الثلاثاء، 13 مايو، 2008

يوم عادي ، بالفول السوداني



قصة: شيرلي جاكسون
ترجمة: أحمد حسن المعيني

أوصد (جون فيليب جونسون) باب شقته خلفه وهبط السلم منطلقًا إلى الصباح الساطع مستشعرًا أنّ العالم بكل ما فيه على ما يرام في هذا اليوم الأروع من كل يوم. أولم تكن الشمسُ دافئة بهيجة؟ أولم يكن حذاؤه الجديد مريحًا؟ وكان واثقًا أنه قد اختار بلا شك ربطة العنق الأنسب لهذا اليوم والشمسِ وقدميه المرتاحتين، وفوق كل ذلك أليس العالم مكانًا رائعًا؟ وعلى الرغم من أن جونسون كان رجلا ضئيلا، وبرغم أن ربطة عنقه كانت قليلة الزَّهاء، إلا أنه كان يُشِعّ إحساسًا واثقًا بالإشراق والسعادة وهو يهبط الدرجات إلى الرصيف القذر، وكان يبتسم للمارين بجانبه، حتى أنّ بعضهم قد بادله الابتسامة. توقف عند كشك الجرائد على ناصية الشارع واشترى جريدته وهو يقول من كل قلبه "صباح الخير" للرجل الذي باعه الجريدة والشخصين أو الثلاثة الذين كان لهم حظّ الوجود هناك يشترون جرائدهم عندما مرّ جونسون. لم ينسَ أن يملأ جيوبه ببعض السكاكر والفول السوداني، وبعدها استعدّ للانطلاق باتجاه الحيّ السكني في المدينة. توقف عند بائع الزهور واشترى زهرةً لعروةِ معطفه، وما كاد يمشي حتى أهداها لطفلٍ صغير في عربة، نظر إليه باستغراب ثم ابتسم، فابتسم له جونسون، ونظرت أم الطفل إلى جونسون لدقيقةٍ، ثم ابتسمت هي أيضًا.

وعندما اجتاز بعض المباني الكبيرة في المدينة، قطع جونسون الشارع ومشى على طول شارع جانبي اختاره عشوائيًا. لم يكن يسلك الدرب نفسه كل صباح، بل كان يفضّل إيجاد طريقٍ حافلٍ بأحداثٍ جديدةٍ وانعطافاتٍ واسعة، كأنه جروٌ أكثر منه إنسانًا منكّبًا على عملٍ ما. وحدث هذا الصباح في منتصف المجمّع السكني أن توقفت شاحنة، وكان أثاث شقةٍ مركونًا على الرصيف، نصفه على السلم، بينما مجموعة من الناس تتلكأ متسلية بتفحص الخدوش على الطاولات والمواضع البالية على الكراسي، وامرأةٌ منزعجة- تحاول مراقبة طفلٍ صغيرٍ وناقلي الأثاث والأثاث في الوقت نفسه- بدا واضحًا أنها تحاول ستر حياتها الخاصة من الناس المحدقين في أغراضها. توقف جونسون، ولثانيةٍ انضمّ إلى الحشد، ثم تقدم ووضع يده على قبعته تلطّفًا وقال: "يمكنني أن أراقب طفلك لك".

استدارت المرأة وحملقت فيه بريبة، فأضاف جونسون بسرعة: "سنجلس هنا على السلم". أومأ إلى الصبيّ الذي تردد ثم استجاب لابتسامة جونسون الودودة. أخرج جونسون من جيبه حفنة من الفول السوداني وجلس على السلم مع الصبيّ الذي رفض قبول الفول السوداني، لأن والدته لم تكن تسمح له أن يقبل طعامًا من الغرباء. فقال له جونسون بأن والدته ربما لم تقصد الفول السوداني، فحتى الفيلة في السيرك تأكله. فكّر الصبي ثم قبِلَ بتحفظ. جلسا على السلم يقرضان الفول السوداني كأنهما رفيقان، وقال جونسون: "إذن فأنتم تنتقلون إلى منزل جديد؟". قال الصبي: "نعم".

- إلى أين تذهبون؟
- فيرمونت.
- مكانٌ جميل. هناك الكثير من الثلج، وسكاكر القيقب كذلك. أتحب سكاكر القيقب؟
- أكييد.
- هناك الكثير من سكاكر القيقب في فيرمونت. هل ستعيشون في مزرعة؟
- سنسكن مع جدّي.
- أيحب جدّك الفول السوداني؟
- أكيد.

قال جونسون مادًا يده إلى جيبه: "لا بد إذن أن تأخذ له بعضًا منه. أذاهب أنت وماما فقط؟"
- نعم.

قال جونسون: "اسمع ، خذ بعض الفول السوداني لتأكله في القطار". بدا أن والدة الصبي حكمت بأن جونسون محل ثقة بعد استراقها النظر إليهما بين الفينة والأخرى، لذا انكبّت بكلّها على التأكد من أن ناقلي الأثاث لم يكسروا رجل طاولةٍ أو يهووا بكرسيٍ على مصباح- وهُم نادرًا ما يفعلون ذلك رغم أن كل ربة بيت تعتقد أنهم سيفعلون. في ذلك الوقت كان أغلب الأثاث قد حُمّل إلى الشاحنة وكانت هي شديدة القلق عندما أدركت أنها نسيت أن تحزم غرضًا ما- قد يكون مخبئًا خلف دولاب، أو منسيًا عند أحد الجيران، أو على حبل الغسيل- وكانت تحاول أن تتذكر ذلك الشيء بتوترٍ ظاهر.

قال رئيس العمّال مضيفًا إلى رعبها: "أهذا كل شيء يا سيدتي؟". وقال العامل للصبي ضاحكًا: "هل تريد أن نضعك في الشاحنة مع الأثاث يا صغيري؟". ضحك الصبي وقال لجونسون: "أظنني سأمضي وقتًا جميلا في فيرمونت". قال جونسون للصبي ناهضًا: "بل وقتًا رائعًا. خذ حبة فول أخرى قبل الذهاب". وقالت والدة الصبي لجونسون: "أشكرك جدًا. لقد أسديتَ لي خدمة كبيرة". ردّ جونسون بودّ: "لا داعي للشكر. أين تقصدون في فيرمونت؟". نظرت الأم إلى الصبي باتهام، وكأنه أفشى سرًا مهمًا، ثم قالت على مضض: "جرينتش". قال جونسون: "مدينة رائعة". أخرج بطاقة وكتب اسمًا على ظهرها ثم قال: "يقيم في جرينتش صديقٌ عزيزٌ جدًا لي. اتصلي به إن احتجتِ أي شيء." ثم أضاف قائلا للصبي في وقار: "زوجته تُعِدّ أفضل كعكٍ محلّى في جرينتش".

- رائع!
- مع السلامة.

مضى في طريقه يدقّ الأرض بحذائه الجديد، مستشعرًا دفء الشمس على ظهره وفوق رأسه. وفي منتصف الطريق رأى كلبًا ضالا فأطعمه حبة فولٍ سوداني. وعند ناصية الشارع حيث واجهه شارعٌ واسعٌ آخر قرر جونسون العودة للحي السكني. وفي هذه المرة كان يتحرك بكسلٍ مقارنة بالمرة السابقة حتى أنّ العابرين من جانبيه كانوا مستعجلين مقطّبين، وكانوا يلكزونه بمرافقهم وهم يتجهون للجهة الأخرى من الشارع، مسرعين ليصلوا إلى مكانٍ ما بسرعة. توقف جونسون عند كل إشارة مرور وانتظر بصبرٍ حتى تتغير الإشارة للعبور، وكان يبتعد عن طريق أي شخص يبدو في عجلةٍ من أمره، إلا أنّ شابة اقتربت بسرعةٍ شديدة نحوه وصدمته بقوة عندما انحنى ليداعب قطة صغيرة هربت إلى الرصيف وأصبحت غير قادرة الآن على العودة بين الأقدام المسرعة. قالت الشابة محاولة في نزق أن ترفع جونسون من الأرض وتعجّل إلى طريقها في الوقت نفسه: "معذرة. أنا آسفة جدًا".

أسرعت القطة الصغيرة إلى بيتها رغم الخطر. قال جونسون وهو يعتدل في وقفته: "لا عليكِ. يبدو أنكِ مستعجلة". قالت الشابة: "بالطبع أنا مستعجلة. إنني متأخرة". كانت شديدة النزق، وبدا ذلك التقطيب الذي بين عينيها أنه سيُخلّد هناك. من الواضح أنها نهضت من النوم متأخرة، حيث أنها لم تمض أي وقتٍ إضافي لتجميل نفسها، وكان ثوبها بسيطًا جدًا غير مزخرف بقلادةٍ أو دبوسٍ زيني، وكان أحمرُ شفاهها غير متساوٍِ على الشفتين. حاولت أن تمرّ من جانب جونسون بسرعة، إلا أنه- مُخاطرًا بما قد يسببه من استياء وريبة- أمسكها برفق من مرفقها وقال: "لحظة من فضلك".

قالت بنبرةٍ مُنذِرة: "اسمع، لقد صدمتك ويمكن لمحاميك أن يتحدث مع محاميّ وسأدفع بكل ترحاب ثمن كل الأضرار التي تسببت بها، ولكن أرجوك دعني أذهب الآن فأنا متأخرة". قال جونسون: "متأخرة عن ماذا؟" مجربًا عليها ابتسامته الرابحة دومًا، ولكن ابتسامته- حسب ظنه- لم تفعل أكثر من أن تمنعها من الإطاحة به أرضًا مرة أخرى. قالت وهي تصرّ على أسنانها: "متأخرة عن العمل. متأخرة عن وظيفتي. لديّ وظيفة وإن تأخرت خسرتُ ساعة بالضبط ولا يمكنني تحمل ما تكلفني إياه محادثتك اللطيفة، حتى وإن كانت لطيفة جدًا".
قال جونسون: "سأدفع ثمن ذلك". كانت تلك كلمات سحرية، ليس بالضرورة لأنها كانت حقيقية، أو لأنها كانت تتوقع بجد أن يدفع جونسون أي شيء، ولكن لأن جملة جونسون المباشرة، الخالية من السخرية، لا يمكن أن تكون، وهي صادرة عن جونسون، غير كلام رجل مسؤول وصادق ومحترم. سألتْ: "ماذا تقصد؟".

- قلتُ بأنه ما دمتُ أنا السبب في تأخيرك، عليّ أن أدفع ثمن ذلك.

قالت، ولأول مرة اختفى عبوسها: "لا تكن سخيفًا. لا أتوقع منك أن تدفع أي شيء..قبل دقائق كنتُ أنا من أعرض عليك أن أدفع لك". ثم أضافت، تكاد تبتسم: "على أية حال، كان خطأي أنا".

- ماذا يحدث إن لم تذهبي للعمل؟

حدّقت فيه وقالت: "لا أستلم أجري لذلك اليوم".
فقال جونسون: "بالضبط".
قالت: "ماذا تقصد بقولك بالضبط؟ إن لم أكن في العمل منذ عشرين دقيقة بالضبط أخسر دولارا وعشرين سنتا، أو سِنتين لكل دقيقة، أو..." فكّرت ثم أضافت: "حوالي عشرة سنتات للوقت الذي أمضيته في الحديث معك".

ضحك جونسون وأخيرًا ضحكت هي. قال: "إنكِ الآن متأخرة على أية حال. هلا أعطيتني ما قيمته أربعة سنتات أخرى؟".

- ولكن لماذا؟

قال جونسون: "سترَين". قادها إلى جانب الرصيف حذو البنايات وقال: "قفي هنا"، ثم دخل في معمعة الناس السائرين في الاتجاهين. كان يختار ويفكر كما يفكر من سيقرر اختيارًا يحتوي ربما سنوات كاملة في حياة شخصين. كان يحاول تقييم الناس من حوله، وفي مرة كاد أن يتحرك، ثم تراجع في آخر لحظة. أخيرًا، رأى ما أراده على بعد نصف صفٍ من البنايات، وتحرك إلى مركز المعمعة ليعترض سبيل شاب كان يُسرع، يبدو من هيئته وكأنه استيقظ متأخرا، وكان عابسًا.

تأفف الشاب لأن جونسون لم يفكر لاعتراض سبيله في طريقة أفضل من الطريقة التي استخدمتها الشابة معه دون قصد. قال الشاب بغلظة: "ألا ترى طريقك يا هذا؟". قال جونسون بنبرةٍ مُوحية بشيء ما: "أريد أن أتحدث إليك". نهض الشاب بعصبية نافضًا الغبار عن ملابسه ومحدقًا في جونسون: "لماذا؟ ماذا فعلت؟". قال جونسون بنبرة شكوى: "هذا أكثر ما يزعجني في الناس هذه الأيام، فهم إن فعلوا شيئًا أو لم يفعلوا يظنون أن أحدًا يلاحقهم. أريد أن أتحدث إليك عن شيء ستفعله". قال الشاب محاولا تجاوز جونسون: "اسمع، إنني متأخر وليس لدي وقت لأسمعك. خذ العشرة سنتات هذه وانصرف". دسّ جونسون الورقة في جيبه وقال: "شكرًا لك. اسمع، ماذا سيحدث إن لم تسرع في مشيك الآن؟". قال الشاب وما زال يحاول أن يعبر من جانب جونسون الذي كان فجأة ملتصقًا به: "إنني متأخر". سأله جونسون: "كم يُدفع لك في الساعة؟". ردّ الشاب: "هل أنت شيوعي؟ هلا سمحت بأن تدعني..." فقال جونسون بإلحاح: "لا. كم؟" فتمتم الشاب: "دولار ونصف. والآن هلا..."

- هل تحب المغامرة؟

حدّق فيه الشاب، وبينما كان محدقًا وجد نفسه قد قبضت عليه ابتسامة جونسون الودودة. كاد أن يبتسم له ثم كتمها وحاول أن ينسلّ: "عليّ أن أسرع".

- تحب الغموض؟ المفاجآت؟ الأحداث المبهجة غير العادية؟
- هل تبيع شيئًا؟
- بالطبع. هل تريد أن تجرب؟

تردد الشاب، وهو يتطلع إلى الشارع الذي ربما كان وُجْهَتَه، حينما قال جونسون بنبرة التوكيد المقنعة: "سأدفع ثمن ذلك"، فاستدار وقال: "حسنًا. ولكن يجب أن أرى بنفسي أولا ما سأشتريه".

قاد جونسون الشابَ وهو يتنفس بصعوبة إلى جانب الرصيف حيث كانت تقف الشابة. كانت تراقب باهتمام كيف أمسك جونسون بالشاب، والآن تبتسم بخوفٍ وتنظر إلى جونسون وكأنه لم يعد هناك ما يفاجئها. أخرج جونسون محفظته من جيبه وقال مادًا ورقة نقدية إلى الشابة: "تفضلي. هذا يساوي تقريبًا أجر يوم من عملك". إلا أنها قالت باستغراب رغما عنها: "لا لا.. أقصد لا يمكنني...". قاطعها جونسون: "دعيني أكمل لو سمحتِ". ثم قال للشاب: "وتفضل. هذه لك". قبل الشاب الورقة النقدية وهو مبهور ولكنه قال من زاوية فمه للشابة: "ربما تكون مزيفة". وتابع جونسون متجاهلا الشاب: "والآن، ما اسمكِ آنستي؟". قالت باستسلام: "كينت. ميلدرد كينت". قال جونسون: "جميل. وما اسمكَ سيدي؟". قال الشاب بتصلّب: "آرثر آدمز". فقال جونسون: "رائع. والآن آنسة كينت أودّ أن أعرفك على السيد آدمز. سيد آدمز، هذه الآنسة كينت". حدّقتْ الآنسة كينت ورطّبت شفتيها بتوتر، وصدرت عنها حركة ترددٍ تشي بالهروب، وقالت: "كيف حالك؟". انتصب آدمز وقطّب لجونسون، وصدرت عنه حركة ترددٍ تشي بالهروب وقال: "كيف حالكِ؟". قال جونسون وهو يخرج عدة أوراق نقدية من محفظته: "هذا سيكفي لمصاريف يوم. أقترح عليكما زيارة جزيرة كوني-رغم أنني لستُ مغرما بها- أو ربما غداءً في مكانٍ ما ورقصة لطيفة، أو حفلة نهارية أو حتى فيلما، ولكن احرص على اختيار فيلمٍ جيد. هناك الكثير من الأفلام الرديئة هذه الأيام". وأضاف كأنه اُلهِمَ: "أو ربما تزوران حديقة حيوانات برونكس، أو القبة الكونية" وانتهى بقوله: "أيّ مكان تودان الذهاب إليه. استمتعا بوقتكما".

وبينما هو يشرع بالانصراف، قال آرثر آدمز متخلصًا من تسمّره وذهوله: "ولكن مهلا يا سيدي. لا يمكنك فعل هذا.كيف تعرف..أقصد أننا لا نعرف...أقصد كيف تعرف أننا لن نأخذ المال ولا نفعل ما قلته؟". قال جونسون: "لقد أخذتما المال. لستما ملزمَين باتباع اقتراحاتي. قد يخطر ببالكما شيئًا تفضلان القيام به- ربما زيارة متحفٍ أو أي شيء آخر".

- هَب أنني أخذتُ المال وهربت وتركتها هنا؟

قال جونسون بهدوء: "إنني واثق من أنك لن تفعل؛ لأنك سألتني هذا السؤال. مع السلامة". ثم انصرف.

وبينما هو يمضي في الشارع، شاعرًا بالشمس فوق رأسه وحذائه المُريح، سمع من مكانٍ ما خلفه الشاب يقول: "اسمعي. تعرفين أنك لستِ ملزمة بذلك إن لم ترغبي" والشابة تقول: "إلا إذا كنت أنت لا تريد...". ابتسم جونسون وفكر في أنه يجب أن يسرع. يستطيع المشي بسرعة عندما يريد، وقبل أن تقول الشابة: "موافقة إذا كنت أنت موافق" كان جونسون قد قطع عدة بنايات وتوقف مرتين، مرة ليساعد سيدة في تحميل بعض الحقائب في سيارة أجرة، ومرة ليقدم حبة فول سوداني إلى نورس.عندها كان موجودًا في منطقة بها الكثير من المحلات وعددًا أكبر من الناس، وكان يُلكز باستمرار من الجانبين إثر مرور الناس المسرعين النزقين المتأخرين المتجهمين. في مرةٍ قدّم حبة فول سوداني إلى رجل طلب منه عشرة سنتات، ومرة أعطى حبة فول سوداني لسائق باص توقف عند تقاطع مروري وأخرج رأسه من النافذة وكأنه مشتاق إلى الهواء النقي والحركة المرورية الأهدأ نسبيًا. أما الرجل الذي أراد العشرة سنتات فقد أخذ حبة الفول لأن جونسون ربط حولها دولارا، وأما سائق الباص فأخذ حبة الفول وسأل ساخرًا: "تريد توصيلة يا صاح؟".

وفي زاويةٍ مزدحمة صادفَ جونسون شابًا وفتاة- وظنّ لأول وهلة أنهما ميلدرد كينت وآرثر آدمز- يتفرسان باهتمام بالغ في جريدة، مسندَين ظهريهما إلى واجهة محل ليتفاديا المارين، ورأساهما منحنيان بتوافق. انحنى جونسون بفضوله اللامتناهي بجانبهما وأطلّ من فوق كتف الشاب. كانا يبحثان في ركن الشقق الشاغرة. تذكر جونسون الشارع الذي كانت فيه المرأة وابنها الصغير ينطلقان إلى فيرمونت، فنقر بإصبعه على كتف الشاب وقال بودّ: "جرّب في شارع ويست سفنتين، قرب منتصف المجمّع السكني، حيث انتقل أناس من هناك صباح اليوم". قال الرجل: "ماذا ت..." ثم رأى جونسون بوضوح وقال: "شكرًا. أين قلت بالضبط؟" فقال جونسون: "ويست سفنتين، قرب منتصف المجمّع". ابتسم مجددًا وأضاف: "حظّا طيبًا". شكره الشاب والفتاة فقال لهما مودعًا: "مع السلامة".

تناول غداءه وحيدًا في مطعمٍ جيد، حيث كان الطعام دسمًا، ولولا قدرة جونسون الهضمية المميزة لما أمكنه أن يحلّي بكعكتَي الكريما المخفوقة مع الشوكولاته والرمّ. احتسى ثلاثة أقداح من القهوة وبقشش الجرسون بسخاء، ثم خرج إلى الشارع مجددًا إلى ضوء الشمس الرائع، وحذاؤه ما زال مُريحًا. وفي الخارج وجد متسولا يحدّق في نوافذ المطعم الذي خرج منه للتو، وتمعّن في المال الذي في جيبه ثم اقترب من المتسول ودسّ بعض القطع والأوراق النقدية في يده، ثم قال: "هذا ثمن شريحة لحم عِجل مع بقشيش. مع السلامة".

أخذ قسطًا من الراحة بعد الغداء. مشى إلى أقرب حديقة وأطعمَ الحمام بعض الفول السوداني. وعندما استعد للعودة إلى المدينة كان الوقت عصرًا، حيث كان قد حكّم جولتين في لعبة الدامة، وراقب ولدًا صغيرًا وصبية كانت أمهما قد نعست ثم استيقظت متفاجئة ومذعورة إلا أنها ارتاحت عندما رأت جونسون. وزّع كل ما معه من سكاكر تقريبا، وأطعم الحمام كل ما بقي معه من فول سوداني، وجاء وقت العودة إلى المنزل. وبالرغم من أن شمس العصر كانت منعشة، وما يزال حذاؤه مُريحًا، قرر أن يستقل تاكسيًا إلى مركز المدينة.

وجد صعوبة في إيقاف تاكسيّ، لأنه تنازل عن أول ثلاثة أو أربعة تاكسيات شاغرة لأشخاصٍ بدوا أكثر حاجة إليها منه. وفي النهاية وقف وحيدًا في الناصية- وكأنه يتربص بسمكة صعبة الصيد- وأخذ يلوّح دون توقف حتى نجح في إيقاف تاكسي كان يسرع باتجاه الحي السكني، وبدا أنه يقترب من جونسون بعكس إرادته. قال سائق التاكسي لجونسون فور دخوله السيارة: "سيدي.لا بد أنك فأل خير. لم أكن أنوي أن أقف لك أبدًا". قال جونسون في حيرة: "هذا طيب منك". قال السائق: "لو لم أقف لك لكلفني ذلك عشرة دولارات". سأله جونسون: "حقا؟". قال السائق: "نعم. خرج للتو من سيارتي رجلٌ ثم استدار وأعطاني عشرة دولارات وقال لي خذها وراهن بها بسرعة على خيل اسمه فولكان، الآن الآن". قال جونسون في نبرة خوف: "فولكان؟ برجٌ ناري في يوم أربعاء*؟". ردّ السائق: "نعم؟ على العموم قلتُ لنفسي إن لم أحصل على أجرة من هنا إلى حلبة السباق سأراهن بالعشرة، ولكن إذا وجدت أحدًا شديد الحاجة إلى تاكسي سأعتبر ذلك فألا حسنا وآخذ العشرة إلى زوجتي". قال جونسون بحماس: "أحسنتَ صنعًا. إنه يوم أربعاء وكنتَ ستخسر مالك. الإثنين نعم، أو حتى السبت، ولكن أبدًا أبدًا لا تراهن على برجٍ ناريٍّ في أربعاء. الأحد سيكون جيدًا". قال السائق: "فولكان لا يسابق يوم الأحد". قال جونسون: "انتظر يومًا آخر. آخرُ هذا الشارع من فضلك. سأنزل عند الناصية القادمة". قال السائق: "لكنه قال لي فولكان". فقال جونسون مترددًا وباب السيارة نصف مفتوح: "اسمع. خذ العشرة دولارات تلك وسأعطيك عشرة أخرى، وراهن بالمال في أي خميس على أي خيل يحمل اسمًا يشير إلى..دعني أفكر..الخميس..نعم، الحبوب. أو أي طعام ينبت". قال السائق: "حبوب؟ تعني أن يكون اسم الخيل شيئا مثل القمح أو ما شابه؟". قال جونسون: "بالضبط. لأسهّل عليك الأمر، أي خيل يحمل اسمًا يحتوي على الأحرف (ط) (ل) (ر) (ذ)". قال السائق وقد برقت عيناه: "ذرة طويلة؟ تقصد أن يكون اسم الخيل ذرة طويلة". قال جونسون: "بالضبط. تفضّل المال". قال السائق: "ذرة طويلة. شكرًا جزيلا سيدي". ودعه جونسون قائلا: "مع السلامة".

صعد من فوره إلى شقته، دلف إليها ونادى: "مرحبا؟"، فردّت زوجته من المطبخ: "مرحبا عزيزي. كأنك مبكر اليوم!". قال جونسون: "أخذت تاكسيًا إلى البيت. ولم أنسَ فطيرة الجبن كذلك. ماذا أعددتِ للعشاء؟". جاءت زوجته من المطبخ وقبّلته. كانت مرتاحة تبتسم له كما ابتسم. سألته: "أكان يومًا شاقًا؟" قال جونسون وهو يعلّق معطفه في الدولاب: "ليس كثيرًا. ماذا عنكِ؟". قالت: "بين بين".وقفت على ممر المطبخ بينما كان يرتاح على كرسيه ويخلع حذاءه المريح ويخرج الصحيفة التي اشتراها صباحًا. قال جونسون: "لم يكن الأمر سيئًا جدًا. شاب وشابة".

- جميل. أنا أخذتُ قيلولة بعد الظهر. كنت مرتاحة أغلب النهار. ذهبتُ إلى متجر صباح اليوم واتّهمتُ المرأة التي بجانبي بسرقة شيء من المحل، وجعلت ضابط الأمن في المتجر يمسك بها. بلّغتُ عن ثلاثة كلاب سائبة لتُرسل إلى محجر الكلاب- كالعادة مثل ما تعرف. آه تذكرت، اسمع..
- ماذا؟
- ركبتُ باصًا وطلبت من السائق توصيلة. وعندما أعطى التذكرة لأحدٍ قبلي قلتُ أن هذه وقاحة وتشاجرت معه، وقلتُ لماذا لم يكن في الجيش؟ وقلتها بصوتٍ عال كي يسمعها الجميع، ثم أخذتُ رقمه وقدّمتُ شكوى بشأنه. أظنه طُرِد.
- جميل. ولكنكِ تبدين متعبة. أتريدين أن تغيّري معي غدًا؟
- أودّ ذلك فعلا. أظنني محتاجة للتغيير.
- حسنًا. ماذا أعددتِ للعشاء؟
- شريحة لحم عِجل.
- أكلتها على الغداء.



* فولكان إله النار عند الرومان.