الأربعاء، 3 فبراير، 2010

الهروب من الأحلام أم منها؟ عرض رواية "وراء الفردوس"



يحدث أن ننصت لشخصٍ يحدّثنا طويلا عن قصةٍ ما، ونستمع له بكل اهتمام دون أن تحتوي القصة على أحداثٍ وأسرارٍ خطيرة مفاجئة لتشويقنا. هنالك شيء ما في ذلك الحديث والوصف يجعلنا مستمتعين منصتين، ومتشوقين. في رواية "وراء الفردوس" الصادرة عن دار العين عام 2009 نكتشف معنى آخر للتشويق والمتعة السردية. مؤلفة الرواية هي (منصورة عزّ الدين)، من الجيل الروائي الجديد في مصر، وقد يعرفها أغلبنا محررة في جريدة "أخبار الأدب". لها العديد من النصوص الأدبية المنشورة في مصر والوطن العربي، وصدرت لها مجموعة قصصية بعنوان "ضوء مهتز" عام 2001، ورواية "متاهة مريم" عام 2004. ورغم أن الراوية التي نحن بصددها هي الثانية للمؤلفة، إلا أنها تكشف عن روائيةٍ تعرف كيف تستفيد من أدوات الرواية.

فمثلا، رغم أن الرواية لا تعتمد على عنصر التشويق في الأحداث، إلا أن اختيار العنوان أدّى هذا الدور بنجاح، فالمؤلفة تريدك فقط أن تبدأ بالقراءة، وهي كفيلة بجعلك تستمر. العنوان مثيرٌ جدًا، وصورة الغلاف لا تقدم معلومات كثيرة، فيا تُرى ما هو الفردوس المقصود في الرواية؟ ستخبرك البطلة عن هذا الفردوس بعد نحو 80 صفحة، ولكن السؤال الذي سيبقى لديك حتى آخر كلمة في الرواية هو ماذا يُمكن أن يكون "وراء" الفردوس؟

استخدمت منصورة عزّ الدين في روايتها تقنية سردية مميزة غير تقليدية، وربما تكون أجمل ما في العمل كله، وهي تقنية "الاسترجاع" أو استعادة الذكريات. وهذه الذكريات لا تأتينا بالضرورة في تتابعٍ زمني كما حدثت، بل بطريقة المشاهد التي تعيد إلى الأذهان ذكريات معينة، مما يذكرنا بالفيلم العالمي الرائع "المليونير المتشرد Slumdog Millionaire" حيث البطل يستعيد مع كل سؤال يُطرح عليه ذكريات من الماضي عرف فيها الجواب. وهكذا تبدأ الرواية بحدثٍ قُبيل النهاية تظهر فيه البطلة (سلمى رشيد)، ثم نعود إلى الماضي من خلال مشاهدٍ من الحاضر. ولقد اتخذت المؤلفة قرارًا ذكيًا بأن تكون هي الساردة، لا سلمى، لأن الرواية تعتمد بشكلٍ كبير على كشف الصراع النفسي الذي تعيشه سلمى. من جهةٍ أخرى، تريد المؤلفة أن تؤكد معرفة سلمى بمعاناتها ورغبتها في الخلاص، فتُورد لنا بعض المذكرات التي كتبتها سلمى.

تبدأ الرواية بمشهد سلمى وهي تحرق صندوقًا كبيرًا مليئًا بالأوراق والذكريات، تريد التخلص منها "كي تبدأ من جديد بروحٍ شابة وذكريات أقل ألمًا" (ص8). منذ وفاة أبيها تعيش صراعًا نفسيًا من ذكرياتها وكوابيسها، تحاول الهروب إلى جنةٍ في عالم آخر، فتغمض عينيها لتعود إلى ذكريات زاهية، أو تغوص في أوهام تختلقها من تغيير الوقائع والشخصيات حين تكتب روايةٍ عن عائلتها، بناءً على نصيحةٍ من طبيبتها النفسية. تعيش سلمى حياة مفككة الآن بعد انفصالها عن زوجها، وتوتر علاقتها بصديقة عمرها (جميلة). ومن ذكريات سلمى نعود إلى قريةٍ ريفية في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، نشاهد حياة الفلاحين والصيادين، وتكوّن الطبقة الوسطى بعد إنشاء مصانع الطوب الأحمر. ولكن التركيز في الرواية ينصب على عائلة سلمى الكبيرة وتطوّر الأحداث فيها، وكذلك علاقة سلمى بصديقتها جميلة. كانت سلمى المدللة التي تسرق الأضواء دومًا، يؤمن والدها بها جدًا ويتوقع لها نجاحًا باهرًا، في حين كانت جميلة ابنة الخادم صابر طفلة هادئة من أولئك الذين لا يشعر المرء بوجودهم. يمضي الزمان فيتغير حال جميلة إلى تفوق ونجاح واستقلال، في الوقت الذي لا تحقق فيه سلمى أي نجاحٍ يُذكر. لذلك تعتقد سلمى أن جميلة سرقت قدرها، لأن "جميلة" كان اسمها قبل أن يغيره أبوها بعد أسبوع من ولادتها. وهكذا فالرواية تحكي لنا هواجس سلمى وذكرياتها وأحلامها، وما أدى إليه تفاعلها مع ذلك كله.

ورغم أن الرواية قصيرة (222 صفحة) إلا أنّ هناك عددًا كبيرًا من الشخصيات، مما قد يسبب للقارئ ربكة في الوهلة الأولى. وقد رسمت المؤلفة بعض الشخصيات رسمًا مميزًا، فـ(رشيد) أبو سلمى إنسان فريد من نوعه، منغمس في لذاته، ولكنه في نفس الوقت يريد أن يكون أولاده متدينين. يصرف ببذخ ولا مبالاة، ولكنه يجيد بناء العلاقات الاجتماعية التي تدرّ على مصنعه أرباحًا وفيرة. هو الولد المدلل الوحيد الذي تعلّم وتفوق في دراسته، إلا أنه قرر أن لا يحضر امتحانات الثانوية العامة، وبأنه سينجح في حياته بالتعليم أو من غيره. هناك أيضًا شخصية العمة (نظلة) التي تعيش في ملكوتٍ آخر، تقضي وقتها في قراءة القرآن وتفسير الأحلام للذين يلجؤون إليها. لقد أضافت هذه الشخصية "الروحانية" قوة للجوّ العام الذي أرادته المؤلفة للرواية. ونجد كذلك (سميح) أخا رشيد من أبيه، ويجسّد في الرواية قيمة التسامح والسلام، يرعى بستانه بعيدًا عن المصنع، يعتني بثماره التي يصف منها أدوية للناس. ليس له أولاد، ولكن الأطفال دائمًا ما يلعبون في بستانه وسيّارته القديمة، ويهتّم كثيرًا بالطفلة (ماريز) ابنة العائلة المسيحية. ومن الشخصيات التي سيتذكرها القارئ (بدر الهبلة) تلك الفتاة المجنونة التي يربطها أبوها بـ"جنزير" كي يسلم الناسُ من لسانها وتسلم هي من تحرش محتمل، لكنها تهرب دائمًا وتلجأ إلى (جابر)، الوحيد الذي تصادقه وتودّه وتغار عليه، حتى أنها هربت من القرية بعد زواجه.

تتناول الرواية عددًا من الثيمات التي تتفاوت في قوتها وانتشارها، إلا أن الثيمة الأكبر هي الأحلام، وغالبًا ما تكون أحلام سلمى. وهذه الأحلام ليست إلا واقعا مشوهًا بطريقةٍ أو بأخرى، كما في أحلام سلمى عن أبيها وعن جميلة، وهي ليست مجرد أحلام لا تؤثر في الواقع، فنجد سلمى وكأنها تستجيب لأحلامها وتطيعها، حين تُحاسب زوجها على خيانته لها في الحلم، أو حين تقرر العودة إلى منزل أبيها الذي صار يلاحقها في الأحلام. وتحاول منصورة عزّ الدين تقوية هذه الثيمة من خلال المعلومات التي توردها في الحواشي عن تفاسير الأحلام لدى ابن سيرين، أو بالإشارة إلى أن سلمى تستعين بهذا الكتاب إلى جانب كتابات فرويد و يونج. ومن الطريف أن توظّف المؤلفة إحدى قصصها القصيرة ليكون حلمًا تحلمه سلمى (ص15). أما الثيمة القوية الأخرى فهي الخرافة، ونجدها في مقاطع عديدة في الرواية سواء من خلال شبح صابر الذي لا يكفّ عن الظهور لزوجته وابنته وغيرهما، أو الحكايات الشعبية التي استخدمتها المؤلفة بذكاء مثل قصة "كمّونة" التي تحاول الهرب من خاطفها، أو الممارسات التي يقوم بها أهل القرية مثل تقديم القرابين البشرية للحصول على البركة، و رمي البصل في النيل في موسم شم النسيم كي يخلصهم من اللعنات والشرور.

ومن الثيمات الفرعية نجد فكرة التعايش الديني، حيث نشاهد بشرى وهي تحاول بيع منتجاتها طلبا للرزق في مُولد "مار جرجس" و أمام كنيسة الشهيدة رفقة، قبل أن تعرّج على مقام سيدي أبي بكر. كما نجد شخصيات مسيحية مثل (رزق) الذي يعمل في مصنع جابر ورشيد، ويتعرض لمحاولةٍ مستمرة من إمام القرية لـ"هدايته" إلى الإسلام، و(عايدة) زوجة رزق التي يتولّد بينها وبين نساء القرية توجّس وكراهية دينية، خاصة مع (رحمة) والدة رشيد التي لم يرق لها أن يعمل في مصنع ابنيها "نصراني" وأن يسكن في ملكهم، إضافة إلى (مارجو) الطفلة المسيحية الأرستقراطية التي كانت دائمًا تلعب مع سلمى وجميلة وباقي الأطفال. كما نجد في الرواية ثيمة الخطيئة حاضرة في (لولا) خالة سلمى التي تموت منتحرة بعد حملها دون زواج، في حين فتحت الخطيئة بالنسبة لبشرى وابنتها جميلة بابًا تدلفان منه إلى عالم أفضل وشخصية أقوى.

من أقوى معالم هذه الرواية الاستخدام اللغوي، فقد أجادت منصورة عزّ الدين في الحفاظ على مستوى لغوي متوسط يبتعد عن التكلف أو الشاعرية المفرطة ويجتنب السطحية واللغة الجافة. هذا وقد نجحت المؤلفة في توظيف اللغة لتقريب المسافة بين القارئ والشخصيات والمكان الجغرافي الذي تدور فيه أحداث الرواية، حيث اعتمد الحوار كله على العامية الريفية، وتخللت السرد مفرداتٌ كثيرة متداولة في مصر من لغاتٍ أجنبية أو من العامية (مثل: فراندة، فوتيه، ألا جارسون، كوبيا، طبلية، لمبة، طلمبة، ساكسونيا). وهذا الهاجس في خلق نصٍ حي عاكسٍ للواقع تجلى أيضًا بشكلٍ مميز في رسالة كريستا الألمانية إلى هشام، حيث استخدمت المؤلفة لغة عربية (مصرية) ركيكة، مثل "لكن أنا عاوزة صراحة...لو إنت خلصت تحبني، لازم تقولي! أنا عارفة إنك حبتني، كان فيه الحب الحقيقي بيننا...شعوري ما غيرش، وإنت؟؟".

نلاحظ في الرواية أيضًا تدخّل المؤلفة بإيراد بعض الحواشي التي تشرح حلما أو حكاية شعبية أو حدثا تاريخيًا، وهذا ليس سيئا رغم أنه كان يُمكن دمج ذلك في النص نفسه، إلا أن هناك إحالات فرضتها المؤلفة تبدو خارجة عن سياق الرواية، مثلا في المقارنة بين رزق وبطل رواية "المهدي" لعبدالحكيم قاسم (ص139)، وبين عمل سلمى وبطل رواية "التاريخ العالمي للعار" لبورخيس (ص87).

في النهاية نقول بأن المؤلفة استطاعت أن تستغني عن الأحداث المتسارعة والأسرار وما إلى ذلك من عناصر التشويق، واستعاضت بسردها السلس الذي لا يطيل المكوث في مكانٍ أو زمان، فينتقل بالقارئ بسرعةٍ من صفحةٍ إلى أخرى دون أن يشعر بذلك. هي رواية جميلة، ولكن يحق لنا أن نتساءل (وربما نشكك) فيما إذا كانت ستستطيع المنافسة بقوة على جائزة البوكر مع الروايات الخمس الأخرى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق