الأربعاء، 24 فبراير، 2010

ملحمة البحث عن الذات:عرض لرواية "يوم غائم في البر الغربي"


كيف تملك ألاّ تستمتع بقصةٍ تُشبع فيك فضولا عن الماضي البعيد، وشخوصه، ومفردات حياته؟ إن أحد الأسباب التي تجعلنا نتعلق بالقصص القرآنية ونتأثر بها هو أنها لا تكتفي بسرد الأحداث، وإنما تبعث الحياة في الشخصيات التاريخية لتجعلها تتحدث أمامك، وتفكر، وتتفاعل فيما بينها. فرقٌ كبيرٌ بين أن تقرأ سيرة شخصٍ ما، وأن تشاهده حيًا ينبض بين السطور يعبّر عن نفسه بنفسه. وإذا كان الأمر كذلك فليس لك إلا أن تستمع جدًا برواية "يوم غائم في البر الغربي" الصادرة عن دار الشروق عام 2009 (وفي طبعة ثانية عام 2010) في 570 صفحة، للروائي المصري (محمد المنسي قنديل). أما المؤلف فهو طبيبٌ سابق وكاتب متفرغ حصل على عدة جوائز أدبية كانت آخرها جائزة ساويرس للآداب عام 2006، له العديد من المجاميع القصصية والسيناريوهات السينمائية، إضافة إلى روايتين وعددٍ من الكتب في أدب الرحلات وأدب الأطفال.

أما الرواية التي نتحدث عنها اليوم فجاءت في 11 فصلا، كل فصلٍ مخصص لمكانٍ من الأمكنة التي تدور فيها الأحداث، فتبدأ الرواية في (أسيوط) وتمرّ بـ(المنيا) و (مقابر بني حسن) و(السيدة زينب) و (نجع بني خلف) وغيرها إلى أن تنتهي في (وادي طيبة). سيلاحظ القارئ أن الفصول طويلة جدًا، ولكنه قرار له أسبابه في رواية تحتفي بالمكان وتركز عليه، فيكون محور الفصول هو المكان لا الشخصية أو الحدث. أما السرد فينبعث في ثلاثة خطوط، أولها مع البطلة الرئيسة (عائشة)، ثم يظهر بعد مائة صفحة الفنان والمنقّب الأثري (كارتر) حين تتقاطع حياته مع عائشة، ثم يختفي لأكثر من مائتي صفحة ويعود بعدها ليجتمع بعائشة مرة أخرى. وأما الخيط الثالث فهو الذي يشير بقوةٍ إلى إبداع الرواية، وهو خيط شخصية فرعونية تأتي في أواخر الرواية عندما تتقاطع حياة كارتر معها. وهكذا فالمؤلف يحكي لنا قصة في بدايات القرن العشرين، ولكنه في لحظةٍ ما تستدعيها الرواية يُعيدنا آلاف السنين إلى الحضارة الفرعونية. هذا وقد اختار المؤلف أن ينوّع في طريقة السرد، حيث استخدم صوت الضمير الغائب العليم مع عائشة والشخصية الفرعونية، وضمير المتكلم مع كارتر. ويبدو أن هذا الخيار لم يكن اعتباطيًا أو لمجرد التنويع، فشخصية كارتر احتاجت إلى تقنيةٍ تُخرج أفكارها الداخلية ونزقها وتمردها ومُشاهداتها المباشرة في المواقع الأثرية.

يتجلى إبداع هذه الرواية في بناء قصتها وقدرة المؤلف على تسليط الضوء على أماكن مهملة في التاريخ. تبدأ الرواية بمشهدٍ درامي قوي يُفجّر الكثير من الأسئلة ويفتح أبوابًا من التشويق تجعلك تقلّب الصفحات دون ضجر. وهكذا نتعرف إلى البطلة عائشة، الفتاة المصرية التي تسوقها أقدارها إلى عوالم مختلفة في بدايات القرن العشرين مع الوجود البريطاني في مصر وحركات الثوريين ونضالهم ضد الذلّ والمهانة. ونتعرف كذلك إلى كارتر الفنان والمنقب الأثري في زمن الحملات التنقيبية عن الآثار الفرعونية ونقوشها وكنوزها وأسرارها، وهو سياق لم يأخذ ما يستحقه من حيزٍ في الرواية المصرية. وربما ما يجمع بين عائشة وكارتر هو رحلة البحث عن تحقيق الذات، وبينما عائشة تبدو كأنها تبحث عن شيء لا تعرفه، نجد كارتر يبدأ مثلها ثم ما يلبث أن يعرف ما يبحث عنه ولكنه يعجز عن الوصول إليه. وعندما يتلاقى طريقاهما يصلان إلى مكانٍ جغرافي يتقاطعان فيه مع شخصية فرعونية هي الأخرى كانت تبحث عن تحقيق ذاتها، فنتعرف إليها وعلى رحلتها قبل أن نعود إلى حاضر عائشة وكارتر.

إن ما فعله المؤلف في هذه الرواية هو زرع شخصية خيالية (عائشة) في عالمٍ تاريخي حقيقي، بين شخصياتٍ يعرفها الجميع، ولكننا قلما نجد الفرصة لنشاهدها من كثب. فالبطل الثاني كارتر ليس إلا المنقب الأثري البريطاني الشهير (هوارد كارتر Howard Carter) صاحب الاكتشاف العظيم في الآثار الفرعونية، والبطل الثالث ليس إلا شخصية فرعونية مثيرة معروفة لنا أيضًا. وإلى جانب هؤلاء نجد شخصيات ثانوية (في الرواية) كثيرة نعرفها بأسمائها وربما ببعضٍ من تاريخها، كالزعيم الثوري (مصطفى كامل)، والنحّات المصري الأشهر (محمود مختار)، والمندوب السامي البريطاني (اللورد كرومر Lord Cromer)، إضافة إلى منقبين أثريين معروفين وشخصيات فرعونية بارزة مثل (نفرتيتي) و (توت عنخ آمون). ومما يُحسب للمؤلف قدرته على تصوير الشخصيات بصورةٍ تتوافق مع ما عُرف عنها، فنجد اللورد كرومر مثلا بغروره وعنجهيته وتسلطه ونظرته العنصرية للمصريين، وفي المقابل نجد مصطفى كامل الثوري المتحمس القائد المُلهِم. ومن الواضح جدًا أن المؤلف قد بحث طويلا في تاريخ مصر في تلك الفترة وسِيَر شخصياتها، وفي أخبار التنقيب الأثري وأبرز أسمائه، وفي التاريخ الفرعوني وقصصه، فنجد مثلا حادثة دنشواي الشهيرة، ومشهد خروج اللورد كرومر، والمظاهرة التي وقع فيها الحكمدار الإنجليزي من فوق حصانه. ومن العناصر التاريخية التي استخدمها المؤلف على نحوٍ جميل الجملة التي يقولها كارتر في المشهد الأخير، حيث إنها هي نفسها الجملة الشهيرة التي نُقلت عنه كثيرًا، وفي المقام نفسه. ونحن إذ نقول ذلك يجب أن ننوّه إلى أن المؤلف رغم ذلك لم يقدم تقريرًا تاريخيًا، بل وظّف التاريخ لينسج قصة جديدة منسجمة معه.

ومما يجب أن يُحسب للمؤلف أيضًا قدرته الفائقة على التصوير، فالقارئ لا يملك إلا أن يشاهد ما يصفه المؤلف بتفاصيله الدقيقة، بلونه وشكله ورائحته وحتى ملمسه، وهذا في الواقع ليس بغريب على كاتب سيناريو. ولأنّ الرواية كما ذكرنا آنفًا تحتفي بالمكان، فقد كان لزامًا أن يأتينا الوصف دقيقًا لتفاصيل المكان برمله وحجره ومبانيه والروائح المنبعثة منه. وبالإضافة إلى وصف الأماكن والشخوص، هناك مشاهد رسمها المؤلف مفصّلة بحرفية عالية، بحيث يجد القارئ نفسه يتساءل "من أين له أن يعرف كل هذا؟". فمثلا يقدم لك المؤلف وصفًا تفصيليا لعملية وشم، وعملية اغتصاب، وعملية إجهاض، وينجح تمامًا في أن يشعرك بالألم والتقزز والإشفاق، فلا ينتهي المشهد إلا بأنفاسك المتلاحقة.

أما لغة الرواية فجاءت خفيفة جميلة، متوازنة بين الحوار والسرد. واختار المؤلف أن يلتزم بالعربية الفصحى وتجنب العامية، وفي رأيي هذا قرار صائب، حيث إن الأماكن في هذه الرواية متغيرة وبالتالي هناك عدة لهجات، إضافة إلى أن هناك شخصيات كثيرة ليست العربية لغتها أصلا، وهكذا فإن الفصحى هنا تكون وعاء شاملا للجميع. ومما تجدر الإشارة إليه أن بعض الحوارات التي جاءت على لسان الأجانب-رغم فصاحتها- تبدو وكأنها مُترجمة عن أصلٍ إنجليزي: "يا للمسيح!...ماذا تظن أنك تفعل؟" (ص121)، "من أنتِ على أي حال؟" (ص177)، "كفى..الأمور سيئة بما يكفي" (ص200). من ناحية أخرى جاءت الحوارات مُناسبة لشخصياتها، فلغة بائعة الهوى (نبوية المستحية) بلزمتها "يا قلبي" لها مِزاجٌ مختلف عن لغة عائشة أو لغة الصحفي (عبدالرحمن الرافعي) مثلا.

هناك سؤالان هامان يستمران لدى القارئ أثناء قراءة الرواية، أما السؤال الأول فهو: إلام ترمز عائشة؟ هل هي مصر في كفاحها وفي أصالتها وفي تعرضها للإذلال والاستغلال؟ ألذلك كان لعائشة اسم إسلامي، وملامح فرعونية، ووشم مسيحي يبقى معها إلى الأبد؟ ربما. أما السؤال الثاني فهو: ما دور الذئاب في الرواية؟ لقد استخدم المؤلف الذئاب بطريقةٍ رائعة، فالذئاب تتبع الشخصيات وتظهر لهم في مواقف معينة، تنذرهم، وترعبهم، وتحميهم، وتوجههم وتنتقم لهم. ومع القراءة سيتبين للقارئ أن هناك رابطًا قويًا بين الذئاب وبين أبطال الرواية، قد يكون خياليًا جدًا، ولكنه ليس فجًا، بل جاء بطريقةٍ جميلة صبغت الرواية بطابع غرائبي بديع.

ومن الطريف أن يبني المؤلف جزءًا من أحداث الرواية على أنّ (توت عنخ آمون) هو طفل وجده (أخناتون) واتخذه ولدًا ليخلفه في حكمه، بينما يظهر لنا هذا الشهر فقط-فبراير 2010- الدكتور (زاهي حوّاس) الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار في مصر ويُعلن للعالم أن تحليل الحمض النووي أثبت بأن توت عنخ آمون هو ابن أخناتون بلا شك.
هي رواية شديدة الإمتاع والإبداع، مكتوبة بحرفية عالية، تأخذنا في رحلة طويلة لنشهد على صراع مصر مع الاحتلال، وصراعها مع من يسرقون آثارها، وصراعها لتحقيق ذاتها. لقد استطاع محمد المنسي قنديل ببحثه وخياله أن ينتج رواية تستحق بجدارة أن تكون على قائمة جائزة البوكر العربية. وفي رأيي الشخصي بعد قراءة الروايات الست المتنافسة واستعراضها على مدى الأسابيع الماضية، أتوقع أن تنحصر المنافسة النهائية بين رواية "أميركا" لربيع جابر ورواية "يوم غائم في البر الغربي"، وكلا الروايتان تستحقان الفوز، والاحترام، والتقدير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق