الأربعاء، 20 يناير، 2010

أصوات متعددة بين الأمل والواقع: عرض لرواية "السيدة من تل أبيب"


عادة ما تشدّ القصصُ التي تتناول موضوع فلسطين اهتمامَ القارئ العربي، حتى لو لم تكن لراويها براعة (ربعي المدهون) في السرد. وهنا نتحدثُ عن روايته "السيدة من تل أبيب" الصادرة عام 2009 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. هي الرواية الأولى لهذا الصحافي والكاتب الفلسطيني الأصل، البريطاني الجنسية الذي أصدر سابقًا مجموعة قصصية، ودراسة، وسيرة ذاتية، إلا أن الحِرفية التي صِيغت بها الرواية تُشعر المرءَ بأن المدهون قصّاصٌّ متمرّس يجيد تطويع الرواية وأدواتها لخدمته.

أولّ ما يشدّ الانتباه في هذه الرواية ويسبب شكلا من أشكال الحيرة والتشويق لدى القارئ هو الغلاف، حيث تُقدَّمُ لنا رواية "السيدة من تل أبيب" من تأليف المدهون وإصدار المؤسسة العربية، ومعها أيضًا على الغلاف يظهر رجلٌ بجانبه رواية أخرى من إصدار المؤسسة العربية عنوانها "ظلان لبيت واحد" من تأليف كاتب اسمه (وليد دهمان). إذن فالغلاف هنا ليس مجرد غطاء لمحتويات الرواية وتعريف باسمها وكاتبها، بل أداة يستخدمها المدهون كي يُقحم القارئ منذ النظرة الأولى في مراوغةٍ سردية، كي يعرف أنه بصدد أكثر من كاتبٍ، وأكثر من رواية.

ولا بد من الاعتراف لربعي المدهون بقدرته الفائقة على التعامل مع اللغة، فهي هنا ليست مجرد وعاء يحمل الوصف والأحداث، بل أداة يتم توظيفها لخدمة العمل. ويتبدى ذلك جليًا على أكثر من مستوى، فمن ناحيةٍ نجد لغة السرد عربية فصحى سليمة، ولكنها بعيدة عن التفخيم والتنميق، بسيطة واضحة وسلسة. أما في الحوار فلا يُلزم المدهون نفسه بالوفاء للعربية الفصحى، وذلك لكي يضيفَ إليه عنصر الواقعية والحيوية، فتجد اللهجة الفلسطينية كي يقترب القارئ من الشخصيات والأرض التي تجري فيها أحداث الرواية. ولقد أحسنَ المدهون في استخدام اللهجة المحكية ببراعةٍ تذكرنا بعبدالرحمن منيف مثلا. إضافة إلى ذلك نجد بعض العبارات باللغة العبرية، وبعض الكلمات بالإنجليزية، وبعض الجمل بالعربية المكسّرة حين يتحدثها الإسرائيليون مع العرب.

تقع القصة في ثلاثة خطوط سردية يمسك بها الراوي (ربعي المدهون)، و شخصية (وليد دهمان) مؤلف رواية "ظلان لبيت واحد"، وشخصية الممثلة الإسرائيلية (دانا أهوفا). يفتتح القصة الراوي ربعي المدهون ليحكي لنا أصل حكاية وليد دهمان الصحافي الفلسطيني البريطاني الجنسية الذي سيسافر غدًا إلى غزة للقاء أمه بعد غربة دامت 38 عامًا، وهنا نتعرف إلى عائلة وليد وأصدقائه وحكايات صِباه في خان يونس، وسفره إلى القاهرة لإكمال دراسته، ثم مهجره الطويل الذي بدأ بعد اندلاع حرب 1967. وكلّ هذا (في 43 صفحة) ليس إلا مقدمة للرواية، حيث تتفاجأ في الصفحة 44 بالغلاف الداخلي لرواية "السيدة من تل أبيب"، وكأنها ستبدأ الآن فقط.

هنا ينتقلُ الصوت السردي من ربعي المدهون، تارة إلى وليد دهمان الذي يحكي لنا تفاصيل رحلته من مطار هيثرو إلى مطار بن غوريون، ولقاءه بجارته في الطائرة الممثلة الإسرائيلية دانا أهوفا، وتارة أخرى إلى دانا أهوفا التي تحكي لنا حكايتها مع حبيبها ورحلتها الأخيرة ولقاءها بوليد دهمان على الطائرة. ورغم التوجس المبدئي بين هذا الصحافي الفلسطيني والممثلة الإسرائيلية، إلا أنهما سرعان ما يتآلفان ويغرقان في حديث طويل، يخبرها فيه وليد بأنه يكتب روايته الرابعة عن فلسطيني اسمه (عادل البشيتي) يعود إلى فلسطين بعد غربة طويلة بحثا عن حبيبة قديمة اسمها (ليلى دهمان) فرقت بينهما الحروب، وبأنه (أي وليد) يريد أن يتابع أحداث الرواية من واقع زيارته هذه إلى غزة، ولكنه لم يجد اسمًا للرواية بعد. تقترح عليه اسم "ظلان لبيت واحد"، ويتبادلان عناوين البريد الإلكترونية للتواصل لاحقا.

بعد ذلك يبدأ القسمُ الأكبر من الكتاب، حيث نجد غلافا داخليًا آخر لروايةٍ بعنوان "ظلان لبيتٍ واحد" من تأليف وليد دهمان، وهنا يستمر تعدد الرواة ما بين المؤلف (وليد دهمان) و الراوي (ربعي المدهون) والممثلة (دانا أهوفا). ويتحدث هذا القسم عن وصول وليد إلى تل أبيب ثم غزة والأحداث التي جرت إلى أن عاد إلى لندن، إضافة إلى الأحداث التي مرّت بها دانا منذ وصولها وحتى سفرها إلى لندن قبل وليد. في هذا القسم يراوغنا وليد دهمان كثيرًا، فيفاجئنا بظهور شخصيتين من روايته إلى الواقع (واقع وليد دهمان)، فتتقاطع الشخصيات داخل الرواية الثانية (التي يكتبها وليد) مع شخصيات في الرواية الأولى (التي يكتبها ربعي)، وكأننا في مسرحية عبثية، فيلتقي وليد بعادل ويسهّل له النهاية التي كان يسعى إليها. ولكن في الحقيقة كل ذلك يحدث بطريقة غير فجة، بل جميلة وسلسة ومقنعة إلى حدٍ ما.

في هذا العمل يشتغل ربعي المدهون على أكثر من ثيمة كالحب والموت والحنين، إلا أن هناك عاملا مشتركا تصبّ فيه جميعًا هو الصراع مع الحياة، الرغبة في الخلاص من الماضي أو الحاضر إلى مستقبل أفضل. عادل البشيتي يريد الخلاص من غربته وفشله العاطفي، باحثًا عن الحب القديم من أجل مستقبل أجمل. دانا أهوفا تريد الخلاص من نمط حياتها وواقعها الذي تكرهه، متعلقة بالحب الذي سيمنحها مستقبلا أجمل. وليد دهمان يريد إنهاء غربته والعودة إلى أرضه وماضيه، آملا أن ينتهي ما فيها من موت و حروب. وكذلك أهل وليد في غزة يأملون أن ينتهي ما هم فيه من ألم ومذلة وموت، ليعيشوا على أرضهم بسلام.

لكنّ الصوتَ الأعلى في الرواية كلها هو صوت السأم من الواقع الفلسطيني-الإسرائيلي والحلمِ بالعيش المشترك في سلام وأمان. نجد ذلك لدى وليد دهمان الفلسطيني الذي يجلس إلى جانب ممثلة إسرائيلية يسارية على الطائرة ويصادقها، ويقول في نفسه: "أتمنى أن يخرج الفلسطينيون والإسرائيليون من ساحة الحرب إلى العيش المشترك. ونتمشى أنا وهي معًا، في أوتستراد طويل لا عداء فيه ولا معابر. لا اغتيالات ولا انتحاريين. لا مجندين ولا مقاومين. لا صهيونية ولا حركة تحرر وطني فلسطينية. لا انتفاضة ولا مستوطنات. لا شارون ولا عرفات. لا أبو مازن ولا شاؤول موفاز. لا شيوخ ولا مستوطنين. لا أباتشي ولا اف-16، ولا انتحاريين..." (ص 96). ونجده أيضًا لدى دانا أهوفا صاحبة الآراء اليسارية المناهضة للاستيطان والعنف الإسرائيلي، والتي تنخرط في علاقة حب مع ابن زعيمٍ عربي وقبل ذلك مع يهودي أوكراني الأصل رفض المشاركة في أعمال الجيش الإسرائيلي بعد ما رأى فيه من ممارسات غير إنسانية. ونجده مرة أخرى لدى أحد أقارب وليد الذي يقول في نقاش عائلي سياسي: "عارف..هوّ لو ما صارتش الانتفاضة الاولى، وظلينا ع شعار زمان دولة علمانية ديمقراطية يمكن كانو اندمجو الشعبين مع بعض لأنو كتير فلسطينية اتجوزو يهوديات من عرب اسرائيل وأخدو الهوية والجنسية" (ص 294). حتى عادل البشيتي الشخصية التي يكتبها وليد دهمان يصادق في الطائرة امرأة إسرائيلية. هذا وهناك أكثر من رمزٍ في الرواية يؤكد هذه الرسالة، فمثلا تلك الرواية التي يكتبها وليد دهمان لا يستطيع اختيار عنوانٍ لها، فيأتي العونُ من دانا التي تقترح "ظلان لبيت واحد"، دلالة على "العمل المشترك" الممكن بين دانا (الإسرائيلية) ووليد (الفلسطيني) للوصول إلى سلام يعمّ البيت الواحد الذي له ظل فلسطيني وآخر إسرائيلي. ولا يكتفي المدهون بذلك، بل يرسم مشهدًا رمزيًا صارخًا إن صحّ التعبير، حين يحاول الفلسطينيون عبور معبر إيريز إلى غزة، فيما تحاول فتاة فلسطينية تفجير نفسها بحزام ناسف، فتجعل الإسرائيليين يتشددون في الإجراءات، وبذلك "تنسف" آمال أبناء بلدها في "الوصول إلى أرضهم". ولاحقا في الرواية نسمع أقارب وليد دهمان يكيلون اللوم على أعضاء "حماس" الذين وظفوا هذه الفتاة وقادوها إلى محاولة التفجير تلك. ومن الجانب الآخر نجد شخصية (بني شلومو) الناشط ضد الاستيطان، والذي يتمنى سلاما شاملا دائما، ويقيم في كل عام عزاء خاصًا لأسحاق رابين، والذي يحب زيتون "غزّة" ويتمنى أن يقيم مطاعم يقدّم فيها الحمص والفلافل وزيتون غزة، لكنه يصطدم بممارسات الدولة الإسرائيلية في احتلال غزة وبناء المستوطنات.

برأيي إن ما يميّز هذه الرواية وربما يثير حولها بعض الجدل هو تقديم الآخر (العدوّ) بصورةٍ جديدة مختلفة عن المعهود في تصوير الشخصية الإسرائيلية. هنا يُحاول ربعي المدهون تغيير صورة العدوّ إلى صورة الإنسان الذي ربما لا يختلف عنا كثيرًا، بل ويتفق معنا في الرغبة في السلام. وقد يعيب الرواية المبالغة في تصوير الألفة التي تشكلت بين وليد ودانا في الطائرة، فمن بعض كلمات إلى طبطبة إلى ضغطةٍ حانية على اليد إلى مزاحٍ بالكلام إلى مزاحٍ بالأيدي، وكل ذلك في رحلة طائرة! من يقرأ هذا الجزء من الرواية لا يكاد يصدّق أنه يحدث بين فلسطيني وإسرائيلية، فما الذي يريده المدهون من ذلك؟ هل لأن الشخصيتين متفقتان على السلام؟ يبقى أن نقول بأنه رغم هذا التصوير المغالي في الأمل، يعود المدهون إلى الواقع في استدراك بعد نهاية الرواية في رمزٍ له دلالته، إلى التأكيد بأن وليد و دانا "لم يلتقيا ذلك المساء". وعلاوة على ذلك يبقى سؤال كبير معلق بين يدي القارئ بعد إفشال محاولة دانا أهوفا الأخيرة للتقريب بين الجانبين: من الذي أفشلها، الفلسطينيون أم الإسرائيليون، أم كلاهما؟

بعيدًا عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الأفكار السياسية التي قد تحملها الرواية، يبقى أن المدهون قدّم رواية ممتعة تحتوي على الجديد المبدع من حيث البناء الروائي، واللغة، وتناول الموضوع. وليس مستغربًا أن تكون هذه الرواية من بين ست روايات تتنافس على الجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2010، وأن تكون قد صدرت منها مؤخرًا طبعة ثانية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق