الأربعاء، 10 فبراير، 2010

عالم روائي بديع وملحمة بطلتها امرأة: عرض لرواية "أميركا"



ربما أكثر ما يحترمه القارئ في أي روائي هو أنه تعب وبحث كثيرًا حتى يُخرج العالم الروائي الذي صنعه وتعمّق فيه، ولا يكتفي بـ"سوالف" وحكايات يجيد حياكتها. وهكذا لا يسعك إلا أن تشعر باحترامٍ وتقديرٍ كبيرين بعد قراءة رواية "أميركا" الصادرة عن المركز الثقافي العربي ودار الآداب عام 2009 في 430 صفحة.

المؤلف (ربيع جابر) روائي شاب غزير الإنتاج، لا يكاد يمر عليه عام دون أن يصدر رواية أو اثنتين أحيانًا، فمنذ روايته الأولى "سيد العتمة" عام 1992 صدرت له حتى الآن 16 رواية. ويبدو أن ربيع جابر يتبع في كتابته نوعًا خاصًا من الرواية التاريخية، بحيث يقدّم لك التاريخ بشكلٍ شائقٍ وبسيط، لكنه لا يسمح لهذا التاريخ أن يُحاصر خياله وإبداعه، بل يوظفه لإشعال مخيلته.

اختار ربيع جابر أن يقسّم الرواية إلى فصولٍ قصيرة لا يتعدى طول كل منها 3 أو 4 صفحات، بمجموع 126 فصلا موزعة على أربعة أجزاء. وإلى جانب ترقيم الفصول يضع المؤلف عنوانًا لكل فصل (باستثناء الفصل الأخير من كل جزء) ليمهّد للقارئ ويوجّه عنايته إلى تركيز الفصل على شخصيةٍ أو حدثٍ أو مكان. وربما أراد المؤلف من هذه الفصول القصيرة أن يُريح القارئ في روايةٍ طويلةٍ مليئةٍ بالشخصيات والحكايات، إضافة إلى سهولة الرجوع إلى فصلٍ من الفصول عندما يُحال إليه لاحقًا. ونجد أن هناك ثلاثة خطوطٍ سردية رئيسة في الرواية، خطّ البطلة (مرتا حداد) ويبدأ من الفصل الأول مستمرًا إلى النهاية، وخط (علي جابر) الذي يبدأ في الفصل الثاني تمهيدًا ثم نراه في الفصل السادس عشر، ولا يعود بعد ذلك إلا في الجزء الثاني الفصل 54 حيث تستمر قصته وتقاطعه مع البطلة. أما الخيط الثالث فهو خط (خليل حداد) الذي يبدأ في الفصول الأولى ثم يختفي ويعود لاحقًا.

تحكي الرواية قصة مرتا حدّاد الشابة السورية من قرية "بتاتر" التي تُسافر إلى أميركا بحثًا عن زوجها الذي انقطعت رسائله وأخباره. تصل إلى هناك وحيدة ليس معها إلا كيس به زوّادة بسيطة وقليل من المال، تتجه إلى التاجر الأميركي الذي يعمل زوجها عنده. الجميع يعرف زوجها (خليل) أو (جو) كما يطلقون عليه هناك، ولكن أخباره انقطعت منذ فترة ولا أحد يعرف مكانه أو ما حدث له. تعمل مرتا لدى التاجر الأميركي في معمل خياطة، منتظرة أن تسمع أخبارًا عن زوجها. تمرّ الأيام وتكتشف مرتا أخبارًا سيئة عنه، فتقرر الابتعاد عنه والمضيّ في حياتها، لكنها لا تعود إلى بلادها. تعمل بائعة متجولة "كشّاشة"، ثم تعمل في متجر في فيلادلفيا. وتستمر القصة من عام 1913 مرورًا بسنوات الحرب العالمية الأولى، ووباء الإنفلونزا الإسبانية، والكساد الاقتصادي ثم الحرب العالمية الثانية إلى عام 1973 مرّت فيها مرتا وبقية السوريين المهاجرين بأحداث كثيرة، تُكافح وتعمل حتى نراها في نهاية الرواية وقد وصلت إلى الثمانين من العمر بين أولادها وأحفادها في كاليفورنيا ثرية لها أملاك وتجارة. هذه هي القصة باختصار شديد، والحقيقة أن القصة بحد ذاتها (رغم جمالها وإمتاعها) ليست السبب الأهم في روعة الرواية، وإنما العالم الروائي والتقنيات الكتابية التي استُخدمت في الرواية.

يتجلى إبداع الرواية حقًا في التقنيات السردية، فالسارد يبدو أحيانًا وكأنه يعرض علينا فيلمًا سينمائيًا ويعلّق عليه، مثلا حين يقول: "أخاف على مرتا. أراها وحدها على الطريق..." (ص 100) أو حين يُدخل القارئ/المشاهد معه فيقول "لكن ما ستسمعه [مرتا] الآن لا يشبه ما سمعته من قبل. الكلمات سكاكين، يمكن أن تقتل. كل ما نستطيعه الصلاة من أجلها" (ص101). وفي مواضع عدة في الرواية نجد السارد يحدثنا مباشرة فيقول "عزيزي القارئ" وينبهنا إلى أنه لاحقًا سيحدث كذا وكذا. ورغم أن السارد من وجهة نظر النقد الأدبي هو من نوع "السارد العليم"، إلا أنه لا يعرف كل شيء دائمًا، بل يتساءل بين قوسين مع القارئ عن دواخل الشخصيات وعن بعض التصرفات، وفي بعض الأحيان يعترف لنا بنقص المعلومات عن شخصيةٍ أو حادثةٍ ما، مما يُشعرنا بنوعٍ من الواقعية. والمثيرُ أنّ المؤلفَ يلعب مع القارئ لعبة طويلة، فالقارئ يحاول أن يعرف من الذي يسرد الرواية، ولكنه لا يعرف إلا في الجزء الثالث (ص298) أن السارد أحد أفراد العائلة، ولا يعرف حقيقة السارد وشخصيته إلا قرب النهاية (ص353) في مفاجأة مذهلة.

وأما اللعبة الأكبر والأكثر إمتاعًا نجدها في العالم الروائي الذي بناه ربيع جابر، فيظل القارئ يتأرجح حول سؤال ما إذا كانت القصة هذه حقيقية أم لا. الرواية تُعيدنا إلى بدايات القرن العشرين زمن الهجرة السورية (والمقصود سورية الكبرى) إلى "العالم الجديد"، فنشاهد أحوال المهاجرين هناك وفي ماذا يعملون، وكيف نقلوا بلادهم وثقافتهم إلى "الحي السوري" في قلب نيويورك. في الرواية إشارات إلى أشخاصٍ حقيقيين (جبران خليل جبران و هاري ترومان مثلا) ومصادر حقيقية من كتب لميخائيل نعيمة وميخائيل أسعد وربيع جابر مثلا، وحوادث تاريخية حقيقية، ومع ذلك يقول لنا ربيع جابر قبل الرواية "هذه الرواية من نسج الخيال، وأي شبه بين أحداثها وشخوصها وأماكنها مع أشخاص حقيقيين وأحداث وأماكن حقيقية هو محض مصادفة ومجرد عن أي قصد". ولكنك ستظل تسأل نفسك ما إذا كانت الرواية حقيقية أم لا عندما تشاهد المراجع والمصادر المُحال إليها. مثلا، يقول لك الساردُ أن بعض أسماء المهاجرين موجودة في موقع "إيليس آيلاند"، ويُحيل إلى قتالٍ بين السوريين في الحي السوري ويقول لك بأن صحيفة "نيويورك تايمز" كتبت عن ذلك. ولو عُدتَ إلى الموقع المذكور لوجدت اسم (مرتا حداد) و (علي جابر) بالفعل من بين أسماء المهاجرين! ولو راجعت أرشيف الصحيفة المذكورة لوجدتَ الخبر منشورًا بالفعل! يبدو أن ما فعله ربيع جابر هو أنه استخدم عالمًا تاريخيًا حقيقيًا وُجد ذات يوم، وفي داخله صنع عالمه الروائي المُتخيّل، عالم مرتا حداد وباقي الشخوص.

يقودنا ذلك إلى قضية البحث الذي يبدو أن ربيع جابر قد أجراه لكتابة الرواية، فهناك إحالات إلى كتب ورسائل وتقارير وأخبار صحفية تشير إلى بحث المؤلف. ومن اللافت للنظر قدرة المؤلف على تصوير أميركا وولاياتها وأحيائها وعلمه بتاريخها وكأنه قد عاش هناك. هذا ولا نعرف كيف عرف [أو اخترع] ربيع جابر قائمة البضائع التي يبيعها الكشاشون وأسعارها، والموجودة في بيت مرتا حدّاد على حد قول السارد: "يردة شاش أنواتو 50 سنت، يردة شاش سوزني 30 سنت، مخدة أطلس ديفال 35 سنت، صرامي اسلامبولية للنسوان 90 سنت، عوينات مذهبة 25 دولار، نكلس (عقود) 90 سنت..." (ص154). هذا ونجد استخدامًا بديعًا (مؤلمًا في الحقيقة) لعنصرٍ تاريخي يتذكره من يعرف التاريخ الأميركي الحديث، وهو عبارة "أخرجوا موتاكم bring out your dead" والتي يُنادي بها سائقو عربات نقل الموتى في وقت الوباء لدفن الجثث في قبور جماعية تخلصًا منها. وفي رحلة مرتا حداد من نيويورك إلى لويزيانا يصف لنا السارد المشاهد والمحطات التي يقف عندها القطار، وكأن المؤلف قد سار في هذا المشوار فعلا. يمكنني الاستنتاج أن ربيع جابر استخدم معلومات من مصادر كثيرة ليرسم عالمه الروائي، وقد اكتشفتُ أنه في وصفه لـ"الحي السوري Syrian Quarter" في الفصل (29) قام بترجمة بعض فقراتٍ من مقال منشور في جريدة نيويورك تايمز عام 1924 يتحدث عن الحيّ السوري، ولكنه لم يشر إلى المصدر، إلا أنه قال في السرد "انظر أعداد الأسبوع الأول من أيار/مايو في جريدتنا [نيويورك تايمز]، هذه السنة"، كإشارة خفية إلى تغيّر السارد هنا.

وأما اللغة فقد جاءت بمستوى بسيط سلس دون تنميق، إلا أن ربيع جابر وُفق في استخدامها بما يكفي لتصوير المشاهد والمشاعر والأحداث تصويرًا مُلائمًا جذابًا. واختار المؤلف أن يلتزم بالعربية الفصحى في السرد والحوارات، في حين هناك بعض المواضع في الحوار تستخدم بعض الكلمات العامية، ربما لإشعار القارئ بالألفة التي شعرت بها الشخصية عند الحديث بالعامية في الغربة. هذا وقد حاول المؤلف الإبقاء على السياق اللغوي الأميركي من خلال استخدام الإنجليزية في بعض عناوين الفصول وأسماء المناطق، إلى جانب بعض الترجمات الإنجليزية في الهامش لجملٍ جاءت على لسان شخصيةٍ ما بالإنجليزية.

رواية جميلة جدًا في غاية الإمتاع وتتسم بنفسٍ ملحمي يأخذنا في حوالي ستين سنة من أميركا المهاجرين السوريين في القرن العشرين، كاشفة عن الصراع الذي يدور في داخلهم بين الحنين إلى الوطن الأصلي، ومحاولة التصالح مع الوطن الجديد والانسجام معه في حياة تشهد الكفاح والألم والخسارات والنجاحات، في مقابل الجيل الثاني الذي لا يجد له جذورًا قوية في الوطن الأصلي، وتكون أميركا له وطنًا يُدافع عنه ويحتمي به. لقد قدّم لنا ربيع جابر ملحمة كفاح رائعة البطل فيها أنثى لها قوة وصبر وشهامة تساوي ما عند ألفٍ من الرجال. لا شكّ عندي في أن هذا العمل منافسٌ قويٌ جدًا في جائزة البوكر العربية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق