الأربعاء، 21 أبريل، 2010

نعيب زماننا والعيب فينا: عرض لمسرحية "أهلا يا بكوات"



أعتقد أن الكثير منا-إن لم يكن جميعنا- يتمنى لو كان بالإمكان الضغط على زر "التراجع undo" في حياتنا للتراجع عن عملٍ قمنا به، رغبةً في تعديله أو الإتيان بأفضل منه، ولو سنحت لنا الفرصة وعُدنا للماضي لتخلينا عن كثيرٍ مما فعلنا، ولقدّمنا كثيرًا مما لم نقم به. نتناول اليوم مسرحيةً طرحت هذه الفكرة بأسلوبٍ كوميدي ممتع يجعلك تتفكر كثيرًا فيما كنت ستفعله لو عاد بك الزمن إلى الماضي، وهي مسرحية "أهلا يا بكوات" للكاتب المصري (لينين الرملي). كنتُ عندما أشاهد مسرحية لهذا الكاتب أتساءل متى يمكننا قراءتها، وتحققتْ أمنيتي أخيرًا عندما قامت دار نهضة مصر قبل سنواتٍ قليلة بطباعة مجموعةٍ منها، وهكذا صدرت "أهلا يا بكوات" عام 2008 في 166 صفحة من القطع الصغير. وقد قُدّمت هذه المسرحية على خشبة المسرح لأول مرة عام 1989 وحقق نجاحًا كبيرًا، ثم أعيد عرضها عدة مرات كان آخرها عام 2006.

إن كنتَ من محبي المسرحيات الكوميدية ذات الإسقاطات الرمزية الجادة، فلا بدّ أنك ستهوى عددًا من مسرحيات (لينين الرملي)، هذا الكاتب الذي يجيد إيصال الفكرة بسلاسةٍ وخفة ظل، دون ابتذال أو إسفاف، فيُضحكك على ما هو حريّ أن يبكيك. قدّم عددًا من المسلسلات التلفزيونية والأفلام السينمائية وحوالي 40 مسرحية. أما أشهر أعماله فتلك التي كوّن فيها ثنائيًا مميزًا مع الفنان الرائع (محمد صبحي)، وهي "انتهى الدرس يا غبي" و "تخاريف" و "أنت حر" و "وجهة نظر" و "الهمجي". وقد حصل الرملي على عدة جوائز في المسرح منها "جائزة كلاوس" عام 2005، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 2006، وجائزة سعاد الصباح.

تحكي مسرحية "أهلا يا بكوات" قصة المدرّس الفقير (نادر) و صديقه العالم المثقف الثريّ (د. برهان) الذين يلتقيان بعد طول غياب، ويتناقشان حول المستقبل وما قد يحدث لمصر والإنسانية جمعاء نتيجة للتطور التقاني العجيب. وفجأة يُزَلزلُ المكانُ وينتقلان في الزمن إلى مئتي عامٍ في الماضي (إلى عصر المماليك). هناك يُضطران إلى إخفاء حقيقتهما ومحاولة التعايش مع الوضع الجديد، ثم السعي إلى تغيير التاريخ بإصلاح الأخطاء التي حدثت في الماضي، وتعجيل النهضة والتطور العلمي كي تستطيع مصر (والعرب عمومًا) اللحاق بركب الأمم الأخرى. ومع مرور الأحداث نجد الصديقين يختلفان في التعامل مع هذا الماضي اختلافًا كبيرًا فيتصادمان وتودي بهما مواقفهما إلى مواجهةٍ كبيرة.

بالنظر في لغةِ المسرحية نجدها مُناسبة جدًا لهذا العمل الذي كُتب كي يُقدّم على المسرح الشعبي لا النخبوي، فجاءت سلسة خفيفة مبتعدة عن الشاعرية أو الخطابية (إلا في مواضع تستدعي ذلك) كي تكون قريبة من المتفرجين الذين سيحضرون لمشاهدة المسرحية. وكي تكون اللغة أقرب إلى هذا الجمهور استخدم لينين الرملي اللهجة المصرية. ولأنّ هناك فرقًا زمنيًا بين شخصيتي نادر وبرهان من ناحية وشخصيات العصر المملوكي، كان على المؤلف أن يستخدم لهجةً مصرية لا تبدو معاصرة، تستخدم ألفاظًا توحي بذلك الزمن (مثل: التقيتهم، بصاصين، استخراع، استحرص منهم). ومن علامات نجاح المؤلف أيضًا أن الحوار كان مُناسبًا للشخصيات، فالخطاب الديني واضحٌ في حديث (الشيخ)، واللهجة المصرية المتأثرة بالتركية في حديث الأمير المملوكي (مراد بك)، واللهجة المصرية القريبة جدًا من المعاصرة في حديث الجارية والقهوجي، ربما للدلالة على أن أحوال العامة ما تزال كما هي!

وأما عن الشخصيات فكان رسمها مُتقنًا منطقيًا طوال المسرحية، فمثلا نتعرف على الدكتور برهان، العالِم المثقف المرفّه صاحب الشقة الفاخرة والخادمة الأجنبية، وهو ذو شخصية متعالية بعلمها ووجاهتها عن باقي الشعب، وربما يرمز إلى ذلك مسكنه في ناطحة سحابٍ على جبل المقطم. والدكتور برهان شخصٌ لا يهمه من العلم والمعرفة إلا ما يزيده راحةً ومتعة، ولا يهتم إلا بنفسه كما يقول لصديقه نادر " وهو أنا المسئول عن البشريه؟ ولا تكونش فاهم إن ما فيش دكاتره في البلد غيري..دا احنا بقينا على قفا من يشيل" (ص17). وعندما يعود الزمن إلى عصر المماليك نجد برهان يتزلف إلى المسؤولين ويناور وينافق كي ينال حظوتهم ويتنعم في ظلهم. والمثير في شخصيته أنه بعد عودته مائتي عامٍ في الماضي تحوّل من الأرستقراطية الغربية المعاصرة إلى رجل شرقي يمارس ما تمارسه الطبقة الارستقراطية آنذاك من تعدد الزوجات واتخاذ الجواري والعبيد وكبت المرأة، فبرهان يرمز إلى الطبقة الانتهازية مطاطية المبادئ التي لا تأخذ من الحضارة إلا قشورها. في الجهة الأخرى نجد صديقه نادر مهتمًا ليس بنفسه بل بالبشرية جمعاء وبأمته خصوصًا، وقد أتى يستفسر عن مصيرها لا مصيره، وعندما عاد إلى عصر المماليك آلمه ذلك فلم يستطع التكيف مع ذلك الزمن وفقدانه للحضارة والتقدم. وهكذا يحاول نادر أن يُوجد في مصر قِيَم الحريّة والعدالة والمساواة والنهضة والعلم، رافضًا الخضوع لمزاج ذلك العصر وتخلفه، إلا أنه شخصية من النوع الثوري الذي يريد التغيير الجذري السريع.

هناك ثيمتان رئيستان في هذه المسرحية يمكن تتبعهما في الحوار والشخصيات والرموز. أما الثيمة الأولى فهي الأثر الذي يحدثه الفكر الديني السلفي في الدولة، ويجب ألا ننسى أنّ هذه المسرحية كُتبت في الثمانينات مع صعود التيار السلفي في مصر. ويذكر المؤلف ذلك في مقدمته حين يقول بأن فكرة المسرحية جاءت بعد أشهرٍ من اغتيال الرئيس أنور السادات وانتشار التيار الإسلامي السلفي في مصر، رغم أنه ليس الدافع الوحيد لكتابة المسرحية. وبغضّ النظر عن كلام لينين الرملي إذا ما تأملنا في المسرحية وإسقاطاتها نجد فزعًا واضحًا من التيار السلفي. ومن أوضح المواضع في هذا الشأن ما قاله نادر متحسرًا بعد عودته إلى الماضي: "يعني خلاص..مش هيبقى راديو ولا تليفزيون ولا جرايد ولا مسارح ولا سينماهات؟ مش هتقرأ روايات ولا دواوين شعر؟ مش هنسمع مزيكا ولا أغاني؟ مش هنتفرج على تماثيل ولا معارض رسم..مش هيبقى فيه برلمان ولا نقابات ولا مدارس ولا كليات، مش هيبقى عندما متاحف ولا بلاجات ولا نوادي ولا ماتشات كورة حتى؟ مش هيبقى فيه كازينوهات على النيل ولا شبان وبنات بيتمشوا وإيديهم في إيدين بعض؟ طب والحياة يبقى طعمها إيه من غير دا كله؟" (ص46) وفي ذلك إسقاط على ما يُمكن للفكر السلفي أن يقوم به من تحريم وتجريم لأنواع الفنون والترفيه. كما نجد هذه الثيمة واضحة في شخصية (الشيخ) الذي يعارض التغيير والابتكار ويدعو إلى نبذ ذلك بدعوى البدع والضلالات. وفي نهاية المسرحية نصل إلى مرحلة أكبر من التصريح والوضوح حيث نجد صوتين يناديان في الناس أحدهما صوت نادر الذي يدعو إلى التقدم والعلم ونبذ الجهل والخرافة، والثاني صوت الشيخ الذي يدعو إلى محاربة الخلاعة والتبرج والسفور والشعر والكتابة والفن.

أما الثيمة الأخرى التي تبرزها المسرحية فهي تدهور الأمة العربية وعجزها عن مواكبة التقدم والتحضر، ويظهر القلق من ذلك في بداية المسرحية حين يقول نادر لصديقه برهان: "ولمّا العالم هيحصل فيه التقدم دا كله! بلدنا هتبقى فين منه؟ هنعمل إيه وقتها؟ هنقدر نجاري الناس دي ولا هنفضل قاعدين نتفرج عليهم؟" (ص16). ورغم عودة الزمن إلى الوراء إلا أننا لا نجد شيئًا قد تغيّر، فعقلية الشعب والقادة لا تحتوي على أية حكمةٍ أو نظرةٍ مستقبلية أو رغبةٍ في التقدم، فحين يحاول نادر وبرهان تنبيههم على ما سيحدث في العالم وتزويدهم بأدوات التقانة والعلم نجدهم لا يتقبلونها، وإن تقبلوها لا يحسنون استخدامها. وكأنّ المسرحية تقول أننا نحن العرب نعيش ليومنا فقط ولا نأخذ من الحضارة إلا مظاهرها، ولا هِمّة لدينا لنتعلم ونشترك في إنتاج العلم والمعرفة، حيث يقول الشيخ: "احنا مالنا حاجه بعلوم الدنيا إحنا اشترينا الآخره" (ص43) و "لقد خص الله الأجانب بالعلم والتقدم وسخرهم ليخترعوا ويبتكروا لخدمتنا فنتفرغ نحن لعبادته سبحانه وتعالى وندخل الجنة من أوسع أبوابها" (ص162). ولا يفوت المؤلف أن يشير إلى الفساد والرشوة ورغبة الحكام في بقاء الناس في جهل حتى يسهل حكمهم، قديمًا وحديثًا. ومن المفارقات الطريفة أنه في عام 2006 عندما اُعلن عن إعادة عرض المسرحية في مصر قال مخرجها عصام السيد إن "الظروف السياسية التي تناقشها لم تتغير وإنما تفاقمت أكثر".

ما نأخذه على هذه المسرحية هجومها الشرس على الفكر الديني السلفي دون الإتيان بشخصية تمثل التيار الديني الآخر، فالإسلام ليس كله سلفيًا، و كان جديرًا بالمؤلف الذي يتحدث عن التطور والنهضة المصرية أن يُنصف فيذكر شيئا يمثل الإسهامات العلمية والفكرية لشخصيات دينية أثرت في نهضة مصر مثل رفاعة الطهطاوي والإمام محمد عبده. عدا ذلك فالمسرحية جميلة ممتعة لها رسالة قوية نجح المؤلف في إيصالها بسلاسة كي تبقى في الأذهان طويلا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق