الاثنين، 11 أبريل، 2016

موتُ مانيكان





موتُ مانِيكَان [1]
بقلم: مِهرانگیز كار [2]
ترجمة: أحمد حسن المعيني
****
لا يمكن أن أنسى ما حدث ذلك اليوم في طهران حين أُضيفت بضعة سنتيمترات إلى التنانير القصيرة التي تعرضها المانيكانات على نوافذ المحلات. شهدتُ بأمّ عيني مأمورين مسلّحين يدخلون محلا للملابس فيشيرون بأسلحتهم إلى ساقين عاريتين لإحدى المانيكانات وهم يحدّقون في وجه الرجل المذعور صاحب المحل. في ذلك اليوم أحسستُ بأنّ هؤلاء المأمورين المسلّحين إنما كانوا يخدشون الجانب الأكثر خصوصية في أنوثتي بمخالبهم الحادّة. على أنّ ما حدث تاليًا وبسبب تلك المداهمات الكثيرة في شتّى أنحاء البلاد هو أنّ أصحاب المحلاّت أنفسهم صاروا يصبّون جامّ غضبهم وإحباطهم على تلكم المانيكانات المسكينات. هكذا ألقوا بهنّ في المخازن أو حبسوهنّ في عِلِّيات ظلماء مشؤومة. بهذا التعامل مع المانيكانات أدركتُ للمرة الأولى أنّ الهُويّة الأنثوية للمرأة الإيرانية كانت تُنتَهك، والعذرُ الجاهزُ طبعا هو الالتزام بالأعراف الإسلامية ومبادئ الثورة الإسلامية.
       كان ذلك في عام 1979م، وفي غضون أسابيع قليلة كانت المانيكانات تصطفّ أمام نوافذ المحلات بتنانير طويلة، بأعينٍ باهتة تموجُ بالذعر. أما النساء المارّات اللائي كنّ ما يزلن يرتدين تنانير قصيرة فقد وقفن عند النوافذ يضحكن على هذا التحوّل المفاجئ، حتى لقد تناهى إلى سمعي همسُ شابةٍ متأنقة لصديقتها: "هم أضعف من أن يجبرونا على تغيير ملبسنا، لذلك جعلوا المانيكانات تلبس ملبسا أكثر إسلاميّة..."، وأطلقت ضحكة انتصار.
       وفي واقع الأمر كانت تلكم المانيكانات (تلكم النساء الجامدات) شاهِدات مُشهِدات على التغييرات التي كانت تحدث في حياتنا. وبصفتي شابّة حاصلة على بكالوريوس القانون السياسي والجنائي من جامعة طهران وصحفية يغمرها حبّ الاستطلاع وعضوة في الجمعية الإيرانية للمحامين، فقد كنتُ معنيةً جدًا برصد الآثار التي تخلّفها الإجراءات السياسية على حياتنا. هكذا أصبحت المانيكانات بالنسبة لي شغفًا متواصلا خلال سنوات الوحدة والشقاء، سنوات الثورة. أحسستُ بالتوحّد مع هذه الدمى التي كانت على نحو من الأنحاء تعكسُ بدقّةٍ ما يُمارَس من اضطهادٍ مُمنهج على هُوياتنا الفردية. من هنا أخذتُ أتحدث إلى هذه الدمى وأكتبُ ما يحدث في حياتها، فتحوّلت تلك الملاحظات التي دوّنتها مع الوقت إلى حكايةٍ من مجموعة أحداث تبيّن طبيعة النساء وعجزهنّ ومقاومتهنّ في وجه الهجمات العاصفة.
       القصّةُ بدأت حين أصرّ الزعماء الدينيون بعد إسقاط الشاه على ضرورة أن ترتدي النساء الحجاب الإسلامي. وفي الوقت نفسه حظر هؤلاء الزعماء القاضيات من مزاولة عملهنّ وألغوا قانون حماية الأسرة الذي كان يمنح المرأة الحق في العمل والسفر والطلاق وفقا لرغبتها. أثار ذلك غضب النساء وثورتهن، رغم أنّ النساء الإيرانيات في تلك الفترة لم يكنّ متحدات في مسعاهن لاستعادة حقوقهنّ.
       كان فرض الحجاب الإسلامي هو الخطوة الأهم من بين سلسلة قوانين ضدّ المرأة في تلك السنوات الأولى من الثورة، فقبل ذلك كانت النساء تلبس كما يحلو لهن، بل إنّ كثيرا من النساء في طهران وغيرها من المدن الإيرانية الكبرى كنّ يلبسن وفقًا للموضة الغربية. في ذلك الزمان كانت المرأة المحجبّة والمرأة السافرة تعيشان في سلام، بكرامة محفوظة واحترام لخيارهما. لم تكن هناك قيود اجتماعية على المرأة السافرة، ولم تكن تضطر إلى ارتداء الحجاب إلا حين تدخل مسجدا أو مكانا مقدّسا. هكذا كانت المرأة السافرة تمارس حياتها بحريّة في المؤسسات التعليمية وفي مقرّ العمل. إذًا فقد كان هناك اتفاق ضمنيّ غير مكتوب (ينسجمُ مع جميع المبادئ العالمية لحقوق الإنسان) لكنّه خُرِق في لحظةٍ مشهودة في التاريخ.
       لم تنفّذ المرأة السافرة التي لم ترد ارتداء الحجاب أوامر الثورة الإسلامية مباشرةً، فقد مرّت بضع سنوات قبل أن نقبل الحجاب، وقد قبلناه خوفًا لا رغبةً. كانت المانيكانات أول مجموعة سافرة من النساء في إيران تُجبر على ارتداء الحجاب الإسلامي، وقد جعلتنا هذه المانيكانات ندرك شيئا فشيئا أنّ التاريخ الاجتماعي والسياسي لوطننا يُقلب رأسًا على عقب.
       في بداية الأمر لم يبدُ أنّ تلك التغييرات السريعة في ملبس المانيكانات تحمل تهديدًا كافيًا يجبر الإيرانيات على ارتداء الحجاب. لذلك لجأ النظامُ إلى رشّ مادة كيميائية على وجوه النساء وأجسادهنّ المكشوفة. بدأ الإعلام المطبوع يُعلم الإيرانيات عن تلك الحوادث العنيفة، ولم تكن "مراكز الرقابة الحكومية" قد تفرّغت بعدُ للإعلام المطبوع. كان شبحُ الخوف قد استولى على الكثير من الإيرانيات وأفقدهنّ الأمل، وبدأن شيئا فشيئا يشعرن بأنّ النظام الجديد لا ينظر إليهنّ إلا كأشياء جامدة ليس لها دور مستقلّ فاعل، أشياء يُمكن للسلطات الرسمية وغير الرسمية أن تجتاح خصوصيتها ليلا ونهارا. وقد اعتبر الأصوليون القابضون على الحكم أنّ الهُوية الفردية للمرأة هي الخطرُ الأخطرُ على دوام سلطتهم، لذلك قرروا تدمير تلك الهُوية كيما يستمرّ حكمهم لقرونٍ قادمة.  
       أخذت الشائعات تنتشر سريعا، وظنّ بعض النساء أنّ القيود الوحشية التي كان يفرضها النظام ليست سوى رد فعل على سياسات الشاه في الدفع بإصلاحات تتبع الثقافة الغربية. وحذّر آخرون من أنّ المرأة السافرة قد غدت مجرد أداة تستخدمها السلطات لصنع مناخٍ من الخوف بذريعة الحفاظ على العفّة. وهمسُ الكثيرون بأنّ هذه السياسات كانت تعدّ الدولة لقمعٍ أكبر قادمٍ ضد خصوم الإسلاميين ومنتقديهم. في أثناء ذلك كله كانت المانيكانات (التي لا تعلم شيئا عن مخططات الحكومة لفرض الحجاب) ما تزال تجتذب الزبائن بشعرها الفتّان وقوامها الممشوق.  
       اندلعت الحرب الإيرانية-العراقية عام 1980م، واستهدفت هذه الحربُ هُوية المرأة الإيرانية مثلما استهدفتها الثورة الإسلامية. كان الشبابُ الصغار يُجنَّدون ويُطلب منهم أن يكتبوا وصيّاتهم قبل الذهاب إلى الجبهة، وبعد استشهادهم كانت السلطات تنشر وصيّاتهم، وتكاد كلّها تحمل وصيّة من الشهيد للنساء بارتداء الحجاب. هكذا تحوّلت وصيّاتهم إلى شعارات نُقشت على جدران المدن: "أختاه، حجابُك أقوى من دمي. الشهيد".
       شَهِدت إيران في تلك الفترة مناخًا يتّسم بالخوف والقمع المتوحّش، وقد أزالت الثورةُ والحربُ جميع الألوان الزاهية في حياتنا. أصاب المانيكانات الصَلَع، بعد أن تركت شعورها الجميلة في المخازن، واضطُرّت النساء إلى إخفاء شعورهنّ تحت الحجاب الإسلامي المفروض. وفي الواقع قاومت المانيكانات عدة أشهر قبل أن تفقد شعرها المتراقص مع نسمات الهواء، فقد حاولت المانيكانات إرضاء الشهداء بارتداء أحجبةٍ مثلّثة صغيرة، بيد أنّ هذه الأحجبة لم تكن كافية. هكذا جلس المأمورون الرسميون في سيّاراتهم ذات الدفع الرباعي وأنشأوا "المحاكم الأخلاقية الإسلامية المتنقّلة". في هذه المحاكم كانت تُحطَّم المانيكانات السافرات وتُحتَجزُ النساء، بل إنّ المأمورين كانوا يقطّعون تلك المانيكانات إربًا ويَبْطَحون النساء على أسِرَّة تعذيبٍ لجلدهنّ عقابًا على عدم الالتزام باللباس الإسلامي المناسب.
       من الندوب التي خلّفتها تلك الجلْدات نَمَتْ النسويّةُ الإيرانية، فهي متجذّرة عميقًا في صرخات الإيرانيات المكبوتة لسنوات عديدة. لذلك بدأ الأصوليون الآن يخشون الانفجار النسويّ القادم.
       لم يبق ظاهرًا من المرأة بعد أن فقدت شَعْرَها سوى استدارة الوجه والشفاه الملوّنة بلونٍ خفيف والوجنتين المتورّدتين والرموش المُجمَّلة، غير أنّ السلطات لم تعد تتقبل هذه الوجوه الجذّابة فاستمرت في أسْلَمة مظهر المرأة. وقد حقّقت السلطات ذلك بمساعدة المانيكانات؛ فقد أصبحت هذه قدوات للمرأة الإيرانية: صحيح أنها محجّبة لكنّ هذا لا يكفي. لذلك تصرّف التجّار وفقًا للأوامر الإسلامية الجديدة بعد أن أدركوا ما يحدث من قمع شديد، فبَهَت لونُ الوجه على المانيكانات شيئا فشيئا، إذْ تبخّرت حُمرة الشفاة وتورّدُ الوجنتين. أما الأعينُ فبدتْ ميّتةً جوفاء عشعشَ في نظرتِها حسٌّ من الفزع غير منسجم مع هيئة الاحتشام والعفّة التي أرادت الجمهورية الإسلامية استدعاءها. لم يمض وقت طويل حتى غدت هذه المانيكانات قائدات للنساء المقموعات، وللمفارقة فقد تحوّلنا إلى نساء ذوات مظهرٍ إسلامي في الوقت الذي كنا نطيع فيه زمرة من الدمى الجامدة. كانت ثمّة قيمٌ جديدة تُعرَضُ على أجساد المانيكانات أولا، ما جعل أصحاب المحلات يخفّضون ويقطّعون الأنوثةَ وفق ما تستوجبه الأوامر. وهكذا فقدت المانيكانات سبب وجودها وأصبحت أدوات دينية وسياسية صرفة هرب منها بريق البهجة الذي كانت تملكه. في ذلك الوقت خفتت الرغبة في التفاعل مع الجنس الآخر، وكانت أية محاولة للظهور بمظهر جذّاب تستدعي حسًّا بالخوف والذنب. وبدا أنّ اللون الأسود والبنّي والأزرق الداكن والرمادي تغزو العالم، رغم أنّ اللون الأحمر استطاع البقاء بوصفه رمزًا لدماء الشهداء. كان هذا اللون الأحمر رسولا للأوامر القمعيّة يذكّر النساء بغياب العذوبة والسعادة من حياتهن.
       من النظرة السطحية للوضع بدا وكأنّ الحداثة قد استسلمت أمام التقاليد الدينية. توافد الأجانب على إيران بتأشيرات زيارةٍ صحفية كي يستكشفوا المراكز الدينية للسلطة السياسية والمناخ الكئيب الذي غلّف المدن الإيرانية. وبذلك كانوا بمثابة مراسلين ينقلون الظلام والأسى الذي أثقل على المجتمع الإيراني في تحوّله الجديد، وقد قدّموا الإيرانيات للعالم كمجموعة أشباح سوداء اللون إسلامية المظهر. كان الصحفيون من شتى أنحاء العالم يسلّطون الضوء على الطرق العنيفة التي تنتهجها الحكومة الإسلامية ومشروعاتها لفصل الجنسين في التعليم وأماكن العمل. ونظرًا للخوف الذي تملّك الناس لم يسمحوا لهؤلاء الصحفيين بالولوج إلى عوالمهم الخاصة، فبقي العالم لسنوات عديدة غير واعٍ بالتباين بين الأعراف العامة والخاصة في إيران. ظنّ الصحفيون أنّ الإيرانيين عزلوا أنفسهم عن الموسيقى والرقص والغناء والسعادة واعتزلوا هُوياتهم الفردية، ذلك أنّهم لم يعرفوا قطّ ما يحدث خلف الأبواب المغلقة. هكذا صارت الكاميرات تصوّر المانيكانات الشاحبات والمارّات الحزانى، فقُدِّمت للعالم صورةٌ زائفة عن الإيرانيات.
       توصّل أصحابُ محلات الملابس في نهاية المطاف إلى استنتاج مفاده أنّ حالهم سيكون أفضل لو لم يكن للمانيكان رأس، إذْ زعمت السلطات أنّ شفاه النساء وأعينهنّ تثير الشهوة فَحَارَ أصحاب المحلات ولم يعرفوا كيف يحمون تجارتهم من هجمات النظام. هكذا على حين فجأةٍ قطعوا رؤوس المانيكانات ووضعوا بدلا منها سطحا قُطريّ الشكل مكان الرقبة في هذه الدمى مقطوعة الرأس الذي كان قبل ذلك مغطّى بحجاب طويل داكن اللون. كذلك قُطِعت أثداء المانيكانات من أجسادها، ووضع أصحاب المحلات لفيفات صغيرة مكانها كي يتَضح "الجنسُ الأنثوي" للمانيكان خلف الملبس الإسلامي الفضفاض. هذه اللفيفات تمثّلُ الهُوية الجنسية المبتورة لدى المانيكانات.  
       هكذا تُركت المانيكانات بوجه دائريّ مصنوع من الورق المقوّى، بلا عينين ولا حاجبين ولا أنف ولا فم. فالمرأة المثالية بالنسبة للأصوليين هي المرأة التي ليس لها عينان ترى بهما، ولا لسان تنطق به، ولا ساقان تهرب بهما. بعد ذلك قطع أصحاب المحلات أصابع المانيكانات ووضعوا بدلا منها اسطوانات بلاستيكية ضيّقة. وهكذا شوّهوا كل وجه من وجوه الهُوية الأنثوية والمظهر الأنثوي: الشَعرُ الوافرُ، والأظافر المرتّبة، والعيون السوداء سواد الكحل، والنظرة المغرية، والشفاه القرمزية.
       طوال سنوات عديدة لم يعرف الصحفيون الأجانب أنّ التحرّر والحداثة والبحث عن السعادة والترفيه بل حتى التعامل مع الجنس الآخر كلّها موجودة تحت سطحٍ بارد مقموع التحفت به المدن الإيرانية. استغرق الأمر عقدين من الزمان كي يعرف العالمُ عن هذا الوجود الشيزوفريني (الانفصامي) للناس في إيران، وكي يعرفوا عن مقاومة الإيرانيات. بعد ذلك أصبح نمط الحياة الشيزوفريني في إيران يتصدر أخبار العالم، إذْ بدأ الناس في طهران ومدن غيرها يدعون الصحفيين الأجانب إلى تجمّعاتهم الخاصة. في الوقت نفسه كانت فكرةُ النسوية (التي لم يكن المجتمع الإيراني قد تشرّبها بالكامل) تشقّ طريقها في متاهة النظام الحاكم، وازدهرت تحت شادور النساء وملابسهنّ الإسلامية المفروضة. هكذا نمت وتعزّزت النسوية سرًا، فتعلّمت النساء أسرار الدفاع عن هُوياتهنّ الفردية وتغلّبن على القيم المفروضة عليهن وخلقن "موضة" خاصة من الحجاب الإسلامي. بدأت الملابس تقصرُ أكثر فأكثر وتتخذ ألوانا أبهى، وفي عام 2005م كان اللون الوردي الداكن هو الموضة الرائجة في إيران. علاوة على ذلك فقد أصبح القماش المستخدم في صنع الزيّ الإسلامي أكثر نعومة مما كان في أي وقتٍ مضى.      
       استغرق الأمر ستة وعشرين عاما كي تحدث هذه التغييرات، بيد أنّ حاجات النساء ومطالبهنّ لم تتحقق بمجرد خياطة ملابس أقصر أو أضيق أو أفتح لونا أو أنعم ملمسا. فإلى يومنا هذا ما تزال المرأة الإيرانية تقاسي أذى كثيرا من النظام الحاكم عبر التمييز الجنسي والعقوبات العنيفة كالاحتجاز والجلد وقطع الأيدي والأقدام والرجم.
       لا توجد في اللغة الفارسية كلمة مقابلة لـ"النسويّة"، وتزعم مجموعةٌ من عالمات الاجتماع الإيرانيات أنّ 29 مليون امرأة من أصل 30 مليون امرأة في طهران لم يسمعنّ كلمة "نسويّة" قطّ بأي لغة. لا تتعدى نُسخ الكتب ذات المحتوى النسوي ألفي نسخة، وفي اليوم العالمي للمرأة في آذار/مارس 2005م لم يحضر الفعالية المقامة بهذه المناسبة سوى ألفي امرأة. لكنّ هذا لا يهمّ، فالنسوية بدأت تجد طريقها في السلوك الفردي والمجتمعي للإيرانيات في حياتهنّ اليومية (وإن كان ضِمنيا فقط)، لدرجة أنّ الأصوليين الإسلاميين غدوا عاجزين عن لجم النزعات النسوية، ويبدون غير قادرين على الحدّ من المطالب النسوية لزوجاتهم وبناتهم وأخواتهم.
       ثمّة علامات واضحة لهذا الجيشان الاجتماعي في الإحصاءات الوطنية الإيرانية؛ فأكثر من ستين في المائة من المقبولين في الجامعات الإيرانية إناث. وفي الوقت نفسه نجد ارتفاعا سريعا في معدلات الطلاق و"الزنى" (المجرَّم بالقانون في إيران)، وانخفاضا مطّردًا للزواج. هذا وقد أصابت الأصوليين تعاسةٌ هائلة بسبب الارتفاع الكبير في حالات الدعارة والإدمان بين النساء.
       واليوم نجد أنّ النساء المتديّنات وغير المتديّنات عازمات على استعادة هُويتهنّ وحريتهنّ الفردية. أما الملتزمات بمبدأ الحكومة الدينية فيجتهدن في الكشف عن مفاهيم نسوية في النصوص الإسلامية، وأما المنافحات عن الفصل بين الدين والدولة فيعرضن هوياتهنّ النسوية باستخدام رموز ومواقف اجتماعية غربية، إلى جانب أنهنّ يحاربن بلا هوادة كي يحافظن على خصوصية حياتهنّ بعيدًا عن موظفي الحكومة. وفي المجمل نستطيع القول إنّ هاتين المجموعتين من النساء قد اقتربن من أهدافهنّ بمرور السنوات، فأصبحن ينتقدن الوضع الحالي ويطالبن بحقوقهن، ويعبّرن عن سخطهنّ عبر ردودٍ فعلٍ فردية وجماعية على النظام غير مكترثات بتهديداته.
       في عام 2005م، وبالتحديد في اليوم العالمي للمرأة أعلن تجمّع للنساء الإيرانيات عن مطلبهنّ في إحداث تغييرات على الدستور، وهي محاولة أولى لاستعادة الحقوق المكبوتة. فِعلُ المطالبة في حدّ ذاته مهمّ للغاية؛ إذْ يبيّن رغبة الإيرانيات في تمزيق قشرة الأعراف الدينية التي تقمعهنّ. وفي الواقع فقد بدأ يزداد وجودُ النساء في سوق العمل غير الرسمية كبائعات ومُحاسِبات (كاشير) ونادِلات وعاملات بدّالة في شركات سيارات الأجرة ووسيطات في قطاع العقارات وصاحبات محلات بقالة، وغير ذلك. لقد أدّى التضخم وارتفاع الأسعار وازدياد أعداد الأمّهات العازبات وغياب الحماية الاجتماعية إلى دفع النساء نحو سوق العمل، ونتيجة لذلك فقد تغيّر المظهر الذكوريّ للمدن الإيرانية.

       قناعتي هي أنّ الأمر لن يستغرق فترة طويلة حتى تأتي حركة نسائية جديدة تستنهضُ نساء الشرق الأوسط، حركة تظهر من أرض إيران، من الألم والشقاء والرضوض التي خلّفتها ثورتنا. قناعتي هي أنّ الأمر لن يستغرق فترة طويلة حتى تعود مانيكاتنا إلى صورتها الحديثة التي كانت لدينا سابقا.


1 المانيكان: التمثال الذي تُعرض عليه الملابس في المحلات، وقد اعتمدتُ هنا كلمة "مانيكانة" للإشارة إلى التمثال الأنثوي، (المترجم). هذا المقال مأخوذ من كتاب: Azam Zanganeh, Lila (ed.) (2006). My Sister, Guard Your Veil; My Brother, Guard Your Eyes: Uncensored Iranian Voices. Boston: Beacon Press.
2مِهرانگیز كار محامية وناشطة حقوقية وكاتبة مقالات. سُجنت في طهران عام 2000م بسبب مشاركتها في مؤتمر ثقافي عُقد في برلين عن الإصلاح السياسي في إيران. حاصلة على عددٍ من الجوائز الدولية في مجال حقوق الإنسان.

هناك تعليق واحد: