الأحد، 11 مايو، 2014

عن النقدوفوبيا في عُمان

(نُشر هذا المقال في مجلة الفلق الإلكترونية بتاريخ 7 مايو 2014)

مدخل                                                                             
من الملاحَظ في السنوات القليلة الماضية أنّ العديد من المواطنين والمسؤولين في عُمان عبّروا بطريقةٍ أو بأخرى عن انزعاجهم من بعض أشكال "النقد" التي يرونها سلبية وغير مبررة وغير بنّاءة ومتصيدة. والمتابع لوسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا يشعر بازدياد هذا الانزعاج، لدرجة كاد معها مفهوم "النقد" يتحول إلى كلمة سيئة السمعة ذات دلالات منفّرة، وهذا مؤشر خطير. هذا المقال محاولة لتفكيك ومساءلة ثلاثة أفكار رئيسية في هذا الخطاب "المنزعج" تنطلق من خوفٍ (فوبيا) من النقد وتسعى إلى إسكاته.

تشويه "النقد"
أول مشكلة تواجهنا في تحليل هذا الخطاب هو عدم وجود تحديد واضح لدلالة مصطلح "النقد". يقدّم البعض أحيانا تعريفا للنقد على أنه "الحكم على الإيجابيات والسلبيات في موضوع ما"، في مقابل "الانتقاد" الذي يذهب كثيرون إلى أنّه "رصد السلبيات أو ترصّدها". ولئن كان هذا الفريق المنزعج يدعو إلى ذكر الإيجابيات وعدم التركيز على السلبيات، إلا أنه لم يلتزم دائما بهذا التفريق بين النقد والانتقاد، وأصرّ على استخدام كلمة "النقد" لوصف الممارسات التي يستهجنها، مما أدى تدريجيا إلى شحن المصطلح بدلالات سيئة. ومما يزيد الأمر إشكالية هو وضع ممارسات مثل الشكوى والتذمر والتهكم والتهجم والتجنّي بالتهم كلها في خانة النقد، وهو أمر مضلّل غير دقيق؛ فالمواطن الذي يكتب عن سوء خدمة من الخدمات لا يقدّم "نقدا" بالضرورة بل يمارس حقه في إبداء الشكوى، كما أنّ غيره قد "يتذمر" من بعض السياسات ولا يقدّم فيها "نقدا".

وللحفاظ على كلمة "النقد" مع استدراج دلالات الانتقاد، يلجأ هذا الخطاب إلى التفريق بين "النقد البنّاء" و"النقد الهدّام"، غير أنّ هذا التفريق يخلق مشكلات أكثر مما يحل؛ إذ ما هو تعريف النقد البنّاء؟ ومن يستطيع الحكم على كونه بنّاء أم لا؟ وهل البنائية هنا تتعلق بالشخص المنتقَد أم الموضوع أم المجتمع؟ النقد البنّاء قد يعني أيضا ذلك الذي يخلق تفاعلا في المجتمع يفضي إلى تحقيق تطوير في مجال معين. من ناحية أخرى يأتي وصف الهدّام خطيرًا للغاية، إذ ما الذي يهدمه هذا النقد بالتحديد؟

هل المقصود أنّ النقد البنّاء هو الذي يقدم علاجا للمشكلة؟ يقودنا هذا إلى الفكرة الثانية التي تقول بأنّ النقد يجب أن يطرح حلولا. نعم، هناك تعريفات تقول بأنّ النقد الجيد يقدّم الحلول، لكنّ ذلك عنصر واحد فقط من عناصر النقد الجيد، فإن لم يشمل النقد هذا العنصر لا يعني ذلك بالضرورة أنه سيء أو هدّام أو مزعج. سيكون مفرحا بالتأكيد لو أنّ النقد اقترن بحلول مفيدة، لكنّ ذلك لا يعني القول بأنّ من لا يقدّم الحلول عليه أن يسكت؛ فمن يشير إلى خطأ ما يكون قد ساعد في حل نصف المشكلة، ويتبقى النصف الثاني الذي قد يقترحه شخص آخر يمتلك المؤهلات الفكرية أو التخصصية اللازمة.

أما الفكرة الثالثة فهي تلك التي تمثلها عبارة "التغيير يبدأ من النفس" (أو: "ابدأ بنفسك فقوّمها" كما استخدمها أحد المسؤولين بالأمس في تويتر)، وهي حِكَم بليغة نستمتع بترديدها، لكننا مع الأسف لا نسائلها. يُعتقد (أو يراد أن يُعتقد) بأنّ معنى هذه العبارات هي أنه لا يحق لنا انتقاد الآخرين قبل أن نصحح أخطاءنا أولا. قد يصحّ هذا المعنى في سياق "التغيير بالقدوة"، وحين يكون موضوع النقد مُشتَرَكا بين الطرفين (على نحو: لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله)، لكنه لا ينطبق على كل أحوال النقد، خاصة النقد المجتمعي/السياسي. فمثلا، كيف تنطبق هذه العبارات على شخص ينتقد مشروعا، أو سياسة تتّبعها جهة معينة؟ وهنا يذهب البعض إلى تفضيل "النصيحة" على النقد العلني، وهو أمر ذو نزعة نبيلة ولا شك، بيد أنّ التعامل مع الأخطاء الواقعة في المجال العام يختلف عن التعامل مع أخطاء الأفراد في المجال الخاص.

النقد تدافع ضروري
في بلدٍ مثل عُمان يرتكز إلى نهضةٍ حديثة ويطمح إلى الإنجاز، لا بد أن تكون هناك أخطاء (فمن يعمل لا بدّ يخطئ)، ومثلما أننا بحاجة إلى التشجيع والإطراء نحتاج أيضا إلى النقد (والانتقاد) حتى تُضاف إلى رؤيتنا زاوية مختلفة. ولا بدّ للمسؤول أن يتقبل النقد بكل أشكاله وإن كان قاسيا (طالما كان في حدود القانون)، ولئن كان هو يخدم الوطن في منصبه، فليُحسن الظن بالمواطن/الكاتب الذي يمارس دوره في رصد الخطأ (من وجهة نظره) خدمة للوطن أيضا. وبدلا من تصنيف النقد إلى بناء وهدام وإيجابي وسلبي، قد يكون الأجدى هو النظر فيما إذا كان النقد موضوعيا أم لا، إذ الموضوعية هي المحك.

هذا ويجدر بنا الانتباه إلى أنّ النقد الذي يمارس في عُمان "نقدٌ ناعمٌ" مقارنة بدول أخرى، وإن كان المسؤول اليوم ينزعج من هذا النقد فكيف به لو كانت لدينا صحف حزبية تشنّ الهجمات المتتالية على المسؤولين. ومن جانب آخر علينا التذكر بأنّ المسؤول الحكومي لديه آلة إعلامية رسمية يستطيع استخدامها بسهولة لتوضيح وجهة نظره، وإبراز إنجازاته، فيما المواطن أو الكاتب لا يملك إلا قلمه. وبين هذا وذاك يستطيع الناس بذكائهم تمييز الصدق.

كلمة أخيرة لا بدّ من قولها تتعلق ببعض الألفاظ المستخدمة في سياق الحديث عن النقد البناء والهدام (أو الإيجابي والسلبي). إن استخدام ألفاظٍ من قبيل "الوطنية" و "الإخلاص" و "الولاء" (ولا أشكّ بأن استخدامها كان عن حسن نية) للإيحاء بأنّها تتعارض مع النقد (أيا كان شكله) لهو أمر خطير؛ إذ بمثل هذه الاستخدامات تُصادر الوطنية وتُفصّل على مقاس واحد، بافتراض أنّ الآخرين أقل وطنية أو إخلاصا فقط لأنهم ينتقدون أو حتى يتذمرون ويهاجمون. لا بد أن نتذكر جميعا بأنّ من يهاجم مشروعا أو سياسة أومسؤولا، فإنه يهاجمها هي ولا يهاجم الوطن، بل الحقيقة أنه يتصور هجومه (وإن كان خاطئا أو متحاملا) خدمة للوطن، ويبقى التزام القانون دائما هو الفيصل.

الأربعاء، 30 أبريل، 2014

عُمان تَحْرِقُ مُفكّريها

(نُشر هذا المقال في مجلة الفلق الإلكترونية بتاريخ 27 أبريل 2014)

مدخل
ثمة نكتة يتداولها بعض الناس في عُمان، تقول إنّ الأكاديمي العُماني (خاصة في الجامعة الحكومية الوحيدة) يتسمّر يوميا أمام تلفزيون السلطنة عند موعد نشرة الأخبار، لا لمتابعة شؤون العالم، وإنما انتظارا لمرسوم سلطاني بتعيينه وزيرا أو وكيل وزارة! وعلى ما في هذه النكتة من طرافة وسخرية لاذعة، إلا أنها تنطوي على نَسَقٍ لم يأخذ حقه حتى الآن من التحليل واستشراف تبعاته. هذا المقال محاولة بسيطة للنظر في الأثر الناتج عن سياسة تعيين الباحثين العمانيين في مناصب حكومية على رأس المال البحثي والفكري في السلطنة.

نحو تفسير الظاهرة
 في محاولةٍ لتحليل هذه الظاهرة يتداول البعض ثلاثة دوافع رئيسية محتملة لهذا التوجه الحكومي. التفسير الأول يتمثل في أنّ الحكومة تسعى لضخّ دماء جديدة في الجهاز الإداري للدولة، أملا في استثمار القدرات العقلية والفكرية التي يتمتع بها هؤلاء الأكاديميون لتطوير مختلف المؤسسات الحكومية، وهو توجه مفهوم ومقبول؛ إذ من حق الدولة أن تستفيد من نتائج استثمارها في تعليم العمانيين منذ بداية النهضة، وهؤلاء الأكاديميون بشهاداتهم العالية ثمرة فكرية ذات رصيد معرفي عالي المستوى. بيد أنه من حقّ البعض أن يتساءل عن حجم الفائدة التي تعود على مؤسسات الدولة من هذا التوجّه وما إذا كان الباحث الأكاديمي صالحا للمهام الإدارية. وإذا كان القصد هو إحداث التغيير في تلك المؤسسات، فقد يتساءل البعض أيضا عن حجم المساحة التي يستطيع فيها هذا المسؤول أو ذاك التحرك، خاصة مع وجود "نظام إداري" راسخ له قوانينه وأعرافه الإدارية والمالية العصيّة على التغيير، ومع وجود تركةٍ من الترهل الإداري. بطبيعة الحال لا يعني ذلك أنّ إحداث التغيير عملية مستحيلة، بيد أنه في مناخٍ مثل هذا يحتاج إلى "نَفَس" طويل جدا، مع الأخذ في الاعتبار أنّ الشعوب العربية بعد الربيع العربي أضحت "قصيرة النَفَس" لا تقوى على الانتظار طويلا لرؤية النتائج.

أما الدافع الثاني فهو التكريم والتشجيع، إذ قد ترى الحكومة أنّ شخصًا ما قد قدّم للدولة خدمات فكرية وثقافية أو يتحصّل على ملكات فكرية يستحق بسببها أن يُمنح منصبا حكوميا رفيعا. ولئن كان الدافع هنا لا يخلو من إيجابية ونبل، إلا أنه في جزء منه على الأقل يُعدّ امتدادا لثقافةٍ قَبَلية وعسكرية ترى التكريم في منح الألقاب والمزايا والمنصب القيادي.

وأما الدافع الثالث فينبع من نظرية المؤامرة، ومفاده أنّ الحكومة قد تلجأ لمنح أحدهم منصبا حكوميا كي "تحتويه" وتقنّن ما يمكن أن ينشره من فكرٍ ربما لا يتفق مع توجهاتها. وكي نكون منصفين فإنّ هذا الدافع يُمكن أن يُقرأ بنية حسنة أيضا، وهي سعي الحكومة إلى إشراك "الآخر" والتعاون معًا في بناء الدولة، وهو نهج بنّاء وذكيّ للغاية ربما يستمد جذوره من سلطان البلاد (كما حدث مثلا مع معالي يوسف بن علوي).

نماذج
لغرض التوضيح سنضرب مثالين اثنين:

الدكتور عبدالله الحراصي: أستاذ مساعد في دراسات الترجمة، وباحث واعد نشر عدة مقالات رصينة في مجلة نزوى، وترجم واشترك في ترجمة عدة كتب مهمة، وكانت له بصمته الكبيرة جدا في نشاط الترجمة في السلطنة عبر "مجموعة الترجمة" التي أشرف عليها في الجامعة، وتخصَّصَ منذ أطروحة الدكتوراة في مجال معرفي يكاد يكون غائبا في الوطن العربي (الاستعارة المفهومية) ونشر فيه كتابا مهما. والأهم من ذلك كله أنه أسّس وأدار المشروع الوطني العظيم "الموسوعة العمانية". وحين وجد هذا الباحث والمفكر الواعد فرصة في جامعة أكسفورد العريقة كباحث زائر يعمل في مشروع بحثي مميز، يصدر فجأة مرسوم سلطاني بتعيينه رئيسا للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، فيعود من أكسفورد تاركا مشروعه، لنفقد بذلك باحثا كان من المؤمّل أن تفتخر به عُمان مفكرا رصينا.

من أكسفورد أيضا، الدكتور خالد العزري: باحث ذو عقل نقدي فذّ يندر وجوده في عُمان، وجد فرصة للعمل في جامعة أكسفورد باحثا في العلوم السياسية والدراسات الشرق-أوسطية، وفيها كتب أوراقا بحثية رصينة، وعمل أيضا باحثا في كلية لندن للاقتصاد التي كلفته بإجراء دراسة حول مآلات الربيع العربي في الخليج، وأصدر كتابا مهما مبنيا على أطروحة الدكتوراة، وظهر على شاشة البي بي سي في بداية أحداث الربيع العربي محللا سياسيا بارعا. فجأة، يصدر مرسوم بتعيينه أمينا عاما لمجلس التعليم، لنخسر باحثا ومفكرا سياسيا واعدا قد يضاهي -إن لم يتفوق- على مفكرين سياسيين في الوطن العربي.


ما المشكلة؟
قد يعترض القارئ هنا معتبرا أنّ المقال يضخّم الأمر ويهوّله، وقد عرفت الدول شرقا وغربا مثقفين ومفكرين أصبحوا وزراء ناجحين. نقول إنه مع الاعتراف بحقّ الأكاديمي في تقلّد المناصب الحكومية كغيره من المواطنين، إلا أننا في عُمان ما نزال نعاني من شحّ الباحثين ومشاريع المفكرين، ولا بد أن نعترف بأننا حتى الآن لا نملك باحثا أو مفكرا عمانيا له إنتاج بحثي/فكري معروف على المستوى العربي. وهكذا فإننا كلما ظهر لدينا باحث أو مفكر واعد أخرجناه من دائرة تميّزه وإنتاجه، لنزجّ به في طوفان العمل الإداري البيروقراطي.

ولو فرضنا جدلا أنّ الباحث ذا المنصب الحكومي سيتمكّن من تنظيم وقته وتقديم إنتاج فكري (وسط الرعايات والمناسبات التي لا تنتهي)، فلا يمكننا تجاهل ما يشكّله المنصب نفسه من قيود على الباحث؛ إذ إنه الآن لا يسعه أن يتحدث باسمه، بل عليه أن يراعي "المؤسسة الحكومية" في ما يقول وفي ما يبحث من مواضيع. باختصار، من الصعب جدا إن لم يكن من المستحيل أن يحافظ هذا الباحث على حياديته وموضوعيته، حتى بعد خروجه من المنصب.

ومن السلبيات الأخرى التي يجب أن لا نغفل عنها "حرمان" الطلاب الجامعيين من الاحتكاك بهؤلاء الباحثين والمفكرين، ولا يخفى على أحدٍ ما يتركه هذا الاحتكاك من نتائج إيجابية في التأثير على الجيل الجديد وإنتاج جيل باحث مفكر. ولعلّ التأثير الذي تركه كل من عبدالله الحراصي وعبدالمنعم الحسني مثلا في طلاب جامعة السلطان قابوس ما يدلل على ذلك.

أما السلبية الأخيرة (غير المباشرة) لهذا التوجّه الحكومي، فهو أنه خلق لدى الباحثين والأكاديميين أمنية المنصب الحكومي بدلا من الإنجاز الفكري والأكاديمي، وهذا أمر لا يخلو من ضرر بالغ. ومن نافل القول إنّ الذي سيخلّد عبدالله الحراصي مثلا هو الموسوعة العمانية ودراساته الأخرى، لا المنصب الذي تقلّده، فلا أحد يتذكر المسؤولين الحكوميين بعد سنوات من خروجهم من العمل أيا ما كانت إنجازاتهم.

هل نحرق مفكرينا؟
ما الضير في أن يُكلف الباحث للخدمة في منصب حكومي لفترةٍ ما، ثم يعود للجامعة ولأبحاثه؟ على المستوى النظري يبدو هذا الكلام معقولا، لكنه صعب التحقيق في الواقع العماني، ذلك أنّ النظرة المجتمعية للمسؤول الذي يخرج من منصبه هي أنه لم يوفق في عمله، ولذلك تم استبداله بآخر. كما أننا لا نعرف سابقة لوزير أو وكيل عماني يستقيل طوعا من منصب جاءه بمرسوم سلطاني، ولا توجد في النظام السياسي العماني فترة محددة للوزير أو مجلس الوزراء، مما يعني أنّ صاحب المنصب سيظل يطمح في البقاء أو تقلّد منصب آخر، وإلا فسيُعدّ فاشلا. من جهةٍ أخرى فإن الحكومة درجت في كثير من الأحيان على تعيين "الخارجين" من المنصب في وظيفة مستشار في إحدى مؤسسات الدولة بنفس درجته الوظيفية، مما يعني أنه ما يزال يمثّل الحكومة بشكلٍ أو آخر.

إذن، إن كان الباحث والمفكر يدخل المنصب الحكومي ويغرق في متاهاته، ولا يخرج منه إلا وهو موسوم بالفشل، وإن كان لا يستطيع أن يغيّر كثيرا، وإن كان المجتمع لا يقبل انتظار النتائج طويلا، فما نفعله ببساطة هو أننا "نحرقهم"، أولا بإشغالهم عن إنتاجهم الفكري، ثم بزرع خيبة الأمل منهم إن لم يحدثوا التغيير الذي ينشده الناس (ورضا الناس لا يُدرك).

ويبدو أنّ حرق المفكرين لا يقتصر على الأكاديميين، إذ حصل هذا أيضا مع سماحة الشيخ أحمد الخليلي، هذا العقل الذي كان واعدا بالكثير من الإنتاج الفكري الديني، فوضعناه في منصب حكومي (إداري، بشكل أو آخر)، واستنزفنا طاقته في الإفتاء والظهور في برامج تلفزيونية ليفتي في أسئلة يستطيع حتى طلابه الإجابة عنها، والنتيجة أننا أضعنا عشرات السنين التي كان يستطيع فيها سماحة الشيخ أن يُنتج كتبا فكرية وتفسيرا كاملا رصينا للقرآن الكريم (الذي بدأ فيه في سلسلة محاضرات).

ختامًا، لا يمكننا إنكار حق الدولة في الاستفادة من العقول الواعدة، ولكن ليكن ذلك عبر استشارات يقدمونها من وقتٍ لآخر، ولنتركهم في مواقعهم مفكرين مستقلين. ولئن أردنا تكريمهم وهم يستحقون ذلك، فهناك طرق كثيرة للتكريم.

الخميس، 17 أبريل، 2014

معالي الوزير..ليس من حقك!

نشرت جريدة "عُمان" بالأمس عرضا لأهم مجريات اليوم الأول من "الندوة الوطنية لأفضل الممارسات المجتمعية العمانية"، والتي نظّمها في اليومين الماضيين مجلس الدولة بمباركة من مجلس الوزراء حسب ما جاء في التغطية الإخبارية. ومن بين ما حملته تلك التغطية مقتطفات من كلمة ألقاها معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية بدعوة من اللجنة المنظمة.

لا يبحث هذا المقال في مضامين الندوة ومحاورها، بل يركز على كلمة معالي الوزير تحديدا وينطلق منها للإشارة إلى فكرة جاءت في هذه الكلمة استدعت كتابة هذا المقال، لما فيها من دلالات شديدة الخطورة.

يقول معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية في فقرة قرب نهاية كلمته:
"والممارسات المجتمعية على أنواع؛ منها: ممارسات دأبت عليها الأمة في نظمها الاجتماعية وكرستها العولمة المعاصرة واتساع الحياة وتطوّر أنماطها، وهي إما سلبية ضارة وإما إيجابية نافعة، ومنها ممارسات دخيلة على المجتمع غير معهودة من ذي قبل. فأما الصنف الأول من الممارسات فإن كانت إيجابية؛ فينبغي التركيز عليها بالحثحثة وشيء من التقدير لبقائها، كإكرام الضيف والترحيب بالقادم والابتسامة وسعة الصدر وغيرها، وأما السلبية منها فينبغي كفكفته عن الأفراد كالإسراف والقيل والقال وأذن الشر والإدمان على التقنية...وغيرها.
غير أن ما ينبغي إدراكه هنا بأن الدولة مسؤولة عن إدارة الشأن العام للمجتمع بما فيه تشكيل العقل الجمعي؛ والدفع به نحو الإيجابية والفاعلية".

في هذه الفقرة يتحدث معالي الوزير علنا، وعلى نحوٍ غير موارب، عن مسؤولية (=واجب) الدولة في "تشكيل العقل الجمعي" و"الدفع به نحو الإيجابية والفاعلية"، وهذا يعني أن تقوم مؤسسات الدولة بتحديد ما ينبغي أن يتمثّل به المجتمع (بجميع أفراده) من أفكار ومبادئ وقيم وتوجهات وسلوك، بغية الوصول إلى "الإيجابية" و "الفاعلية" التي يبدو أنّ تعريفها وتقديرها من اختصاص الدولة أيضا.

لعله ليس من الصعب تمييز الفكرة الخطيرة التي تنطوي عليها عبارة الوزير؛ أي منح التفويض لمؤسسة رسمية أو غير رسمية بتشكيل عقل المجتمع (=أَدْلجَتِه) حسب ما تراه "إيجابيا" و "فاعلا". ومن الغريب (والصادم) أنّ أحدًا من الحضور في الندوة أو ممن قرؤوا الكلمة المنشورة لم يسجلّ اعتراضه أو يعلّق على هذه الفكرة التي مرّرها معالي الوزير على ما فيها من دلالات.

ويبدو أنّ الأمر لا يخرج عن احتمالين اثنين، الأول أن تكون تلك "زلة لسان" من معاليه (أو زلة قلم، فالكلمة مكتوبة). وربما تكون كذلك، بيد أنّ زلة اللسان كما يقول علماء النفس لا تصدر عن فراغ ولا تتمظهر إلا بسندٍ داخلي يخفيه المتكلم عمدا. أما الاحتمال الثاني فهو أنّ الوزير يريد أن يعلنها واضحة للجميع بأنّ هذا ما "نراه" و"نريد أن نفعله" و"سنفعله". وإذ لم يعترض أحد من أعضاء الحكومة الحاضرين، ولم يتم حذف تلك الفقرة من الكلمة المنشورة في اليوم التالي، فلعلّ هذا فعلا ما يُراد تمريره إلى الرأي العام، ولعلّ اختيار وزير الأوقاف والشؤون الدينية لإعلان هذه الرسالة والتكفّل برعايتها مردّه إلى سهولة تمريرها عبر المؤسسة الدينية (التي يمثلها الوزير)، إذ في المجتمع المتدين أو المحافظ تكون الرسالة من المؤسسة الدينية "ناعمة" مقبولة. إذن، فقد يكون لدى المؤسسة الرسمية ما يجعلها تعتقد بوجود تهديد أو خطر يتوجب معه السعي إلى الاتساق والوحدة المجتمعية، والحدّ من الاختلافات الفردية التي قد تؤثر على ذلك الاتساق.

هذه الرسالة تتأكد في موضع آخر من كلمة الوزير حين يتحدث عن أخطر "المفاهيم والسلوكيات غير الطيبة" لدى الشباب، الناتجة من أشكال الاتصال الحديثة، والتي تؤثر على "انتمائهم الوطني وقيمهم الدينية وأخلاقهم". وهذه المفاهيم هي: الفردانية، والشهوانية، والفوضاوية. نلاحظ هنا أنّ معالي الوزير يعتبر "الفردانية" واحدة من أخطر المفاهيم على الشباب (ولعلها إشارة على وجوب التصدي لأي فرد يشذّ عن السعي للهوية الجمعية الواحدة) ويضع هذه الفردانية بشكلٍ واع ومدروس في المرتبة نفسها مع الشهوانية والفوضاوية، لإبراز خطرها وضررها الأخلاقي على المجتمع.

يعلم معالي الوزير (وهو باحث مثقف) أن "الفردانية" مفهوم فلسفي عميق، ولا أشكّ في أنه يعلم بأنّ النزعة الفردانية من حيث هي توجه فلسفي ليست شرا مطلقا، كما أنها لا توجد بشكلٍ مطلق إلا في الخيال وفي ميدان التنظير فقط؛ إذ إن أي مجتمع بشري يأخذ من الفردانية ويأخذ من الجَمعية (فالمجتمعات التي تعلي من قيم الحرية الفردية تتبنى الديمقراطية وهي ممارسة جمعية في فلسفتها). لكنّ معالي الوزير اختار أن "يشيطن" هذا المفهوم ويلصقه بالشهوانية والفوضاوية، كي يستطيع في خطابه أن يبرر "تشكيل العقل الجمعي" ويمرر رفض التفرد والاستقلالية وحرية اتخاذ الفرد لقراراته وتشكيل هويته. في الحقيقة، لم يعد هذا التفرد في خطاب الوزير مرفوضا فحسب، بل "خطيرا".

ولئن حاولنا أن نُحسن الظنّ في الندوة الوطنية ولا نتهمها بفرض الوصاية على المجتمع، فإننا في الوقت نفسه نصطدم بتمثيل طفيف للغاية لشريحة الشباب التي يبدو من خطاب الندوة أنها الشريحة المستهدفة. وإن كانت الندوة تحرص من ضمن محاورها على "الحوار بين الأجيال"، فمن المستغرب أن تُدار النقاشات وتُصاغ التوصيات بعيدا عن حضور أكبر لتلك الشريحة، ومن ثم تُتخذ بعض الآليات لتنفيذ تلك التوصيات (=تشكيل العقل) على المجتمع من خلال الإعلام الرسمي وغيره.

إنّ هذا الخطاب على ما يحمله ظاهريا من حسن نوايا ورغبة في الصالح العام، إلا أنه يحمل أيضا مقدمات لنتائج شديدة الضرر على المجتمع نفسه؛ فحين يكون هناك تخويل لمؤسسة أو طبقة أن تكون معنية بفرض أفكار أو قيم واحدة على المجتمع، لا يوجد ضمان لكيفية استخدام هذا التخويل، ولا ضمان للقدرة على التراجع عنه. ولئن كانت في الفردانية عيوب، فإن النزعة الجمعية ليست حلا لمواجهتها، وفيما قد تنتج الفردانية المتطرفة شكلا من الفوضى واللامبالاة والتفسخ، فإن النزعة الجمعية المتطرفة تؤدي إلى أعلى أشكال النرجسية والدموية (النازية والأصولية الدينية مثلا) إذ إنّ احتكار الحق في أي زمان ومكان يؤسس بطبيعته للعنف، فمن يخالفني يهدد وجودي، ولا بد أن أقضي عليه.


وختاما، من المهم أن يدرك معالي الوزير أنه -ومع خالص الاحترام- لا يملك، ولا الحكومة أيضا، الحق في تشكيل العقل الجمعي وتحديد الأفكار والقيم والمبادئ التي يتبناها كل فرد، ولئن استطاعت أية سلطة فعل ذلك فستخلق مجتمعا يسوده النفاق أو التعصب، أو كلاهما. 

الأحد، 6 أبريل، 2014

ملحٌ على جُرح الهُوِيّة


تقديم
من أصعب الأمور على الباحث أو المراقب للشأن العام أن يتحدث في قضية مثيرة للجدل وهي لم تنته بعد، ولم تتضح جميع أبعادها، ولم يهدأ بعد الاستقطاب الواقع بين طرفيها. بيد أنّ المثير للجدل يستحق التفكير، حتى وإن كان هذا التفكير ليس في القضية نفسها وإنما في طبيعة الجدل الذي دار حولها. والإشارة هنا إلى قضية المجموعة القصصية التي شغلت وسائل التواصل الاجتماعي في عُمان في الأيام القليلة الماضية. وفي حين يشير هذا المقال إلى هذه القضية، فإنه ينطلق أبعد منها بغية الوصول إلى تفسير أشمل يستوعبها ويقدّم إطارا لتفسير ظواهر أخرى. ولعلّه من الواجب التوضيح بأنّ هذا النص مجرد مقال يسعى للتفكّر وإثارة التفكير، وليس دراسة علمية منهجية.

ردة الفعل الغاضبة
من تابع ردود الفعل الكثيرة جدا على المقاطع التي نُشرت من المجموعة القصصية المشار إليها أعلاه، يجد كثيرا من السخرية والتهكم، إلا أنّ المزاج العام كان الغضب أو الاستنكار على أقل تقدير. ووفقا لما ذكره كثير من المعلقين، فإنّ سبب الغضب يعود إلى تصادم تلك المقاطع مع الأخلاق والأعراف العمانية الإسلامية المحافظة. وأخذًا بالظاهر فإنّ هناك العديد ممن هم صادقون فعلا في غيرتهم على الأخلاق والآداب العامة، ممن يشعرون -وهذا حقهم لا يمكن مصادرته- بالاشمئزاز من الألفاظ والمشاهد الجنسية التي تحتوي على فجاجة وبذاءة لا تتقبلهما أذواقهم الشخصية. ولكن إن سلّمنا بوجود هذا القسم من المعلقين المستفَزين دينيا، فلا يمكننا في الوقت نفسه أن نتجاهل وجود أشخاص آخرين كثيرين (قد نعرفهم شخصيا من المعارف والأصدقاء) ممن لا يتمتعون بتلك الحساسية الشديدة تجاه الإيحاءات والألفاظ الجنسية، لكنهم أيضا علقوا بغضب أو استنكار. أضف إلى ذلك وجود العديد من التعليقات التي كانت في مستوى بذاءة المقاطع (وبعضها ملفق كما تبيّن) أو أكثر، بل وصلت إلى التعرض لشرف الكاتبة والطعن فيها وشتمها، مما يناقض منطلق الدفاع عن الأخلاق أو الآداب العامة. نحن بحاجةٍ إذن إلى أداة تفسيرية أخرى تبحث في منطلق آخر غير العامل الديني أو الأخلاقي.

الصورة
يذهب هذا المقال إلى أنّ هناك منطلقًا آخر وراء الكثير من ردود الفعل التي ظهرت، ويعود إلى شعور الفرد (العماني في هذه الحالة) بمسؤوليته في الحفاظ على صورةٍ معينة يحاول من خلالها إعادة بناء هويةٍ لمجتمعه ودولته. لقد عملت الدولة العمانية منذ النهضة الحديثة في عام 1970م بكل قوة وإصرار على تحسين صورتها، في محاولة لخلق هوية جديدة تزيح الصورة غير الحميدة التي انتشرت عن عُمان قبل تولي جلالة السلطان مقاليد الحكم في 1970م. لا يخفى على أحد أن عُمان كانت تعيش عزلة وتخلفا مدنيا كبيرا، وأميّة متفشية، مما اضطر العديد من العمانيين إلى الهجرة إلى دول الخليج والعمل في وظائف متواضعة (وأحيانا متواضعة للغاية). كتب أحد الصحافيين الأجانب ذات مرة عن عُمان يقول: "قبل 40 سنة فقط، حين كان يستعد أول إنسان للهبوط على سطح القمر، كانت العاصمة العمانية مسقط تُغلق بوابتها في المساء".

هكذا، وفي الوقت الذي كانت تسابق فيه الحكومة الزمن إلى بناء الدولة العصرية وإنشاء المؤسسات ونشر التعليم، كان هناك خطٌ يمشي بالتوازي وعلى مهل، ألا وهو إعادة إنتاج الهوية. لذلك يُلاحَظ الاهتمام الكبير الذي أولته الدولة بترجمة الدراسات التي تناولت عمان تاريخا وآثارا وفنون وغير ذلك، إلى جانب الاعتناء ببعض المعالم الرمزية والتراثية التي يمكنها الإسهام في تشكيل الهوية الجديدة. كان يُراد لهذه الهوية أن تكون متفردة تستلهم عراقة الماضي وتدخل في المستقبل بحذر دون تقليد أو تبعية.

جدير بالذكر أنّ محاولات السلطة الحاكمة في إعادة إنتاج الهوية لا تنجح دائما، ذلك أنّ من شروط نجاحها أن يتبناها الشعب ويخلص لها (في إيران مثلا، لم تفلح محاولات الشاه في "ثورته البيضاء" أن يعيد إنتاج الهوية، وفي وقتٍ لاحق استطاع آية الله الخميني فعل ذلك إلى حدٍ كبير). في عُمان نجح ذلك منذ البداية، خاصة وأنّ تأكيد الدولة على الهوية الإسلامية (في محاولة لمقاومة الفكر الشيوعي) لاقى قبولا شعبيا. وهكذا وبسبب الشخصية الكاريزمية لجلالة السلطان قابوس، فقد استطاع نقل الحماس "الرسمي" لإعادة إنتاج الهوية من السلطة إلى الشعب بسلاسة، فأصبح الناس هم من يذودون عن هذه الهوية ويدافعون عنها. هذا الأمر ربما أصبح أكثر وضوحًا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث سرعة تداول المنشورات، وحيث يمكن لكل شخص أن يكتب وأن يعبّر عن رأيه.

الانعكاسات
بطبيعة الحال هناك جوانب إيجابية لتبنّي المجتمع عملية إعادة إنتاج الهوية، مثل الحفاظ على الموروث والاعتزاز باللغة والوعي بالدور الحضاري التاريخي، وما إلى ذلك، بيد أنّ الأمر يبدو وكأنه أفضى أيضا إلى نتيجة عكسية، وهذا قد يعود إلى أمرين اثنين. الأول هو التشديد الرسمي المتواصل على مسألة الهوية والخصوصية، مما نقل إحساسًا إلى الفرد العماني بأنّ الحفاظ على الهوية قضية مصيرية لا تقبل أي تساهل أو مرونة، وبأنّ التهاون في الحفاظ على الهوية ستكون له عواقب وخيمة ليس فقط على الدولة بل على المجتمع نفسه. أدى ذلك إلى لجوء العماني في لا وعيه إلى استراتيجية دفاعية ناتجة عن الخوف من تهديد الهوية. أما السبب الثاني فهو أنّ السلطة متى ما نقلت هذه الوظيفة إلى الجماهير، يصعب عليها توقع التصرف الذي ستنتهجه تلك الجموع، وما هي المحددات التي قد تضيفها أو تضخّمها في مسألة الهوية، وهل ستمتلك تعريفا واضحًا للهوية أم أنها ستخلطها بتصوّرات أخرى؟

من مظاهر ذلك يمكننا أن نرصد الاحتفاء الشعبي (المبالغ فيه) بأي مديح خارجي يُذكر عن عُمان أو جلالة السلطان أو مفتي السلطنة أو أية شخصية عامة تمثّل هذا المجتمع. يكفي أن يُنشر مقال مادح حتى ينتشر بسرعة هائلة عبر الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي. وبالدرجة نفسها من الحدة يكون تعامل الفرد العماني مع النقد الخارجي (والداخلي أيضا)؛ إذ تتبدى حساسية شديدة وتحفّز كبير إزاء النقد أو الهجوم على البلد، وتبدأ التعليقات المستنكرة تتوالد، مع انتظار مقال أو تغريدة مفنّدة يحتفي بها العمانيون ويتناقلونها بكل حماس وفخر، شاعرين بمسؤوليتهم الاجتماعية في الذود عن الوطن وصورته (=هويته)، مما يعكس خوفا داخليا من أي تهديد على الهوية/الصورة.

الملح وأشياء أخرى
في هذا السياق يبدو أنّ الإنسان العماني الذي يعيد (مع السلطة) إنتاج هويته، يريد أن تكون صورة المجتمع العماني متفردة، نقية، صافية أمام عين الآخر حتى لا يفكر في خدشها. وهذه الرغبة في الحفاظ على صورة العماني (الطيب، المتواضع، المسالم، المتسامح، الكريم، المضياف، المحافظ) تجعله في صراع مستمر، ما بين الواجب في إصلاح الخلل في الداخل، والواجب في الذود عن الصورة النقية أمام الخارج، بل إنّ الصراع يتوسع كذلك إلى واجب الدفاع عن الهوية/الصورة في الداخل أيضا خوفا من "النخر" الداخلي الذي يمنح الآخر فرصةً للانقضاض.

لذلك يبدو أنّ العماني وهو في هذه العملية من الحفاظ على هويته الجديدة، كان من الصعب أن يتقبل ما قامت به مؤلفة المجموعة القصصية؛ فهو يراها امرأة عمانية لا يجوز أن تظهر بصورة المرأة "البذيئة" في العلن، ومن ناحية أخرى لا يتقبل أن تلمّح المؤلفة بوجود تلك الانحرافات الأخلاقية في مجتمعه الذي يريد أن تبقى صورته نقية، وحتى إن اعترف بوجودها في نفسه فإنه لا يريد أن يراها مطروحة أمامه على الطاولة. وفي غمرة انفعاله لم يختر السكوت عن الموضوع وتركه يمضي دون ملاحظة، بل اختار أن "يتبرأ" من تلك المرأة، أن يضحّي بها لتأكيد ذاته، أن يطردها من الجنة التي حدّد هو معالمها، كي "يطهّر" نفسه ويؤكد لنفسه من جديد أنه أهل لتلك الجنة/الصورة. حدث هذا في الوقت الذي يعلم فيه الشخص المهاجم في قرارة نفسه أنّ تلك الأسطر –على فجاجتها وبذاءتها- ليست هي الخطر الفعلي على الشباب وأخلاقهم، ويعلم أنّ وصول أشكالٍ أدهى من الانحرافات إلى أسرته أو أطفاله عبر الإنترنت أقرب بكثير جدا من وصول الانحراف عبر مجموعة قصصية، لكنّه الفزع على صورة المجتمع والدولة (هذا التحليل يتجاهل نظريات المؤامرة المطروحة).

ويبدو أنّ هذا هو ما حدث أيضًا في قضية صحيفة The Week قبل أشهر حين نشرت تقريرا صحفيا جريئا عن العلاقات المثلية في عُمان وانتفض الشارع غاضبا. من ناحية، ليس من الصدق في شيء أن ننكر وجود العلاقات المثلية في عُمان (كأي مجتمع بشري آخر)، ولا أن نتجاهل حوادث التحرش الجنسي المتكررة في مدارس الذكور خاصة، لكنّ التقرير بفجاجته أثار غضب العمانيّ إذ نال من صورته أمام نفسه قبل الآخرين وبدا وكأنه "يتسامح" أو "يتعاطف" مع المثليين بدلا من أن يتبرأ منهم تطهيرا للهوية الجمعية. يعرف الناس الآن أنّ هناك أماكن يلتقي فيها الباحثون عن هذه المتع، ويعرفون أنّ وسائل التواصل الاجتماعي (التي يستخدمونها لشن هذه الحملات الغاضبة) قد وفّرت مجالا أسهل لهؤلاء كي يتعارفوا، لكنهم من الصعب عليهم أن يقبلوا المساس بهويتهم هكذا علنا.

ما ذُكر أعلاه اجتهاد تحليلي يحاول أن يجد تفسيرا آخر غير المنطلق الديني والأخلاقي، وهو يتقاطع مع مجتمعات أخرى أيضا، فليس الهدف هنا "جلد" المجتمع، وإنما محاولة استيعاب ظواهره. هذا الاستيعاب ضروري كي يحذر المجتمع من خطورة الدفاع الأعمى عن صورته قبل مكاشفة نفسه ومناقشة مشكلاته بشفافية؛ ولا أحد يرغب في أن يصل المجتمع إلى مايعرف بـ"النرجسية الجمعية collective narcissism" حيث يؤمن بنقاوته وتميزه وتفرده بل وواجبه المقدس في الحفاظ على تلك النقاوة (طبقا لتفسيره) ووجوب غلبته على من سواه، إلى درجةٍ يفقد معها روح التسامح في داخله، قبل فقدانها مع الآخرين.

الأربعاء، 2 أبريل، 2014

مبادرة وطنية للثقافة

أكتب هذا المقال حول مشهد الثقافة في عُمان، واضعًا نفسيَ خارج الإطار وداخله في الوقت نفسه، خارج الإطار من حيث التناول الموضوعي الذي يتطلب محاولة النظر إلى الوضع الثقافي من زاوية شمولية مبتعدة، وداخل الإطار من منطلق الاهتمام المشترك بالموضوع. ولئن احتوى المقال على بعض العتاب فهو في هدفه الأساسي مع التشجيع لا مع التقريع، مع التحليل لا مع التطبيل، ومع الأمل لا مع الكسل.

من يتابع المشهد الثقافي في عمان يلاحظ أصواتا كثيرة ومتزايدة تشتكي من وضع الثقافة، والأمثلة على ذلك عديدة جدا، لكنني سأكتفي ببعضها: تغريدات علي سليمان الرواحي حول تدني مستوى ملحق "شرفات"[1]، ومقال هدى حمد الذي ينتقد غياب المشاريع الثقافية في السينما والمسرح وحتى بيع الكتب وتوزيعها[2]، وتغريدات فاطمة الحجري عن غياب مشروع وطني للترجمة[3]، وما كتب في وسائل التواصل الاجتماعي عن غياب التنافس على إدارة الجمعية العمانية للكتّاب، ومقال هلال البادي عن جمعية الصحفيين العمانيين[4]، بل حتى التلفزيون الرسمي الذي أذاع تقارير عن اختفاء المكتبات من الأسواق[5] وحاجة المكتبات العامة إلى الدعم[6]. فهل هناك مشكلة حقيقية؟

يميل "بعض الناس" في عُمان إلى اعتبار المثقف كائنا متذمرا كثير الشكوى لا يعجبه العجب، يتخذ في أغلب الأحيان مواقف "سلبية" يُبرز فيها النقص ويضخّمه، في حين نادرًا ما يذكر الإيجابيات أو يخطو لصنعها. ولستُ هنا في معرض الدفاع عن جانب أو آخر، وللأمانة فإن الوصف أعلاه لا يخلو من حقيقة في بعض الحالات، إذ نحن نتحدث عن بشر. وللأمانة أيضا فإن كثيرا مما يوصف بالسلبية لا يعدو أن يكون نقدا (هادئا أو لاذعا). ما يهمني هنا هو التفكر في مشروعية الشكوى من الوضع الثقافي، فهل يستحق فعلا كل هذه الشكوى أم أنّ المثقفين العمانيين بالفعل كائنات متذمرة؟

يحق لنا في معرض تقييم الوضع الثقافي أن ننظر فيما تحقق لنا من إنجاز ثقافي خرج من حدود السلطنة. فعلى صعيد الأدب لنا أن نتساءل عن عدد الأدباء العمانيين الذين يُعرفون ويُقرؤون في الخارج، وعن الروايات أو المجاميع القصصية العمانية التي حققت مبيعات كبرى في الوطن العربي أو الخليج العربي على أقل تقدير. وعلى صعيد الترجمة، من هو المترجم العماني الذي يُعرف بالاسم ويبحث القارئ العربي عن ترجماته؟ وفي السينما والدراما كم فنانا وعملا فنيا عمانيا يمكن أن يُشار إليه؟ وفي مجال البحوث والفكر ما الكتب الفكرية العمانية المؤثرة التي يتسابق الباحثون إلى اقتنائها؟ وسق على ذلك أمثلة في بقية المجالات الثقافية. بطبيعة الحال هناك بعض الحالات هنا وهناك، لكنها أولا حالات فردية نادرة، وثانيا وللأمانة فهي لم تصل بعد إلى درجة المنافسة التي يتطلع العمانيون إليها. وقد يعترض القارئ الكريم فيقول إننا لا يجب أن نقارن أنفسنا بدول أخرى ذات نشاط ثقافي طويل، بيد أننا إن لم نقارن أنفسنا بالأفضل فلن نصل إليه، وإن لم نقارن أنفسنا بالأفضل بعد أربع وأربعين سنة من النهضة العمانية فمتى إذن؟

إن الوضع الثقافي في عُمان ليس على ما يرام، أو على الأقل ليس كما نتمنى أن يكون. من حقنا وحق عُمان علينا أن نتطلع إلى ظهور أديبٍ أو مخرج سينمائي يتعرف العالم على عمان من خلاله. من حقنا وحق عُمان أن نقول للعالم بأننا قدّمنا مترجمين ساهموا في إثراء المكتبة العربية. من حقنا وحق عُمان أن لا نخجل حين يزورنا ضيف ولا يجد مكتبة شرائية أو عامة تليق بهذا البلد. ومن حقنا وحق عُمان أن يكون لنا مفكرون ينتظر المتابعون كتبهم وآراءهم وتحليلاتهم. باختصار، من حقنا أن تكون لنا "قوة ناعمة".

تلك الشكاوى الكثيرة من المثقفين العمانيين وإن سببت إزعاجا للبعض فإنها في جانب من جوانبها علامة إيجابية؛ إذ إنها تشير إلى توق هؤلاء المثقفين إلى إنجاز ثقافي أفضل، والرهان في الحضارة يكون على الأفراد الذين يتطلعون إلى التطور. ولكن حتى نكون موضوعيين، فالتطلّع في ذاته غير كاف، بل يستلزم سعيا حقيقيا. وفي حين نلوم المؤسسات الرسمية على غياب اهتمامها بالوضع الثقافي، فإننا نساهم معها في إبطاء التطوّر حين نعتزل المشاركة. فعلى سبيل المثال كثيرا ما توجّهنا بالنقد إلى الجمعية العمانية للكتاب والأدباء، لكننا حين جاء الوقت لانتخاب إدارة جديدة يمكننا أن ننفّذ من خلالها ما نريد، عزفنا عن المشاركة. كثيرا ما ننتقد الملاحق الثقافية الموجودة التي اعتزلناها أصلا ولم نعد نكتب فيها. وغنيّ عن القول إنّ عزوفنا عن المشاركة بما هو قيّم (من وجهة نظرنا) سيفسح مجالا لما لا يرضينا. من جهة أخرى لا يمكن أن نتجاهل بعض المحبطات الحقيقية في المؤسسات الثقافية الرسمية، والتي تسبب ذلك العزوف. وهنا نصل إلى المشكلة التي يمثلها هذا التفاعل الجدلي ما بين المثقف والمؤسسة، فكيف نطلب من المثقف المساهمة في تطوير الثقافة حين لا يجد دعما من المؤسسة؟!

ما أحاول أن أجادل به هنا هو أنّ مسألة تطوير الوضع الثقافي ليست (بل لا يجب أن تكون) مرهونة بالمؤسسة الرسمية بل بالمبادرة الفردية والمجتمعية؛ فالإبداع الثقافي الحقيقي في العالم كله لم ينتظر دعم المؤسسة ولم يخرج من رحمها (وإن ساهمت المؤسسة في رعايته في بعض الحالات طبعا). نهضة الثقافة لن تكون إلا بحراك المثقفين أنفسهم وسعيهم، مما سيغري المؤسسة الرسمية لاحقا بالرعاية والدعم. هناك الكثير من المشاريع الثقافية التي يمكن للمثقفين أفرادا أو جماعات أن ينفذوها، وأن يتحصلوا على التمويل اللازم لها من التبرعات أو الدعم الخاص. فمثلا، كُتب الكثير جدا عن غياب مكتبات عامة في عُمان، في حين أنّه لو جُمعت أنصاف مكتبات المثقفين لأنشئت نواةً لمكتبة عامة جيدة!

مارس المثقفون النقد إيمانا منهم بأهميته وبدورهم في التفاعل النقدي، لكنّ هذا النقد لم يفض بالضرورة إلى تحسّن، خاصة في ظلّ ثقافة لا تتصالح مع النقد بل تعتبره تهجما شخصيا. إذن فما يجدر بنا المراهنة عليه الآن هو المبادرة فردية كانت أو مجتمعية، وما يتم تحقيقه من خلال هذه المبادرات هو الذي سيمنحنا الشعور الأكبر بالإنجاز. ولئن أردنا أن تكون للمشاريع الثقافية استقلاليتها الفكرية عن المؤسسة الرسمية، فينبغي علينا أن نسعى إلى دعمها؛ فنحن حين نكتفي بالتفرج عليها إما نحكم عليها بالتوقف أو نضطرها إلى التخلي عن بعض استقلاليتها باللجوء إلى دعم المؤسسة، ثم نشتم فيها وننتقد أداءها. من جهةٍ أخرى يحق لنا أن نعتب على المؤسسة ملاحقتها لبعض المبادرات، بدلا من تركها تأخذ مساحتها في الحركة والنشاط ما دامت "تعمل في النور" و لا تخلّ بالقانون. وحريّ بالمؤسسة الرسمية أن تسعى لتشجيع كل ما من شأنه أن يرسخ روح الاستقلالية كي يخفف عنها حملها، بدءا من المبادرات الثقافية وحتى ريادة الأعمال.

وحتى لا يُحمَل كلامي على غير مراده، فأنا هنا لا أطالب بالضرورة بالاستغناء عن المؤسسة الرسمية أو اعتزالها، وإنما أدعو إلى عدم انتظارها هي كي تقوم بالتخطيط والمبادرة، وهي في أغلب الأحيان قليلا ما تبادر لأنها بالكاد تلتقط أنفاسها من دوامة البيروقراطية والروتين اليومي. إن ارتأى البعض منا إمكانيةً لتطوير مجلة ثقافية مثلا، فيمكن لبعض المهتمين الاجتماع مع إدارة المجلة ومناقشها وتقديم حلول وخيارات لها.

وكي لا يكون هذا المقال موجة أخرى من سلسلة "الشكوى" أو النقد الذي لم يؤت أكله، فإنني أختمه باقتراح أتمنى أن يجد (إن كان يستحق) ما يقوّيه من التوجيهات أو الملاحظات. نحن في عُمان بحاجةٍ إلى "مبادرة وطنية للثقافة"، تبدأ بتحديد الرؤية (أي كيف نريد أن يكون وضع الثقافة في عمان بعد 5 سنوات مثلا)، وتستند على الحقائق والإمكانات المتاحة، مرورا بالنقاش والتخطيط العملي، وانتهاء بوضع الآليات التنفيذية. ولعلّي إن وجدت الأيادي المعينة أن أعلن عن ورشة عمل خلال أشهر، على أن تتشكل قبلها فرق عمل يتخصص كل منها في قطاع محدد (الأدب، المسرح، السينما، الفكر، الترجمة، الصحافة الثقافية، الخ)، فتناقش هذه الفرق رؤيتها المستقبلية مع بعض ذوي الخبرة الإدارية والمالية في ورش عمل تخرج بحلول وخطط لمشاريع نعمل على تنفيذ ما يمكن منها بمبادرات مجتمعية أو فردية، ونشترك مع المؤسسة الرسمية في تنفيذ بعضها الآخر.


وعُمان من وراء القصد.


1 https://twitter.com/alialrawahi
2 http://main.omandaily.om/?p=92227
3 https://twitter.com/Alhajrifatema
4 http://albaladoman.com/?p=16548
5 http://www.youtube.com/watch?v=HVulW501CZ4
6 http://www.youtube.com/watch?v=DeZsMEGqIVQ

الأربعاء، 19 مارس، 2014

الاستِبلاه..أو الاستهبال الثقافي

قبل فترة تنامت إلى علمي أحاديث عن شاب عماني صغير ما يزال طالبا في الجامعة، لكنه حسب ما يقولون "فلتة"، له كتابات فكرية عميقة، بل إنه أصدر (أو على وشك إصدار) كتبا فكرية، وله معجبون كثيرون في وسائل التواصل الاجتماعي يتبادلون مقالاته و"ينهلون" من ثقافته العالية.
كنت قد تركت وسائل التواصل الاجتماعي منذ فترة، لذلك لم أهتم كثيرا بهذه "الظاهرة"، وهي لا شك ظاهرة فريدة في مجتمعنا أن يظهر شاب صغير لديه كتابات فكرية واجتماعية عميقة. لم أكوّن أي فكرة عن هذا الشاب سوى الرغبة الداخلية أن نرى مثل هذه النماذج في ازدياد، ولكنني لم أقرأ له شيئا.
في فجر اليوم وبالصدفة وقعتُ على المقال الجديد لهذا الشاب المفكر "الفلتة"، وقلت حان الوقت لأقرأ له شيئا. في الحقيقة قرأت المقال بعين الأستاذ الناقد، بل المتصيد للأخطاء (وهذا صفة لا أنكرها، بل أجدها مفيدة جدا لمدرّس جامعي)، ووفقا لهذه القراءة "المتشككة" والتي اعتدتُ عليها عند قراءة أبحاث الطلاب (إذ الطالب الجامعي في مؤسساتنا التعليمية بالنسبة لي متهم حتى تثبت براءته)، تكوّن لديّ انطباع بأنّ المقال مسروق، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكتبه طالب جامعي في عُمان (والمدرّسون أعلم بمستويات الطلاب).
بطبيعة الحال تتكوّن لدى المدرّسين الجامعيين مهارات خاصة في "اكتشاف" السرقات الأدبية/البحثية، ودون جهد كبير تحققت من أنّ المقال هذا مسروق..مسروق..مسروق! لكنّ هذا الفتى لا يخلو من بعض ذكاء، إذ إنه تجاوز بعض اللصوص الخائبين الذين ينقلون المقالات بأكملها، فهو لا يسرق من مصدر واحد، بل ينوّع في مصادره، ويعمل في كثير من الأحيان على إعادة الصياغات.

السرقات
أولا، بالنسبة للعنوان "بين الأدب والبلاهة"[1] فهو مسروق من مقال قديم لياسر حارب بعنوان "أدباء أم بلهاء"[2]. وفي الفقرة الأولى من المقال نجد أن الجملة التالية مسروقة بالكامل من مقال لأحمد حسين عسيري في جريدة المدينة عام [3]2011:
"وما ينجم عنه من تفاعل بين الفرد والمجتمع الفرد بمساهمته والمجتمع باحتوائه لها وتكثيفها إلى درجة النفع العام ولا يتحقق ذلك إلا عبر المكون الأكبر لمحتوى هذا التفاعل، وهو ما يعرف بالبناء الاجتماعي، وبمكوناته من قيم ومعايير وأعراف ومستوياته المتدرجة لنسيجه وفي إطار الثقافة المجتمعية السائدة".

أما بقية المقال فهو عبارة عن سرقات من مقالين اثنين، الأول لياسر حارب المشار إليه أعلاه، والآخر لعبدالله محمد الناصر في جريدة الرياض عام 2006 بعنوان "الرواية العربية ومعجزة الجنس"[4]، ويمكن للقارئ أن يتبيّن الأجزاء المسروقة بوضوح شديد. وقد تكون هناك مقالات أخرى أيضا استُخدمت لكنني لم أواصل البحث.

ما يهمني في هذا المقام نقطتان اثنتان. أولا، علمتُ أنّ هذا "الكاتب" الشاب ينشر عمودا أسبوعيا في جريدة الشبيبة العمانية، وغيرها، ولديّ هنا عتب كبير على جريدة الشبيبة إذ إنّ هذه ليست المرة الأولى التي تستكتب فيها كاتبا سارقا، فقد حدث ذلك قبل سنوات مع أحد المترجمين، وبعثتُ إلى المحرر الثقافي في الجريدة آنذاك أنبهه إلى تلك السرقات، وأنه يجب أن يُفضح ذلك المترجم (نعم، أؤمن بوجوب فضح السرقات الأدبية وسارقيها)، لكنّه أبى واكتفى بإيقاف مقالات ذلك المترجم. من الواجب على صحفنا أن تقوم بواجبها في احترام القارئ والتحقق من مصداقية الكتّاب الذين تستكتبهم.
أما النقطة الثانية فهي أنني هنا أناقش مقالا واحدا لهذا الكاتب، ولم أتعرض لغيره. قد تكون له مقالات كتبها بنفسه، وقد يكون قارئا جيدا، وقد يكون وقد يكون، لكنّ من يقوم بسرقةٍ مثل هذه الموضحة أعلاه فلا مصداقية له إطلاقا. هذا وقد..أقول قد يكون هذا الشاب يعتقد أنّ هذه هي الطريقة في إجراء البحث، وقد حدث ذات مرة أن قالت لي طالبة في السنة الجامعية الأخيرة أنّ اقتطاع الأجزاء من المقالات والكتب دون الإشارة للمصدر هي الطريقة التي دُربوا عليها في إجراء البحوث! إن كان الأمر هكذا، فعلى جامعة السلطان قابوس (التي ينتمي إليها هذا الطالب) أن تحقق في الأمر، وإن لم يكن كذلك، فعليها في كل الأحوال أن تقوم بواجبها الأخلاقي في التحقيق مع هذا الطالب/الكاتب، ومن درس في جامعات الغرب يعرف أنّ الانتحال في الكتابة جُرم أكاديمي عظيم لا يُغتفر.   



[1] http://ruaa12.wordpress.com/2014/03/18/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AF%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%A7%D9%87%D8%A9/
[2] http://yhareb.com/wp/?p=479
[3] http://www.al-madina.com/node/329329
[4] http://www.alriyadh.com:8080/2006/02/02/article127347.html