسيوي بالعلاقات بين أعضاء الجسد والتوازن بينها) ويتحدث المؤلف عن تجليات هذه الاختلافات في القانون والجدل والعلم والخطابة والعقود وحقوق الإنسان والدين والعلاقات الدولية. وفي خاتمة الكتاب يناقش المؤلف إطروحة فوكوياما في نهاية التاريخ وتوقفه عند النموذج الغربي، وإطروحة هنتنغتون في صدام الحضارات، ويرفضهمها معًا مبينًا أن المجتمعات الحالية تنهج فكرًا غربيًا في بعض المجالات وفكرًا شرقيًا في مجالات أخرى، مؤمنًا أن النهجين سيلتقيان ويثريان عادات الفكر والإدراك البشري.









الأربعاء، 7 أبريل، 2010

الشرق من التشويه إلى المصداقية: عرض لكتاب "تطور صورة الشرق في الأدب الإنجليزي"



من المواضيع الهامة في الدراسات الأدبية استقصاء صور الشعوب والثقافات في الآداب المختلفة، حيث يشكل الأدب مادة شعبية ونخبوية ثرية لاستكشاف نظرة البشر وانطباعاتهم عن الشعوب الأخرى. وهناك العديد من الدراسات العربية التي تتناول هذا الموضوع، قد يكون آخرها عُمانيًا كتاب "غواية المجهول: عمان في الأدب الإنجليزي" للدكتور هلال الحجري. في هذا المقال نستعرض كتاب "تطور صورة الشرق في الأدب الإنجليزي" للدكتور ناجي عويجان بترجمة تالا صبّاغ، الصادر عن المنظمة العربية للترجمة عام 2008 في 228 صفحة.

الدكتور ناجي عويجان هو أستاذ اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة سيدة اللويزة بلبنان، وهو رئيس جمعية بايرون اللبنانية، ترأس المؤتمر الدولي الأول للأدباء اللبنانيين-الأميركيين والمؤتمر الدولي لتحديات الترجمة التحريرية والشفوية في الألفية الثالثة، كما أنه يشغل عدة مناصب أخرى في جمعيات أكاديمية وأدبية أخرى. صدر له كتابان باللغة الإنجليزية وقام بتحرير ثلاثة كتب أخرى، إضافة إلى ترجمة كتابين عربيين إلى الإنجليزية لأمين الريحاني وفريد مطر.

ينقسم الكتاب إلى مقدمةٍ يبيّن فيها المؤلف أهداف الكتاب وسياقه وحدود ما يتناوله، وفصلٍ أول يناقش صورة الشرق إلى ما قبل القرن السابع عشر، وفصلٍ ثانٍ للقرن الثامن عشر، وفصل ثالث أطول من سابقيه للقرن التاسع عشر. وقد امتنع المؤلف عن مناقشة صورة الشرق خلال القرن العشرين لـ"تنوع التعبير الأدبي الحديث الذي لم يعد يقتصر على المواد المطبوعة...وهذا الموضوع واسع وغني جدًا ليناقش في عمل وجيز كهذا" (ص13).

في الفصل الأول يتطرق المؤلف إلى الأصول التاريخية لاتصال الشرق بالغرب، وبيّن فيه كيف أنّ ظهور المسيحية أدى إلى المزيد من التواصل وتأسيس صورة عن الشرق من خلال كتابات الحجّاج والرحّالة وقصص الكتاب المقدس التي أذكت خيال الغرب بصور الشرق العجائبي على نحوٍ مشوّه ومبالغ في الخيال. وبعد ظهور الإسلام ووصوله إلى إسبانيا تحوّلت هذه الصورة الأسطورية إلى أخرى سلبية على يد الصليبيين الذين رأوا في الدين الإسلامي خطرًا وضلالا. ومن الإشارات المثيرة في هذا الفصل أنّ الأديب المرموق (تشوسر) أظهر الشرق في أدبه بصورةٍ سلبية ليس بالضرورة لأنه كان متحيزًا ضد الشرق، وإنما لأنه كان يتبع التقليد الأدبي السائد آنذاك في تصوير الشرق بتلك الطريقة، وأنّ عددًا من أدباء العصور الوسطى كانوا يصوّرون الشرق سلبًا رغم أنهم لم يزوروه، ولكنهم كانوا يثقون ثقة عمياء بالكتابات القديمة عن الشرق. ومع حلول عصر النهضة الأوروبية وتأسيس الشركات التجارية الكبرى أصبح سفر الإنجليز أكثر سهولة، واستطاع عددٌ من الكتّاب أن يزور الشرق ويكتب عنه بموضوعية دون تحيّز، إلا أن النفوذ العثماني الذي كان خطرًا على الغرب جُوبه بدعايات حربية صوّرت الأتراك (والمسلمين تبعًا لهم) بأبشع الصور. وفي هذا العصر ظهرت عدة كتب تاريخية عن الشرق، وعُرضت الكثير من المسرحيات عن الشرق تلبية لرغبة الجمهور المتعطش لمعرفة المزيد عن هذا العالم، إلا أنّ جوّ الدمار والقتل والحروب والخيانة والإجرام كان هو السائد على هذه الأعمال. حتى شكسبير نفسه لم يكن تصويره للشرق إيجابيًا، وعمد إلى استخدام الشرق لزخرفة أعماله. أما أكثر المسرحيات "الشرقية" شعبية فكانت للكاتب الشهير كريستوفر مارلو، وذلك لأنها أظهرت الشرق وحشيًا ضالا كما يتوقع الجمهور. وظلت الأعمال التاريخية وكتب الرحلات الموضوعية النادرة مُتجاهلة، في حين استمر الأدب الإنجليزي في تشويهه للشرق. أما الأعمال القليلة التي قدّمت معلومات حقيقية عن الشرق فكان أغلبها مترجمٌ عن مؤلفين فرنسيين.

وفي الفصل الثاني يتحدث المؤلف عن النقلة التي حدثت في القرن الثامن عشر من حيث ازدياد اهتمام الإنجليز بالشرق وانكبابهم على ما يُكتب ويُنقل عنه. في هذا القرن لم يكن الشرق يشكّل خطرًا سياسيًا أو عسكريًا على الغرب، وفيه سقطت الحكومات والامبراطوريات الشرقية، وتوسع النفوذ الاستعماري الغربي في الشرق، وازدهرت الشركات التجارية الغربية الموغلة في أرض الشرق. ونتيجة لهذا الازدهار اهتم الشعب الإنجليزي ببضائع الشرق وآثاره، وأصبح في مقدور الكثير من الإنجليز الترحال والكتابة عن الشرق وكانوا يرون بأن لهم دورًا في تثقيف الشعب الإنجليزي وتصحيح مفاهيمه حول الشرق. ويذكر المؤلف أن من أهم المصادر التي أثرت الكتّاب الإنجليز كتابات المستشرقين التاريخية وترجماتهم لأدب الشرق، مثل "ألف ليلة وليلة" و "القصص التركية" و"القصص الفارسية". ومن أكثر المعلومات إثارة في هذا الفصل تأثير هذه الأعمال الأدبية المترجمة على الأدباء الإنجليز، فيناقش المؤلف تأثير الأعمال المذكورة آنفًا على تطور القالب القصصي الإنجليزي وتأثر عدد من الكتاب بها مثل الكاتب الشهير جوناثان سويفت في روايته "رحلات غوليفر"، فتقول الباحثة مارثا بايك كونانت: "الليالي العربية كانت عرّابة الرواية الإنجليزية" (ص72). ومن تأثير هذه الترجمات أيضًا أن تحوّل الاهتمام من الجوانب الدينية في الشرق إلى الجوانب الفنية الإبداعية. وفي القسم الأخير من هذا الفصل يستعرض المؤلف بعض الإشارات الشعرية والمسرحية للشرق، ويناقش بتفصيل عملين من أكثر الأعمال الأدبية تأثيرًا في تطوير صورة الشرق هما "راسلاس" لـ(صمويل جونسون) و "فاتك" لـ(وليم بيكفورد). وتكمن أهمية العمل الأول في تصويره للشرق بأنه مكان واقعي وليس سحريًا غرائبيًا، وأنه مكان للسلام والمحبة والحكمة لا للحروب والبطش والجهل، ومكان لديانات جديدة مختلفة لا ديانات ضالة، وهكذا يكون "[صمويل] جونسون هو الشخصية الأدبية الأولى التي تحدت آراء أسلافها المتحيزة" (ص95). وأما العمل الثاني فقد تميّز بدقة التفاصيل الحقيقية وثرائها في مجالات عديدة من الشرق بحيث بدا مؤلفه مرجعًا يُعتمد عليه.

وأما الفصل الأطول (الثالث) فقد نظر أولا في أحوال القرن التاسع عشر وأثرها على صورة الشرق في الأدب الإنجليزي، مبينا أن الظروف السياسية التي ترتبت على الحملة الفرنسية على مصر وحرب الاستقلال في اليونان وتقدّم المعرفة العلمية والتاريخية قادت إلى تعاطف شعبي إنجليزي مع الشرق ورغبة عارمة في المزيد من المصداقية في الكتابات عنه. هذا وقد زاد اهتمام أوروبا بدول الشرق نظرًا لوجود نسبة كبيرة من المسيحيين فيه تحت سلطة الدولة الإسلامية، إضافة إلى الأسباب الأخرى التي دفعت إلى التحرك الاستعماري لدول الشرق. وعلى إثر ذلك ازداد اهتمام الرحالة والباحثين بمصر وفلسطين وتركيا لدراسة آثارها وجغرافيتها وعادات شعوبها، وقد قدّموا-وفق كلام المؤلف- صورًا موضوعية إيجابية عن الشرق مما أكسب مؤلفاتهم شعبية واسعة النطاق. ومن بين العوامل المؤثرة الهامة أيضًا تأسيس الجمعية الملكية الآسيوية لبريطانيا العظمى وأيرلندا والتي خصصت صندوقًا للترجمة لتشجيع الدراسات والترجمات فيما يتعلق بالأدب والثقافة في الشرق. وما نلاحظه في هذا الفصل هو أنّ الرحالة لم يكتفوا بزيارات سريعة كمن سبقهم، بل كانوا يقيمون لفتراتٍ طويلة في الشرق ويندمجون مع الشعوب الشرقية للتعرف عن قرب على طباعهم وعاداتهم وتراثهم. ويناقش المؤلف ثيمة هامة وهي تأثر الشعراء الرومنسيين بالشرق، حيث أصبحت المكوّنات الشرقية جزءا أساسيًا في شعرهم، وذلك لأنهم كانوا يبحثون عن الغريب وغير المألوف رغبة في إذكاء خيال القارئ الإنجليزي. وهكذا يستعرض المؤلف بعض الأعمال لأشهر الشعراء الرومنسيين مثل (كيتس) و (وورزدورث) و (شيلي) مبينًا كيفية استخدامهم لصور الشرق. أما الأثر الأكبر في تطور صورة الشرق فكان للشاعر الكبير (اللورد بايرون) والذي تولّع بالشرق منذ صغره، وانكبّ على التهام الكتب التي تتناول الشرق، إلا أنه لم يكتب شيئًا عن الشرق قبل أن يقيم فيه. هذه العناية الفريدة بالمصداقية هي التي أكسبت أعمال بايرون الشرقية إعجابا كبيرًا ونجاحًا واسعًا. بعد ذلك وضّح المؤلف خفوت الاهتمام بالشرق في العصر الفيكتوري، فلم يهتمّ من الكتاب الفيكتوريين بالشرق اهتمامًا ملحوظًا إلا اثنان هما (إدوارد فيتزجيرالد) و (توماس كارلايل). أما الأول فهو الذي ترجم رباعيات الخيام إلى الإنجليزية، ومعروفٌ أن هذه الترجمة نجحت نجاحًا باهرًا رغم (أو بسبب) عدم التزامها بالأصل، وكان لها أثر كبير على القراء الإنجليز. وأما توماس كارلايل فقد قدّم محاضرة هامة بعنوان "البطل كنبي، ومحمد والإسلام" ضمن سلسلة محاضرات عن الأبطال في التاريخ، وتطرق فيها إلى شخصية النبي محمد (ص) والدين الإسلامي، وأظهرهما بصورة إيجابية لم يعتد الجمهور الإنجليزي عليها. ولقد جاء في المحاضرة آراء "جريئة" حول النبي والقرآن وانتشار الإسلام على نحوٍ موضوعي حيادي، أثّرت على عددٍ من الأدباء الإنجليز، وصححت المفاهيم المغلوطة عن النبي والإسلام، ويقول المؤلف "أما بعد هذه المحاضرة فلم تتجرأ أي شخصية أدبية غربية على تشويه صورة الشرق والإسلام...[و] اتبع عدة أدباء إنجليز أسلوب كارلايل الموضوعي وغير المتحيز في معالجة الشرق وحضاراته" (ص193).

هو كتابٌ ممتع وغنيّ بالمعلومات والاستشهادات التي تقدّم للقارئ الكريم فكرة جيدة عن صورة الشرق في الأدب الإنجليزي حتى القرن التاسع عشر. كنتُ أتمنى من المؤلف أن يتحدث بإسهاب في المقدمة عن مفهوم الاستشراق كما وضّحه إدوارد سعيد سواء اتفق مع رؤيته أم لا، وذلك لأهمية هذا المفهوم في دراسةٍ كهذه. كما أعتب على المؤلف أن يُنهي بحثه بخاتمةٍ قصيرة لم يتوسع فيها بتحليل الاستنتاجات ومقارنتها بما وجده باحثون آخرون في الموضوع نفسه.

الاثنين، 5 أبريل، 2010

النشر الإلكتروني...مازن حبيب نموذجًا


إن كنتَ من المتابعين لعالم الإصدارات والنشر فبالتأكيد قد سمعتَ عن الجدل المستمر المتزايد حول العلاقة بين التقانة والكتاب، من حيث أثر المنتجات التقانية على معدلات القراءة، وتأثير القارئات الإلكترونية على مبيعات الكتب، ومشروع جووجل الكبير لرقمنة الكتب وتخزينها إلكترونيًا للراغبين في تصفحها. وفي الحقيقة فإن نشر الكتب إلكترونيًا أو ما يُعرف بالنشر الإلكتروني قد أصبح صناعة مستقلة لها دور نشر وموظفون ودورات تدريبية وبرامج حاسوبية ومواقع إلكترونية متخصصة. هي إذًن ثورة جديدة في عالم الكتب والقراءة، يختلف حولها الكثيرون، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر الاهتمام المتزايد بها والتطورات السريعة الحادثة فيها، والإمكانات الكبيرة التي تعد بها. في هذا المقال نستعرض بعض المعلومات المتعلقة بالنشر الإلكتروني ومزاياه ونقائصه، ثم نلقي نظرة على تجربةٍ عمانية قد تكون الأولى من نوعها في مجال النشر الإلكتروني.

النشر الإلكتروني
إن المقصود بمصطلح "النشر الإلكتروني e-publishing" هو إنتاج الكتب والمستندات في صيغة إلكترونية لقراءتها عبر أجهزة إلكترونية مثل الحواسيب والهواتف المحمولة و القارئات الإلكترونية التي بدأت تنتشر في السنين القليلة الماضية وتكتسب إقبالا كبيرًا نظرًا لإمكانية تخزين أعداد كبيرة من الكتب فيها. هذا وتندرج تحت النشر الإلكتروني أيضًا "الطباعة تحت الطلب print-on-demand" حيث يُمكن طباعة نسخة واحدة من الكتاب في كل مرة بدلا من آلاف الكتب في كل طبعة كما في دور النشر الورقية. هذا ويتخذ النشر الإلكتروني أشكالا مختلفة، فيُمكن أن يكون الكتاب أو المستند في ملفٍ يجب تحميله لقراءته، أو يُمكن قراءته مباشرة من موقع إلكتروني، وهناك كُتب تُصدر للتوزيع المجاني، في حين توجد كتب أخرى للبيع عبر دور نشر إلكترونية. وحاليًا هناك توجه كبير لدى المجلات العلمية للتحول إلى النشر الإلكتروني، أو على الأقل توفير نسخ إلكترونية من أعداد مجلاتها للبيع. هذا وتخصص بعض المكتبات الشهيرة على الإنترنت أقسامًا مخصصة للكتب الإلكترونية، مثل مكتبة "Amazon" و "Barnes & Nobles"، في حين توجد مكتبات متخصصة في الكتب الإلكترونية فقط نضرب مثالا عليها "المكتبة الإلكترونية العربية www.arabicebook.com". ويُمكن للمؤلف أن ينشر كتابه بنفسه، أو يتعاقد مع دار نشر إلكترونية تنشر له كتابه.

ميزاته
(1) تتجسد أكبر مزايا هذا النوع من النشر في خفض التكاليف؛ فيمكنك إنتاج مئات الآلاف من النسخ دون تكاليف طباعة و توزيع. (2) ولأنّ الأمر غير مكلف، فإن الناشر الإلكتروني لا يفرض معايير صارمة على المخطوطات المقدمّة، أي أنّ الكاتب الجديد الذي قد ترفض دور النشر الورقية نشر كتابه لديه فرصٌ أفضل مع الناشر الإلكتروني لأنه لن يخشى من خسارة مالية. (3) يُمكن توزيع الكتاب الإلكتروني إلى كلّ مكان في العالم بسرعةٍ شديدة بخلاف الكتاب الورقي. (4) لا تتطلب الكتب الإلكترونية مساحات كبيرة لتخزينها كما هو الحال مع الكتب الورقية، وهذا أمرٌ مقلق للناشرين. (5) يسمح الكتاب الإلكتروني بإدراج جميع أنواع الوسائط المتعددة كالصور والأفلام والتحريكات والأصوات لتعزيز المحتوى، وهذه ميزة رائعة لم تُستغل جيدًا بعد. (6) نسبة الأرباح التي يحصل عليها المؤلف من مبيعات الكتب الإلكترونية قد تصل إلى 70%، بينما لا تتعدى في الكتاب الورقي 15% (7) الكتب الإلكترونية أقل ضررًا بالبيئة.

نقائصه
(1) على الرغم من قلة التكاليف وزيادة نسبة أرباح المؤلف، إلا أن معدّل مبيعات الكتب الإلكترونية ما يزال ضعيفًا جدًا، حيث يُقدّر متوسط مبيعات الكتاب الناجح حوالي 500 نسخة فقط. (2) القارئات الإلكترونية والحواسيب ما تزال غالية الثمن وليست في متناول أغلب الناس، بخلاف الكتاب الورقي. (3) يمكنك قراءة الكتاب الورقي في أي مكان، بينما إن لم تكن تملك قارئًا إلكترونيًا أو هاتفًا محمولا مزودًا ببرنامج قراءة الكتب فلن يمكنك قراءة الكتب الإلكترونية إلا على حاسوبك المكتبي أو حاسوبك المحمول الذي لن تكون مرتاحًا لنقله معك أينما ذهبت. (4) القراءة الإلكترونية تتطلب إلمامًا بالتقانة، وهذا ما قد يستبعد شريحة كبيرة من الناس. (5) يتطلب النشر الإلكتروني تسويقًا كبيرًا للكتاب لأن القارئ لن يجده معروضًا في معارض الكتاب أو على واجهات المكتبات. (6) أسعار الكتب الإلكترونية حاليًا رغم انخفاض تكلفتها ليست أرخص بكثير من النسخ الورقية، وهو أمر غير مشجّع للقارئ. (7) الجهد المبذول لقراءة كتاب إلكتروني أكبر مما هو مع الكتاب الورقي، حيث يتطلب الأمر تشغيل الجهاز والضغط على الأزرار لتقليب الصفحات وتكبير الخط، إضافة إلى تحميل الكتب.

ونحنُ إذ نسرد هذه النقائص لا نتخذ بالضرورة موقفًا سلبيًا منها، والحقيقة أن سوق النشر الإلكتروني تتطور باستمرار، والأجيال الجديدة تقبل على الكتاب الإلكتروني أكثر من الأجيال السابقة، وهكذا فمن المتوقع أن تتغير الإحصائيات وبعض السلبيات المذكورة بعد سنين قليلة.

مازن حبيب..إلكترونيًا
خلال أيام معرض مسقط الدولي الخامس عشر للكتاب، كان هناك احتفاء مستمر ومهووس بالمؤلفات العمانية الجديدة، ما بين أخبار في الصحف والمواقع الإلكترونية، وحفلات توقيع، ومقابلات إذاعية وتلفزيونية، وأمسيات تدشين. كتّاب جدد وآخرون متحققون وآخرون يجرّبون، وكنا نستعد في كل لحظة أن نسمع عن كاتبٍ أو كتابٍ عماني جديد، ونستمع إلى النقاشات الدائرة بين الكتّاب عن دور النشر التي تعاملوا معها وانطباعاتهم واستيائهم أو رضاهم، والدور الجديدة المكتشفة. في خضمّ ذلك كله ودون سابق إنذار سمعنا عن كتابٍ جديد للقاص (مازن حبيب)، فاستغربنا أننا لم نجده في دور النشر المشاركة، حتى تبيّن لنا أن الكتاب إلكتروني غير مطبوع! وقد أثار ذلك أسئلة كثيرة حول هذه التجربة الجديدة، وتوقيت إصدار هذا الكتاب الإلكتروني بينما القراء كلهم منهمكون في أروقة معرض الكتاب.

كتاب "خارج مناطق الألم..مراعاة لفارق الجرح" عبارة عن يوميّات جاءت في 110 صفحات سجّلها المؤلف ما بين يناير 2007 و يناير 2009، تحدث فيها عن مشاهداته وانطباعاته وتأملاته الفلسفية والوجدانية. ومن أهمّ سمات الكتاب أنه واقعي يعكس حالات الإنسان المختلفة، فهناك الالتقاطات اليومية كأن يحدّثك عن عبدالكريم عبدالقادر أو رحلة بحثٍ عن فيلم، وهناك النظرة الفلسفية لأمور قد لا نقف عندها، وهناك الإسقاطات النفسية والاجتماعية على الحاضر أو الذكريات. كما تتجسّد الواقعية أيضًا في كتابة بعض اليوميات باللغة الإنجليزية، كون المؤلف يتقن هذه اللغة ويفكر بها أحيانًا (ولمعرفتي الشخصية بمازن كنت سأستغرب إن لم توجد يوميات إنجليزية في الكتاب). هذا وهناك أيام بل شهور كاملة لا نجد فيها أي يوميات، وهو أمر مُتوقع وطبيعي، حيث يمنعنا تقلب المزاج أو ظروف الحياة عن تدوين اليوميات، رغم أنّ هذه المساحات الفارغة قد تُشعر القارئ ببعض الإحباط. هو كتابٌ لطيف كتبه مازن حبيب بلغته السلسة الرشيقة والتقاطاته الذكية، تقرؤه في ساعةٍ أو نحو ذلك، إلا إن سمحتَ لنفسك بالتوقف للتفكير معه في ما يطرحه من أسئلة، أو استعادة ذكريات حركتها فيك ذكرياته.

عندما ننظر في تجربة مازن حبيب الإلكترونية نُلاحظ أنه استفاد من بعض المصادر والآليات المتعلقة بالنشر الإلكتروني. أوّل ما يلفت النظر ويستدعي التهنئة حقًا هو إنشاء إعلان مصوّر للكتاب، وقد أحسنَ مازن حبيب الاختيار حين ظهر في الإعلان داعيًا المشاهد إلى قراءة الكتاب، حيث إنّ ظهور المؤلف هكذا يخلق نوعًا من التواصل الافتراضي الحميم بين الكاتب وقارئه. ولقد راجت إعلانات الكتب المصوّرة مؤخرًا وخاصة في الغرب، وفي رأيي هي وسيلة إعلانية مُبدعة تعدّت حاجز الإعلانات التقليدية المطبوعة. من جهة أخرى حرص مازن على حفظ حقوقه مؤلفًا وناشرًا للكتاب، وذلك بإدراج صفحة في بداية الكتاب تشير إلى هذه الحقوق، إضافة إلى أن الكتاب جاء في صيغة (PDF) بحيث لا يسهل نسخ جزء من المحتوى ونقله. هذا واستفاد مازن من إمكانية إدراج الصور الملوّنة بسهولة، حيث نجد في إحدى اليوميات غلافا لفيلم يتحدث عنه.

ولكي لا يكون حديثنا مجرّد مديح وثناء، لا بدّ أن نسلّط الضوء على الجوانب الأخرى التي لم يستفد منها مازن حبيب في تجربته الأولى هذه. أولا، مع ثنائنا على استخدام فكرة الإعلان المصوّر، إلا أنّ من يعرف مازن حبيب السينمائي الذي أخرج أفلاما قصيرة لا بد يتوقع منه أكثر من ذلك بكثير، فتصوير إعلانٍ بسيط بهذه الطريقة قد يتناسب مع كاتبٍ آخر ولكنه أقل من المتوقع بالنسبة إلى سينمائي. ثانيًا، من الغريب أن المصمم عبدالباسط المعمري استخدم غلافًا بالأبيض والأسود في كتابٍ إلكتروني، في حين كان يمكن استخدام ألوانٍ تشدّ الانتباه نظرًا لغياب كلفة الطباعة. ثالثا، لم نلاحظ جدية مازن حبيب في تسويق كتابه إلكترونيًا، وهذا من أهم المتطلبات في النشر الإلكتروني. كان يُمكن لمازن مثلا أن ينشر إعلانات في المنتديات والمدوّنات العمانية كمرحلةٍ أولى حتى يصل الكتاب إلى أكبر عددٍ من القراء الإلكترونيين.

هي في الحقيقة تجربة جريئة جدًا خاصة في مجتمعاتٍ لم تعتد بعد على القراءة الإلكترونية. وأذكر أنني قرأتُ في منتدى من المنتديات الإلكترونية نقلا عن مازن حبيب أنه خاض هذه التجربة لعدم رضاه عن توزيع الكتب الورقية، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل سيكون توزيع كتاب مازن حبيب أفضل من توزيع دور النشر الورقية؟ أتطلع حقًا إلى انطباعات مازن عن هذه التجربة لاحقًا، وأتطلع أكثر إلى معرفة الأثر الذي ستتركه هذه التجربة على الكتّاب العمانيين الآخرين. سؤال أخير: في ظلّ تراجع نزعة التدوين الإلكتروني بين العمانيين، هل سنشهد موجة من الإصدارات الإلكترونية الجديدة للعمانيين، خاصة بين الكتّاب الجدد؟