الأربعاء، 30 أبريل، 2014

عُمان تَحْرِقُ مُفكّريها

(نُشر هذا المقال في مجلة الفلق الإلكترونية بتاريخ 27 أبريل 2014)

مدخل
ثمة نكتة يتداولها بعض الناس في عُمان، تقول إنّ الأكاديمي العُماني (خاصة في الجامعة الحكومية الوحيدة) يتسمّر يوميا أمام تلفزيون السلطنة عند موعد نشرة الأخبار، لا لمتابعة شؤون العالم، وإنما انتظارا لمرسوم سلطاني بتعيينه وزيرا أو وكيل وزارة! وعلى ما في هذه النكتة من طرافة وسخرية لاذعة، إلا أنها تنطوي على نَسَقٍ لم يأخذ حقه حتى الآن من التحليل واستشراف تبعاته. هذا المقال محاولة بسيطة للنظر في الأثر الناتج عن سياسة تعيين الباحثين العمانيين في مناصب حكومية على رأس المال البحثي والفكري في السلطنة.

نحو تفسير الظاهرة
 في محاولةٍ لتحليل هذه الظاهرة يتداول البعض ثلاثة دوافع رئيسية محتملة لهذا التوجه الحكومي. التفسير الأول يتمثل في أنّ الحكومة تسعى لضخّ دماء جديدة في الجهاز الإداري للدولة، أملا في استثمار القدرات العقلية والفكرية التي يتمتع بها هؤلاء الأكاديميون لتطوير مختلف المؤسسات الحكومية، وهو توجه مفهوم ومقبول؛ إذ من حق الدولة أن تستفيد من نتائج استثمارها في تعليم العمانيين منذ بداية النهضة، وهؤلاء الأكاديميون بشهاداتهم العالية ثمرة فكرية ذات رصيد معرفي عالي المستوى. بيد أنه من حقّ البعض أن يتساءل عن حجم الفائدة التي تعود على مؤسسات الدولة من هذا التوجّه وما إذا كان الباحث الأكاديمي صالحا للمهام الإدارية. وإذا كان القصد هو إحداث التغيير في تلك المؤسسات، فقد يتساءل البعض أيضا عن حجم المساحة التي يستطيع فيها هذا المسؤول أو ذاك التحرك، خاصة مع وجود "نظام إداري" راسخ له قوانينه وأعرافه الإدارية والمالية العصيّة على التغيير، ومع وجود تركةٍ من الترهل الإداري. بطبيعة الحال لا يعني ذلك أنّ إحداث التغيير عملية مستحيلة، بيد أنه في مناخٍ مثل هذا يحتاج إلى "نَفَس" طويل جدا، مع الأخذ في الاعتبار أنّ الشعوب العربية بعد الربيع العربي أضحت "قصيرة النَفَس" لا تقوى على الانتظار طويلا لرؤية النتائج.

أما الدافع الثاني فهو التكريم والتشجيع، إذ قد ترى الحكومة أنّ شخصًا ما قد قدّم للدولة خدمات فكرية وثقافية أو يتحصّل على ملكات فكرية يستحق بسببها أن يُمنح منصبا حكوميا رفيعا. ولئن كان الدافع هنا لا يخلو من إيجابية ونبل، إلا أنه في جزء منه على الأقل يُعدّ امتدادا لثقافةٍ قَبَلية وعسكرية ترى التكريم في منح الألقاب والمزايا والمنصب القيادي.

وأما الدافع الثالث فينبع من نظرية المؤامرة، ومفاده أنّ الحكومة قد تلجأ لمنح أحدهم منصبا حكوميا كي "تحتويه" وتقنّن ما يمكن أن ينشره من فكرٍ ربما لا يتفق مع توجهاتها. وكي نكون منصفين فإنّ هذا الدافع يُمكن أن يُقرأ بنية حسنة أيضا، وهي سعي الحكومة إلى إشراك "الآخر" والتعاون معًا في بناء الدولة، وهو نهج بنّاء وذكيّ للغاية ربما يستمد جذوره من سلطان البلاد (كما حدث مثلا مع معالي يوسف بن علوي).

نماذج
لغرض التوضيح سنضرب مثالين اثنين:

الدكتور عبدالله الحراصي: أستاذ مساعد في دراسات الترجمة، وباحث واعد نشر عدة مقالات رصينة في مجلة نزوى، وترجم واشترك في ترجمة عدة كتب مهمة، وكانت له بصمته الكبيرة جدا في نشاط الترجمة في السلطنة عبر "مجموعة الترجمة" التي أشرف عليها في الجامعة، وتخصَّصَ منذ أطروحة الدكتوراة في مجال معرفي يكاد يكون غائبا في الوطن العربي (الاستعارة المفهومية) ونشر فيه كتابا مهما. والأهم من ذلك كله أنه أسّس وأدار المشروع الوطني العظيم "الموسوعة العمانية". وحين وجد هذا الباحث والمفكر الواعد فرصة في جامعة أكسفورد العريقة كباحث زائر يعمل في مشروع بحثي مميز، يصدر فجأة مرسوم سلطاني بتعيينه رئيسا للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، فيعود من أكسفورد تاركا مشروعه، لنفقد بذلك باحثا كان من المؤمّل أن تفتخر به عُمان مفكرا رصينا.

من أكسفورد أيضا، الدكتور خالد العزري: باحث ذو عقل نقدي فذّ يندر وجوده في عُمان، وجد فرصة للعمل في جامعة أكسفورد باحثا في العلوم السياسية والدراسات الشرق-أوسطية، وفيها كتب أوراقا بحثية رصينة، وعمل أيضا باحثا في كلية لندن للاقتصاد التي كلفته بإجراء دراسة حول مآلات الربيع العربي في الخليج، وأصدر كتابا مهما مبنيا على أطروحة الدكتوراة، وظهر على شاشة البي بي سي في بداية أحداث الربيع العربي محللا سياسيا بارعا. فجأة، يصدر مرسوم بتعيينه أمينا عاما لمجلس التعليم، لنخسر باحثا ومفكرا سياسيا واعدا قد يضاهي -إن لم يتفوق- على مفكرين سياسيين في الوطن العربي.


ما المشكلة؟
قد يعترض القارئ هنا معتبرا أنّ المقال يضخّم الأمر ويهوّله، وقد عرفت الدول شرقا وغربا مثقفين ومفكرين أصبحوا وزراء ناجحين. نقول إنه مع الاعتراف بحقّ الأكاديمي في تقلّد المناصب الحكومية كغيره من المواطنين، إلا أننا في عُمان ما نزال نعاني من شحّ الباحثين ومشاريع المفكرين، ولا بد أن نعترف بأننا حتى الآن لا نملك باحثا أو مفكرا عمانيا له إنتاج بحثي/فكري معروف على المستوى العربي. وهكذا فإننا كلما ظهر لدينا باحث أو مفكر واعد أخرجناه من دائرة تميّزه وإنتاجه، لنزجّ به في طوفان العمل الإداري البيروقراطي.

ولو فرضنا جدلا أنّ الباحث ذا المنصب الحكومي سيتمكّن من تنظيم وقته وتقديم إنتاج فكري (وسط الرعايات والمناسبات التي لا تنتهي)، فلا يمكننا تجاهل ما يشكّله المنصب نفسه من قيود على الباحث؛ إذ إنه الآن لا يسعه أن يتحدث باسمه، بل عليه أن يراعي "المؤسسة الحكومية" في ما يقول وفي ما يبحث من مواضيع. باختصار، من الصعب جدا إن لم يكن من المستحيل أن يحافظ هذا الباحث على حياديته وموضوعيته، حتى بعد خروجه من المنصب.

ومن السلبيات الأخرى التي يجب أن لا نغفل عنها "حرمان" الطلاب الجامعيين من الاحتكاك بهؤلاء الباحثين والمفكرين، ولا يخفى على أحدٍ ما يتركه هذا الاحتكاك من نتائج إيجابية في التأثير على الجيل الجديد وإنتاج جيل باحث مفكر. ولعلّ التأثير الذي تركه كل من عبدالله الحراصي وعبدالمنعم الحسني مثلا في طلاب جامعة السلطان قابوس ما يدلل على ذلك.

أما السلبية الأخيرة (غير المباشرة) لهذا التوجّه الحكومي، فهو أنه خلق لدى الباحثين والأكاديميين أمنية المنصب الحكومي بدلا من الإنجاز الفكري والأكاديمي، وهذا أمر لا يخلو من ضرر بالغ. ومن نافل القول إنّ الذي سيخلّد عبدالله الحراصي مثلا هو الموسوعة العمانية ودراساته الأخرى، لا المنصب الذي تقلّده، فلا أحد يتذكر المسؤولين الحكوميين بعد سنوات من خروجهم من العمل أيا ما كانت إنجازاتهم.

هل نحرق مفكرينا؟
ما الضير في أن يُكلف الباحث للخدمة في منصب حكومي لفترةٍ ما، ثم يعود للجامعة ولأبحاثه؟ على المستوى النظري يبدو هذا الكلام معقولا، لكنه صعب التحقيق في الواقع العماني، ذلك أنّ النظرة المجتمعية للمسؤول الذي يخرج من منصبه هي أنه لم يوفق في عمله، ولذلك تم استبداله بآخر. كما أننا لا نعرف سابقة لوزير أو وكيل عماني يستقيل طوعا من منصب جاءه بمرسوم سلطاني، ولا توجد في النظام السياسي العماني فترة محددة للوزير أو مجلس الوزراء، مما يعني أنّ صاحب المنصب سيظل يطمح في البقاء أو تقلّد منصب آخر، وإلا فسيُعدّ فاشلا. من جهةٍ أخرى فإن الحكومة درجت في كثير من الأحيان على تعيين "الخارجين" من المنصب في وظيفة مستشار في إحدى مؤسسات الدولة بنفس درجته الوظيفية، مما يعني أنه ما يزال يمثّل الحكومة بشكلٍ أو آخر.

إذن، إن كان الباحث والمفكر يدخل المنصب الحكومي ويغرق في متاهاته، ولا يخرج منه إلا وهو موسوم بالفشل، وإن كان لا يستطيع أن يغيّر كثيرا، وإن كان المجتمع لا يقبل انتظار النتائج طويلا، فما نفعله ببساطة هو أننا "نحرقهم"، أولا بإشغالهم عن إنتاجهم الفكري، ثم بزرع خيبة الأمل منهم إن لم يحدثوا التغيير الذي ينشده الناس (ورضا الناس لا يُدرك).

ويبدو أنّ حرق المفكرين لا يقتصر على الأكاديميين، إذ حصل هذا أيضا مع سماحة الشيخ أحمد الخليلي، هذا العقل الذي كان واعدا بالكثير من الإنتاج الفكري الديني، فوضعناه في منصب حكومي (إداري، بشكل أو آخر)، واستنزفنا طاقته في الإفتاء والظهور في برامج تلفزيونية ليفتي في أسئلة يستطيع حتى طلابه الإجابة عنها، والنتيجة أننا أضعنا عشرات السنين التي كان يستطيع فيها سماحة الشيخ أن يُنتج كتبا فكرية وتفسيرا كاملا رصينا للقرآن الكريم (الذي بدأ فيه في سلسلة محاضرات).

ختامًا، لا يمكننا إنكار حق الدولة في الاستفادة من العقول الواعدة، ولكن ليكن ذلك عبر استشارات يقدمونها من وقتٍ لآخر، ولنتركهم في مواقعهم مفكرين مستقلين. ولئن أردنا تكريمهم وهم يستحقون ذلك، فهناك طرق كثيرة للتكريم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق