الأربعاء، 7 أبريل، 2010

الشرق من التشويه إلى المصداقية: عرض لكتاب "تطور صورة الشرق في الأدب الإنجليزي"



من المواضيع الهامة في الدراسات الأدبية استقصاء صور الشعوب والثقافات في الآداب المختلفة، حيث يشكل الأدب مادة شعبية ونخبوية ثرية لاستكشاف نظرة البشر وانطباعاتهم عن الشعوب الأخرى. وهناك العديد من الدراسات العربية التي تتناول هذا الموضوع، قد يكون آخرها عُمانيًا كتاب "غواية المجهول: عمان في الأدب الإنجليزي" للدكتور هلال الحجري. في هذا المقال نستعرض كتاب "تطور صورة الشرق في الأدب الإنجليزي" للدكتور ناجي عويجان بترجمة تالا صبّاغ، الصادر عن المنظمة العربية للترجمة عام 2008 في 228 صفحة.

الدكتور ناجي عويجان هو أستاذ اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة سيدة اللويزة بلبنان، وهو رئيس جمعية بايرون اللبنانية، ترأس المؤتمر الدولي الأول للأدباء اللبنانيين-الأميركيين والمؤتمر الدولي لتحديات الترجمة التحريرية والشفوية في الألفية الثالثة، كما أنه يشغل عدة مناصب أخرى في جمعيات أكاديمية وأدبية أخرى. صدر له كتابان باللغة الإنجليزية وقام بتحرير ثلاثة كتب أخرى، إضافة إلى ترجمة كتابين عربيين إلى الإنجليزية لأمين الريحاني وفريد مطر.

ينقسم الكتاب إلى مقدمةٍ يبيّن فيها المؤلف أهداف الكتاب وسياقه وحدود ما يتناوله، وفصلٍ أول يناقش صورة الشرق إلى ما قبل القرن السابع عشر، وفصلٍ ثانٍ للقرن الثامن عشر، وفصل ثالث أطول من سابقيه للقرن التاسع عشر. وقد امتنع المؤلف عن مناقشة صورة الشرق خلال القرن العشرين لـ"تنوع التعبير الأدبي الحديث الذي لم يعد يقتصر على المواد المطبوعة...وهذا الموضوع واسع وغني جدًا ليناقش في عمل وجيز كهذا" (ص13).

في الفصل الأول يتطرق المؤلف إلى الأصول التاريخية لاتصال الشرق بالغرب، وبيّن فيه كيف أنّ ظهور المسيحية أدى إلى المزيد من التواصل وتأسيس صورة عن الشرق من خلال كتابات الحجّاج والرحّالة وقصص الكتاب المقدس التي أذكت خيال الغرب بصور الشرق العجائبي على نحوٍ مشوّه ومبالغ في الخيال. وبعد ظهور الإسلام ووصوله إلى إسبانيا تحوّلت هذه الصورة الأسطورية إلى أخرى سلبية على يد الصليبيين الذين رأوا في الدين الإسلامي خطرًا وضلالا. ومن الإشارات المثيرة في هذا الفصل أنّ الأديب المرموق (تشوسر) أظهر الشرق في أدبه بصورةٍ سلبية ليس بالضرورة لأنه كان متحيزًا ضد الشرق، وإنما لأنه كان يتبع التقليد الأدبي السائد آنذاك في تصوير الشرق بتلك الطريقة، وأنّ عددًا من أدباء العصور الوسطى كانوا يصوّرون الشرق سلبًا رغم أنهم لم يزوروه، ولكنهم كانوا يثقون ثقة عمياء بالكتابات القديمة عن الشرق. ومع حلول عصر النهضة الأوروبية وتأسيس الشركات التجارية الكبرى أصبح سفر الإنجليز أكثر سهولة، واستطاع عددٌ من الكتّاب أن يزور الشرق ويكتب عنه بموضوعية دون تحيّز، إلا أن النفوذ العثماني الذي كان خطرًا على الغرب جُوبه بدعايات حربية صوّرت الأتراك (والمسلمين تبعًا لهم) بأبشع الصور. وفي هذا العصر ظهرت عدة كتب تاريخية عن الشرق، وعُرضت الكثير من المسرحيات عن الشرق تلبية لرغبة الجمهور المتعطش لمعرفة المزيد عن هذا العالم، إلا أنّ جوّ الدمار والقتل والحروب والخيانة والإجرام كان هو السائد على هذه الأعمال. حتى شكسبير نفسه لم يكن تصويره للشرق إيجابيًا، وعمد إلى استخدام الشرق لزخرفة أعماله. أما أكثر المسرحيات "الشرقية" شعبية فكانت للكاتب الشهير كريستوفر مارلو، وذلك لأنها أظهرت الشرق وحشيًا ضالا كما يتوقع الجمهور. وظلت الأعمال التاريخية وكتب الرحلات الموضوعية النادرة مُتجاهلة، في حين استمر الأدب الإنجليزي في تشويهه للشرق. أما الأعمال القليلة التي قدّمت معلومات حقيقية عن الشرق فكان أغلبها مترجمٌ عن مؤلفين فرنسيين.

وفي الفصل الثاني يتحدث المؤلف عن النقلة التي حدثت في القرن الثامن عشر من حيث ازدياد اهتمام الإنجليز بالشرق وانكبابهم على ما يُكتب ويُنقل عنه. في هذا القرن لم يكن الشرق يشكّل خطرًا سياسيًا أو عسكريًا على الغرب، وفيه سقطت الحكومات والامبراطوريات الشرقية، وتوسع النفوذ الاستعماري الغربي في الشرق، وازدهرت الشركات التجارية الغربية الموغلة في أرض الشرق. ونتيجة لهذا الازدهار اهتم الشعب الإنجليزي ببضائع الشرق وآثاره، وأصبح في مقدور الكثير من الإنجليز الترحال والكتابة عن الشرق وكانوا يرون بأن لهم دورًا في تثقيف الشعب الإنجليزي وتصحيح مفاهيمه حول الشرق. ويذكر المؤلف أن من أهم المصادر التي أثرت الكتّاب الإنجليز كتابات المستشرقين التاريخية وترجماتهم لأدب الشرق، مثل "ألف ليلة وليلة" و "القصص التركية" و"القصص الفارسية". ومن أكثر المعلومات إثارة في هذا الفصل تأثير هذه الأعمال الأدبية المترجمة على الأدباء الإنجليز، فيناقش المؤلف تأثير الأعمال المذكورة آنفًا على تطور القالب القصصي الإنجليزي وتأثر عدد من الكتاب بها مثل الكاتب الشهير جوناثان سويفت في روايته "رحلات غوليفر"، فتقول الباحثة مارثا بايك كونانت: "الليالي العربية كانت عرّابة الرواية الإنجليزية" (ص72). ومن تأثير هذه الترجمات أيضًا أن تحوّل الاهتمام من الجوانب الدينية في الشرق إلى الجوانب الفنية الإبداعية. وفي القسم الأخير من هذا الفصل يستعرض المؤلف بعض الإشارات الشعرية والمسرحية للشرق، ويناقش بتفصيل عملين من أكثر الأعمال الأدبية تأثيرًا في تطوير صورة الشرق هما "راسلاس" لـ(صمويل جونسون) و "فاتك" لـ(وليم بيكفورد). وتكمن أهمية العمل الأول في تصويره للشرق بأنه مكان واقعي وليس سحريًا غرائبيًا، وأنه مكان للسلام والمحبة والحكمة لا للحروب والبطش والجهل، ومكان لديانات جديدة مختلفة لا ديانات ضالة، وهكذا يكون "[صمويل] جونسون هو الشخصية الأدبية الأولى التي تحدت آراء أسلافها المتحيزة" (ص95). وأما العمل الثاني فقد تميّز بدقة التفاصيل الحقيقية وثرائها في مجالات عديدة من الشرق بحيث بدا مؤلفه مرجعًا يُعتمد عليه.

وأما الفصل الأطول (الثالث) فقد نظر أولا في أحوال القرن التاسع عشر وأثرها على صورة الشرق في الأدب الإنجليزي، مبينا أن الظروف السياسية التي ترتبت على الحملة الفرنسية على مصر وحرب الاستقلال في اليونان وتقدّم المعرفة العلمية والتاريخية قادت إلى تعاطف شعبي إنجليزي مع الشرق ورغبة عارمة في المزيد من المصداقية في الكتابات عنه. هذا وقد زاد اهتمام أوروبا بدول الشرق نظرًا لوجود نسبة كبيرة من المسيحيين فيه تحت سلطة الدولة الإسلامية، إضافة إلى الأسباب الأخرى التي دفعت إلى التحرك الاستعماري لدول الشرق. وعلى إثر ذلك ازداد اهتمام الرحالة والباحثين بمصر وفلسطين وتركيا لدراسة آثارها وجغرافيتها وعادات شعوبها، وقد قدّموا-وفق كلام المؤلف- صورًا موضوعية إيجابية عن الشرق مما أكسب مؤلفاتهم شعبية واسعة النطاق. ومن بين العوامل المؤثرة الهامة أيضًا تأسيس الجمعية الملكية الآسيوية لبريطانيا العظمى وأيرلندا والتي خصصت صندوقًا للترجمة لتشجيع الدراسات والترجمات فيما يتعلق بالأدب والثقافة في الشرق. وما نلاحظه في هذا الفصل هو أنّ الرحالة لم يكتفوا بزيارات سريعة كمن سبقهم، بل كانوا يقيمون لفتراتٍ طويلة في الشرق ويندمجون مع الشعوب الشرقية للتعرف عن قرب على طباعهم وعاداتهم وتراثهم. ويناقش المؤلف ثيمة هامة وهي تأثر الشعراء الرومنسيين بالشرق، حيث أصبحت المكوّنات الشرقية جزءا أساسيًا في شعرهم، وذلك لأنهم كانوا يبحثون عن الغريب وغير المألوف رغبة في إذكاء خيال القارئ الإنجليزي. وهكذا يستعرض المؤلف بعض الأعمال لأشهر الشعراء الرومنسيين مثل (كيتس) و (وورزدورث) و (شيلي) مبينًا كيفية استخدامهم لصور الشرق. أما الأثر الأكبر في تطور صورة الشرق فكان للشاعر الكبير (اللورد بايرون) والذي تولّع بالشرق منذ صغره، وانكبّ على التهام الكتب التي تتناول الشرق، إلا أنه لم يكتب شيئًا عن الشرق قبل أن يقيم فيه. هذه العناية الفريدة بالمصداقية هي التي أكسبت أعمال بايرون الشرقية إعجابا كبيرًا ونجاحًا واسعًا. بعد ذلك وضّح المؤلف خفوت الاهتمام بالشرق في العصر الفيكتوري، فلم يهتمّ من الكتاب الفيكتوريين بالشرق اهتمامًا ملحوظًا إلا اثنان هما (إدوارد فيتزجيرالد) و (توماس كارلايل). أما الأول فهو الذي ترجم رباعيات الخيام إلى الإنجليزية، ومعروفٌ أن هذه الترجمة نجحت نجاحًا باهرًا رغم (أو بسبب) عدم التزامها بالأصل، وكان لها أثر كبير على القراء الإنجليز. وأما توماس كارلايل فقد قدّم محاضرة هامة بعنوان "البطل كنبي، ومحمد والإسلام" ضمن سلسلة محاضرات عن الأبطال في التاريخ، وتطرق فيها إلى شخصية النبي محمد (ص) والدين الإسلامي، وأظهرهما بصورة إيجابية لم يعتد الجمهور الإنجليزي عليها. ولقد جاء في المحاضرة آراء "جريئة" حول النبي والقرآن وانتشار الإسلام على نحوٍ موضوعي حيادي، أثّرت على عددٍ من الأدباء الإنجليز، وصححت المفاهيم المغلوطة عن النبي والإسلام، ويقول المؤلف "أما بعد هذه المحاضرة فلم تتجرأ أي شخصية أدبية غربية على تشويه صورة الشرق والإسلام...[و] اتبع عدة أدباء إنجليز أسلوب كارلايل الموضوعي وغير المتحيز في معالجة الشرق وحضاراته" (ص193).

هو كتابٌ ممتع وغنيّ بالمعلومات والاستشهادات التي تقدّم للقارئ الكريم فكرة جيدة عن صورة الشرق في الأدب الإنجليزي حتى القرن التاسع عشر. كنتُ أتمنى من المؤلف أن يتحدث بإسهاب في المقدمة عن مفهوم الاستشراق كما وضّحه إدوارد سعيد سواء اتفق مع رؤيته أم لا، وذلك لأهمية هذا المفهوم في دراسةٍ كهذه. كما أعتب على المؤلف أن يُنهي بحثه بخاتمةٍ قصيرة لم يتوسع فيها بتحليل الاستنتاجات ومقارنتها بما وجده باحثون آخرون في الموضوع نفسه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق