الاثنين، 10 مايو، 2010

بين زيف الهوية وقلق المستقبل: عرض كتاب "مسألة الهوية"



رحل (محمد عابد الجابري)!
وهكذا خسرنا واحدًا من ألمع المفكرين العرب وأكثرهم ممارسة وإنتاجًا للفكر العقلاني والمنهجية البحثية الرصينة، ذلك المفكر صاحب السلسلة المهمة الشهيرة "نقد العقل العربي" وغير ذلك من الدراسات الكثيرة في التراث الإسلامي وفلسفة ابن رشد والفكر العربي والإسلامي المعاصر. من يقرأ للجابري يعرف أنه بصحبة رجلٍ يُتقن ترويض الفكرة والجملة، يقدّم لك أعتى الأفكار وأكثرها عمقًا في جملٍ بسيطةٍ واضحة. أعترف للقارئ الكريم بأنّ هذا المقال لا يرقى –كمًا ونوعًا- للحديث عن مفكر حقيقي مثل الجابري، ولكن ما أصبو إليه في حقيقة الأمر هو تقديم جانبٍ آخر من كتابات الجابري. المثقفون وأفراد النخبة من الوطن العربي يعرفون كتابات الجابري بوصفها إنتاجًا فكريًا فلسفيًا نقديًا ذا محتوى عميقٍ ثقيل بعض الشيء، ولذلك لا تنتشر كتبه كثيرًا بين العامة. بيد أنّ الجابري له بعض الكتب التي كتبها لـ"سلسلة الثقافة القومية" التي أصدرها (مركز دراسات الوحدة العربية)، وهي سلسلة من الكتب الموجّهة أساسًا للقارئ العام غير المتخصص، والشباب الجامعي الذي يحتاج إلى استيعاب القضايا الكبرى المتعلقة بالوطن العربي ككل. هي كتبٌ صغيرة بحجم الجيب، مكتوبة بأسلوبٍ بسيط واضح يسهّل استيعاب الفكرة تناقش قضايا مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والوحدة والهوية والتقانة والتنمية والتعريب والصراع العربي-الإسرائيلي إلى غير ذلك من قضايا الأمة العربية. شخصيًا أرى أنّ كل مكتبةٍ عامةٍ وجامعيةٍ في الوطن العربي ستقدّم خدمة كبيرة للشباب العربي بتوفيرها هذه السلسلة. اليوم نستعرض كتابًا من الكتب الأربعة التي كتبها الدكتور الجابري في هذه السلسلة، وهو كتاب "مسألة الهوية: العروبة والإسلام..والغرب" الصادر في طبعته الأولى عام 1995 وفي طبعته الثالثة التي بين يديّ عام 2006 في 197 صفحة.

يحتوي الكتاب على مدخلٍ وثلاثة أقسام يتضمن كل منها مباحث قصيرة في موضوع معين. أما المدخل فهو تقديم مميز وضروري للوقوف على أهداف الكتاب ومبررات البحث في مواضيعه. ويبدأ الجابري بالسؤال "ما العربي؟" فيبيّن أن هُوية العربي ليست واحدة، بل هي صورة تتحدد بحسب وعي الشخص والموضع الذي يرى تلك الصورة فيه، فالأوروبي الذي تتشكل معرفته من وسائل الإعلام الغربي يربط العربي بالنفط والإرهاب والعمالة المهاجرة، في حين ينظر العربي المقيم في الغرب للعمل أو الهجرة أو اللجوء السياسي إلى "العربي" بوصفه شخصًا مضطهدًا، أما العربي المشرقي فقد يعرّفه بأنه جزء من الأمة العربية التي تسبب الغرب وإسرائيل في تقسيمها وإضعافها، وأما العربي المغربي فقد يعتبر العربي مسلمًا يستغله الأوروبيون المسيحيون ويحاربونه في دينه. وبعد التحليل يتوصل الجابري إلى أنّ العربي هو أن يكون الإنسان "عروبيا" أي مهتمًا بالوحدة العربية وقضاياها ومستقبلها.

في القسم الأول من الكتاب يعرض المؤلف المشكلة الموجودة في الفكر العربي وهي تلك الأصوات التي تضع في إطروحاتها عن الهوية ثنائية العروبة/الإسلام بحيث يبدو أحدهما في مواجهة الآخر، وأنه يجب اختيار أحدهما ليكون المحدد الأساسي لهويتنا. ولا ينكر الجابري أن هناك أطروحات معتدلة تبرز التكامل بين الاثنين ونفي تناقضهما، من قبيل "العرب مادة الإسلام"، إلا أن ذلك في رأي الجابري لا يصل إلى عمق المسألة بل في الحقيقة ينحاز إلى العروبة ويمنحها الأولوية على الإسلام. ويناقش المؤلف إطروحات القائلين بعروبة الإسلام والأطروحات المضادة القائلة بعدم عروبته رغم عروبة القرآن والرسول، ويتبين أن هناك طرفًا يقدّم القومية، وطرفًا يقدّم الدين، وبأن ثنائية العروبة/الإسلام لا يمكن إيجاد حل وسط لها بسبب تكافؤ أدلة الطرفين. ولكن القضية الأساسية في رأي الجابري لا يجب أن تكون ترجيح طرف على طرف، بل إعادة النظر في جميع الآراء ومساءلتها.

بعد ذلك ينفذ الجابري إلى أصل المشكلة بقوله إن سوء التفاهم الحادث بين أصحاب الأطروحتين هو في حقيقته نتيجة لاختلاف المرجعية المعرفية لدى كل طرف؛ فأصبح كل منهما يرى العروبة والإسلام بشكل مختلف. في المرجعية التراثية يتحدد مفهوم "العربي" بالتعاريف اللغوية القديمة التي تجعل فصاحة اللسان هي المحدد للعروبة، وبالنسب التاريخي، وهكذا فإن من يفكر في مفهوم "العربي" من هذه المرجعية لا يستحضر "الإسلام" بالضرورة، فالإسلام شيء آخر أتى محلّ العروبة (الإسلام يجبّ ما قبله). والإسلام في هذه المرجعية دينٌ لا يمكن أن يوضع في ثنائية مقابل العروبة، لأن ما يوضع مقابل الإسلام لا بد أن يكون دينًا أو فلسفة منافسة. أما في المرجعية النهضوية في المشرق العربي فمفهوم "العربي" مرتبط بالعلاقة مع الآخر: التركي الذي يهدد العروبة بسياسة التتريك، والمستعمر الإمبريالي المسيحي الذي يهدد الإسلام، وهكذا لم يكن هناك تضاد بين العروبة والإسلام وإنما اجتهاد في تقرير أيهما يجب الذود عنه أولا. أما في المغرب العربي فكان الآخر واحدًا هو المستعمر الأوروبي المسيحي الذي يهدد الإسلام بعمليات التنصير والعروبة بتفريق البربر عن العرب، فأصبحت العروبة والإسلام شيئا واحدًا هو الهوية الوطنية التي يجب الحفاظ عليها. والإسلام تبعًا لهذه المرجعية يتخذ ثلاثة أشكال: الإسلام كنموذج مثالي، والإسلام التاريخي كما مارسه السلف، والحضارة الإسلامية، وجميع هذه الأشكال لا تصلح حقيقة لأن توضع في تقابل وتضاد مع العروبة. وبذلك يخلص الجابري إلى أن ثنائية العروبة/الإسلام لم تكن سوى قضية سياسية زالت وأصبحت الآن "قضية أيديولوجية مزيفة" (ص50)، وإذن لا معنى أبدًا لأن يُوضع الاختيار بين العروبة والإسلام.

وفي المباحث التالية يناقش الجابري أطروحات القومية والوحدة العربية مستنتجًا أنّ الدولة القطرية (المجزئة) أصبحت واقعًا دوليًا واجتماعيًا واقتصاديًا ونفسيًا لا يمكن معه الاستمرار في حلم الوحدة العربية الشاملة، كما يؤكد المؤلف على ضرورة ربط الديمقراطية بالفكر القومي، ثم ينقض الأطروحة القائلة بضرورة وجود دولة تكون قاعدة للوحدة العربية تتبعها جميع الدول الأخرى. بيد أنّ الجابري يعود ليؤكد على ضرورة الوحدة الجزئية التي تُبنى على أساس التعاون والتكامل وتحقيق المصالح والحاجات.

أما القسم الثاني فيتحدث عن المستقبل العربي، ويبدأ بتحديد أساسيات التفكير في المستقبل، حيث لا بد أولا من معرفة أن "كل تفكير مستقبلي هو في جزء منه، على الأقل، عبارة عن بناء علاقة جديدة مع ‘الآخر’، أعني الطرف المزاحم في الماضي والحاضر، أحدهما أو كليهما، فضلا عن كونه المنافس في المستقبل" (ص91)، وبأن تفكير العرب في المستقبل يستحضر دومًا صورًا من ماضيهم الحضاري، إلا أنّ هذا الاستحضار لا بد أن يرافقه استحضار لماضي الآخر (إسرائيل والغرب) أيضًا لمعرفة طريقة تفكيره في المستقبل ومزاحمتنا عليه. بعد ذلك يستعرض المؤلف نظرة إسرائيل (اليهود) إلى المستقبل حيث هو بالنسبة إليها مصير جماعي يتحقق بخلاص بني إسرائيل، في حين يعتقد الفكر المسيحي البابوي أن تجسد الإله في شخص عيسى (عليه السلام) بداية لتاريخ جديد ومستقبل جديد للبشرية كلها يتحقق بدولةٍ عالمية ذات سلطة مركزية تحكم جميع البشر. وينبّه المؤلف على أنّ توجه الغرب إلى العلمانية لم يكن في حقيقته سوى إحلالا لـ"الغرب" مكان الكنيسة، حيث إن الفكر الأوروبي الذي عبّر عنه فلاسفته (مثل كانط وهيغل ومونتسيكو) ينظر إلى أوروبا على أنها مركز التاريخ وتمام نضجه وأوج تقدمه (قارن ذلك بمقولة نهاية التاريخ لفوكوياما). ويشير الجابري إلى أنّ "الوعي بالذات-في الثقافة الأوروبية خاصة- إنما يتم عبر ‘الآخر’" (ص127)، وهكذا كان لا بدّ من تحديد هذا الآخر وتفكيكه وإقصائه وتحويله إلى تابع، وهذا ما فعله الاستشراق حين أقصى الشرق جغرافيًا وعرقيًا وعقليًا وحضاريًا.

لذلك يرى الجابري أنّ تفكير العرب في مستقبلهم وعلاقتهم بالآخر يجب أن يستحضر الخلفية الثقافية الدينية للغرب العلماني الذي –في لا وعيه على الأقل- يرى الإسلام ذلك المنافس التاريخي في الماضي، وأكثر المرشحين ليكون عدوًا في المستقبل. بعد ذلك يقول الجابري أن تفكير العرب يجب أن يبتعد عن السذاجة التي تصوّر لهم أن الغرب سيكون حليفًا وصديقًا، فهذا الغرب مهتم بالشرق الأوسط لسببين أولهما الموقع الاستراتيجي "الذي يجعل منه ممرا ضروريا للغرب إلى كل من آسيا وافريقيا يجعل مصلحته الأكيدة في امتلاك هذا الممر، في الهيمنة عليه، في إضعاف أهله، في تشتيت صفوفهم، في تجزئة وطنهم، في منعهم من الأخذ بأسباب القوة والمنعة، في مراقبته لهم مراقبة مستمرة" (ص144)، وثانيهما كونه أكبر مخزون في العالم للنفط الذي يرى الغرب ضرورة استمرار تدفقه إليه لتستمر حضارته، ويرى بأن هذا النفط من حقه لأنه اكتشفه وصنعه، وهكذا يجب أن يحصل عليه دائمًا و"‘بسعر معقول’ للحفاظ على ‘نمط الحياة الغربية’" (ص145).

أما القسم الثالث فيركز على صورة العرب والمسلمين كما تشكلها وسائل الإعلام الغربية، ويرى الجابري أن صورة الإسلام تتشكل في (أو ترتبط بـ) ثلاثة أبعاد هي العرب والهجرة والإرهاب. وهكذا فالإسلام هنا مرتبط بفئة محددة من المسلمين هم تارة العرب وتارة المهاجرين وتارة الإرهابيين. في البعد الأول نلاحظ أن الإعلام الغربي في تصويره للإسلام لا يتحدث عن نيجيريا وإندونيسيا مثلا، بل العرب وإيران، كما لا يتحدث عن المسيحيين والأقليات العرقية والدينية الأخرى. إذن فكما يقول الجابري "ما يجمع بين العرب والإسلام في الصورة التي تقدمها عنهما وسائل الإعلام الغربية هو شيء آخر يقع خارج المعنى الديني لـ‘الإسلام’ والمفهوم العرقي لـ ‘العرب’، شيء يجمع إيران إلى العرب ويفصل عنهما باقي المسلمين. إنه نفط الشرق الأوسط" (ص170). وفي البعد الثاني نلاحظ أن الإعلام الغربي ينظر إلى المهاجرين على أنهم خطر يهدد فرص العمل والهوية من ناحية، وأنهم ضرورة لحل مشكلات العمل والتوازن السكاني من ناحية أخرى. وفي البعد الثالث نلاحظ خطاب الخوف من الإسلام وربطه بالإرهاب رغم أن الإرهاب ظاهرة عالمية لا تُربط أفعالها بديانات مرتكبيها في الحالات الأخرى. وبعد التحليل يخلص المؤلف إلى أن الترابط بين الإسلام من جهة وبين العرب والمهاجرين والإرهاب من جهة هو ارتباط زائف غير مبرر. بعد ذلك يتحدث الجابري عن آليات العقل الأوروبي فيبين أن هذا العقل "لا يعرف الإثبات إلا من خلال النفي، وبالتالي لا يتعرف إلى الأنا إلا عبر الآخر" (ص183)، فالمسيحية تعرفت إلى أناها في القرون الوسطى بوضع الإسلام موضع الآخر الخصم، وفي العصر الحديث وضع الغربُ الشرقَ في مكان الآخر، ثم الاتحاد السوفييتي النقيض الاقتصادي الاجتماعي للغرب. ومن جهةٍ أخرى يوضح الجابري أن العقل الأوروبي يحبّ وضع التصورات أو السيناريوهات للمستقبل ثم يأخذ أرجحها، وهكذا فما إن انهار الاتحاد السوفييتي حتى بحث "صانعو السيناريوهات" عن الآخر العدو المحتمل الجديد، فلم يكن هناك مرشح أكبر من الإسلام لأنه الخصم التاريخي ولاحتواء منطقته على النفط، ولقضايا المهاجرين والإرهاب.

كان ذلك عرضًا سريعًا جدًا لا يغنى عن قراءة الكتاب، وهو كتابٌ شديد المتعة والفائدة رغم أنّ جزءًا مما جاء فيه يُعتبر الآن غير جديد وتحفل به الصحف ووسائل الإعلام العربية في كل وقت، إلا أنّ أسلوب الجابري في التحليل والاستنتاج يبقى فريدًا من نوعه. أنصح الشباب الجامعي باقتناء هذا الكتاب وقراءته جيدًا لتشكيل وعي بما جرى ويجري حولهم فيما يتعلق بهويتنا ومستقبلنا في مقابل "الآخر".

الأربعاء، 28 أبريل، 2010

إحياء التراث والادبي وتجاوزه معًا: عرض لرواية "أبناء الجبلاوي"




أرأيتَ لو أنّ جزءًا كبيرًا من الأدب العماني، ولنقل المجموعات القصصية مثلا قد اختفت فجأة دون مقدّمات من كلّ المكتبات وكل مكانٍ آخر حتى رفّ مكتبتك وكأن فيروس حاسوب هجم عليها كلها والتهمها مرة واحدة، فماذا سيحدث؟ تخيّل أن يتبع ذلك هرجٌ ومرجٌ كبير ومبادرات لاستعادة ما فُقد، وشائعات لا آخر لها، وأشخاصٌ يدّعون أنهم رأوا شخصيات من تلك القصص على أرض الواقع. وتخيّل أن تظهر فعلا تلك الشخصيات ثائرة على ما يحدث، فتجد في أنحاء مسقط (عبدالفتاح المنغلق) و (عارف البرذول) [من قصص سليمان المعمري]، و (الكابتن حمدان) [من قصة لمازن حبيب]، و العمّة الثرثارة التي لا تعرف نجيب محفوظ [من قصص عبدالعزيز الفارسي]. فكرة فانتازية مُدهشة، أليس كذلك؟ هذا ما استخدمه بصورةٍ رائعة الروائي (إبراهيم فرغلي) في روايته الأخيرة "أبناء الجبلاوي" التي صدرت عام 2009 عن دار العين للنشر في مصر في 470 صفحة. قيل الكثير عن الرواية وتقبلها النقاد والقراء قبولا حسنًا، حتى دعا الدكتور جابر عصفور إلى عقد ندوات خاصة لتحليلها وقراءتها على أكثر من مستوى، وأيده في ذلك الناقد الدكتور خالد عزب. جدير بالذكر أنّ أمسية كاملة خُصصت في الكويت في يناير الماضي لمناقشة أوراق نقدية حول الرواية. باختصار، نحن أمام عملٍ فريد جريء يستحق وقفة تأمل ودراسة.

المؤلف (إبراهيم فرغلي) صحفيٌ وقاص وروائي مصري، صدرت له سابقًا مجموعتان قصصيتان هما "باتجاه المآقي" عام 1997، و "أشباح الحواس" عام 2001، كما صدرت له ثلاث روايات هي "كهف الفراشات" عام 1998، و "ابتسامات القديسين" عام 2004، و"جنية في قارورة" عام 2007، بالإضافة إلى كتاب يحتوي على يوميات سجّلها في رحلةٍ له إلى ألمانيا. ومن المعروف عن هذا الروائي حبّه للتجريب والتجديد، وآراؤه الصريحة الجريئة فيما يتعلق بحال الثقافة والنقد الأدبي في مصر، وهذا ما نراه حاضرًا بقوة في الرواية التي نحن بصدد الحديث عنها.

في الحقيقة يصعب جدًا استعراض هذه الرواية دون "حرقها" على القارئ وإفساد متعته، لذا سنكتفي بذكر إشاراتٍ بسيطة إلى قصتها. تنقسم الرواية إلى أربعة أجزاء يحتوي بعضها على أكثر من قسم. أما الجزء الأول فيسرده البطل (كبرياء) ليحدثنا عن علاقته الغرامية بـ(نجوى) الفتاة ذات الشخصية المركبة الفريدة جدًا، وعلاقته بـ(رفيق فهمي) العجوز في دار المسنين، والذي يقوم (كبرياء) بتدوين مذكراته. ومنذ الصفحات الأولى نعرف الحدث الكبير الذي تدور حوله أحداث الرواية، وهو اختفاء كتب نجيب محفوظ من جميع المكتبات التجارية والعامة والشخصية، مما يسبب بلبلة هائلة في البلد، وتشكيل لجان وهيئات رسمية وشعبية لإحياء تراث محفوظ والبحث في قضية اختفاء كتبه. وفي أجزاءٍ لاحقة نكتشف ظهور الشخصيات المحفوظية إلى الواقع، فنجد (عاشور الناجي) [من رواية الحرافيش]، و (الجبلاوي) [من أولاد حارتنا]، و (السيد أحمد عبد الجواد) [من الثلاثية]، وتعاون (كبرياء) معها في مهمةٍ خطيرة ربما لاستعادة كتب محفوظ. من ناحيةٍ أخرى تتحدث الرواية عن طبيعة العلاقات بين شخوص الرواية وتطورها وتعقيداتها الاجتماعية والنفسية.

ما يميّز "أبناء الجبلاوي" ويجعلها في مصافّ الروايات المهمّة هو بناؤها الروائي الجديد المبدع الثائر على الأشكال التقليدية في كتابة الرواية. وإن شئنا التصنيف فهي رواية تنتمي إلى أدب ما بعد الحداثة، ذلك الأدب المتمرد على الأشكال والموضوعات التقليدية التي سار بها وتناولها الأدب الحداثي. فمن ناحية البناء الروائي، لن تجد في هذه الرواية بداية وحبكة ونهاية خطية كما هو المعتاد، بل رواية داخل رواية تتداخل أحداثهما، وتتقاطعان أيضًا مع عددٍ من الروايات والشخوص من روايات أخرى، فبعد أن تعيش مع شخصيات الجزء الأول، يفاجئك المؤلف بأن هذه مجرد رواية غير مكتملة كتبها مؤلف آخر، ثم يكتشف هذا المؤلف أن ما كتبه ظهر حقيقة على الواقع! هذا وقد يستمتع القارئ بذلك التداخل السردي بين الرواية وروايات نجيب محفوظ، حيث نجد مقاطع كاملة من روايات محفوظ استُخدمت لصالح الرواية وسير أحداثها. أما السرد فجاء مختلفًا أيضًا، يعتمد على تعدد الأصوات، ولكن ليس بالطريقة التقليدية، فالساردون أحيانًا بشر وأحيانًا كائنات أخرى. ويبدو في الرواية تأثرٌ كبير بروايات ما بعد الحداثة والواقعية السحرية لدى كبار ممثلي هذا التيّار مثل ماركيز وبورخيس وأورهان باموق وبول أوستر. ومما تجدر الإشارة إليه نجاح المؤلف في إحياء شخصيات محفوظ وتقديمها بصورةٍ تتماشى مع وظيفتها في النصوص المحفوظية، ولكنها تؤدي دورًا خاصًا لهذه الرواية، فنجد مثلا الحرافيش وهم يحرسون الحارة، ونجد الجبلاوي زعيمًا وأبًا روحيًا، وعاشور الناجي رئيسًا منفذًا، وزينات لعوبًا مثل ما ظهرت في رواية "الحرافيش".

ومع قراءة الرواية يكتشف القارئ أنّ هذا العمل عبارة عن نقد ساخر لاذع للأوضاع الثقافية والأدبية والسياسية في مصر، يأخذ أسلوب الرمز والإسقاط أحيانًا، والمباشرة في أحيان أخرى. أكثر ما ينتقده ويثور عليه المؤلف في هذا العمل هو الوضع الحالي للأدب السردي في مصر، فالرواية برمتها احتجاج على الرواية التقليدية. أما موضوع الرواية نفسه (اختفاء كتب محفوظ) فانتقاد واضح للمشهد الروائي المصري، فمن ناحية يرى المؤلف أنّ الجيل الروائي الحالي ضيّع تاريخ روائي عملاق ولم يستطع أن يُكمل مسيرة روائية عظيمة كان يجب أن يستفيد منها. ونرى في الرواية أنه بعد تضييع هذا التراث يُصاب المجتمع بوباء العمى، دلالة على التخبط الأدبي وغياب الرؤية الإبداعية. ومن ناحية أخرى يريد المؤلف أن يقول بأنّه رُغم روعة نجيب محفوظ لا يجب أن يقف أمر الرواية عنده، بل يجب تجاوزه، ولكن للأسف لا يوجد غير "كتاب يكتبون نصوصًا تدور في أفق مخنوق...لا يسببون دهشة، ولا يقدمون جديدًا" (ص197). وعندما يُصدم (كاتب الكاشف) بوجود شخصية من شخصيات روايته في الواقع يُصاب بالذعر مخافة أن تكون روايته مجرد "نص واقعي يرصد جانبًا من وقائع حياة أشخاص موجودين في الحياة، ويصبح ما كتبه مجرد نقل أمين لوقائع، بإمكان أي مدرس لغة أو "باش كاتب" أن ينقلها بلغته الركيكة العتيقة" (ص230). هذا ويستخدم إبراهيم فرغلي شخصية (كاتب الكاشف) لتقريع النقد الأدبي في مصر، والتعبير عن فشله في القيام بدوره على أكمل وجه، كما يعبّر عن وجهة نظره حول أهمية تناول الجنس أدبيًا، ويسخر من النقاد الذين يمتعضون منه ويصفونه بأنه "غير موظف فنيًا"، ولذلك نجد في الرواية قدرًا كبيرًا من الجنس الذي يعتبره المؤلف أساسيًا ومعبرًا عن الحياة الطبيعية. ومن جانبٍ آخر نجد الكثير من الرسائل الانتقادية، منها غياب الشفافية والمهنية لدى الجهات الحكومية في التعامل مع المصائب، ومنها جهل الناس بأدب محفوظ رغم التشدق بحبه. هذا و نجد نقدًا للواقع السياسي والاجتماعي عبر شخصية (زينب دياب) التي تظهر في الواقع من رواية "الكرنك" لنجيب محفوظ، ونقدًا آخر من شخصية (رادوبيس) الفرعونية التي تنتقد غياب حضارة "العلم، المعرفة، الحكمة، الفلسفة، الطب، التحنيط، وحتى قوة الأفكار والفنون" والتحول إلى مجتمع جاف فارغ حتى أنّ أفضل أهل البلد الآن "لا يرقى لأن يكون في قدر عامل من عمال حضارتنا، ألا تشعرون بالخجل من تفاهتكم وسخافتكم؟" (ص414).

من وجهة نظري أعتقد بأنّ المؤلف قد استهلك عددًا من المقوّمات وقذف بها في عملٍ أدبي واحد يحتاج إلى ترابط وتماسك أكبر يقاوم التشتيت الذي خلقه المؤلف، بينما كان بإمكانه استغلالها في أكثر من عمل. فمثلا قضية محفوظ والإرث الأدبي تصلح لرواية مستقلة بذاتها أيًا كان بناؤها السردي، والعلاقات العاطفية والاجتماعية بين كبرياء ونجوى ورفيق وكاتب الكاشف وجيسيكا وما يعتورها من عقد نفسية وقضايا تتعلق بالهوية والحرية تصلح بامتياز كي تكون مادة روائية منفردة. هذا وهناك فنّ الخط العربي الذي يتقنه "كبرياء" وتحدث عن أنواعه وأساليبه واستخداماته، كان من الممكن أن يتعمق فيه المؤلف ويتبحر حتى يُخرج لنا رواية تستخدم هذه الثيمة الجميلة كما استخدم أورهان باموق فن المنمنمات في رواية "إسمي أحمر". ومن الملاحظات التي نأخذها على هذه الرواية أيضًا كثرة الأخطاء اللغوية المزعجة التي لا تليق بكاتب رواية، وأتمنى أن يتداركها المؤلف في الطبعات اللاحقة، ولكن يجب أن نشهد للمؤلف بدقة الوصف وسلاسة اللغة ومناسبتها للشخصيات. من ناحيةٍ أخرى نعترف بأن الرواية مبدعة غير تقليدية، إلا أن اللعبة السردية التي اختارها المؤلف تُدخل القارئ في متاهات سردية ليست دائمًا ممتعة.

أخيرًا نقول بأن الرواية لا يكفيها هذا العرض، فهناك الكثير جدًا ليُقال عن تقنيات السرد، والثيمات التي تتناولها الرواية، وعن مدى نجاح التوظيف الجنسي والفني فيها. وأعتقد شخصيًا أن قراءة واحدة للرواية لن تكفي لالتقاط جميع الرموز والإسقاطات والرسائل التي تضجّ بها. هناك مواضيع عديدة لم أتطرق إليها بالتفصيل هنا، كشخصية نجوى وما ترمز إليه من قيم التحرر والانطلاق من قيد المجتمع، وعلاقة كبرياء وكاتب بأبويهما كرمزٍ للبحث عن الذات والهوية. هي رواية جميلة يتضح فيها المجهود الكبير الذي بذله إبراهيم فرغلي، تستحق القراءة ولكن بشرط أن يكون لك عقل متفتح متسامح مع التجريب الروائي والمتاهات السردية.

الأحد، 25 أبريل، 2010

رسالة إلى كانزي الكتب


عزيزي القارئ، هل أنت كانزٌ للكتب؟ هناك تجربة بسيطة لمعرفة ذلك: قفْ أمام مكتبتك الشخصية في منزلك، وقلّب ناظريك فيها بحثًا عن كتبٍ لم تعجبك، أو كتبٍ لن تقرأها مرة أخرى، فإن وجدتَ عددًا كبيرًا منها ولم تُطاوعكَ نفسك أن تتخلص منها، فأنتَ كانزُ كتبٍ من الطراز الأول!

هناك فئة من الناس يعشقون الكتب وأغلفتها ورائحتها وملمسها، يلاحقونها في المكتبات التجارية وأكشاك الكتب المستخدمة ومعارض الكتب ومواقع الكتب الإلكترونية (وقد يسرقونها من أصدقائهم ومعارفهم)، يصرفون مئات الريالات ولا يبالون. وحين يجدون كتبًا مجانية، أو معروضة بأسعارٍ زهيدة فذلك لهم عيدٌ سعيد لا يماثله عيد. تجدهم يشترون الأرفف ويصنّفون كتبهم وربما يجلّدونها، ويوقّعون بأسمائهم عليها مع تاريخ الشراء ومكانه. وأنا هنا لا أتحدث عن الذين يحبون القراءة والكتب، فهو أمرٌ محمود أشجع الجميع عليه، إنما حديثي عن "تملّك الكتب" وكنزها في مكتبات شخصية ضخمة، وهو ما أودّ مساءلته وأشكلته (أي أبيّن مشكلته). وأنا حينما أتوجه إليك عزيزي القارئ بهذا الحديث لا أزكّي نفسي، بل أقرّ لك أنني من هذه الفئة التي ذكرتها أعلاه، وفوق ذلك أعترف بأنني أحيانًا أعالج حالات الملل والكآبة بالتسوق في المكتبات! الأمرُ وما فيه أنني بدأتُ مؤخرًا بمساءلة هذا الهَوَس، وأدعوك إلى التفكير فيه معي، علّنا نُشفى منه. هل تجميع الكتب وكنزها أمرٌ جيد؟ القضية في نظري هي ليست ما إذا كان جيدًا أم غير جيد، وإنما في الوهم الذي اكتسح الكثير منا بأن ذلك هو الوضع المثالي الذي يجب أن يكون عليه المثقفون، خاصة عندما نقرأ عن مكتبات مشاهير المثقفين والأعداد الهائلة من الكتب التي يملكونها (مثل أنيس منصور الذي تحتوي مكتبته على أكثر من سبعين ألف كتاب).

هل كل الكتب تُجمع؟
في عام 2004 عندما سافرتُ إلى بريطانيا للدراسة وبدأتُ في شراء الكتب من موقع "أمازون" الشهير، أدهشني ذلك العدد الهائل من الأشخاص-لا المكتبات الصغيرة- الذين يعرضون كتبهم للبيع منفردة، وبصفتي محبًا للكتب مهووسًا بها استنكرتُ جدًا أن يبيع أحدهم كتبه، خاصة في بلاد نعرف عنها حب القراءة. كنتُ حتى ذلك الوقت أؤمن أنّ الكتاب إذا دخل المكتبة الشخصية لا يخرج منها إلا في حالة السرقة أو الاستعارة "المؤبدة" أو الاضطرار إلى بيع المكتبة برمتها لسببٍ أو لآخر. لكنني فهمتُ لاحقًا أنّ بيع الكتب الشخصية أمرٌ طبيعي جدًا ولا يتعارض أبدًا مع حب القراءة والكتب، وبأنّ الناس هناك يبيعون بعض كتبهم بعد قراءتها، خاصة الروايات التي تُقرأ مرة واحدة للمتعة ثم ينتهي أمرها. ورأيتُ هذا الأمر لاحقًا مع اثنين من المدرّسين الأجانب الذين يعشقون القراءة والكتب، ولكنهما لا يترددان أبدًا في التخلي عن بعض الكتب والروايات. وهكذا بدأتُ أتفهم أنّ هناك كتبًا يُحتفظ بها وأخرى لا ضرورة لمراكمتها. (العبارة الأخيرة دليل على بداية شفائي، ففيما مضى ما كنتُ لأتجرأ على قول ذلك، وكنتُ سأعدّه ضربًا من الكفر!)

إذن عزيزي القارئ فالمسألة الأولى التي يتعيّن علينا مناقشتها هي نوعية الكتب التي قد يكون الاحتفاظ بها ضروريًا، فأنا بالطبع لا أدعوك إلى التخلص من جميع كتبك. وبالنظر في مكتبتي الشخصية يمكنني تقسيم ما يمكن الاحتفاظ به إلى خمسة أصناف: (1) المراجع، كالقواميس والموسوعات والتفاسير والكتب المتخصصة التي تُعدّ مرجعًا في موضوعٍ ما. (2) كتب التخصص والاهتمامات البحثية، وهذه من المرجح أنني سأعود إليها من وقتٍ لآخر كي أسترجع معلومة ما أو أكتب بحثًا أو مقالا ونحو ذلك. (3) الكتب النادرة، كطبعةٍ أولى من كتابٍ قديمٍ قيّم أو نسخةٍ من كتاب غير منتشر أو توقف طبعه. (4) الكتب المفضلة، وهذه قد تكون روايات أو دواوين أو دراسات راقتني جدًا وأحبّ أو أنوي العودة إليها من وقتٍ لآخر. (5) كتب الذكرى، وهي كتبٌ مهداة لي من المؤلفين أنفسهم أو غيرهم، أو كتبٌ تذكّرني بحدثٍ ما أو مكان أو شخصٍ أو مناسبةٍ.

وهل توجد في مكتباتنا الشخصية كتبٌ لا تندرج تحت الأصناف الخمسة السابقة؟ بكل تأكيد، وإليك عزيزي القارئ أمثلة من مكتبتي الشخصية. لو نظرتُ في قسم الروايات، سأجد روايات قرأتها ولم تعجبني، وأخرى لا بأس بها ولكنني لا أنوي إعادة قراءتها، وأخرى مُترجمة إلى الإنجليزية من لغاتٍ أخرى ولكنني أفضل قراءة ترجماتها العربية. كما أرى هنا أعمالا كاملة لمؤلفين أريد أن أقرأها "ذات يوم" غير مسمى، وأعمالا "كلاسيكية" أشعر بالذنب والخجل لعدم قراءتها حتى الآن رغم أنني كل يوم وآخر أبدأ في قراءة شيء آخر ولا ألتفت إليها. وهنا أرى كتبًا كنتُ أريد قراءتها عندما اشتريتها ولكنني الآن لا أجد في نفسي أي رغبة في تصفحها. وهنا مجموعة من الكتب "الرديئة" التي قرأت بداياتها ثم سرعان ما تركتها جانبًا، ولا أظنني سأكملها أبدًا. ولو نظرتَ في مكتبتك، عزيزي القارئ، ستجد مثل كتبي تلك. تُرى لماذا جمعتُ هذه الكتب؟

أسباب جمع الكتب
حاولتُ أن أفكر في الأسباب التي دفعتني لجمع هذه الكتب وتخزينها. هل أنا من هواة جمع الكتب؟ إذن لماذا أمرّ على الكثير من الكتب الشهيرة، والكتب رخيصة الثمن، ولا تراودني نفسي لاقتنائها؟ هل هو استغلال لفرصة وجودها في المعارض والمكتبات التجارية السمينة؟ ربما، خاصة في بلدٍ مثل عُمان يعاني شحّ المكتبات (التجارية والعامة) وهزالها، إلا أنّ ذلك يفسّر الجزئية المتعلقة باقتناء الكتب لقراءتها وليس للاحتفاظ بها. هل هي رغبة في تكوين مكتبة شخصية كي يتعلق أطفالي مستقبلا بالكتب والقراءة؟ ولكنّ هؤلاء الأطفال-الذين لم يأتوا بعد- يُمكن أن يكتسبوا حبّ القراءة من مكتبةٍ صغيرة ووالدَين يقرآن باستمرار، ولا يُشترط أن تكون هناك آلاف الكتب في البيت. أعرف الكثير من القرّاء النهمين الذين لم يروا الكتب في بيوتهم إلا لمامًا. هل هي رغبة في الاستفادة من الكتب للكتابة والتدريس والبحث؟ نعم، ولكن ذلك لا يفسّر الاحتفاظ بالكتب التي لا تتعلق بمجالات اهتمامي وتخصصي. هل هي رغبة في إقناع نفسي والآخرين بأنني مثقف؟ أعتقد أنني تجاوزتُ هذه المرحلة منذ زمن. هل يتعلق الأمر بالديكور والمسحة الجمالية التي يوفرها منظر الكتب؟ ربما، وهو أمر مشروع، ولكنّ ذلك لا يبرر مراكمة المزيد من الكتب.

وقفة
لماذا أصرّ على أن أصنع من هذا الموضوع مشكلة؟ لماذا لا أدع الناس تجمع الكتب وتخزنها، ولكل امرئ ما هوى! في الحقيقة لا ضير في أن يكون لدينا بعضٌ من هواة جمع الكتب، فهؤلاء لديهم هواية يمارسونها، ولكنّ ما يقلقني هو أن يعتقد كل قارئ أو مثقف أنّ من واجبه تقديس الكتب وكنزها وعدم التنازل عنها أبدًا. ومما زاد الطين بلة تلك الحكمة "السيئة" التي تندرج تحت الحق الذي يُراد به باطل "أحمق من يعير كتابًا وأكثر حمقًا منه من يعيد الكتاب"، وصار من يقول "أنا لا أعير كتبي أبدًا" رمزًا لعشق الكتب والثقافة! قد تقول عزيزي القارئ أنّ كل إنسانٍ حرٌ في كتبه، وهذا صحيح، ولكنني أنظر إلى الأمر من زاويةٍ أخرى، من زاوية الكتب نفسها. عندما أنظر في مكتبتي أجد الأعمال الكاملة لتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وسعد الله ونوس قابعة هناك، سجينة غرفتي لم يستفد منها أحد غيري-هذا إن أكملتُ قراءتها- لا لشيء إلا لنزعةٍ أنانيةٍ استحوذت عليّ لتملكها.

صحيحٌ أنني عندما أشتري الشيء أمتلكه، ولكنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنني لا أستطيع بيعه أو إعارته أو المقايضة به أو التبرع به، فلماذا نقبل بتطبيق هذه المعاملات على كل شيء سوى الكتب؟ هو تقديسٌ زرعه فينا بعض المؤلفين والمثقفين وأصبحنا نردده ونؤمن به دون مساءلة. نعم عزيزي القارئ المثقف، الكتب غير مقدسة، يمكنك أن تبيعها إلى مكتبةٍ شرائية ما، ويمكنك أن تهديها إلى زميلك في العمل، أو تستبدلها بأخرى من صديق، أو تتبرع بها.

وقد يقول قائل: لماذا أتخلى عن كتبٍ أودّ قراءتها مستقبلا، أو أريد لأبنائي أن يقرؤوها عندما يكبرون، أو قد أحتاج إليها لسببٍ أو لآخر في أي وقت؟ حسنًا، إن كنتَ لا تريد بيعها أو إهداءها، يمكنك التبرع بها إلى المكتبة العامة القريبة منك، وبذلك تضرب عشرات العصافير بحجر واحد: تكون قد أطلقت سراح الكتاب، وأشعتَ فائدته بين العديد من القراء الذين يمكنهم استعارته أو قراءته في المكتبة، ووضعته في مكانٍ غير بعيدٍ عنك عندما تريده. أما عن أبنائك، فمن خير الأمور أن يتعودوا على زيارة المكتبة العامة، بدلا من الاعتماد على مكتبتك الشخصية فقط! وإن كنت تُراكم الكتب في شتى المجالات كي تستطيع الرجوع إلى معلومةٍ ما متى ما احتجت إليها، فما فائدة المكتبات العامة إذن؟

دعوة
من هنا أوجّه دعوةً لك عزيزي القارئ أولا إلى مساءلة عادتك في تكديس الكتب، وإن بدأتَ في الاقتناع بأنها مجرّد عادة وليست واجبًا مقدسًا أدعوك إلى التخفف من كتبك التي لا توجد ضرورة للاحتفاظ بها بين جدران بيتك. تبرّع بها أو اهدها أو بِعها إن شئت. لتكن لدينا محلات دائمة لبيع الكتب المستخدمة، ويُمكن لبعض المؤسسات الحكومية أن تتبنى ذلك، كأن يخصص النادي الثقافي مثلا يومًا في الأسبوع يكون سوقًا لبيع الكتب المستخدمة. هذا ويمكن للمكتبات التجارية أن تدعو الناس إلى تقديم كتبهم لبيعها هناك، وتكون لهم نسبة من المبيعات. لنتبرع بكتبنا للمكتبات العامة التي دائمًا ما نشتكي من فقرها، أو لنردّ الجميل إلى المدارس التي درسنا فيها ونتبرع لمكتباتها. إن كنت تجمع الكتب حبًا في المعرفة أو المتعة، فلا تحكرها على نفسك.

عزيزي القارئ، لنمنح بعضًا من كتبنا أجنحةً تُحلّقُ بها إلى عقولٍ أخرى!

الأربعاء، 21 أبريل، 2010

نعيب زماننا والعيب فينا: عرض لمسرحية "أهلا يا بكوات"



أعتقد أن الكثير منا-إن لم يكن جميعنا- يتمنى لو كان بالإمكان الضغط على زر "التراجع undo" في حياتنا للتراجع عن عملٍ قمنا به، رغبةً في تعديله أو الإتيان بأفضل منه، ولو سنحت لنا الفرصة وعُدنا للماضي لتخلينا عن كثيرٍ مما فعلنا، ولقدّمنا كثيرًا مما لم نقم به. نتناول اليوم مسرحيةً طرحت هذه الفكرة بأسلوبٍ كوميدي ممتع يجعلك تتفكر كثيرًا فيما كنت ستفعله لو عاد بك الزمن إلى الماضي، وهي مسرحية "أهلا يا بكوات" للكاتب المصري (لينين الرملي). كنتُ عندما أشاهد مسرحية لهذا الكاتب أتساءل متى يمكننا قراءتها، وتحققتْ أمنيتي أخيرًا عندما قامت دار نهضة مصر قبل سنواتٍ قليلة بطباعة مجموعةٍ منها، وهكذا صدرت "أهلا يا بكوات" عام 2008 في 166 صفحة من القطع الصغير. وقد قُدّمت هذه المسرحية على خشبة المسرح لأول مرة عام 1989 وحقق نجاحًا كبيرًا، ثم أعيد عرضها عدة مرات كان آخرها عام 2006.

إن كنتَ من محبي المسرحيات الكوميدية ذات الإسقاطات الرمزية الجادة، فلا بدّ أنك ستهوى عددًا من مسرحيات (لينين الرملي)، هذا الكاتب الذي يجيد إيصال الفكرة بسلاسةٍ وخفة ظل، دون ابتذال أو إسفاف، فيُضحكك على ما هو حريّ أن يبكيك. قدّم عددًا من المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية وحوالي 40 مسرحية. أما أشهر أعماله فتلك التي كوّن فيها ثنائيًا مميزًا مع الفنان الرائع (محمد صبحي)، وهي "انتهى الدرس يا غبي" و "تخاريف" و "أنت حر" و "وجهة نظر" و "الهمجي". وقد حصل الرملي على عدة جوائز في المسرح منها "جائزة كلاوس" عام 2005، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2006، وجائزة سعاد الصباح.

تحكي مسرحية "أهلا يا بكوات" قصة المدرّس الفقير (نادر) و صديقه العالم المثقف الثريّ (د. برهان) الذين يلتقيان بعد طول غياب، ويتناقشان حول المستقبل وما قد يحدث لمصر والإنسانية جمعاء نتيجة للتطور التقاني العجيب. وفجأة يُزَلزلُ المكانُ وينتقلان في الزمن إلى مئتي عامٍ في الماضي (إلى عصر المماليك). هناك يُضطران إلى إخفاء حقيقتهما ومحاولة التعايش مع الوضع الجديد، ثم السعي إلى تغيير التاريخ بإصلاح الأخطاء التي حدثت في الماضي، وتعجيل النهضة والتطور العلمي كي تستطيع مصر (والعرب عمومًا) اللحاق بركب الأمم الأخرى. ومع مرور الأحداث نجد الصديقين يختلفان في التعامل مع هذا الماضي اختلافًا كبيرًا فيتصادمان وتودي بهما مواقفهما إلى مواجهةٍ كبيرة.

بالنظر في لغةِ المسرحية نجدها مُناسبة جدًا لهذا العمل الذي كُتب كي يُقدّم على المسرح الشعبي لا النخبوي، فجاءت سلسة خفيفة مبتعدة عن الشاعرية أو الخطابية (إلا في مواضع تستدعي ذلك) كي تكون قريبة من المتفرجين الذين سيحضرون لمشاهدة المسرحية. وكي تكون اللغة أقرب إلى هذا الجمهور استخدم لينين الرملي اللهجة المصرية. ولأنّ هناك فرقًا زمنيًا بين شخصيتي نادر وبرهان من ناحية وشخصيات العصر المملوكي، كان على المؤلف أن يستخدم لهجةً مصرية لا تبدو معاصرة، تستخدم ألفاظًا توحي بذلك الزمن (مثل: التقيتهم، بصاصين، استخراع، استحرص منهم). ومن علامات نجاح المؤلف أيضًا أن الحوار كان مُناسبًا للشخصيات، فالخطاب الديني واضحٌ في حديث (الشيخ)، واللهجة المصرية المتأثرة بالتركية في حديث الأمير المملوكي (مراد بك)، واللهجة المصرية القريبة جدًا من المعاصرة في حديث الجارية والقهوجي، ربما للدلالة على أن أحوال العامة ما تزال كما هي!

وأما عن الشخصيات فكان رسمها مُتقنًا منطقيًا طوال المسرحية، فمثلا نتعرف على الدكتور برهان، العالِم المثقف المرفّه صاحب الشقة الفاخرة والخادمة الأجنبية، وهو ذو شخصية متعالية بعلمها ووجاهتها عن باقي الشعب، وربما يرمز إلى ذلك مسكنه في ناطحة سحابٍ على جبل المقطم. والدكتور برهان شخصٌ لا يهمه من العلم والمعرفة إلا ما يزيده راحةً ومتعة، ولا يهتم إلا بنفسه كما يقول لصديقه نادر " وهو أنا المسئول عن البشريه؟ ولا تكونش فاهم إن ما فيش دكاتره في البلد غيري..دا احنا بقينا على قفا من يشيل" (ص17). وعندما يعود الزمن إلى عصر المماليك نجد برهان يتزلف إلى المسؤولين ويناور وينافق كي ينال حظوتهم ويتنعم في ظلهم. والمثير في شخصيته أنه بعد عودته مائتي عامٍ في الماضي تحوّل من الأرستقراطية الغربية المعاصرة إلى رجل شرقي يمارس ما تمارسه الطبقة الارستقراطية آنذاك من تعدد الزوجات واتخاذ الجواري والعبيد وكبت المرأة، فبرهان يرمز إلى الطبقة الانتهازية مطاطية المبادئ التي لا تأخذ من الحضارة إلا قشورها. في الجهة الأخرى نجد صديقه نادر مهتمًا ليس بنفسه بل بالبشرية جمعاء وبأمته خصوصًا، وقد أتى يستفسر عن مصيرها لا مصيره، وعندما عاد إلى عصر المماليك آلمه ذلك فلم يستطع التكيف مع ذلك الزمن وفقدانه للحضارة والتقدم. وهكذا يحاول نادر أن يُوجد في مصر قِيَم الحريّة والعدالة والمساواة والنهضة والعلم، رافضًا الخضوع لمزاج ذلك العصر وتخلفه، إلا أنه شخصية من النوع الثوري الذي يريد التغيير الجذري السريع.

هناك ثيمتان رئيستان في هذه المسرحية يمكن تتبعهما في الحوار والشخصيات والرموز. أما الثيمة الأولى فهي الأثر الذي يحدثه الفكر الديني السلفي في الدولة، ويجب ألا ننسى أنّ هذه المسرحية كُتبت في الثمانينات مع صعود التيار السلفي في مصر. ويذكر المؤلف ذلك في مقدمته حين يقول بأن فكرة المسرحية جاءت بعد أشهرٍ من اغتيال الرئيس أنور السادات وانتشار التيار الإسلامي السلفي في مصر، رغم أنه ليس الدافع الوحيد لكتابة المسرحية. وبغضّ النظر عن كلام لينين الرملي إذا ما تأملنا في المسرحية وإسقاطاتها نجد فزعًا واضحًا من التيار السلفي. ومن أوضح المواضع في هذا الشأن ما قاله نادر متحسرًا بعد عودته إلى الماضي: "يعني خلاص..مش هيبقى راديو ولا تليفزيون ولا جرايد ولا مسارح ولا سينماهات؟ مش هتقرأ روايات ولا دواوين شعر؟ مش هنسمع مزيكا ولا أغاني؟ مش هنتفرج على تماثيل ولا معارض رسم..مش هيبقى فيه برلمان ولا نقابات ولا مدارس ولا كليات، مش هيبقى عندما متاحف ولا بلاجات ولا نوادي ولا ماتشات كورة حتى؟ مش هيبقى فيه كازينوهات على النيل ولا شبان وبنات بيتمشوا وإيديهم في إيدين بعض؟ طب والحياة يبقى طعمها إيه من غير دا كله؟" (ص46) وفي ذلك إسقاط على ما يُمكن للفكر السلفي أن يقوم به من تحريم وتجريم لأنواع الفنون والترفيه. كما نجد هذه الثيمة واضحة في شخصية (الشيخ) الذي يعارض التغيير والابتكار ويدعو إلى نبذ ذلك بدعوى البدع والضلالات. وفي نهاية المسرحية نصل إلى مرحلة أكبر من التصريح والوضوح حيث نجد صوتين يناديان في الناس أحدهما صوت نادر الذي يدعو إلى التقدم والعلم ونبذ الجهل والخرافة، والثاني صوت الشيخ الذي يدعو إلى محاربة الخلاعة والتبرج والسفور والشعر والكتابة والفن.

أما الثيمة الأخرى التي تبرزها المسرحية فهي تدهور الأمة العربية وعجزها عن مواكبة التقدم والتحضر، ويظهر القلق من ذلك في بداية المسرحية حين يقول نادر لصديقه برهان: "ولمّا العالم هيحصل فيه التقدم دا كله! بلدنا هتبقى فين منه؟ هنعمل إيه وقتها؟ هنقدر نجاري الناس دي ولا هنفضل قاعدين نتفرج عليهم؟" (ص16). ورغم عودة الزمن إلى الوراء إلا أننا لا نجد شيئًا قد تغيّر، فعقلية الشعب والقادة لا تحتوي على أية حكمةٍ أو نظرةٍ مستقبلية أو رغبةٍ في التقدم، فحين يحاول نادر وبرهان تنبيههم على ما سيحدث في العالم وتزويدهم بأدوات التقانة والعلم نجدهم لا يتقبلونها، وإن تقبلوها لا يحسنون استخدامها. وكأنّ المسرحية تقول أننا نحن العرب نعيش ليومنا فقط ولا نأخذ من الحضارة إلا مظاهرها، ولا هِمّة لدينا لنتعلم ونشترك في إنتاج العلم والمعرفة، حيث يقول الشيخ: "احنا مالنا حاجه بعلوم الدنيا إحنا اشترينا الآخره" (ص43) و "لقد خص الله الأجانب بالعلم والتقدم وسخرهم ليخترعوا ويبتكروا لخدمتنا فنتفرغ نحن لعبادته سبحانه وتعالى وندخل الجنة من أوسع أبوابها" (ص162). ولا يفوت المؤلف أن يشير إلى الفساد والرشوة ورغبة الحكام في بقاء الناس في جهل حتى يسهل حكمهم، قديمًا وحديثًا. ومن المفارقات الطريفة أنه في عام 2006 عندما اُعلن عن إعادة عرض المسرحية في مصر قال مخرجها عصام السيد إن "الظروف السياسية التي تناقشها لم تتغير وإنما تفاقمت أكثر".

ما نأخذه على هذه المسرحية هجومها الشرس على الفكر الديني السلفي دون الإتيان بشخصية تمثل التيار الديني الآخر، فالإسلام ليس كله سلفيًا، و كان جديرًا بالمؤلف الذي يتحدث عن التطور والنهضة المصرية أن يُنصف فيذكر شيئا يمثل الإسهامات العلمية والفكرية لشخصيات دينية أثرت في نهضة مصر مثل رفاعة الطهطاوي والإمام محمد عبده. عدا ذلك فالمسرحية جميلة ممتعة لها رسالة قوية نجح المؤلف في إيصالها بسلاسة كي تبقى في الأذهان طويلا.

السبت، 17 أبريل، 2010

متى تنكشف الذئاب؟ عرض لرواية "عندما تشيخ الذئاب"



هل التأليفُ الإبداعي إلهامٌ أم اشتغال؟ قد تتضاربُ الآراء في هذا الموضوع، ولكن المؤكد أن توفير المساحة والمناخ الملائم للاشتغال يساعد في الخروج بعملٍ إبداعي. والعملُ الذي نحن بصدده اليوم هو ما أنتجه (جمال ناجي) في إجازة التفرغ الأدبي التي حصل عليها عام 2007 من وزارة الثقافة الأردنية، وصدرت الرواية عن الوزارة عام 2008، ثم في طبعتها الثانية عن الدار العربية للعلوم عام 2010 في 245 صفحة. جمال ناجي روائي وقاص أردني من أهم الأسماء الأدبية في الأردن، وقد صدرت له ست روايات وثلاث مجموعات قصصية حتى الآن. له مشاركات فاعلة في المشهد الأدبي الأردني قد يكون أبرزها ترأسه لرابطة الكتاب الأردنيين من عام 2001 حتى 2003. نُشرت أول رواية له عام 1982 "الطريق إلى بلحارث" وحققت نجاحًا كبيرًا وأعيدت طباعتها عدة مرات. أما قصصه القصيرة فقد تميزت بأسلوب المفاجأة في آخر القصة، وهذا ما سنراه في الرواية التي نتحدث عنها.

في رواية "عندما تشيخ الذئاب" اعتمد المؤلف تقنية سردية بدأت تنتشر عربيًا في السنين الماضية وتحقق قدرًا من القبول والمتعة لدى القارئ، وهي تقنية تعدد الرواة أو الأصوات، بحيث لا يكون هناك ساردٌ واحد عليم بكل شيء، بل ينساب السردُ على لسان عدة شخصيات. وهكذا نجد في الرواية خمس شخصيات تتبادل السرد (إضافة إلى شخصية سادسة تظهر في أواخر الرواية مرة واحدة)، فتروي لنا الأحداث كما عرفتها (أو كما تريد أن تحكيها)، فلا تكتفي بتكرار ما عرفناه من شخصية أخرى، بل تضيف إليه وتوضح جوانب أخرى منه. وسيلاحظ القارئ أن (عزمي الوجيه)-الشخصية الرئيسة المحورية التي يدور الجميع في فلكها- ليس أحد الساردين، وإنما يأتينا وصفه عبر الشخصيات الأخرى. وأعتقد أن هذا قرار صائب وذكي من المؤلف؛ لأنه بذلك حافظ على الحَيرة والغموض الذي تتشبع به هذه الشخصية، فنبقى نحن القراء مثل بقية الشخصيات حائرين فيها ولا نعرف كيف تفكر ولماذا تتصرف بهذا الشكل.

أما العالم الذي تبنيه هذه الرواية بثيمتها الأساسية فهو عالم الخيانات، عالم نوعٍ من الناس لا يعرف الأمانة، كالذئاب. وتتخذ الخيانة في الرواية أشكالا مختلفة: اجتماعية وسياسية وفكرية ودينية وزوجية وأخلاقية، فجمال ناجي يطرق في روايته المواضيع الثلاثة المحرم نقاشها في المجتمع العربي: الدين والجنس والسياسة، وكل ذلك يتكشف لنا عبر علاقات الشخصيات وتفاعلاتها مع أنفسها، ومع بعضها، ومع العالم من حولها بدءًا من المجتمع الصغير في قرية جبل الجوفة وحتى المناطق الأخرى في العاصمة عمّان.

تبدأ الرواية بأسلوبٍ تشويقي مميز مع (سندس) بجملتها "عزمي الوجيه أذلني ثلاث مرات"، وسيعرف القارئ ظروف هذه المرات وملابساتها بمرور الأحداث. وسندس هذه فتاة ظلمتها ظروفها عندما أفسد أبوها عرسها فتشاجر مع أهل العريس، فتطلقت. ومع كثرة كلام النسوة المتزوجات ومعاكسة الشباب لم تستطع مقاومة رغباتها الجسدية، فرضخت لملاحقات (رباح الوجيه) للزواج منها رغم أنها أصغر منه بـ27 عامًا. ولكن رباح ما يلبث أن يفشل في مجاراة غرائزها ويخونه جسده، فينهزم أمامها وينكسر، وستكون هذه هي نقطة التحول والجموح في شخصية سندس، حيث تتعلق بابن زوجها (عزمي) وتراوده عن نفسه دون هوادة، متسلحة بأنوثتها الطاغية و موهبة الغواية التي تتمتع بها كما وصفها عزمي. ويظلّ تعلقها بعزمي يزداد كلما أذلها وتمنّع عنها، ورغم زواجها برباح وبـ(صبري أبو حصة) لاحقًا، إلا أنها لا تنفك تبحث عن فراش عزمي.

أما عزمي الوجيه فهو شخصية فريدة من نوعها يتمتع بذكاء حاد وكبرياء وثقة بالنفس وسحر على الآخرين، استقلالي منذ شبابه، لم يأبه ببخلِ أبيه ولم يرضخ له، وانضم إلى حلقات دروس الشيخ (عبد الحميد الجنزير). يُعجَب الشيخ بذكائه الفائق وشخصيته القوية دونًا عن جميع أقرانه فيقربه منه ويكلفه بمهام عديدة يبرع في تنفيذها، ويصبح ذراعًا يُمنى للشيخ إلى أن يصبحا شريكين لاحقًا في مشاريع كثيرة. أما نقطة التحول في حياة عزمي فتحدث حين يكتشف سرًا خفيًا في حياة الشيخ الجنزير، وبذلك تسقط أقنعة الدين والأخلاق فيشقّ حياته بأسلوبٍ مختلف ليصنع اسمه ومجده وثروته، ولكن يبدو أن نبوءة زوجة خاله لم تخل من الصحة: "من يريد كل شيء لا يحصل على شيء" (ص112).

وأما الشيخ عبدالحميد الجنزير فهو "رجل الدين" الجليل الذي يعطي الدروس الدينية وينفق على الطلاب، ويجمع الأموال للمشاريع الخيرية، ويداوي الناس بالأعشاب، ويطرد الجن والشياطين. متزوج من امرأتين ولكنه لا يسكن معهما، بينما يتمتع بأجساد النساء اللاتي يأتين إليه للعلاج. الشيخ الجنزير رمزُ لأولئك الذين يتخذون الدين إطارًا يعملون فيه لتحقيق غاياتٍ عديدة، ولا مانع لديهم من مُحالفة الشيطان نفسه إن كان سيوصلهم إلى بغيتهم.

وأما (جبران) خال عزمي فهو المناضل الماركسي الذي دخل المعتقل السياسي مُكافحًا في سبيل قضية المحرومين والطبقة الكادحة. فجأة وبُعيد احتلال الجيش الإسرائيلي لبيروت يترك جبران القرية ويسكن في إحدى مناطق الأثرياء، فتنمو الشائعات حول مصدر أمواله وتشكك في نزاهته. مع حضور الثروة تبدأ زوجته محدثة النعمة في التغيّر، فلا تخالط معارفها الفقراء، ويبدأ هو كذلك في تجنبهم، ونجدها تربي طفليها تربية برجوازية جديدة وتتصرف مثل نساء الأثرياء إلى درجة أنها تشتري قطة شيرازية تربيها. يحاول جبران مقاومة هذه النزعة الجديدة، ويقول عن نفسه أنه لم يتنكر لأفكاره الماركسية، وإنما يقصرها على الجانب السياسي دون الاجتماعي، إلا أننا نجده تدريجيًا يتحول إلى شخص رأسمالي حقيقي، وانتهازي متسلق يبحث عن المنصب بكل قوة.

هذه الرواية تحاول كشف المستور عن خفايا المجتمع والتحولات الفكرية والأخلاقية فيه تبعًا لتطور الأحداث السياسية والاقتصادية في الأردن، فنجدها تسخر من التقارب العجيب بين التيارين اليميني واليساري، لا إيمانًا بالحوار أو الديمقراطية، بل لتحقيق المصالح. ونجد كذلك إشاراتٍ إلى الفساد السياسي، والبطالة، والانحراف والتطرف في بعض من ينتسب للجماعات الدينية. ليس من الغريب إذن أن يُحتفى بهذه الرواية في الأردن كونها تناقش قضايا من هموم المجتمع.

ومن جماليات الرواية أيضًا اللغة التي كتب بها جمال ناجي الرواية، فنلاحظ لغة بسيطة لا تهدف إلى التفاصح أو فتل العضلات اللغوية، ولكنها في الوقت نفسه سليمة جميلة وثريّة، ولا تخلو من عبارات كالحكم، مثل: "كيف يمكنه عقد السلام مع النجاح إذا كان يحاربه حين يمتلكه الآخرون؟" (ص109). أما الجانب الأبرز في اللغة فيتجلى في اعتناء المؤلف بأن تكون لغة الشخصية نابعة من الخطاب الذي تنتمي إليه، فنجد ألفاظًا وعبارات من المناخ الذي تعيش فيه الشخصية وتفكر في إطاره (الخطاب السياسي لدى جبران، والخطاب الديني لدى الشيخ الجنزير وبكر الطايل، مثلا). ومما يُلاحظ أيضًا أن الحوار حاول التقريب بين العامية والفصحى، فاستخدم مفردات أو عبارات عامية لا تبتعد كثيرًا عن الفصحى، مثل: "عادي/نسوان/جهزي حالك/مفعوصة/عليها القيمة/الشور شورها/احكي مثل الأوادم".

ورغم ما ذكرناه آنفًا من عناصر إيجابية في الرواية، وجدتُ بعض الأجزاء لم يُوفق المؤلف في "سبكها" وبدت لي غير مقنعة أو غير مبررة. فمثلا انتقام سندس من زوجها الثالث بعد موته هو عمل وحشي إجرامي، ولا يوجد في شخصية سندس اللعوب ما يدعم هذه النزعة الإجرامية أو حتى المبالغة في رد الفعل، كما أنه لا يضيف أي شيء لقيمة الرواية وما كانت لتخسر شيئا من دونه. ومن جانبٍ آخر نجد أن تصرفات هذا الزوج الثالث غريبة وغير مبررة، فما الذي يجعله يقبل أن يشتري عزمي لسندس شقة وسيارة؟! هذا ويأتي في أواخر الرواية مشهد يصف مطاردات المباحث لعزمي وقدرته على التخفي والهروب والمراوغة والتنكر، بينما لا نجد في شخصية عزمي ما يجعله (جيمس بوند) فجأة هكذا! أما السر الأكبر الذي تعتمد عليه الرواية ولا يُكشف إلا في السطر الأخير منها فلم يبرع جمال ناجي في صناعته والحفاظ عليه، حيث هناك الكثير من الإشارات التي تجعل القارئ قادرًا على معرفته قبل الصفحة الأخيرة بكثير.

لا شكّ أن جمال ناجي أخرج نصًا ممتعًا، إلا أنني أتساءل عن الجديد الذي جاءت به هذه الرواية لتكون في القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، فالمتدين المنافق والسياسي الفاسد، والمتدين المتطرف، والزوجة الصغيرة اللعوب كلها صور استهلكتها المسلسلات العربية مؤخرًا، ويُفضل لو تم تناولها بشكلٍ جديد غير مألوف. ربما أفضل ما أنجزه جمال ناجي هو إتقانه لتطوّر الشخصيات وانتقالها من البراءة إلى الانحراف الكامن فيها الذي كان ينتظر شيئا ما ليخرج، وهذا الإتقان في الحقيقة يحتاج إلى روائي ماهر.

الأربعاء، 14 أبريل، 2010

عادات التفكير ما بين الشرق والغرب: عرض كتاب "جغرافية الفكر"



هناك نكتة تقول بأن الأمم المتحدة وزّعت استبانة حول العالم تسأل فيها السؤال التالي: "من فضلك هلاّ قدّمت لنا رأيك الشخصي الصادق حول الحلول لمشكلة نقص الغذاء في بقية أنحاء العالم؟"، وتبيّن من النتائج أنه في أفريقيا لم يفهموا كلمة "غذاء"، وفي الشرق الأوسط لم يفهموا كلمة "حلول" وفي الصين لم يفهموا معنى "الرأي الشخصي" وفي أميركا لم يفهموا معنى "بقية أنحاء العالم"! هي مجرد طرفة لا تعميمات تُرجى منها، ولكنها قد تشير إلى فروقٍ كبيرة بين شعوب العالم على مستوى التفكير. هذا ما يُحاول أن يقوله كتاب "جغرافية الفكر: كيف يفكر الغربيون والآسيويون على نحو مختلف ولماذا؟" الذي صدر عام 2003 ونُشرت نسخته العربية عام 2005 في سلسلة عالم الفكر بترجمة (شوقي جلال).

الكتاب من تأليف (ريتشارد إي نيسبت) البروفيسور في علم النفس الاجتماعي، ومدير مشارك في برنامج الثقافة والإدراك في جامعة ميتشيجان بالولايات المتحدة. صدرت له ثلاثة كتب كان آخرها "الذكاء وكيفية الحصول عليه: أهمية المدارس والثقافات" (2009) والعديد من الدراسات. ولقد حصل (نيسبت) على العديد من الجوائز العلمية والبحثية كان آخرها عام 2007 من جامعة فورزبرغ الألمانية. وفي الكتاب الذي نحن بصدده يحاول (نيسبت) إثبات أنّ التفكير ليس غريزة أو عادة ثابتة يشترك فيها جميع البشر في كل مكان، وإنما هناك عوامل ثقافية واجتماعية تؤثر فيه تأثيرًا كبيرًا وتشكّل طريقة عمله. وهكذا يقوم المؤلف بالمقارنة بين أساليب التفكير لدى الغربيين (وبخاصة سكّان أميركا وكندا) وتلك لدى الشرق-آسيويين، متتبعًا الجذور التاريخية والفلسفية والاجتماعية التي أنتجت هذين النمطين المتمايزين من التفكير.

يقارن الفصل الأول بين الأسس الفلسفية التي اتكأ عليها كل من المجتمع الغربي والمجتمع الشرق-آسيوي، فالمجتمع الغربي وريث الفلسفة الإغريقية التي اتسمت بتمجيد الحرية الشخصية والمسؤولية الذاتية عن الاختيار واستغلال الطاقات الفردية لتحقيق الإنجازات، ولم يكن غريبًا إذن أن يؤدي ذلك إلى نزعةٍ جدالية يحاول كل فردٌ بها إثبات تفوقه على الآخر، كما كان لدى الإغريق رخاء اقتصادي نسبي ساهم في تنمية فضولهم المعرفي وولعهم بإضفاء الصفات ووضع التصنيفات والقوانين. من الناحية الأخرى ورث الشرق-آسيويون الفلسفة الصينية التي تُعلي من قيمة التناغم والانتماء إلى الجماعة والالتزامات المتبادلة والحث على الإنتاج الجماعي، ولم يكن لدى الصينيين القدماء ولعٌ بالتجريد النظري المنفصل عن القيمة العملية، حيث أنتجوا الكثير من التقانات التي لم يعرفها الإغريق، ولكنهم لم يمتلكوا فضولا معرفيًا تجريديًا كبيرًا. العالم بالنسبة للإغريق بسيط يُمكن معرفته بالتركيز على صفات المواضيع ووضع قواعد كلية لها، في حين نظر الصينيون إلى العالم على أنه معقد يتكون من جواهر عديدة متفاعلة متبادلة التأثير، ولا سبيل إلى التعامل معه إلا بروح التناغم والتكافل والنظرة إلى السياق الكامل.

ولكنّ الفلاسفة الذين وضعوا هذه الأسس هم حقيقةً نتاج مجتمعهم لا صانعيه، وهكذا يُمكن رد الفوارق الفلسفية إلى فوارق اجتماعية تعود بدورها إلى فوارق بيئية جغرافية. في بلد مثل الصين حيث السهول الخصبة والأنهار تنشط الزراعة، مما يحتّم انتشار قيم التعاون والتكافل والانسجام، أما اليونان فمكونة من جبال وسفوح منحدرة نحو البحر شجّعت أعمال القنص والرعي والصيد والقرصنة، وهذه كلها لم تستوجب التعاون والانسجام. وهكذا فالمجتمع الزراعي يميل بطبعه إلى الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية والمجال العام للأمور، بينما المجتمع الإغريقي يبرز الفردية والاهتمام بالموضوعات وصفاتها من غير حاجةٍ إلى النظر في تأثير الآخرين أو المجال العام عليها.

أما الفصل الثالث فيتطرق إلى بعض القيم الاجتماعية ويقارن بينها في المجتمعين الغربي والشرق-آسيوي. يوضّح المؤلف أنّ الغربيين يُعلون من قيمة الذات كثيرًا ويربّون أبناءهم عليها كي تكون لهم ذوات مستقلة متميزة متفردة، في حين لا نجد ذلك لدى الشرق-آسيويين، فـ"النجاح هدف منشود، باعتباره هدفًا جماعيًا، وليس وسام استحقاق شخصي" (ص62). والإنسان في شرق آسيا يرى ذاته متداخلة مع الجماعة التي ينتمي إليها في مقابل الجماعة الخارجية، فيما يرى الإنسان الغربي ذاته منفصلة مستقلة عن أي جماعة. الغربيون يهتمون بقيمة الاستقلالية وتنشئتها منذ الصغر، فنجد مثلا أن الطفل الغربي ينام في سرير مستقل، بينما ينام أطفال شرق آسيا على السرير نفسه مع أبويهم، ونجد أن الأبوين الغربيين يعلّمان طفلهما أن يستقل برأيه وخياراته، فيما يفضل الشرق-آسيوي أن يختار لطفله لأنه يعرف أكثر منه. من ناحيةٍ أخرى أبرز الاهتمام بالعلاقات الاجتماعية في شرق آسيا اهتمامًا بمشاعر الآخرين وقدرة على تقدير مواقفهم وتفهمها، وهذا غير بارز في الثقافة الغربية التي تؤمن بالقواعد الكلية الشاملة التي يجب تطبيقها على الجميع دون النظر إلى ملاءمة الحالات الفردية. ولا يفوت المؤلف أن يؤكد أنّ ذلك لا يعني أن جميع المجتمعات الغربية أو الشرق-آسيوية سواء في ممارستها لهذه القيم. ومن أكثر أجزاء هذا الفصل إثارة حديث المؤلف عن فن الخطابة والمحاججة وغيابه في الفكر الآسيوي، مما يؤثر على عدة ممارسات حياتية مثل النقاشات الديمقراطية وكتابة البحوث العلمية، وكل ذلك يعتمد بشكلٍ كبير على المحاججة.

وفي الفصل الرابع يحاول المؤلف التدليل على أن هذه الفوارق النابعة من الإرث القديم ما تزال موجودة في المجتمعات الحديثة، ويوضح أن الصينيين القدماء رأوا العالم مؤلفًا من جواهر متصلة ببعضها، بينما رأى الإغريق العالم مكونًا من جسيمات مختلفة، ويستشهد المؤلف بعددٍ من الدراسات والتجارب التي تثبت أثر هاتين النظرتين على المجتمعات الغربية والشرق-آسيوية، حيث ثبت أن الآسيويين لديهم اهتمام أكبر بالمجال والبيئة المحيطة بالأشياء وتفهّم العلاقات بينها، بينما يهتم الغربيون بالموضوع نفسه وصفاته منفصلا عن السياق العام. وإذا كان الأمر كذلك فمن المرجح أنّ المهتمين بالسياق سوف ينظرون إلى أحداث العالم على أنها ناتجة من تفاعل عدة عوامل في عدة سياقات، بينما ينظر الآخرون إلى الأحداث على أنها ناتجة من خواص الموضوع نفسه، وهذا ما يحاول الفصل الخامس إثباته. يروي المؤلف أن طالبًا صينيًا خسر في جائزة تقدّم لها فطعن في قرار لجنة التحكيم ولكن دون جدوى، فأطلق النار على الأستاذ المشرف عليه والشخص الذي نظر في رسالة الطعن وعدد من زملائه ثم قتل نفسه. وبمقارنة ما كتبته الصحف الصينية بالصحف الأميركية تبيّن أن الأخيرة تُرجع الأمر إلى صفات الطالب وشخصيته (سيء الطباع، سوداوي، لديه مشاكل نفسية)، بينما تحاول الصحف الصينية تفسير الأمر من خلال سياق الأحداث (غيرة الآخرين، عدم الانسجام مع المجتمع الصيني، خلاف مع المشرف، السماح بحمل الأسلحة). وكي يتأكد الباحثون من أن الفارق هذا لا يعود إلى نُصرة الصحف الصينية لمواطنها درسوا قضية مشابهة كان فيها القاتل أميركيا، فلم تختلف النتائج. ويخلص المؤلف في هذا الفصل إلى أن الصينيين يميلون إلى إرجاع الأسباب إلى السياق، فيما يميل الأميركيون إلى إرجاع الأسباب إلى السلوك الشخصي.

بعد ذلك يناقش المؤلف قضية تصنيف الأشياء، ويبيّن أن الصينيين القدماء لم يميلوا إلى تقسيم الأشياء إلى فئات حسب تشابه خواصها، وإنما إلى تأثير بعضها في الآخر، فقد كانوا يهتمون بعلاقة الجزء بالكل. أما الإغريق الذين كانوا يهتمون بالموضوعات فقد قسّموا الأشياء إلى فئات واهتموا بعلاقة الفرد بالفئة، بحيث يمكنهم بسهولة وضع قانون واحد ينطبق على جميع أفراد الفئة. وهناك تجربة طريفة أُجريت لتأكيد ذلك حيث عُرضت على المشاركين صورة لقرد ثم سُئِلوا أي الشيئين يلائم صورة القرد أكثر: الباندا أم الموز؟ أما الأميركان ففضلوا التصنيف الفئوي واختاروا الباندا لأنه يشترك مع القرد في فئة الحيوان، وأما الصينيون ففضلوا التصنيف على أساس العلاقات واختاروا الموز لأن القرد يأكل الموز. ويقول المؤلف بأن ميل الغربيين إلى الفئات وقصور ذلك لدى الشرق آسيويين يمكن ردّه إلى أسباب فلسفية ولغوية، فالصينيون القدماء لم يهتموا بالفئات (والتي تحتاج إلى أسماء)، بل ركزوا على العلاقات (والتي تبرز الأفعال). هذا ويسهل في اللغات الهند-أوروبية تحويل الصفات إلى أسماء، ومن السهل التفرقة بين المعرف والنكرة، بينما لا يوجد ذلك في الصينية واليابانية، والرمز الواحد فيهما له عدة معاني، لذلك يعتمد المستمع/القارئ على السياق. يتبيّن من ذلك أن هناك تأثيرًا واضحًا للغة على الفكر.

بعد ذلك يستعرض الكاتب الاستدلال العقلي في المجتمعين الغربي والشرق-آسيوي، ويوضّح أن المنطق حاضر بقوة في التفكير الغربي الذي يمجد المحاججة، فيما يقل الاهتمام به كثيرًا في التفكير الشرق-آسيوي الذي يمكن أن يطرح المنطق جانبًا إن كان لا يتوافق مع النماذج المعروفة (وهذا لا يعني أنهم لا يجيدون استخدامه). أما الفصل الأكثر إثارة وإمتاعًا فهو الفصل الثامن الذي يناقش أثر هذه الاختلافات الفكرية على المجتمعات الغربية والآسيوية (مثلا، في الطب الغربي نجد الاهتمام بالجزء المسبب للعلة وإزالته، فيما يهتم الطب الشرق-آسيوي بالعلاقات بين أعضاء الجسد والتوازن بينها) ويتحدث المؤلف عن تجليات هذه الاختلافات في القانون والجدل والعلم والخطابة والعقود وحقوق الإنسان والدين والعلاقات الدولية. وفي خاتمة الكتاب يناقش المؤلف إطروحة فوكوياما في نهاية التاريخ وتوقفه عند النموذج الغربي، وإطروحة هنتنغتون في صدام الحضارات، ويرفضهمها معًا مبينًا أن المجتمعات الحالية تنهج فكرًا غربيًا في بعض المجالات وفكرًا شرقيًا في مجالات أخرى، مؤمنًا أن النهجين سيلتقيان ويثريان عادات الفكر والإدراك البشري.









الأربعاء، 7 أبريل، 2010

الشرق من التشويه إلى المصداقية: عرض لكتاب "تطور صورة الشرق في الأدب الإنجليزي"



من المواضيع الهامة في الدراسات الأدبية استقصاء صور الشعوب والثقافات في الآداب المختلفة، حيث يشكل الأدب مادة شعبية ونخبوية ثرية لاستكشاف نظرة البشر وانطباعاتهم عن الشعوب الأخرى. وهناك العديد من الدراسات العربية التي تتناول هذا الموضوع، قد يكون آخرها عُمانيًا كتاب "غواية المجهول: عمان في الأدب الإنجليزي" للدكتور هلال الحجري. في هذا المقال نستعرض كتاب "تطور صورة الشرق في الأدب الإنجليزي" للدكتور ناجي عويجان بترجمة تالا صبّاغ، الصادر عن المنظمة العربية للترجمة عام 2008 في 228 صفحة.

الدكتور ناجي عويجان هو أستاذ اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة سيدة اللويزة بلبنان، وهو رئيس جمعية بايرون اللبنانية، ترأس المؤتمر الدولي الأول للأدباء اللبنانيين-الأميركيين والمؤتمر الدولي لتحديات الترجمة التحريرية والشفوية في الألفية الثالثة، كما أنه يشغل عدة مناصب أخرى في جمعيات أكاديمية وأدبية أخرى. صدر له كتابان باللغة الإنجليزية وقام بتحرير ثلاثة كتب أخرى، إضافة إلى ترجمة كتابين عربيين إلى الإنجليزية لأمين الريحاني وفريد مطر.

ينقسم الكتاب إلى مقدمةٍ يبيّن فيها المؤلف أهداف الكتاب وسياقه وحدود ما يتناوله، وفصلٍ أول يناقش صورة الشرق إلى ما قبل القرن السابع عشر، وفصلٍ ثانٍ للقرن الثامن عشر، وفصل ثالث أطول من سابقيه للقرن التاسع عشر. وقد امتنع المؤلف عن مناقشة صورة الشرق خلال القرن العشرين لـ"تنوع التعبير الأدبي الحديث الذي لم يعد يقتصر على المواد المطبوعة...وهذا الموضوع واسع وغني جدًا ليناقش في عمل وجيز كهذا" (ص13).

في الفصل الأول يتطرق المؤلف إلى الأصول التاريخية لاتصال الشرق بالغرب، وبيّن فيه كيف أنّ ظهور المسيحية أدى إلى المزيد من التواصل وتأسيس صورة عن الشرق من خلال كتابات الحجّاج والرحّالة وقصص الكتاب المقدس التي أذكت خيال الغرب بصور الشرق العجائبي على نحوٍ مشوّه ومبالغ في الخيال. وبعد ظهور الإسلام ووصوله إلى إسبانيا تحوّلت هذه الصورة الأسطورية إلى أخرى سلبية على يد الصليبيين الذين رأوا في الدين الإسلامي خطرًا وضلالا. ومن الإشارات المثيرة في هذا الفصل أنّ الأديب المرموق (تشوسر) أظهر الشرق في أدبه بصورةٍ سلبية ليس بالضرورة لأنه كان متحيزًا ضد الشرق، وإنما لأنه كان يتبع التقليد الأدبي السائد آنذاك في تصوير الشرق بتلك الطريقة، وأنّ عددًا من أدباء العصور الوسطى كانوا يصوّرون الشرق سلبًا رغم أنهم لم يزوروه، ولكنهم كانوا يثقون ثقة عمياء بالكتابات القديمة عن الشرق. ومع حلول عصر النهضة الأوروبية وتأسيس الشركات التجارية الكبرى أصبح سفر الإنجليز أكثر سهولة، واستطاع عددٌ من الكتّاب أن يزور الشرق ويكتب عنه بموضوعية دون تحيّز، إلا أن النفوذ العثماني الذي كان خطرًا على الغرب جُوبه بدعايات حربية صوّرت الأتراك (والمسلمين تبعًا لهم) بأبشع الصور. وفي هذا العصر ظهرت عدة كتب تاريخية عن الشرق، وعُرضت الكثير من المسرحيات عن الشرق تلبية لرغبة الجمهور المتعطش لمعرفة المزيد عن هذا العالم، إلا أنّ جوّ الدمار والقتل والحروب والخيانة والإجرام كان هو السائد على هذه الأعمال. حتى شكسبير نفسه لم يكن تصويره للشرق إيجابيًا، وعمد إلى استخدام الشرق لزخرفة أعماله. أما أكثر المسرحيات "الشرقية" شعبية فكانت للكاتب الشهير كريستوفر مارلو، وذلك لأنها أظهرت الشرق وحشيًا ضالا كما يتوقع الجمهور. وظلت الأعمال التاريخية وكتب الرحلات الموضوعية النادرة مُتجاهلة، في حين استمر الأدب الإنجليزي في تشويهه للشرق. أما الأعمال القليلة التي قدّمت معلومات حقيقية عن الشرق فكان أغلبها مترجمٌ عن مؤلفين فرنسيين.

وفي الفصل الثاني يتحدث المؤلف عن النقلة التي حدثت في القرن الثامن عشر من حيث ازدياد اهتمام الإنجليز بالشرق وانكبابهم على ما يُكتب ويُنقل عنه. في هذا القرن لم يكن الشرق يشكّل خطرًا سياسيًا أو عسكريًا على الغرب، وفيه سقطت الحكومات والامبراطوريات الشرقية، وتوسع النفوذ الاستعماري الغربي في الشرق، وازدهرت الشركات التجارية الغربية الموغلة في أرض الشرق. ونتيجة لهذا الازدهار اهتم الشعب الإنجليزي ببضائع الشرق وآثاره، وأصبح في مقدور الكثير من الإنجليز الترحال والكتابة عن الشرق وكانوا يرون بأن لهم دورًا في تثقيف الشعب الإنجليزي وتصحيح مفاهيمه حول الشرق. ويذكر المؤلف أن من أهم المصادر التي أثرت الكتّاب الإنجليز كتابات المستشرقين التاريخية وترجماتهم لأدب الشرق، مثل "ألف ليلة وليلة" و "القصص التركية" و"القصص الفارسية". ومن أكثر المعلومات إثارة في هذا الفصل تأثير هذه الأعمال الأدبية المترجمة على الأدباء الإنجليز، فيناقش المؤلف تأثير الأعمال المذكورة آنفًا على تطور القالب القصصي الإنجليزي وتأثر عدد من الكتاب بها مثل الكاتب الشهير جوناثان سويفت في روايته "رحلات غوليفر"، فتقول الباحثة مارثا بايك كونانت: "الليالي العربية كانت عرّابة الرواية الإنجليزية" (ص72). ومن تأثير هذه الترجمات أيضًا أن تحوّل الاهتمام من الجوانب الدينية في الشرق إلى الجوانب الفنية الإبداعية. وفي القسم الأخير من هذا الفصل يستعرض المؤلف بعض الإشارات الشعرية والمسرحية للشرق، ويناقش بتفصيل عملين من أكثر الأعمال الأدبية تأثيرًا في تطوير صورة الشرق هما "راسلاس" لـ(صمويل جونسون) و "فاتك" لـ(وليم بيكفورد). وتكمن أهمية العمل الأول في تصويره للشرق بأنه مكان واقعي وليس سحريًا غرائبيًا، وأنه مكان للسلام والمحبة والحكمة لا للحروب والبطش والجهل، ومكان لديانات جديدة مختلفة لا ديانات ضالة، وهكذا يكون "[صمويل] جونسون هو الشخصية الأدبية الأولى التي تحدت آراء أسلافها المتحيزة" (ص95). وأما العمل الثاني فقد تميّز بدقة التفاصيل الحقيقية وثرائها في مجالات عديدة من الشرق بحيث بدا مؤلفه مرجعًا يُعتمد عليه.

وأما الفصل الأطول (الثالث) فقد نظر أولا في أحوال القرن التاسع عشر وأثرها على صورة الشرق في الأدب الإنجليزي، مبينا أن الظروف السياسية التي ترتبت على الحملة الفرنسية على مصر وحرب الاستقلال في اليونان وتقدّم المعرفة العلمية والتاريخية قادت إلى تعاطف شعبي إنجليزي مع الشرق ورغبة عارمة في المزيد من المصداقية في الكتابات عنه. هذا وقد زاد اهتمام أوروبا بدول الشرق نظرًا لوجود نسبة كبيرة من المسيحيين فيه تحت سلطة الدولة الإسلامية، إضافة إلى الأسباب الأخرى التي دفعت إلى التحرك الاستعماري لدول الشرق. وعلى إثر ذلك ازداد اهتمام الرحالة والباحثين بمصر وفلسطين وتركيا لدراسة آثارها وجغرافيتها وعادات شعوبها، وقد قدّموا-وفق كلام المؤلف- صورًا موضوعية إيجابية عن الشرق مما أكسب مؤلفاتهم شعبية واسعة النطاق. ومن بين العوامل المؤثرة الهامة أيضًا تأسيس الجمعية الملكية الآسيوية لبريطانيا العظمى وأيرلندا والتي خصصت صندوقًا للترجمة لتشجيع الدراسات والترجمات فيما يتعلق بالأدب والثقافة في الشرق. وما نلاحظه في هذا الفصل هو أنّ الرحالة لم يكتفوا بزيارات سريعة كمن سبقهم، بل كانوا يقيمون لفتراتٍ طويلة في الشرق ويندمجون مع الشعوب الشرقية للتعرف عن قرب على طباعهم وعاداتهم وتراثهم. ويناقش المؤلف ثيمة هامة وهي تأثر الشعراء الرومنسيين بالشرق، حيث أصبحت المكوّنات الشرقية جزءا أساسيًا في شعرهم، وذلك لأنهم كانوا يبحثون عن الغريب وغير المألوف رغبة في إذكاء خيال القارئ الإنجليزي. وهكذا يستعرض المؤلف بعض الأعمال لأشهر الشعراء الرومنسيين مثل (كيتس) و (وورزدورث) و (شيلي) مبينًا كيفية استخدامهم لصور الشرق. أما الأثر الأكبر في تطور صورة الشرق فكان للشاعر الكبير (اللورد بايرون) والذي تولّع بالشرق منذ صغره، وانكبّ على التهام الكتب التي تتناول الشرق، إلا أنه لم يكتب شيئًا عن الشرق قبل أن يقيم فيه. هذه العناية الفريدة بالمصداقية هي التي أكسبت أعمال بايرون الشرقية إعجابا كبيرًا ونجاحًا واسعًا. بعد ذلك وضّح المؤلف خفوت الاهتمام بالشرق في العصر الفيكتوري، فلم يهتمّ من الكتاب الفيكتوريين بالشرق اهتمامًا ملحوظًا إلا اثنان هما (إدوارد فيتزجيرالد) و (توماس كارلايل). أما الأول فهو الذي ترجم رباعيات الخيام إلى الإنجليزية، ومعروفٌ أن هذه الترجمة نجحت نجاحًا باهرًا رغم (أو بسبب) عدم التزامها بالأصل، وكان لها أثر كبير على القراء الإنجليز. وأما توماس كارلايل فقد قدّم محاضرة هامة بعنوان "البطل كنبي، ومحمد والإسلام" ضمن سلسلة محاضرات عن الأبطال في التاريخ، وتطرق فيها إلى شخصية النبي محمد (ص) والدين الإسلامي، وأظهرهما بصورة إيجابية لم يعتد الجمهور الإنجليزي عليها. ولقد جاء في المحاضرة آراء "جريئة" حول النبي والقرآن وانتشار الإسلام على نحوٍ موضوعي حيادي، أثّرت على عددٍ من الأدباء الإنجليز، وصححت المفاهيم المغلوطة عن النبي والإسلام، ويقول المؤلف "أما بعد هذه المحاضرة فلم تتجرأ أي شخصية أدبية غربية على تشويه صورة الشرق والإسلام...[و] اتبع عدة أدباء إنجليز أسلوب كارلايل الموضوعي وغير المتحيز في معالجة الشرق وحضاراته" (ص193).

هو كتابٌ ممتع وغنيّ بالمعلومات والاستشهادات التي تقدّم للقارئ الكريم فكرة جيدة عن صورة الشرق في الأدب الإنجليزي حتى القرن التاسع عشر. كنتُ أتمنى من المؤلف أن يتحدث بإسهاب في المقدمة عن مفهوم الاستشراق كما وضّحه إدوارد سعيد سواء اتفق مع رؤيته أم لا، وذلك لأهمية هذا المفهوم في دراسةٍ كهذه. كما أعتب على المؤلف أن يُنهي بحثه بخاتمةٍ قصيرة لم يتوسع فيها بتحليل الاستنتاجات ومقارنتها بما وجده باحثون آخرون في الموضوع نفسه.

الاثنين، 5 أبريل، 2010

النشر الإلكتروني...مازن حبيب نموذجًا


إن كنتَ من المتابعين لعالم الإصدارات والنشر فبالتأكيد قد سمعتَ عن الجدل المستمر المتزايد حول العلاقة بين التقانة والكتاب، من حيث أثر المنتجات التقانية على معدلات القراءة، وتأثير القارئات الإلكترونية على مبيعات الكتب، ومشروع جووجل الكبير لرقمنة الكتب وتخزينها إلكترونيًا للراغبين في تصفحها. وفي الحقيقة فإن نشر الكتب إلكترونيًا أو ما يُعرف بالنشر الإلكتروني قد أصبح صناعة مستقلة لها دور نشر وموظفون ودورات تدريبية وبرامج حاسوبية ومواقع إلكترونية متخصصة. هي إذًن ثورة جديدة في عالم الكتب والقراءة، يختلف حولها الكثيرون، ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر الاهتمام المتزايد بها والتطورات السريعة الحادثة فيها، والإمكانات الكبيرة التي تعد بها. في هذا المقال نستعرض بعض المعلومات المتعلقة بالنشر الإلكتروني ومزاياه ونقائصه، ثم نلقي نظرة على تجربةٍ عمانية قد تكون الأولى من نوعها في مجال النشر الإلكتروني.

النشر الإلكتروني
إن المقصود بمصطلح "النشر الإلكتروني e-publishing" هو إنتاج الكتب والمستندات في صيغة إلكترونية لقراءتها عبر أجهزة إلكترونية مثل الحواسيب والهواتف المحمولة و القارئات الإلكترونية التي بدأت تنتشر في السنين القليلة الماضية وتكتسب إقبالا كبيرًا نظرًا لإمكانية تخزين أعداد كبيرة من الكتب فيها. هذا وتندرج تحت النشر الإلكتروني أيضًا "الطباعة تحت الطلب print-on-demand" حيث يُمكن طباعة نسخة واحدة من الكتاب في كل مرة بدلا من آلاف الكتب في كل طبعة كما في دور النشر الورقية. هذا ويتخذ النشر الإلكتروني أشكالا مختلفة، فيُمكن أن يكون الكتاب أو المستند في ملفٍ يجب تحميله لقراءته، أو يُمكن قراءته مباشرة من موقع إلكتروني، وهناك كُتب تُصدر للتوزيع المجاني، في حين توجد كتب أخرى للبيع عبر دور نشر إلكترونية. وحاليًا هناك توجه كبير لدى المجلات العلمية للتحول إلى النشر الإلكتروني، أو على الأقل توفير نسخ إلكترونية من أعداد مجلاتها للبيع. هذا وتخصص بعض المكتبات الشهيرة على الإنترنت أقسامًا مخصصة للكتب الإلكترونية، مثل مكتبة "Amazon" و "Barnes & Nobles"، في حين توجد مكتبات متخصصة في الكتب الإلكترونية فقط نضرب مثالا عليها "المكتبة الإلكترونية العربية www.arabicebook.com". ويُمكن للمؤلف أن ينشر كتابه بنفسه، أو يتعاقد مع دار نشر إلكترونية تنشر له كتابه.

ميزاته
(1) تتجسد أكبر مزايا هذا النوع من النشر في خفض التكاليف؛ فيمكنك إنتاج مئات الآلاف من النسخ دون تكاليف طباعة و توزيع. (2) ولأنّ الأمر غير مكلف، فإن الناشر الإلكتروني لا يفرض معايير صارمة على المخطوطات المقدمّة، أي أنّ الكاتب الجديد الذي قد ترفض دور النشر الورقية نشر كتابه لديه فرصٌ أفضل مع الناشر الإلكتروني لأنه لن يخشى من خسارة مالية. (3) يُمكن توزيع الكتاب الإلكتروني إلى كلّ مكان في العالم بسرعةٍ شديدة بخلاف الكتاب الورقي. (4) لا تتطلب الكتب الإلكترونية مساحات كبيرة لتخزينها كما هو الحال مع الكتب الورقية، وهذا أمرٌ مقلق للناشرين. (5) يسمح الكتاب الإلكتروني بإدراج جميع أنواع الوسائط المتعددة كالصور والأفلام والتحريكات والأصوات لتعزيز المحتوى، وهذه ميزة رائعة لم تُستغل جيدًا بعد. (6) نسبة الأرباح التي يحصل عليها المؤلف من مبيعات الكتب الإلكترونية قد تصل إلى 70%، بينما لا تتعدى في الكتاب الورقي 15% (7) الكتب الإلكترونية أقل ضررًا بالبيئة.

نقائصه
(1) على الرغم من قلة التكاليف وزيادة نسبة أرباح المؤلف، إلا أن معدّل مبيعات الكتب الإلكترونية ما يزال ضعيفًا جدًا، حيث يُقدّر متوسط مبيعات الكتاب الناجح حوالي 500 نسخة فقط. (2) القارئات الإلكترونية والحواسيب ما تزال غالية الثمن وليست في متناول أغلب الناس، بخلاف الكتاب الورقي. (3) يمكنك قراءة الكتاب الورقي في أي مكان، بينما إن لم تكن تملك قارئًا إلكترونيًا أو هاتفًا محمولا مزودًا ببرنامج قراءة الكتب فلن يمكنك قراءة الكتب الإلكترونية إلا على حاسوبك المكتبي أو حاسوبك المحمول الذي لن تكون مرتاحًا لنقله معك أينما ذهبت. (4) القراءة الإلكترونية تتطلب إلمامًا بالتقانة، وهذا ما قد يستبعد شريحة كبيرة من الناس. (5) يتطلب النشر الإلكتروني تسويقًا كبيرًا للكتاب لأن القارئ لن يجده معروضًا في معارض الكتاب أو على واجهات المكتبات. (6) أسعار الكتب الإلكترونية حاليًا رغم انخفاض تكلفتها ليست أرخص بكثير من النسخ الورقية، وهو أمر غير مشجّع للقارئ. (7) الجهد المبذول لقراءة كتاب إلكتروني أكبر مما هو مع الكتاب الورقي، حيث يتطلب الأمر تشغيل الجهاز والضغط على الأزرار لتقليب الصفحات وتكبير الخط، إضافة إلى تحميل الكتب.

ونحنُ إذ نسرد هذه النقائص لا نتخذ بالضرورة موقفًا سلبيًا منها، والحقيقة أن سوق النشر الإلكتروني تتطور باستمرار، والأجيال الجديدة تقبل على الكتاب الإلكتروني أكثر من الأجيال السابقة، وهكذا فمن المتوقع أن تتغير الإحصائيات وبعض السلبيات المذكورة بعد سنين قليلة.

مازن حبيب..إلكترونيًا
خلال أيام معرض مسقط الدولي الخامس عشر للكتاب، كان هناك احتفاء مستمر ومهووس بالمؤلفات العمانية الجديدة، ما بين أخبار في الصحف والمواقع الإلكترونية، وحفلات توقيع، ومقابلات إذاعية وتلفزيونية، وأمسيات تدشين. كتّاب جدد وآخرون متحققون وآخرون يجرّبون، وكنا نستعد في كل لحظة أن نسمع عن كاتبٍ أو كتابٍ عماني جديد، ونستمع إلى النقاشات الدائرة بين الكتّاب عن دور النشر التي تعاملوا معها وانطباعاتهم واستيائهم أو رضاهم، والدور الجديدة المكتشفة. في خضمّ ذلك كله ودون سابق إنذار سمعنا عن كتابٍ جديد للقاص (مازن حبيب)، فاستغربنا أننا لم نجده في دور النشر المشاركة، حتى تبيّن لنا أن الكتاب إلكتروني غير مطبوع! وقد أثار ذلك أسئلة كثيرة حول هذه التجربة الجديدة، وتوقيت إصدار هذا الكتاب الإلكتروني بينما القراء كلهم منهمكون في أروقة معرض الكتاب.

كتاب "خارج مناطق الألم..مراعاة لفارق الجرح" عبارة عن يوميّات جاءت في 110 صفحات سجّلها المؤلف ما بين يناير 2007 و يناير 2009، تحدث فيها عن مشاهداته وانطباعاته وتأملاته الفلسفية والوجدانية. ومن أهمّ سمات الكتاب أنه واقعي يعكس حالات الإنسان المختلفة، فهناك الالتقاطات اليومية كأن يحدّثك عن عبدالكريم عبدالقادر أو رحلة بحثٍ عن فيلم، وهناك النظرة الفلسفية لأمور قد لا نقف عندها، وهناك الإسقاطات النفسية والاجتماعية على الحاضر أو الذكريات. كما تتجسّد الواقعية أيضًا في كتابة بعض اليوميات باللغة الإنجليزية، كون المؤلف يتقن هذه اللغة ويفكر بها أحيانًا (ولمعرفتي الشخصية بمازن كنت سأستغرب إن لم توجد يوميات إنجليزية في الكتاب). هذا وهناك أيام بل شهور كاملة لا نجد فيها أي يوميات، وهو أمر مُتوقع وطبيعي، حيث يمنعنا تقلب المزاج أو ظروف الحياة عن تدوين اليوميات، رغم أنّ هذه المساحات الفارغة قد تُشعر القارئ ببعض الإحباط. هو كتابٌ لطيف كتبه مازن حبيب بلغته السلسة الرشيقة والتقاطاته الذكية، تقرؤه في ساعةٍ أو نحو ذلك، إلا إن سمحتَ لنفسك بالتوقف للتفكير معه في ما يطرحه من أسئلة، أو استعادة ذكريات حركتها فيك ذكرياته.

عندما ننظر في تجربة مازن حبيب الإلكترونية نُلاحظ أنه استفاد من بعض المصادر والآليات المتعلقة بالنشر الإلكتروني. أوّل ما يلفت النظر ويستدعي التهنئة حقًا هو إنشاء إعلان مصوّر للكتاب، وقد أحسنَ مازن حبيب الاختيار حين ظهر في الإعلان داعيًا المشاهد إلى قراءة الكتاب، حيث إنّ ظهور المؤلف هكذا يخلق نوعًا من التواصل الافتراضي الحميم بين الكاتب وقارئه. ولقد راجت إعلانات الكتب المصوّرة مؤخرًا وخاصة في الغرب، وفي رأيي هي وسيلة إعلانية مُبدعة تعدّت حاجز الإعلانات التقليدية المطبوعة. من جهة أخرى حرص مازن على حفظ حقوقه مؤلفًا وناشرًا للكتاب، وذلك بإدراج صفحة في بداية الكتاب تشير إلى هذه الحقوق، إضافة إلى أن الكتاب جاء في صيغة (PDF) بحيث لا يسهل نسخ جزء من المحتوى ونقله. هذا واستفاد مازن من إمكانية إدراج الصور الملوّنة بسهولة، حيث نجد في إحدى اليوميات غلافا لفيلم يتحدث عنه.

ولكي لا يكون حديثنا مجرّد مديح وثناء، لا بدّ أن نسلّط الضوء على الجوانب الأخرى التي لم يستفد منها مازن حبيب في تجربته الأولى هذه. أولا، مع ثنائنا على استخدام فكرة الإعلان المصوّر، إلا أنّ من يعرف مازن حبيب السينمائي الذي أخرج أفلاما قصيرة لا بد يتوقع منه أكثر من ذلك بكثير، فتصوير إعلانٍ بسيط بهذه الطريقة قد يتناسب مع كاتبٍ آخر ولكنه أقل من المتوقع بالنسبة إلى سينمائي. ثانيًا، من الغريب أن المصمم عبدالباسط المعمري استخدم غلافًا بالأبيض والأسود في كتابٍ إلكتروني، في حين كان يمكن استخدام ألوانٍ تشدّ الانتباه نظرًا لغياب كلفة الطباعة. ثالثا، لم نلاحظ جدية مازن حبيب في تسويق كتابه إلكترونيًا، وهذا من أهم المتطلبات في النشر الإلكتروني. كان يُمكن لمازن مثلا أن ينشر إعلانات في المنتديات والمدوّنات العمانية كمرحلةٍ أولى حتى يصل الكتاب إلى أكبر عددٍ من القراء الإلكترونيين.

هي في الحقيقة تجربة جريئة جدًا خاصة في مجتمعاتٍ لم تعتد بعد على القراءة الإلكترونية. وأذكر أنني قرأتُ في منتدى من المنتديات الإلكترونية نقلا عن مازن حبيب أنه خاض هذه التجربة لعدم رضاه عن توزيع الكتب الورقية، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل سيكون توزيع كتاب مازن حبيب أفضل من توزيع دور النشر الورقية؟ أتطلع حقًا إلى انطباعات مازن عن هذه التجربة لاحقًا، وأتطلع أكثر إلى معرفة الأثر الذي ستتركه هذه التجربة على الكتّاب العمانيين الآخرين. سؤال أخير: في ظلّ تراجع نزعة التدوين الإلكتروني بين العمانيين، هل سنشهد موجة من الإصدارات الإلكترونية الجديدة للعمانيين، خاصة بين الكتّاب الجدد؟

الأربعاء، 31 مارس، 2010

تغييب الأنثى ما بين الأسطورة والواقع: عرض لرواية "حفلة الموت"




كتبتُ مقالا فيما مضى عن روايةٍ أميركية من روايات الخيال العلمي بعنوان "Sandstorm" تدور أحداثها حول أسطورة "أوبار" في جنوب عُمان، واستغربتُ حينها أنّ العمانيين أصحاب هذا الإرث لم يوظفوه في عملٍ أدبي، بينما جاء كاتب أميركي واستخدمه إبداعيًا. وقبل أيامٍ كنتُ أتحدث مع أحدهم فذكر لي حكاية ذات نكهةٍ أسطوريةٍ شعبيةٍ حدثت في عائلته وأكاد أجزم أنها متكررة في الذاكرة الشعبية العمانية، وهي تصلحُ بامتيازٍ أن تكون قصة قصيرة أو أساسًا لرواية ممتعة. لا شكّ لديّ في أنّ المخزون الشعبي العماني يحفلُ بعشرات الحكايات والأساطير التي تنتظر التوظيف الأدبي بطريقةٍ أو بأخرى. في هذا المقال نتحدث عن أحد الأعمال الأدبية التي استخدمت أسطورة عمانية شعبية هي "المغايبة" (أولئك الذين يأخذهم السحرة ثم يعودون إلى حياتهم) وتناولتها بطريقة جديدة، وهي رواية "حفلة الموت" لـ(فاطمة الشيدي) التي صدرت عام 2009 عن دار الآداب في 152 صفحة. والمؤلفة ناقدة وأكاديمية عُمانية لها دراسات نقدية كما أنها شاعرة أصدرت ثلاثة دواوين شعرية. وسنرى أنّ الرواية التي نحن بصددها تعكس شخصية المؤلفة، حيث الحضور الشعري الطاغي، وحيث التوظيف الإبداعي لمفردات الثقافة الشعبية أو إخضاعها للدراسة والتحليل، وهو ما يُنتظر حقًا من الأكاديميين.

أولُ ما يشدّ الانتباه في هذه الرواية غلافها، حيث نصطدم بعنوانٍ محيّر، ولوحةٍ فنية مثيرة . أما العنوان فكان اختياره موفقًا جدًا لجذب القارئ، إذ ما الذي يُمكن أن يجمع بين الاحتفال والموت؟ وأما اللوحة فنرى فيها رجلا وامرأة كل منهما إلى طريق مختلف، الرجل واضح المعالم نسبيًا واضح الألوان، أما المرأة فلا نرى منها إلا السواد، كأنها ظل، كأنها كائن بلا روح. وبين الرجل والمرأة نجد قطًا أسود له عينان برّاقتان ينظر مباشرة إلى القارئ. حقيقة لا أعرف هل تُعتبر هذه اللوحة موفقة أم لا، فهي من ناحية تهيئ القارئ للمناخ العام للرواية، إلا أنها -مع الغلاف الخلفي- تشي بأكثر مما ينبغي.

جاءت هذه الرواية القصيرة في 15 فصلا تتوزع أحداثها ما بين نزوى ومسقط والبحرين ولندن. تبدأ الرواية من الحاضر في جامعةٍ بحرينية حيث تتولد شرارة حبٍ بين بطلة الرواية الطالبة العمانية (أمل) ورئيس جماعة الفنون التشكيلية في الجامعة (أحمد الريّان). وتنجحُ المؤلفة في إثارة القارئ وتشويقه منذ الصفحات الأولى وفي سطورٍ بسيطة يُفهم منها أن هناك ماضٍ في حياة (أمل) يقف في وجه هذا الحب الوليد، حيث تقول: "أيها المجنون لا تلاحقني...ابتعد عني، فالمستحيلات في عمري أكثر من الغول والعنقاء والخلّ الوفي...يا إلهي، احمني منه، واحمه مني" (ص10-11). ورغم وعي البطلة بهذه المستحيلات إلا أنه وكالعادة في قصص الحب الجامعية تأبى هذه المشاعر إلا أن تتحقق في علاقة حب لا تعترف بحواجز ولا تنظر إلى مستحيلات. ومن هذا الحاضر نعود إلى الماضي لنكتشف السرّ الكبير في حياة (أمل) وما يشكله من عوائق لعلاقة حبها بأحمد. وبعد انتهاء الدراسة تعود أمل إلى عمان ويقلّ تسارع الأحداث ليدخلَ القارئ في حديث ذاتي طويل تسترجع فيه أمل الذكريات وتقرأ الواقع، ثم تسافر إلى لندن للدراسة ويبدأ تسارع الأحداث إلى أن تنتهي الرواية هناك في بلد الضباب.

من حيث البناء السردي اختارت المؤلفة أن تُروى الرواية من أولها إلى آخرها بصوت البطلة أمل، وهو خيارٌ مفيد جدًا للرواية حيث إن القارئ لا بد يتشوق لأن يرى الأشياء كما رأتها وشعرت بها صاحبة التجربة أو الضحية. ويُلاحظ في الرواية ندرة الحوار، واعتماد المؤلفة على المناجاة الذاتية "المونولوج". وعلى الرغم من المتعة التي تحققها هذه المناجاة في سردٍ لتجربةٍ أليمة تكشف صراع النفس مع الآخرين ومع ذاتها، إلا أن المؤلفة ربما بالغت في استخدامها حيث نجد صفحاتٍ طويلة لا يقطعها إلا سطران أو ثلاثة من الحوار، مما يسبب نوعًا من الرتابة.

ولا بدّ لنا من الاعتراف بالطريقة الجميلة التي تناولت بها المؤلفة أسطورة "المغايبة"، حيث يجد القارئ سردًا لعملية "التغييب" يُشبع قدرًا من فضوله، ويضفي على الرواية جوًا غرائبيًا ممتعًا، بدءًا من رؤية "المعلّم" للفتاة ثم سرقتها ثم إدخالها في تلك الطقوس الشيطانية وانتهاءً بعملية إعادتها إلى الحياة. ولقد أجادت المؤلفة في وصف كل ذلك و التبعات الغرائبية لاحقًا في الرواية لتكسر رتابة الأحداث. وبعد أن تصل المؤلفة بالقارئ إلى قمة الترقب والاندماج مع هذا الجو الأسطوري تختتم الرواية بحدثٍ غير متوقع، قد يكون رسالة جريئة من المؤلفة سيقف عندها القارئ -العماني خصوصًا- وقفة طويلة مُسائلة.

وفي الحقيقة فإن قضية "المغايبة" ليست الثيمة الرئيسة في الرواية أو مرتكزها الأساسي، فكان يُمكن استبدال هذا المكوّن الأسطوري بقضية اجتماعية أخرى تقف عائقًا أمام أحمد وأمل. في رأيي هذه الرواية نسوية بامتياز، وما جاء استخدام "المغايبة" إلا رمزًا لخدمة هذه الثيمة. فالتغييب الأسطوري رمز للظلم الواقع على المرأة من سلطة المجتمع الأبوي وسلطة من يتحدثون باسم الدين ومن النظرة الاجتماعية القمعية العنصرية، ورمز لتغييب المرأة فكريًا واجتماعيًا واختصارها إلى مادة للمتعة. نجد البطلة تهاجم الرجال بكل قسوة، تصفهم أحيانا بـ"حيوانات كأبي وعمومتي وجميع أبناء البلدة" (ص13) وأن كلا منهم "نخاس يبحث عن جارية لبيته" (ص13) و "لا يعرفون سوى الطعام والجنس ودور السيادة" (ص91)، ثائرة على كل ذلك حيث تقول لأمها "لن أتزوج أي حمار ورث النهيق، كما ورث كل صفات الرجولة المزعومة" (ص90)، مستنكرة موقف النساء الراضيات بهذا الدور، وفي أواخر الرواية في رسالة إلى حبيبها تصف ما تنتظره من الرجل في معاملته إياها. هي رواية النساء المظلومات المخدوعات المقهورات، بدءًا من "العبدة" التي انتهك الشيخ شرفها ثم اضطر لتزوجها، وانتهاءً بزميلات أمل في لندن اللائي يشتكين من رجالهنّ. وسيلاحظ القارئ بوضوح أن الشخصيات الذكورية في الرواية سيئة جدًا ، فهناك الساحر، وهناك الأب السيد السجّان القاتل، وهناك الخائن والمتحرش جنسيًا والعنصري، أما الاستثناءات فهي خارج بلدة البطلة: الحبيب في البحرين، والزميلان في مسقط، والطبيب في لندن.

وأما عن الاستخدام اللغوي في الرواية فيمكن الحديث عنه في عدة نقاط. أولا، نجد أن اللغة مُغرقة في الشعرية، وهذا بالطبع مُتوقع وليس بغريب على شاعرة مثل فاطمة الشيدي، ومن استمتعَ بروايات أحلام مستغانمي ومحمد حسن علوان مثلا سيجد نشوة لغوية كبيرة في هذه الرواية، حيث سيقرأ مقاطع بديعة من قبيل "فأن تكون كائنًا متألها بالحزن والجنون معًا، صوتًا متفردًا ومقدودًا من جرح شهي على ناصية موت في الآن ذاته، فتلك معادلة غير عادلة!" (ص31). ونحن إذ نعترف بهذه اللغة الجميلة لا بد أن نشير إلى أنّ فاطمة الشيدي الشاعرة طغت على الروائية، فانعكس ذلك في لغةٍ حالمةٍ متكلفة غير واقعية أحيانًا وغير مقنعة في سياقها خاصة في بعض الحوارات. فمثلا في بداية حوار بين الحبيب والحبيبة يسألها قائلا: "أيتها الأمل مذ رأيتكِ رأيت يدَ الله مفتوحة لتقدم لي الحياة، وتنهي رحلة البحث..كيف هي غاليتي؟" فتجيبه: "متصدعة كأرض جرفها الوادي وتشققت أخاديد وصدوعًا، متكسرة كمرآة حجرتي القديمة، متبعثرة كوجهي في تلك المرآة" (ص65)، وهذه لغة تبدو أقرب إلى فاطمة الشيدي منها إلى أمل أو أحمد. ثانيا، استخدمت المؤلفة اللغة العامية في الحوارات كي تضفي واقعية للنص وتمثيلا للمكان والثقافة التي تنتمي إليها الشخصية المتحدثة، إلا أنّ هذا الاستخدام كان مرتبكًا وغير دقيق. فمثلا اللغة التي يستخدمها أحمد لا تمثل جنسيته البحرينية أو لهجة أمه العراقية خير تمثيل، بل إن هناك كلمات يستخدمها هي أقرب إلى الكويتية مثل "مو الشكل، طيبين حيل، يا معودة". هذا ولا نجد في كلام أمل ووالدتها وأهل نزوى ما يمثل لهجة المنطقة الداخلية، بل هناك كلمات من مناطق أخرى في عمان مثل "شو؟ [أي ماذا؟]" و "مًشِي [أي لا يوجد]"، فهل هذه اللهجة العمانية البيضاء التي تجمع بين مناطق عمان مقصودة لغرض أرادته المؤلفة؟ أما الملاحظة الأخيرة فهي محاولة الكاتبة المزج بين العامية والفصحى في الحوارات، وهي تقنية استخدمها روائيون آخرون بطريقةٍ رائعة في مستوى وسطٍ بين العامية والفصحى، إلا أن المؤلفة لم تُوفق كثيرًا في هذا الاستخدام بسبب عشوائيته وعدم ثباته، حيث تُقحَم العامية في موضع، وتختفي تمامًا في مواضع أخرى في الرواية دون معيار واضح أو ثابت.

ختامًا نقول بأنها بداية روائية جيدة وظّفت أسطورةً عمانية لخدمة ثيمتها بصورة فريدة، وكان يُمكن أن تكون أكثر إمتاعًا وأكثر إقناعًا لو ابتعدت عن المباشرة في طرح القضية النسوية التي جاءت في بعض المواضع فيما يشبه الخطابات النسوية التي ألفناها في الكثير من المقالات والخواطر الأدبية وأشعار نزار قباني.

الأربعاء، 17 مارس، 2010

أن تكون قويا دون دبابات: عرض كتاب "القوة الناعمة"



لا بد أنك سمعتَ يومًا من أشخاصٍ أنّ الغربَ يحاول تدمير هوياتنا وقِيَمنا وديننا بما يصدّره لنا من "فجور وفساد"، أو سمعتَ المثقفين وهم يتحدثون عن الغزو الثقافي الغربي بنظرية المؤامرة وما إلى ذلك، إلا أننا نادرًا ما نجد من يحاول تحليل هذه الإطروحات وفق نموذج تفسيري إو إطار نظري واضح وموضوعي نفهم به الأمر كله في سياقه التاريخي والسياسي، إلى أن ظهر لنا (جوزيف س. ناي) بمصطلح "القوة الناعمة" عام 1990. وفي هذا المقال نستعرض كتابه الأخير "القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية" الصادر عام 2004، في ترجمته العربية التي أنجزها (محمد البجيرمي) وصدرت عن مكتبة العبيكان عام 2007. والمؤلف ليس مجرد مفكرٍ أو محلل سياسي، فهو عميد كلية كيندي للدراسات الحكومية في جامعة هارفارد، وكان رئيس مجلس المخابرات الوطني و مساعد وزير الدفاع في أميركا.

ولقد جاء هذا الكتاب ليوضّح مفهوم "القوة الناعمة" ويطوّره ويوضّحه بالأمثلة لأنّ الناس قد أساؤوا فهمه واستخدامه، وحصروه في نظرة سطحية لا تتجاوز تأثير الماكدونالدز والأفلام وتقاليع الأزياء وما إلى ذلك. أما التعريف الذي يضعه في الكتاب للقوة الناعمة فهو "القدرة على الحصول على ما تريد عن طريق الجاذبية بدلا من الإرغام أو دفع الأموال" (ص12)، وهكذا فهي تختلف عن القوة الصلبة المكونة من العتاد العسكري والثراء الاقتصادي واستعمالهما بالتهديد بالعقوبات أو الاستمالة بالمساعدات. أن تمتلك قوة ناعمة يعني أن تجعل الآخرين يعجبون بك ويتطلعون إلى ما تقوم به فيتخذون موقفًا إيجابيًا من قِيَمك وأفكارك وبالتالي تتفق رغبتهم مع رغبتك.

يبدأ الفصل الأول بتأصيل مفهوم القوة الذي يكثر الحديث عنه ويقل فهمه، وهو كما يقول المؤلف عبارة عن القدرة على التأثير في سلوك الآخرين للقيام بعملٍ ما يتفق مع ما نريده. بعد ذلك ينتقل الحديث إلى القوة السياسية الناعمة بالنسبة للدول، ليوضح أن بلدًا ما قد يكون قويًا ذا تأثيرٍ في السياسة الدولية "لأن هناك بلدانا أخرى-معجبة بمُثُله، وتحذو حذوه، وتتطلع إلى مستواه من الازدهار والانفتاح-تريد أن تتبعه" (ص24). وهكذا نفهم أنّ القوة الناعمة تعتمد على قدرة الدولة في صياغة رغبات الآخرين بعد أن تكون بمثابة قدوةٍ لهم يتبنون قِيَمها وأسلوب حياتها. ومن أهم مزايا القوة الناعمة أنها تغني عن استخدام أسلوب العصا والجزرة، وهناك دول لا تمتلك قوة عسكرية أو اقتصادية كبيرة، إلا أنها تتمتع بقوة ناعمة بسبب مشاركتها في قضايا عالمية جاذبة مثل محادثات السلام ومبادرات الحفاظ على البيئة ومكافحة الأمراض والأوبئة. ولكن ذلك لا يعني بالطبع التقليل من أهمية القوة الصلبة.

أما الفصل الثاني فقد يكون الأكثر إمتاعًا حيث يستعرض فيه المؤلف العديد من العوامل التي يمكن أن تكون مصادر ثرية للقوة الناعمة الأميركية. فمثلا تحتوي أميركا على 62% من أهم العلامات التجارية في العالم، وبها 28% من جميع الطلاب الدارسين خارج بلادهم، وهي أكثر دولة تستقطب المهاجرين وتنشر الكتب والمؤلفات الموسيقية وتنتج البحوث العلمية، إضافة إلى كونها أهم مصدّر للأفلام والبرامج التلفزيونية. ولكن المؤلف لا يقف هنا بل يذكر أيضًا العوامل المنفرة من أميركا، ويوضّح أن وجود تلك المصادر الجاذبة لا يعني بالضرورة إنتاج قوة ناعمة متحققة، لأنها يجب أن تتناغم مع جاذبية السياسة العامة للبلد، فمثلا رغم الإعجاب الجماهيري العالمي بعلوم أميركا وتقانتها وأفلامها وموسيقاها إلا أنها خسرت كثيرًا من جاذبيتها في حرب فيتنام وعند غزو العراق عام 2003.

ومن أهم ما تحدث عنه المؤلف دور الثقافة النخبوية في إنتاج القوة الناعمة، فعرض على أهمية المبادلات الأكاديمية والعلمية وكيف أن الكثير من العلماء السوفييت الذين زاروا أميركا قد تأثروا بالأفكار الأميركية وأصبحوا لاحقًا ناشطين في حركات حقوق الإنسان في الاتحاد السوفييتي. بعد ذلك تحدث عن دور الثقافة الشعبية المتمثلة في الأفلام والأغاني والرياضة وما إلى ذلك مما يبثّ القيم الأميركية حتى وإن بدت سطحية مبتذلة، ولا يمكننا أبدًا التقليل من تأثير هوليوود "فالصور كثيرًا ما تنقل القيم بصورة أقوى مما تفعل الكلمات، وهوليود هي أكبر مروّج ومصدّر للرموز البصرية" (ص82). ويشير المؤلف إلى أنّ هذه الثقافة الشعبية هي التي تغلبت بقيم الحرية والديمقراطية والليبرالية والشبابية على مدّ الفكر الشيوعي، وهي التي اخترقت جدار برلين بزمن طويل قبل سقوطه. وفي الصين يذكر الكاتب مثالا إحدى المُعارِضات التي كانت تدندن بأغاني (بوب ديلان) في رأسها عندما تُجبر على الاستماع إلى الخطب الشيوعية، وكذلك أفلام هوليود المهربة التي دغدغت رغبة الشباب الصيني في إحداث التغيير والانفتاح السياسي. وتجدر الإشارة إلى أنّ الإعجاب بالقيم الأميركية لا يعني الرغبة في تقليد أميركا، فهناك ملاحظات سلبية كثيرة على الممارسة الأميركية لهذه القيم خاصة لدى المجتمعات التي تهتم بالقيم الأسرية والاجتماعية.

ولكن أميركا ليست الرائدة في كل نوعٍ من مصادر القوة الناعمة، وهذا ما يوضحه الفصل الثالث حين يتحدث عن الدول الأخرى مثل الاتحاد السوفييتي الذي كان له تأثير كبير تقوّيه الأحزاب الشيوعية في مختلف مناطق العالم، وكان ينفق كثيرًا لنشر ثقافته وفنونه ويشارك في القضايا الإنسانية الجذابة، إضافة إلى تقدمه العلمي الكبير. أما المنافس الحالي الأقوى لأميركا فهي أوروبا، حيث الفنون والآداب والأزياء والأطعمة الأوروبية تتمتع بجاذبية عالمية طاغية، إضافة إلى أن الدول الأوروبية تحتل المراكز الخمسة الأولى في عدد جوائز نوبل في الأدب، والمراكز العليا في مبيعات المؤلفات الموسيقية ونشر الكتب. هذا وتنفق جميع الدول الأوروبية أكثر مما تنفقه أميركا على مساعدات التنمية الدولية والدبلوماسية العامة، بالإضافة إلى جاذبية أوروبا كونها تميل للسلم وتدافع عن قضايا حقوق الإنسان وحفظ البيئة وغير ذلك، وكونها ذات خبرة أكبر وأفضل من أميركا في إدارة المؤسسات متعددة الجنسيات. بعد ذلك يتحدث المؤلف عن آسيا وخاصة اليابان التي لها قوة ناعمة كبيرة بسبب كونها صاحبة أكثر براءات اختراع في العالم، ورائدة الصور المتحركة وألعاب الفيديو، واحتلالها المركز الثاني في بيع الكتب والموسيقى وصادرات التقانة العليا واستضافة المواقع الإلكترونية، مع الإشارة إلى المستقبل الباهر الذي ينتظر الصين والهند. ويختتم المؤلف هذا الفصل بالحديث عن المؤسسات غير الحكومية التي تتمتع بقوة ناعمة كبيرة مثل المنظمات الحقوقية والشركات عابرة القومية، خاصة وأنها تستفيد الآن من الثورة المعلوماتية والاتصالات.

وأما الفصل الرابع فقد ركّز على إتقان استخدام القوة الناعمة، كما فعلت فرنسا حين نشرت لغتها وآدابها في الخارج في القرن التاسع عشر. ومن الأمثلة الهامة والمثيرة مكتب الخدمات الإستراتيجية في أميركا الذي كان يعمل على "نشر المعلومات المضللة...[و] تشكيل منتجات هوليود لتصبح أدوات دعاية فاعلة، واقتراح إضافة أشياء أو حذف أشياء، وحرمان أفلام أخرى من الرخصة" (ص153). ثم تحدث المؤلف عن تراجع الاهتمام الأميركي باستثمار القوة الناعمة مع مرور السنين إلى أن جاءت أحداث 11 سبتمبر حين بدأ الأميركان بمراجعة أنفسهم. وينصح المؤلف بأن تهتم أميركا بنشر صورة حسنة عن نفسها في العالم وعدم الاعتماد على أصدقائها من الحكّام، فغالبية الدول الآن تنتهج الديمقراطية ولديها برلمانات وجماهير تؤثر في السياسات الدولية. ولعلاج ذلك يقترح المؤلف استخدام ثلاثة أبعاد للدبلوماسية العامة وهي (1)الاتصالات اليومية، أي توضيح السياسات المحلية والخارجية عبر الإعلام، (2) الاتصال الاستراتيجي، أي الحملات السياسية الدعائية المركزة، (3) العلاقات الدائمة مع الشخصيات، وذلك عبر المنح الدراسية والمبادلات الأكاديمية والتدريب والمؤتمرات، على أن تتماشى هذه الأبعاد مع السياسة العامة للبلد لزرع صورة إيجابية. ويخصص المؤلف جزءًا للحديث عن الشرق الأوسط وصعوبة استخدام القوة الناعمة فيه لأسباب عديدة منها الفوارق الثقافية الكبيرة بين أميركا والشرق الأوسط ونزعة العداء لأميركا. رغم ذلك فهناك جوانب كثيرة من الثقافة الأميركية يحبها الشرق الأوسط تُعدّ أساسًا جيدًا للقوة الناعمة إلا أنّ أميركا أثبتت فشلها في استغلال هذه الفرص. لذلك فقد وضعت لجنة استشارية بعض التوجيهات لزيادة قوة أميركا الناعمة في البلاد العربية الإسلامية مثل إنشاء المكتبات وترجمة الكتب الغربية إلى العربية وزيادة المنح الدراسية والزيارات الأكاديمية، ويشدّد المؤلف على ذلك بقوله إن "أهم شيء هو تطوير استراتيجية بعيدة الأمد للمبادلات الثقافية والتعليمية التي تنمي مجتمعًا مدنيًا أغنى وأخصب وأكثر انفتاحا في بلدان الشرق الأوسط. إن أكثر الناطقين باسم أميركا فاعلية وتأثيرًا ليسوا هم الأميركيين، بل وكلاؤهم المحليون من أهل البلاد الأصليين الذين يفهمون فضائل أميركا وعيوبها كذلك" (ص181).

وأما الفصل الأخير من الكتاب فمخصص للحديث عن العلاقة بين السياسة الخارجية الأميركية والقوة الناعمة، وقد بيّن فيه المؤلف كيف أن هذه السياسة "المكروهة" أدت إلى انحدار القوة الناعمة وتناقص أثر الثقافة الشعبية الأميركية في العالم في مقابل تزايد الإقبال على الثقافات الأخرى والفاعلين الآخرين، مثل تنظيم القاعدة الذي زادت قوته الناعمة إثر معاداة أميركا. ويحذر المؤلف من تجاهل القوة الناعمة ويستنكر أن أميركا تنفق على القوة العسكرية أكثر من الناعمة ب17 ضعفًا. يناقش المؤلف الطريقة التي يجب التعامل بها مع القوة الناعمة مقدمًا نصائح مبنية على قراءة الأوضاع التي وصلت لها السياسة الخارجية الأميركية.

هو كتابٌ من أهم الكتب التي قرأتها مؤخرًا، مكتوب بأسلوب سهل ممتع ومدعّم بالأمثلة الواقعية التي تجعلك تفهم الأثر الذي تتركه المنتجات الحضارية في السياسة الدولية.

الأربعاء، 10 مارس، 2010

الترجمة في عصر النهضة العمانية


(نُشرت هذه الورقة في كتاب "وفاء الكلمة" الذي تم تدشينه في معرض مسقط الدولي للكتاب عام 2010 بمناسبة مرور 40 عاما على النهضة العمانية الحديثة)

مقدمة
تحكي الأسطورة أنّ البشر كانوا يتحدثون لغةً واحدة، وأنهم سكنوا أرضًا تُسمى (شنعار)، فأرادوا أنْ يعبّروا عن وحدتهم هذه ببناء مدينةٍ و برجٍ شاهقٍ رأسهُ في السماء، فشاء الربّ لحكمةٍ أرادَها أن يشتتهم ويبلبل ألسنتهم، فدمّر البرجَ عليهم وبدّدهم، فتوقفوا عن البناء وتفرقوا في الأرض كما تفرقت لغاتُهم. وسُمِّيَ البرجُ "برجَ بابل" لأنّ بتدميره تبلبلت ألسنةُ البشر. ولكي يستطيع البشرُ أنْ يتفاهموا ويقيموا بينهم شتى أنواع العلاقات الإنسانية كان لا بد لهم من وسطاء يسهّلون التواصل بينهم، وكان هؤلاء الوسطاء هم المترجمون. وهكذا فكما أنّ برج بابل رمزٌ لانهيار الوحدة اللغوية، فهو في الوقت نفسه رمزٌ لنشوء وظيفة الترجمة في المجتمع.

ونحن إذ نسوق هذه القصة لا ندعو إلى تصديقها بالطبع، وإنما هي أسطورة نستشهد بها لنمثّل على السياق الذي تظهر فيه الترجمة وتنمو داخله. وعندما ننظر إلى القصة هذه بعينٍ فاحصة فإننا نُدرك بأن الترجمة فعلٌ اجتماعي لا ينحصر في العملياتِ اللغوية، بل هو ضرورة تفرضها التعددية الإنسانية بلغاتها وثقافاتها وحاجتها إلى التواصل والتعارف والتبادل بكافة أشكاله. ولا يخفى على أحدٍ ما للترجمة من أهميةٍ حضارية، فعن طريقها تستوردُ الحضارةُ ما تحتاجُ إليه من علوم ومعارف وآداب وفنون، وبها تصدّر نفسها وهويتها ومعارفها، وبها ترى نفسها بعيون الآخرين، وبها يتحقق التواصل الإنساني بمختلف مجالاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية، إلى غير ذلك من الأدوار التي تؤديها الترجمة. ومعروفٌ ما كان للترجمة من مكانةٍ في الحضارة الإسلامية التي احتاجت في بداياتها إلى استيراد التراكم المعرفي اليوناني والاستفادة منه في مسيرتها نحو الإنتاج والتفوق الحضاري، والدورُ الحيوي الذي قامت به الترجمة لتأسيس النهضة الغربية الحديثة إثر نقل ما أنتجته الحضارة الإسلامية. وهكذا يصحّ القولُ بأن نهضة الأمم وتقدّمها ينعكسان على ما توليه أمةٌ ما للترجمة من اهتمام ورعاية.

ولمّا كانت للترجمة مثل هذه الأهمية في الصحوات الحضارية، فإننا إذ نحتفل في هذا الكتابِ بمرور 40 عامًا على النهضة العمانية المباركة، يتعيّن علينا النظر في وضع الترجمة في عُمان وتتبع مسيرتها وتطورها. وحتى نقف على هذا الأمر من جميع جوانبه سنعرض نبذة تاريخية قصيرة تمهيدًا لحديثنا عن الترجمة في عصر النهضة، والذي سيتطلب منا أن نقسّمه إلى ما يمكن أن نسميه "مشاهد" يتركز كل منها في بُعدٍ محدد من أبعاد نشاط الترجمة في عُمان. وتجدرُ بنا الإشارة هنا إلى أن هذه المهمة تشوبها بعض المصاعب نظرًا لغياب الدراسات والإحصائيات، خاصة فيما يتعلق بالفترات التاريخية القديمة. وهكذا فإن ما سيتم عرضه في الفقرات اللاحقة أقرب إلى أن يكون قراءة في الواقع المُعاش منه إلى التوثيق المستند إلى إحصائيات وبيانات منشورة.

الترجمة في عمان عبر التاريخ
على الرغم مما أشرنا إليه في المقدمة من ندرة الوثائق التاريخية وشبه غياب الدراسات التي تشير إلى دور الترجمة في عمان في العصور القديمة، إلا أن بحوزتنا عددًا من المعطيات التاريخية التي تمكننا من طرح بعض الفرضيات حول وجود الترجمة وممارستها في عُمان قديمًا. ونسوق للقارئ الكريم هنا هذه الاستنتاجات التي خلصُ إليها الباحث الدكتور عبدالله الحراصي في دراسةٍ هي الوحيدة في هذا الموضوع على حدّ علمنا.(1)

ذكرنا في المقدمة أنّ الترجمة تنشأ في نقاط التلاقي بين المجموعات البشرية بتعدد لغاتها وثقافاتها وحضاراتها، ولا شكّ في أنّ الدول لا يمكنها بحالٍ من الأحوال أن تعيش بمفردها منعزلة انعزالا تامًا عن الدول الأخرى في العالم، خاصة المحيطة بها. ولو نظرنا إلى موقع عُمان الجغرافي سنجده مطلا على عددٍ من الحضارات الأخرى؛ فمن ناحية الشمال توجد الدولة الفارسية، ومن ناحية الشرق خلف المحيط الهندي توجد الهند والصين، ومن ناحية الجنوب توجد إفريقيا، إضافة إلى قرب تأثير الحضارتين المصرية والرومانية. ومعلومٌ تاريخيًا أنّ عُمان اتصلت بهذه الحضارات سياسيًا واقتصاديًا، وهكذا فمن المنطقي أن نستنتج من هذا الموقع الجغرافي أنّ العمانيين قد مارسوا الترجمة أيا كان شكلها للقيام بهذا التواصل.

وإن حاولنا تتبع تاريخ عُمان القديم سنجد أنّ العمانيين الأوائل عندما نزحوا إلى أرض عمان بعد انهيار سد مأرب عقدوا نوعًا من المعاهدات مع الفرس الذين كانوا يسكنون هذه الأرض، وأنّ دولة اليعاربة قد عقدت اتفاقيات مع دولٍ أخرى أيضًا، مما لا يدع مجالا للشك بأن شكلا من أشكال الترجمة لا بدّ أن يكون قد أتاح هذا الاتصال. ومن الثابت تاريخيًا أيضًا اتجار العمانيين في شبه القارة الهندية، مما يحتّم ممارسة الترجمة لإنجاز المعاملات التجارية وللتواصل بين التجار العمانيين ونظرائهم من الهنود وغيرهم.

أما في فترة حكم آل بوسعيد، وخاصة في عهد السيد سعيد بن سلطان في النصف الأول من القرن التاسع عشر فتوجد وثائق تاريخية تشير إلى وجود الترجمة لإعداد المراسلات بين الدولة العمانية والدول الأخرى. وتشير المصادر التاريخية إلى أن السيد سعيد ابتعث عددًا من العمانيين إلى الهند لدراسة اللغة الإنجليزية كي يصبحوا مترجمين لديه يعملون على إنجاز المراسلات وترجمة الوثائق. هذا ويبدو أن توظيف المترجمين في بلاط السلطان لم يتوقف، حيث تشير المصادر إلى مترجمين آخرين في عهد السيد تركي بن سعيد بن سلطان.

كانت هذه استنتاجات ومعلومات سردها الدكتور عبدالله الحراصي في دراسته الوحيدة، إلا أنه ما تزال هناك حاجة ملحة للقيام بدراسات حول ممارسة الترجمة في تاريخ عمان، خاصة فيما يتعلق بفترات نفوذ الدولة العمانية في شرق إفريقيا وجوادر ومكران وساحل فارس.

الترجمة في عُمان في عصر النهضة
إن الترجمة لا تنمو أو تزدهر إلا في ظل الانفتاح والتواصل مع الآخر، أما في حالات الجنوحِ إلى الانعزال فإن المجتمع ينكفئ على نفسه ولا يحتاج إلى وساطة بينه وبين مجتمعات أخرى. إذن فما من شكّ في أن النهضة العمانية التي أقامها في عام 1970 حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد حفظه الله ورعاه قد شهدت نشاطًا ترجميًا فرضه الواقع الجديد المنفتح على الآخر والراغب في اللحاق بركبه. وعندما ننظر في تطوّر هذا النشاط في عُمان الحديثة نجد أنه من الضروري تقسيمه إلى فترتين: (1) من 1970 إلى 2002، و (2) ما بعد 2002 حتى الآن، وذلك لوجود طفرة نوعية تحتّم علينا هذا التقسيم.

1970-2002
اتسم الإنتاج الترجميّ العماني في هذه الفترة بالمبادرات الفردية والجهود الحكومية المتفرقة؛ حيث قامت المؤسسات الحكومية المختلفة بإنجاز ترجمات في مجالاتها التخصصية، وسادت الترجمات التي تُعنى بكل ما يتعلق بعمان من تاريخ وجغرافيا وزراعة وآثار وموسيقى ومعادن وما إلى ذلك. ولعلّ أوفر هذه الجهود من نصيب وزارة التراث والثقافة، حيث نشرت في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي العديد من الترجمات المتعلقة بتاريخ عمان وتراثها مما كتبه الباحثون والرحّالة والمؤرخون الغربيون. ولا بد هنا من الإشارة إلى المترجم العماني (محمد أمين عبدالله) وهو أحد أهم المترجمين العمانيين، حيث ترجم العديد من الكتب التي نشرتها وزارة التراث والثقافة.

وإلى جانب هذه الترجمات التي كانت تصدرها الوزارات والمؤسسات الحكومية كانت هناك مبادرات فردية لترجمة كتبٍ كانت جميعها على حدّ علمنا تتعلق بعمان من قريب أو بعيد(2)، باستثناء كتابٍ واحدٍ في الدراسات السينمائية(3). وبالإضافة إلى ترجمة الكتب كانت هناك ترجمات أدبية وثقافية قليلة تنشرها الصحف والمجلات العمانية من وقتٍ لآخر.

ما بعد 2002
ظلت المؤسسات الحكومية ودور النشر الخاصة تصدر الكتب المترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية وبالعكس، وظلّ التركيز منصبًا على ترجمة ما يتصل بعمان فقط، ولم يُترجم من الكتب الأخرى-على حد علمنا- إلا خمسة كتب أدبية وكتاب واحد في الإعلام(4). ولقد حقق نشاط الترجمة في هذه الفترة حضورًا أكبر في شتى الميادين إثر تحوّله إلى الفعل المؤسسي المتخصص، وفي الحقيقة فإن الترجمة في عُمان لم تكتسب طابعًا مؤسسيًا مكثفًا إلا مع ظهور "مجموعة الترجمة" في جامعة السلطان قابوس عام 2002، وبها ومنها أصبح للترجمة في عُمان بعدٌ جديدٌ آخر. ورغم أنّ هذه المجموعة طلابية محدودة الموارد إلا أن تأثيرها في الساحة الثقافية العمانية يستحقّ منا أن نتتبعه منذ البداية.

المشهد المؤسساتي
1- مجموعة الترجمة
كانت فكرة إنشاء مجموعةٍ طلابية تتخصص في الترجمة مبادرةً من أحد الطلاب في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية الآداب والعلوم الاجتماعية، قام بعرضها على أحد أعضاء هيئة التدريس في القسم حيث شجّعها وساهم في تنفيذها ليصبح مشرفًا على المجموعة فور تأسيسها(5). وفي الرابع عشر من سبتمبر 2002 تم عقد الاجتماع التأسيسي للمجموعة والذي عُرضت فيه أهدافها وخطتها المقترحة، واختير فيه الأشخاص الذين سيديرونها.

ولقد وضعت المجموعة لنفسها أهدافًا رئيسة تحاول تحقيقها من خلال أنشطةٍ وفعاليات متنوعة. أحد تلك الأهداف كان الاهتمام بممارسة الترجمة وتطوير مهارات الطلاب فيها. لذا قامت المجموعة بعقد دورات تدريبية مسائية في الترجمة العامة والترجمة الأدبية يعدّها أعضاء المجموعة بمساعدة أساتذة في قسم اللغة الإنجليزية وآدابها، وما زالت هذه الدورات مستمرة حتى الآن وتشهد إقبالا كبيرًا من طلاب الجامعة وبعض موظفيها. هذا ودأبت المجموعة على تقديم محاضراتٍ يتحدث فيها المُحاضرون عن تجاربهم في الترجمة وأهم المشكلات والآليات والحلول التي يمكن استخلاصها من تلك التجارب. ومن أهمّ إسهامات المجموعة داخل الجامعة أيضًا القيام بترجمة نصوصٍ لمكتب التوجيه الوظيفي بالجامعة، حيث أنجز بعض أعضاء المجموعة ترجمة لكتابَي "التخطيط المهني الناجح"، و "دليل المقابلة المبسّط".

هذا وتقيم المجموعة سنويًا فعالية "أسبوع الترجمة" الذي يتضمن ندوة علمية ومحاضرات ومسابقات ومعرضًا وعرض أفلام من ترجمة أعضاء المجموعة، إلى جانب أنشطة أخرى. كما أطلقت المجموعة عام 2005 "منتديات مجموعة الترجمة" على شبكة الإنترنت، وهو منتدى أكاديمي متخصص في الترجمة ويجتذب أعضاء من مختلف الدول العربية. جديرٌ بالذكر أيضًا أن المجموعة دأبت على إنجاز مشاريع في الترجمة تهدف بالدرجة الأولى إلى تطوير مهارات الأعضاء وتشجيعهم على ممارسة الترجمة، مثل "مشروع الأدب الصيني" و "مشروع الأدب الهندي" و "مشروع الأدب الإفريقي" و "مشروع أدب الطفل" و "مشروع أدب الخيال العلمي" و "مشروع الأدب الشعبي العماني".

أما الهدف الرئيس الثاني والذي أدّى إلى انتشار المجموعة خارج الجامعة فكان إبراز دور الترجمة بوصفها عنصرًا فاعلا في الثقافة، وذلك من خلال نشر الترجمة الثقافية (انظر قسم المشهد الثقافي أدناه).

2- المجموعات الطلابية الأخرى
وعلى غرار "مجموعة الترجمة" بجامعة السلطان قابوس ظهرت مجموعات مماثلة في المؤسسات التعليمية الأخرى، فظهرت "مجموعة الترجمة" في كلية العلوم التطبيقية بصحار، و "مجموعة الترجمة" في جامعة نزوى. وتقوم هذه المجموعات بعقد محاضرات وورشات عمل وفعاليات متنوعة في الترجمة رغبة في تحفيز الطلاب وصقل مواهبهم. وكان آخر هذه الفعاليات "أسبوع الترجمة" الأول في جامعة نزوى حيث أقيم عددٌ من المحاضرات وورشات العمل، إضافة إلى عرض فيلم أجنبي من ترجمة المجموعة، وإقامة معرض للترجمات التي أنجزها طلاب الترجمة في الجامعة.

3- أسرة الترجمة
في بدايات عام 2008، ارتأى "النادي الثقافي" في مسقط ضرورة تشجيع الترجمة الثقافية من خلال إنشاء "أسرة" للترجمة تحتضن المترجمين وخريجي الترجمة وتمنحهم مساحة يستطيعون فيها المشاركة بإبداعاتهم والتعاون مع زملائهم في أنشطةٍ ترجمية ثقافية تخدم المجتمع. وفي شهر أبريل 2008 تم تأسيس الأسرة واختيار أعضاء إدارتها، ومناقشة الخطة المقترحة، والتي اشتملت على أنشطةٍ طموحة تتمثل في إعداد قاعدة بيانات للمترجمين في عُمان والنصوص المترجمة والنصوص المرشحة للترجمة، وإطلاق مسابقة سنوية في الترجمة، إضافة إلى أنشطة ترجمية أخرى ما بين محاضرات وندوات ومشاريع.

ورغم أن الأسرة قد أطلقت بالفعل مسابقتها السنوية في الكتب المترجمة، وأنجزت قسمًا كبيرًا من قاعدة البيانات، إلا أنها تعثرت في العام الماضي (2009) وتوقف نشاطها لأسبابٍ إدارية وتنظيمية وفقا لما صرّحت به إدارة النادي الثقافي.

المشهد الثقافي
رغم حداثة النشاط الترجمي الثقافي في عُمان إلا أن نشر الترجمة قد خطا خطوات مميزة في السنوات الأخيرة، فمن يتابع الصحف المحلية والملاحق الثقافية المختلفة يجد حضورًا جيدًا للنصوص المُترجمة، وإن كان يطغى عليها الطابع الأدبي. فملحق "شرفات" الأسبوعي في جريدة "عمان" كان وما يزال ينشر العديد من الترجمات الأدبية، وكذلك تفعل مجلة "نزوى" الفصلية، فيما تخصص جريدة "الزمن" صفحتين كل ثلاثاء لنشر الترجمات الأدبية، وتنشر مجلة "الثقافية" الفصلية التي يصدرها مركز السلطان قابوس للثقافة الإسلامية وملحق "آفاق" الأسبوعي في جريدة "الشبيبة" و ملحق "أشرعة" الأسبوعي ترجمات أدبية وثقافية من حينٍ لآخر. ولعلّ أكثر الإسهامات الترجمية في المشهد الثقافي كانت من نصيب "مجموعة الترجمة" بجامعة السلطان قابوس والتي نشرت عددًا كبيرًا من النصوص المُترجمة ومقالات الترجمة في المنشورات المحلية، بدءًا من العدد الثاني من ملحق "شرفات" في جريدة "عمان" الذي احتضن إنتاجات المجموعة وشجّعها وأبرزها عبر نشر عددٍ من الملفات الترجمية أو النصوص المتفرقة. كما نشرت المجموعة نصوصًا في مجلة "نزوى"، وشاركت بملفٍ ترجمي في العدد الخاص من المجلة احتفاء باختيار مسقط عاصمة للثقافة العربية. هذا وقد توّجت المجموعة جهودها عام 2008 بإصدار كتابين من القصص المترجمة إلى العربية عن مؤسسة الانتشار العربي في بيروت(6).

لا شكّ في أن لهذه المنشورات جميعها فضلا في دعم نشاط الترجمة وإبراز، إلا أنّ هناك ثلاثة منشورات تخصصية تستحق وقفة وتأمل، هي ملحق "الجسر" و ملحق "Beacon" و ملحق "قراءات".

في سبتمبر 2007 أطلقت "مجموعة الترجمة" بجامعة السلطان قابوس ملحق "الجسر" الذي كان يعدّه الطلاب في المجموعة تحت إشراف أحد الأكاديميين المتخصصين في الترجمة، وكان يصدر عن جريدة "عمان" داخل ملحق "شرفات". وكان الملحق متخصصًا في الترجمة ونشرها، حيث كان ينشر الترجمات الأدبية والحوارات مع المترجمين ومقالات في الترجمة وبعض الأخبار والتغطيات. ولقد كان يهدف بالدرجة الأولى إلى تشجيع المترجمين المبتدئين واكتشاف المواهب الجديدة وتحفيزها، وكانت أغلب المشاركات من أعضاء مجموعة الترجمة، إضافة إلى بعض المشاركات من أكاديميين ومترجمين. واستمرّ صدور الملحق من سبتمبر 2007 حتى نوفمبر 2008، ثم توقف.

وفي يوليو 2009 عاد ملحق "الجسر" مرة أخرى ولكن بأهدافٍ جديدة وتركيز مختلف ومكانٍ آخر، حيث أصبح يصدر في جريدة "الشبيبة" بالاشتراك بين "أسرة الترجمة" في النادي الثقافي و"مجموعة الترجمة" بجامعة السلطان قابوس، ولا يتوجه بشكلٍ أساسي إلى الطلاب والمبتدئين، وإنما إلى الأكاديميين والمترجمين المتحققين إن صح التعبير، ويركّز على نشر الترجمات في المجالات العلمية والتقانية أكثر من الأدبية. جديرٌ بالذكر أن النصوص الأصلية التي تُترجم في "الجسر" تتسم بكونها نصوصًا جديدة من أشهر الصحف والمجلات العالمية، لتضع بين يدي القارئ العماني أحدث المقالات والأخبار والقضايا المستجدة في العلوم والتقانة والفكر.

أما ملحق "Beacon" الذي بدأ في نوفمبر 2008، فهو ملحق يصدر باللغة الإنجليزية متخصص في ترجمة الأدب العماني إلى الإنجليزية، تصدره الجمعية العمانية للكتاب والأدباء في جريدة "Times of Oman" شهريًا. ويتميز هذا الملحق بأنه مبادرة فريدة من نوعها تهدف إلى تعريف القارئ الأجنبي في عُمان بالإبداع الأدبي العماني، في ظل غياب الترجمات عن هذا الأدب، كما يهدف الملحق أيضًا إلى تدريب المترجمين العمانيين على خوض الترجمة إلى اللغة الأخرى. وهكذا فقد استطاع القائمون على الملحق في كل شهر تقديم كاتب أو أديب عماني جديد إلى القرّاء الأجانب، إضافة إلى تقديم مترجمٍ عماني جديد إلى الإنجليزية. ورغم محدودية المتلقين الأجانب-حيث إن الملحق يُطبع ويُنشر في عُمان فقط- إلا أنه يصلح كبذرة جيدة لمشاريع ترجمية مستقبلية إلى اللغة الإنجليزية، كما أنه يشكّل مادة مفيدة لتدريب طلاب الترجمة في الجامعات.

وأما ملحق "قراءات" الصادر أسبوعيًا عن جريدة "عمان" فهو ملحق ثقافي صغير مقارنة بالملحقين السابقين، ينشر ترجمات لنصوصٍ أدبية وحوارات وأخبار وفصولٍ من كتب أجنبية. ويتميز هذا الملحق بمتابعته للتطورات الأدبية والثقافية وتقديم النصوص الجديدة المتميزة في عالم الأدب.

مشهد المسابقات الإبداعية
غنيّ عن القول أن الجوائز والمسابقات تؤدي دورًا هامًا في تحفيز الطاقات، واكتشاف المواهب، وتقدير الإنجازات، وهذا ما تمخضت عنه المسابقات الإبداعية في عُمان في مجالات كثيرة كالشعر والقصة القصيرة والفنون التشكيلية والبحوث العلمية. بيد أن الترجمة ظلت غائبة تمامًا عن هذه المسابقات حتى عهدٍ قريب، ليس بالضرورة لأن الجهات المعنية بهذه المسابقات لم تعتبر الترجمة ضربًا من الإبداع، ولكن ربما لأن الترجمة لم تكن فاعلة في المشهد الثقافي العماني بدرجةٍ تؤهلها للدخول في هذه المسابقات. ولكن بعد النشاط الترجمي الذي شهدته السلطنة في السنين القليلة الماضية بدأت الترجمة في أخذ مكانها بين المجالات الإبداعية الأخرى.

وكانت أول مسابقة تُطرح في الترجمة عام 2005 ضمن جائزة جامعة السلطان قابوس للإبداع الطلابي في مجال الترجمة الأدبية، كما أدرج المنتدى الأدبي عام 2008 مجال الترجمة الأدبية في مسابقته السنوية. أما المسابقة الأكبر فكانت جائزة النادي الثقافي في الترجمة (بإشراف أسرة الترجمة) والتي هدفت إلى تشجيع ترجمة الكتب في السلطنة من اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية إلى العربية. ولقد اتصفت هذه الجائزة بأربع سمات رئيسية ميزتها عن باقي المسابقات الترجمية: (1) عدم اقتصارها على الترجمة الأدبية، فهناك جائزتان إحداهما للنصوص الأدبية والثانية للنصوص الأخرى، (2) و عدم اقتصارها على اللغة الإنجليزية، (3) و خروجها من دائرة النصوص القصيرة إلى الكتب الكاملة، (4) و تشجيع الإنتاج الجديد، حيث يُشترط في الكتاب المترشح أن لا يكون قد طُبع سابقًا، وأن لا يكون مُترجمًا من قبل.

هذا من ناحية المسابقات الرسمية على المستوى الوطني، ولكن كانت هناك أيضًا مسابقات غير رسمية أو داخلية تستهدف طلاب الترجمة والمبتدئين فيها رغبة في تشجيعهم على ممارسة الترجمة واكتشاف مواهبهم فيها. وأول هذه المسابقات كانت "المسابقة الترجمية الشهرية" في "منتديات مجموعة الترجمة" على شبكة الإنترنت، حيث تقوم لجنة المسابقة باختيار ثلاثة نصوصٍ شهريًا ليترجمها المتسابقون، ومن ثم تُشكل لجنة من خمسة أعضاءٍ من المترجمين الخريجين لتقييم الترجمات. جديرٌ بالذكر أن المشاركة لم تكن مقصورة على أعضاء مجموعة الترجمة أو طلاب جامعة السلطان قابوس أو حتى المقيمين في السلطنة، بل كانت هناك مشاركات خارجية من المملكة العربية السعودية ومصر والجزائر. وكانت الجوائز عبارة عن مجموعةٍ من الكتب الثقافية المتنوعة تقدم لكل فائز. استمرت المسابقة من يناير 2007 وحتى فبراير 2008 ثم توقفت. أما المسابقة الثانية فتمت في كلية العلوم التطبيقية بصحار عام 2008 لدورةٍ واحدة، وقد تمت بالطريقة نفسها ولكن في حدود الكلية فقط. هذا وقد بدأ العمل على إنشاء مسابقة مماثلة في منتدى الترجمة بـ"شبكة عاشق عمان".

المشهد التعليمي/التأهيلي
لقد شهدت العقود الأخيرة الماضية تزايدًا كبيرًا في البرامج الأكاديمية لتدريب المترجمين في كل مكان في العالم، وبعد أن كان المترجمون يتلقون التدريب في كليات مهنية تمنح شهادات الدبلوم كحد أقصى، أصبح المترجمون يتدربون في الجامعات وفق مناهج موضوعة على أسس ونظريات علمية، ويحصلون على درجات البكالوريوس والماجستير والدكتوراة في الترجمة.

وفي عُمان تأخر وصول هذه البرامج، ربما لعدم إلحاح الحاجة إليها حتى عهدٍ قريب. فمنذ عام 1975 وحتى 2003 لم تكن في عُمان سوى مؤسسة واحدة تُعنى بتدريب المترجمين، وهي معهد "بوليغلوت" –الذي بدأ في تدريس الترجمة عام 1998 و ما يزال يقدّم دورات تدريبية في الترجمة- بالإضافة إلى أقسام اللغة الإنجليزية في الجامعات والكليات، والتي كانت تدرّس بعض مقررات الترجمة. ولكن الوضع قد تغيّر الآن، ففي خلال 4 سنوات فقط شهدت عمان طفرة تمثلت في ظهور 7 برامج ترجمة جامعية واحد منها على مستوى الماجستير: (1) بكالوريوس الترجمة بين العربية والإنجليزية في جامعة السلطان قابوس، (2) ماجستير الترجمة بين العربية والإنجليزية في جامعة السلطان قابوس، (3) بكالوريوس الترجمة بين العربية والإنجليزية في جامعة صحار، (4) بكالوريوس الترجمة بين العربية والإنجليزية في جامعة ظفار، (5) بكالوريوس الترجمة بين العربية والإنجليزية في جامعة نزوى، (6) بكالوريوس الترجمة بين العربية والفرنسية في جامعة نزوى، (7) بكالوريوس الترجمة بين العربية والألمانية في جامعة نزوى.

المشهد الأكاديمي والبحثي
عندما نتحدث عن الوضع الأكاديمي العماني في الترجمة فإننا نقصد به ثلاثة أمور: المؤسسات الأكاديمية المعنية بالترجمة، و الأساتذة الأكاديميين، و البحث في مجال الترجمة.

أما على مستوى المؤسسات، فلا توجد إلى الآن كلية أو معهد عال أو حتى قسمٌ خاص بالترجمة وحدها، وإنما برامجٌ دراسية تمنحها أقسام اللغات. ولا يعدّ ذلك أمرًا سلبيًا بالضرورة؛ فإنشاء مثل هذه المؤسسات والأقسام إنما يتم في حالة الحاجة إليها، والأعداد الملتحقة ببرامج الترجمة حتى الآن قليلة وقد لا تدلّ على حاجةٍ ملحة تستدعي إنشاء مؤسسات أو أقسام خاصة. ونحن إذ نعترف بذلك لا نعني استبعاد التفكير في الأمر أو التخطيط له، ولا نثبت عدم حاجة سوق العمل لمخرجات أكثر، وإنما ندعو إلى دراسات ميدانية تبحث في احتياجات السوق (المحلية والإقليمية) وتدرسُ إمكانية إنشاء معهد أو كلية تلبي هذه الاحتياجات.

أما عند النظر في أعضاء هيئة التدريس في برامج الترجمة الجامعية في عُمان، فإننا نلاحظ نُدرة الأساتذة العمانيين، واعتماد هذه البرامج على الأساتذة العرب والأجانب من ذوي الخبرة العملية والنظرية. ولكن هذا الوضع قد يتغير مستقبلا، إذ نجد أن عدد العمانيين الذين يقبلون على الدراسات العليا في مجال الترجمة بدأ يزداد، وربما ينتهي بهم المطاف مستقبلا في تدريس الترجمة في مؤسسات التعليم العالي.

وأما عن البحث العلمي في مجال الترجمة فهو مرتبط بطبيعة الحال بما ذكرناه في الفقرة السابقة، حيث أن الدراسات العمانية في الترجمة ما تزال قليلة جدًا. هذا فيما يتعلق بالبحوث المنشورة، أما ما يخص الندوات والمؤتمرات فنلاحظ اهتمامًا متزايدًا بالترجمة في السلطنة، وأبرز ما يتم في هذا الصدد "الندوة السنوية لمجموعة الترجمة" والتي تقيمها "مجموعة الترجمة" بجامعة السلطان قابوس ضمن فعاليات "أسبوع الترجمة" ويشارك فيها العديد من الباحثين في السلطنة، إضافة إلى دعوة متحدثين من خارج السلطنة. ونظرًا لكون هذه الندوة هي الوحيدة المتخصصة في الترجمة، فإنها تلقى إقبالا كبيرًا وتنافسًا على المشاركة، بغض النظر عن كون الجهة المنظمة مجموعة طلابية. وبالإضافة إلى هذه الندوة، فقد تم إدراج محور الترجمة في العديد من الندوات والمؤتمرات المحلية، كالمؤتمر الدولي لقسم اللغة الإنجليزية في جامعة السلطان قابوس عام 2007 وعام 2010، وندوة "حوار الحضارات والثقافات" التي انعقدت في نزوى عام 2006. أما الإنجاز الأكبر في هذا المجال فقد تمثل في استضافة السلطنة في ديسمبر 2009 للمؤتمر العربي الثالث للترجمة الذي تنظمه "المنظمة العربية للترجمة".

المشهد القانوني
كانت مزاولة مهنة الترجمة في عُمان غير مقيدة بأية شروط، وكان يحق لأي مواطن الحصول على ترخيص بتقديم خدمات الترجمة. وفي ظلّ ذلك دخل في هذه المهنة أفرادٌ ليسوا فقط غير متخصصين في الترجمة، بل غير أكفاء في أدائها، مما نتج عنه قلة الجودة في إنجاز الترجمات في العديد من هذه المكاتب.

ولحلّ هذه الإشكالية صدر المرسوم السلطاني رقم 18/2003 المتعلق بإصدار قانون لتنظيم مكاتب الترجمة القانونية (صفة القانونية هنا تعود على المكاتب)، وفق شروطٍ وأحكام تهدف إلى ضبط الجودة في مزاولة المهنة والحفاظ على أخلاقياتها. ومن أهم الشروط التي وردت في القانون أن لا تقل خبرة المترجم عن خمس سنوات في مجال الترجمة (يُستثنى من ذلك خريجو برامج الترجمة)، وأن يكتب المترجم اسمه ويوقّع على كل مستندٍ تمت ترجمته، وأن يؤدي الترجمة بأمانة ودقة دون تغيير مضمون المحتوى، وألا يفشي أية أسرار اطلع عليها أثناء مزاولة عمله. وفي ظل سياسة التعمين التي تتخذها السلطنة اشترط هذا القانون أن يكون صاحب المكتب عمانيّ الجنسية، أو أن يكون له شريك عماني. هذا وقد جاء القانون بعقوبات تصل إلى الحبس لمدة لا تزيد عن 3 سنوات والغرامة بمقدار لا يزيد عن 2000 ريال لمن يخالف أحكام هذا القانون، ومنها إذا "أهمل [المترجم] إهمالا جسيما في أعمال الترجمة التي عهد إليه بها أو تعمد من خلال الترجمة تغيير الحقيقة في المحرر إذا كان من شأن ذلك إلحاق ضرر بالمصلحة العامة أو بالغير...".

كلمة أخيرة
استعرضنا في الفقرات السابقة أهم الملامح الرئيسة لنشاط الترجمة في عُمان وتطورها في عصر النهضة العمانية الحديثة، ورأينا كيف أن هذه السيرة تحمل عددًا من المنجزات، في مقابل بعض الجوانب التي ما زالت تحتاج إلى تطوير.

فمن ناحية رأينا كيف أن فعل الترجمة قد تحوّل من الحالة الفردية أو الجهد المتفرق إلى العمل المؤسسي، وإن كان على مستويات بسيطة محدودة الموارد والقدرات، مما أكسبها (أي الترجمة) بروزًا وحضورًا أكبر في المجتمع العماني، كما يدلنا على ذلك ازدياد الترجمات المنشورة، والفعاليات الترجمية، ودخول الترجمة في المسابقات الإبداعية الوطنية، وإطلاق الملاحق والمنتديات الإلكترونية الترجمية المتخصصة، وذلك نادر على المستوى العربي. هذا ويتضح ازدياد الوعي الحكومي والمجتمعي بأهمية الترجمة، واستعداد المؤسسات المختلفة (من حيث المبدأ على الأقل) لدعم الترجمة ورعايتها.

ومن الناحية الأخرى يبدو لنا من معطيات الواقع أنّ هناك نقصًا في المشاركات الفردية التي يتطور بها العمل المؤسسي، وهذا ما يشير إليه توقف "أسرة الترجمة" وتعثر محاولات تأسيس جمعية وطنية للترجمة، وقلة المشاركات في المسابقات الترجمية بالمقارنة مع أعداد المترجمين العمانيين. كما لاحظنا تركيز الأفراد والمؤسسات في عُمان على ترجمة الكتب المتعلقة بعُمان، وندرة الاشتغال على إنجاز ترجمات علمية أو أدبية أو فكرية أخرى. ونحنُ إذ نتفهم هذا التركيز المتماشي مع توجه الباحثين العمانيين عمومًا إلى استقصاء كل ما يتعلق بهويتهم وتاريخهم تراثهم، إلا أننا في الوقت نفسه نرى أنه قد حان الوقتُ لموازنة النشاط الترجميّ وتوجيه جهوده إلى الإنتاج الإنساني المشترك. كما لا يفوتنا في نهاية هذا المقال أن نشير إلى أنّ المترجمين والاقتصاديين في عُمان لم يستفيدوا بعد من التطور الاقتصادي والسياحي والانفتاح في عُمان والخليج لتطبيق ما يُسمى بـ "صناعة الترجمة translation industry" من خلال إنشاء الشركات الكبيرة التي تتخصص في تقديم مختلف الخدمات اللغوية والترجمية (الشفوية والتحريرية والمرئية وغيرها) للسوق المحلية والإقليمية والعالمية، وهي صناعة مربحة ومفيدة للبلد وللمترجمين أيضًا.

الإحالات
1- عبدالله الحراصي، 2009، "الترجمة في عمان: من التواصل الحضاري نحو الصناعة"، ورقة أُلقيت في المؤتمر العربي الثالث للترجمة "صناعة الترجمة من المؤلف إلى المتلقي"، 12-13 ديسمبر 2009، مسقط-سلطنة عمان.
2- وفقًا لما تم إنجازه حتى الآن في قاعدة بيانات النصوص المترجمة في عُمان التي تعدّها أسرة الترجمة بالنادي الثقافي.
3- كتاب "ملاحظات في السينماتوغرافيا"، روبرت بريسون (1998)، ترجمة عبدالله حبيب، منشورات وزارة الثقافة السورية- دمشق.
4- كتاب "إعلام جديد..سياسة جديدة"، جون ألترمان (2003)، ترجمة عبدالله الكندي، دار الكتاب الجامعي-فلسطين. أما الكتب الأدبية فهي: "بين حنايا أضلعي"، نصرى العدوي (2004)، ترجمة مجموعة الترجمة بجامعة السلطان قابوس، المجموعة العمانية للسرطان-مسقط، و "مزرعة الحيوان"، جورج أورويل (2006)، ترجمة محمد عيد العريمي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر-بيروت، و "نافذة على القصة القصيرة الفارسية الحديثة" (2008)، ترجمة د. إحسان صادق اللواتي، مجلس النشر العلمي بجامعة السلطان قابوس، و "لعبة اليانصيب: قصص من الأدب الأمريكي" (2008)، ترجمة مجموعة الترجمة العمانية، مؤسسة الانتشار العربي-بيروت، و "الساذجة: قصص من الأدب العالمي" (2008)، ترجمة مجموعة الترجمة العمانية، مؤسسة الانتشار العربي-بيروت.
5- أما الطالب (آنذاك) فهو كاتب هذه السطور، وأما المشرف فهو الدكتورعبدالله الحراصي.
6- انظر الإحالة رقم 4 أعلاه.