الثلاثاء، 12 أبريل، 2016

أن لا تقرأ كونديرا في طهران



أن لا تقرأ كونديرا في طهران[1]

بقلم: نَغمه زَرْبافيان[2]
ترجمة: أحمد حسن المعيني
****
في يوم من الأيام في واشنطن التقيتُ بهارولد الذي لا يحبّ الشِعر. وفي مطعم هنديّ أخذ يحدّثني عن السياسة التي لا تهمّ عقلي على الإطلاق، لكنّه مضى يعلّق على الوضع الراهن في مجتمعٍ عشتُ فيه عشرين عاما. وجدتُ نفسي أردّ عليه على نحوٍ لا يمكن أن أسلكه مع شخص غريب. بدأتْ حياتي كلّها تمرّ أمام عينيّ، فالجانب الشخصيّ من السياسة هو الذي لم أستطع أن أتجاهله. لقد طرح هارولد جانبا جديدا مما كنت أبغضه.
حين بدأنا الطبق الثاني من وجبتنا في ذلك المطعم الكئيب قرأتُ عليه إحدى قصائدي وحاولت أن أكشف بعضا من طبقاتها ومعانيها الخفيّة. ثم سألتُه عن انطباعه حول قصيدةٍ أخرى لي. أجاب بأنه خائف مما سيقول، لكنه أشار إلى بعضٍ من أهمّ الأجزاء في القصيدة وأبدى ملاحظات فريدة للغاية. قال لي ونحن نغادر المطعم: "لقد منحتِني أملا".
استحضرتُ كلماته حين أخذوا مني جواز سفري في مطار طهران واحتجزوني مع بعض الفتيان والفتيات ثلاث ساعات يفتّشون أمتعتي ويحقّقون معي تحقيقا مفصّلا حول جميع آثار الثقافة الغربية التي أحضرتها معي في حقيبتي أو في حياتي الخاصة: سبب سفري إلى الولايات المتحدة، والكتب التي أحضرتها إلى إيران، والناس الذين قابلتهم في الولايات المتحدة، والصور التي أحضرتها إلى إيران، ومقدار المال الذي أنفقتُه في الولايات المتحدة، والأشرطة التي أحضرتها إلى إيران. فُتِّشَتْ حقائبي كما فُتِشت خلفيّتي العائلية. تحققوا من كتبي ومهنتي. تفحصوا هُويتي بأكملها قبل أن يطلقوا سراحي، قبل أن يُسمح لي كما يبدو باستعادة جواز سفري واسمي وفرديّتي، وقبل أن تُرّدَّ إليّ أشرطتي. تلك الأشرطة التي مسحَتْها شرطة الأخلاق مسحا تاما، كان من بينها أغانٍ أيرلندية أهدانيها هارولد كتذكار.  
       وأنا أستمعُ إلى شريط هارولد الممسوح الآن أشعر بأنهم سحقوا كلماتنا التي تبادلناها، فهم حين مزّقوا الشريط مزّقوا الحوار، مزّقوا لحظةً متفرّدة من التفاهم والمتعة التي كانت ستستمرّ عبر الموسيقى. كنا أنا وهارولد قد فتحنا لبعضنا البعض عوالم جديدة؛ فرغم أننا من مناطق مختلفة بينها بحارٌ ومحيطات إلا أنني كنتُ أحتفظ بموسيقاه المفضّلة وهو يحتفظ بقصيدتي، كي نُبقي حوارَنا وذكرياتنا حيّة. كانت ثمّة قرابة وطيدة بيننا نسجتْها قِطَعٌ فنّية صغيرة. كان لكلٍ منا خلفيته وجنسيته وأفكاره وثقافته وديانته وعُمره، غير أننا اجتمعنا في لحظةٍ فريدة التقتْ فيها ذواتنا الداخلية رغم جميع الاختلافات. لذلك لم يكن الشريطُ فقط هو الذي دُمِّر، بل علاقتنا: علاقتي بـ"الآخر". إلى هنا ينتهي الفصل الأول من حكايتي.
أتركُ شُخوصي (هارولد وشرطة الأخلاق في المطار) في عوالمهم المختلفة يفكّرون كيف يمكن اعتبار "الآخر" (أيًا من كان أو ما كان) عدوًّا، وكيف تكون موسيقاه وكلماته وصُوره أسلحةَ العدو. ولكي أواجه هذا العدوّ ليس لي من خيار سوى أن أغلق الأبواب، وأختبئ، وأخنق صوت العدو. لكنّ هذه ليست مسؤوليتي. فإلى جانب شرطة الأخلاق ثمة آخرون أرفع منا موجودون هنا لتحديد "العدو" وإغماض أعيننا عنه. هؤلاء الأشخاص الرفيعون يعملون في وزارة الإرشاد والثقافة الإسلامية، من دون تصريحهم الرسمي لا تُنشر كتب أو مجلات، ولا تُوزَّع أشرطة، ولا تُعرض أفلام، ولا تُنشأ مؤسسات ثقافية. لك أن تتخيل المكان كحصنٍ على قمة جبل، قرب السماء، له هالة من القداسة، مكتظّ بأشخاصٍ (كلّهم آذان صاغية وأعين شاهدة) ينظرون إلينا من علٍ، ويقررون ماذا نقرأ ونشاهد ونسمع، وما الذي ينبغي أو لا ينبغي أن نستمتع به. ملائكتنا الحارسة هنا لترشدنا وتحمي ثقافتنا من العدو، "الآخر". لكننا بوصفنا دعاةً إلى الحوار بين الحضارات (مصطلح سكّه الرئيس الأسبق محمد خاتمي الذي بفضله يُسمى العام 2001م "عام الحوار بين الحضارات") علينا أيضًا أن نرحّب بـ"الآخر".
إذًا فلا ينبغي إقفال الباب تماما. وفي هذه العلاقة المفتوحة لا بدّ من استخدام بعض الاستراتيجيات كي يمكن تكييف "الثقافة الأجنبية". في حياتنا اليومية يمرّ الأدبُ الغربي (بوصفه أحد تمظهرات تلك الثقافة) بالعملية نفسها، لا يقتصر تنفيذها على المسؤولين في وزارة الإرشاد والثقافة الإسلامية وشرطة الأخلاق، وإنما ينفّذها المترجمون كذلك، وفي بعض الأحيان القرّاء أنفسهم.  
*
قبل التطرّق إلى الكيفية التي يُقدَّمُ بها هذا النوع من الأدب في إيران، سأقصّ عليكم الفصل الثاني من حكايتي التي تنفتح على رواية الهوية لميلان كونديرا. تحكي الروايةُ قصّة التقلّبات التي تمرّ بها العلاقة بين رجل يدعى جان مارك وامرأة تدعى شانتال. ينتاب شانتال إحساسٌ بأنّها لم تعد تجذب أحدا بسبب تقدّمها في السن، وهذا يؤلمها، لذلك تصرّح لحبيبها جان مارك عن مخاوفها تلك. بعد ذلك تتوالى رسائل حب مجهولة المصدر إلى شانتال فتخفيها عن جان مارك وتحاول أن تكتشف هوية الشخص الذي يراسلها، لكنها تخطئ في معرفة هُويته عدة مرات. وحين اكتشفت أنّ جان مارك هو الذي كتب تلك الرسائل شعرت بأنه انتهك خصوصيتها. أما جان مارك فيتملّكه الغضب بسبب ردّ شانتال على رجل آخر (كاتب الرسائل) الذي هو من صنع خياله. تتمحور الرواية كلها حول حقيقة أنّ حبيبين في أكثر لحظاتهما حميميةً يشعران بأنهما لا يعرفان هوية بعضهما البعض، وبأن صوتيهما قادمان من مكان بعيد، حتى غدت كل لحظة مثقلة بالخوف من فقد الحبيب: تشعر شانتال بالحنين إلى جان مارك بينما هو جالس قبالتها، وجان مارك يراها طيفا، امرأة مألوفةً بوجه غريب.
       على الحدود بين الحلم والواقع، تصل الشخصيتان إلى مرحلةٍ لا يعرفان فيها ما إذا كانت القصة حلما أم لا. هنا يتدخل الراوي في الفصول الأخيرة من الرواية ليزيد من حدّة الغموض بطرح أسئلةٍ للقارئ عن قصّته الحُلُمية-الواقعية. ينتقل صوت الراوي عبر عقل الشخصيتين فيجسّد كلا من صوتيهما. وكل فصل مخصص لصوت واحد، وكل صوت يشبه نصف دائرة يكملها الصوت الآخر في فصل آخر. هكذا ترتبط الأفكار. هكذا ترتبط الأحداث. هكذا تُصنع بنية الرواية التي يقف خلفها كونديرا مبتسما، ولا يعرف ما حدث لهُوية سَردِه حين يُنشَر في بلدٍ بعيد جدا عن بلده.
*
أما الفصل التالي من حكايتي فتقع أحداثه في عالم الرواية نفسه ولكن في لغةٍ أخرى. تفتح الترجمةُ الفارسية لرواية الهوية عالما جديدا، ليس بسبب الاختلاف اللغويّ فحسب. فحين يُفتح الباب على العالم المترجَم للرواية تظهر الشخصيات نفسها وبالأسماء نفسها والأمكنة والزمان نفسه، لكنّ هذا العالم يبدو غريبا. ثمة فصول حُذِفَت وفقرات قُدِّمت وأُخِّرَت، وكلمات تُرجمت ترجمة خاطئة، فظهرت فجوات كثيرة لا يمكن ردمها بحال من الأحوال. نتيجةً لذلك، فإنّ الروايتين بعيدتان عن بعضهما، إحداهما طيفٌ ضبابي للأخرى. ثمة مناخ أغبش يغلف النسخة المترجمة نظرًا للتلاعب الذي حدث في الكلمات.
       يعبث المترجمُ باللغة إذْ يسلخ منها حرارتها ويُبطئ إيقاعها. يتجسّد ذلك أكثر ما يتجسد في العلاقة بين الحبيبين، الذين تُستخدم كل حيلة لفصلهما عن بعضهما. فشانتال حين "تحتضنُ جان مارك"، تقول الترجمة "تقترب منه"، وجان مارك حين يجعل شانتال تتعلّق "بجسده" تقول الترجمة إنها تتعلّق "به". ولئن كان جان مارك في رواية كونديرا "يلمس شانتيل بشفتيه"، ففي ذلك العالم المترجَم البعيد يكتفي بأن "يلاطفها". إذًا فالجُمل لا يُعاد إنشاؤها مرة أخرى في اللغة الأخرى، بل يبدو أنّ كل كلمة ذَبُلت جرّاء لمسةٍ من أصابع غريبة مخيفة.
       في أحد المشاهد العاطفية بين الشخصيتين يلاحقان بعضهما في الشقة فيما يشبه اللعبة. ونحن في هذه الدولة البعيدة نشاهدهما أيضا، ولكن بمجرد أن يصلا إلى السرير تنتهي اللعبة في عالمنا. لا نرى شيئا. جان مارك في عالمنا لا يضاجع شانتال بل يكتفي بأن "يصرّح لها بحبّه". هكذا يُسلخ "فِعلُ الحبّ" عن كل ما فيه من دلالات محمومة مُثيرة. هكذا يُزال سُعار الفِعل ولا يبقى سوى التصريح. وبالطبع لا نسمع أبدًا أنها تصرخ حين تبلغ نشوتها، وبدلا من ذلك نجد مساحة بيضاء فارغة تنتظر الفصل التالي الذي تشرق فيه الشمس (مبكرًا جدا بالنسبة لنا). غير أنّ هناك كلمات غير محذوفة مثل "تناسُل" و "جامَعَ" و "جِماع" حين تصفها إحدى الشخصيات بأنها "الغرض الوحيد من الحياة البشرية". ولم تُحذف أيضا كلمة "اغتصاب". لا ضير في هذه الكلمات بالنسبة للمترجم والرقيب. إذًا فالجنسُ كحوارٍ بين جسدين يُحذف، في حين أنّ الجانب المبتذل والعنيف من الجنس مقبول "أخلاقيا".
       ولا يقتصر تخريب التفاصيل على مشاهد الحب فحسب. فالتفاصيل التي تشكّل مناخ الحوار بين الحبيبين مقتطعة أيضا. فالشراب الذي يتناولانه والنَخْب الذي يشربان من أجله غير معروف بالنسبة إلى هذا الركن المطمئنّ من العالم. كل نوع من الشراب يصبح "شرابا" غير محدد، سواء أكان شامبانيا تزيد من إثارة اللقاء الأول بين جان مارك وشانتال، أم الكونياك التي تزيد من شعور الكآبة حين يتحدثان عن الموت، أم النبيذ كخلفيةٍ لحوارهما الخفيف. بحذف هذه التفاصيل الملموسة الصغيرة يُقدَّم لنا عالمٌ بلا فروق دقيقة.
الفروق الدقيقة في المشاعر تعاني المصير نفسه هي الأخرى. فشانتال يلمّ بها شعورٌ غامض لجان مارك في الرواية، إذْ معه "تُثقلها الحياة" ومن دونه "محكومٌ عليها أن تعيش". رغم ذلك، ففي عالمنا لا الشخصيات المتخيَّلة ولا الآخرون (القرّاء) لهم الحق في ازدراء الحياة أو اعتبارها حِملا ثقيلا. لذلك ما من أثرٍ لهذه المشاعر في الرواية المترجَمة.
أحاديةُ الأشياء في النسخة المترجَمة تفضي إلى نوعٍ من المـُطلقِيّة الأيديولوجية [أي تتسم بأحكام أيديولوجية مطلقة]. وتتمظهرُ هذه المطلقيةُ في شكلها الأصليّ أحيانا في ثبات المشاعر، وأحيانا أخرى في التقديس الأبديّ للمفاهيم. في إحدى الرسائل العاطفية التي يكتبها جان مارك يصوِّر شانتال في رداء كاردينالٍ أحمر، ويسمّيها "كاردينالي البديع". يختفي هذا في النسخة المترجَمة ولا نجد سوى إشارةٍ من جان مارك بأنّ اللون الأحمر هو لونه المفضّل، لون الكرادلة الجميل[3]. هكذا أُزيلت شخصية الأنثى تماما في تلك الترجمة المطوّلة لعبارةٍ قصيرة تعبّر عن حبّ جان مارك لشانتال، حبٍ يتسامى على الدين أو يغدو دين المحبّ على نحوٍ ما. في موضعٍ آخر من الرواية تصوّر شانتال نفسها كـ"كاردينال خليعة"، ومرةً أخرى يفضّل المترجم أن يقلب هذه الصورة إلى "مخلوق آثمٍ يرتدي رداء الكاردينال". ترتبط كلمة "كاردينال" بالدين، لذلك فحين تُترجَمُ يحتفظُ المترجمُ بقداستها عبر كل أنواع التلاعبات اللفظية السخيفة.    
       أما كيف صُوِّرَت "حفلة الجنس الجماعي orgy" في هذا العالم الصامت، فتلك حكاية أخرى، إذْ تُرجِمت الكلمة نفسها على أنها "حفلة" فقط. في الفصول الأخيرة من رواية كونديرا نجد شانتال عالقةً في منزلٍ تحدثُ فيه حفلة جنس جماعيّ، فتجري عاريةً مرعوبةً في متاهة المنزل تحاول أن تجد مخرجا. نراها في الرواية عاريةً بين غرباء، لا تعرف أين هي ولا تعرف اسمها (كطفلةٍ مولودةٍ في عالم غريب) تبحث عن صوت رجلٍ (لا تتذكره) كي يناديها باسمها، فيعيد إليها هُويّتها.
       أما في النسخة المترجمة فقد حُذِف عريّ شانتال والآخرين (رغم أنّ العريّ هو السِمة الرئيسة في حفلةٍ كهذه). وبالتالي فإنّ جَرْيها في ممرات المنزل بحثا عن مخرج لا معنى له بالنسبة للقارئ الذي لا يعرف شيئا عن حفلة الجنس. صحيح أنّ تجنّب ذكر عُريها يجعل المشهد مخيفًا، ولكن ليس بالطريقة التي أرادها المؤلف. فذلك اللقاءُ العاري بين شانتال والجمع الغريب في عالمٍ كابوسيّ يُصيبها بالرعب، الرعب نفسه الذي يؤدي إلى فقدان هُويتها. نعم تنقل لنا النسخة المترجمة رُعبا، لكنه رعب مختلف، فلا يكاد القارئ يعرف أين شانتال ولماذا هي مرعوبة. هكذا يحدثُ فقدان الهوية في عقل القرّاء أنفسهم؛ فهم أيضا عالقون في عالمٍ مجهول لا يعرفون فيه من يواجهون وماذا يحدث وكيف يحدث. وبدلا من الرواية يظهرُ أمامهم وجهٌ ضبابيّ لا يستطيعون أن يتحاورا معه.  
       لا يوجد كاتبٌ أمام القارئ، وإنما محرّكو عرائس يلعبون بالكاتب وشخوصه، يقوّلونهم ما لم يقولوا وما لم يفكّروا فيه، أو يقتطعون ما يقولونه وما يفكّرون فيه. على أنّ هؤلاء لا يكتفون بتحريك الشخوص حين ينبغي لهم الوقوف وإيقافهم حين تنبغي لهم الحركة، بل يستخفّون بالكاتب ويحطّمون العالم الذي شيّده.
*
       هنا يصلُ قرّاء كونديرا في طهران إلى الفصل الأخير من حكايتي، خارج منطقة الخيال، فهنا يحضرُ العالم الحقيقي (ظاهريًا). المكان: طهران، الزمان: فبراير 2000م. من ذلك الجوّ الضبابي في الرواية المترجمة ندلف إلى غرفة ذات إضاءة خافتة، وجوه متجهّمة لا تعرف بعضها، لكنّهم جميعا كما يبدو يعرفون روايات كونديرا عبر الترجمة. هذه هي شخصيات الفصل الأخير: طلاب أذكياء في الآداب والفنون والعمارة ف العقد الثاني والثالث من أعمارهم.
       تُرى كيف بدا صوتُ كونديرا لهم؟ هذا هو السؤال الذي يدشّن النقاش ويفتح أبواب الحوار. ينتقل الحوار من بين الشخصيات إلى حوار بيننا، نحن الجيل الأصغر من بلادي على بعد آلاف الأميال من بلاد كونديرا، في غرفة قاتمة في مساء شتويّ. استمتعوا جميعا بقراءة الرواية المترجمة، غير عارفين بأنها ملفّقة. يبدأ النقاشُ بسؤالٍ عن العلاقات الإنسانية.
       بعضهم يحاول أن يظلّ متحفظًّا، سواء بعدم الكلام عن علاقة شانتال وجان مارك أو بالحديث عنها بطريقةٍ موضوعية لا تخلو من تعميم وتفلسف. فبالاختباء خلف كلمات تجريدية أو اقتباسات فضفاضة يتجنّب هؤلاء التعبير عن ذواتهم فيما يتعلّق بالحب. لكنّ اثنين منهم (كاوَه، وهو ناشرٌ شاب، وعليّ، وهو طالب دراسات عليا في الأدب الإنجليزي) يتحدثان عن تجربة شخصية. فقد سبق أن عاش كل منهما قصة حبٍ فاشلة. ويبدو لافتا جدًا أنّ مناقشة الرواية ذكّرت اثنين من هؤلاء الشباب بعلاقاتهما غير المكتملة، فتجربتهما القرائية المنقوصة مع قصة حب في رواية تتطابق مع تجربتهما العاطفية.
       ثمة ردود فعل أخرى تثيرها شانتال وجان مارك المترجَمان، تبدو مختلفة من على السطح لكنّها تصطبغ بالدلالات نفسها. يقول أحمد (مهندس معماري شاب): "حبّهما سماويّ مقدّس. لا شيء جديد في علاقتهم. هي بالضبط كالموجود في أدبنا القديم. الشكل تغيّر فقط، أي وُضع مفهومٌ سماويّ في قالب دُنيوي. هاتان الشخصيتان وجهان لشيء واحد، متّحدان ومندمجان في كيان واحد". أما رامين (طالب هندسة معمارية) فيرى أنّ "هذه القصة تنسجم مع مشاعرنا وزماننا، تُرينا شيئا نعرفه مسبقا ولكننا لم نعرف كيف نعبّر عنه. الشخصيتان تتصرفان مثلنا، لذلك أحبّ الرواية. في هذه الرواية أجدُ القِيَم التي أعتنقها كإنسان معاصر". أما زيبا (طالبة هندسة معمارية) التي وصفت الشخصيتين بأنهما "مثيرتان للاهتمام جدًا بسبب واقعيتهما" فترى أنّ مثل هذه العلاقات (أي العيش معا دون زواج) لا توجد في إيران، لكنّ ذلك ليس مهمًا فهما يبدوان وكأنهما متزوجان.       
       هكذا وجد هؤلاء جميعًا شيئا منهم في جان مارك وشانتال، على أنّهما ليستا شخصيتي كونديرا "الحقيقيتين". بل إنهم وجدوا في هاتين الشخصيتين شيئا من شخصيات الأدب الإيراني القديم: "مثل حياتنا، مثلنا، مثل أدبنا". البحثُ عن هذا التماثل عند لقاء الآخر قاسم مشترك في رؤاهم التي طرحوها حول الرواية. فالركن المطمئنّ الذي يجسّده هذا التماثل حمى معظمهم من مواجهة عالمٍ مختلف. ولقد كان المترجمُ والرقيبُ جزءًا من تشكيل هذا التماثل، أما الباقي فهو ستارة مسدولة على عيني القارئ، غطاء يرفض ذلك البعيد غير المألوف، غطاء يحجب الاختلافات، يسترها بطريقة تجعلها مألوفة. هذا الغطاء الذي كان مصطنعا ومفروضا من الخارج (النظام الحاكم) أصبح الآن غطاءً جُوّانيًا.
*
ليس في المطار فقط تُنزع عن المرء أصواتٌ أو صورٌ أو كلماتٌ مخضّبةٌ بلون "الآخر"، بل إنّ المرء تُنزع عنه لحظاته الأكثر خصوصيةً في غرفته وهو يعيش تجربة شخصية في قراءة رواية. فعجزُ القراء عن الإفلات من واقعهم يمنعهم من أن يروا شانتال وجان مارك كما هما (شخصيتان أوروبيتان من أواخر القرن العشرين)، ويدفعهم إلى تغليف هاتين الشخصيتين بملامح مألوفة لهم من قصص الحب الفارسية القديمة. كما يدفعهم ذلك العجز أيضا إلى الخطأ في تفسير مثل هذا الحب الدنيوي على أنه حب سماويّ كيما يُغضَّ الطرفُ عن الفجوات التي وضعها المترجم/الرقيب في تعاريج الحوار ومنعطفاته بين الحبيبين، وكيما تُستَبعدُ الحاجةُ إلى خصوصيةٍ لاستمرار ذلك الحوار.   
       في الرواية تعاني الشخصيتان من انعدام الخصوصية، وخارج الرواية لا يتفكّر إلا قلّة في غياب الخصوصية هذا. دون وعيٍ منهم يوجّهون أصابعهم إلى شيء هم يفتقرون إليه بما هم ضحايا انتهاك الخصوصية كقرّاءٍ لروايةٍ استُئصلت خصوصيتها. تقول سُهى (طالبة دراسات عليا في الأدب الإنجليزي): "حين أخرجُ حاملةً دفتري أو جريدتي أو كتابي أظلّ دومًا حذرة، ويخطر ببالي أنّ شخصًا ما سيعتقلني عاجلا أم آجلا ويحقّق معي عن هذه الأشياء". حين تُنتزعُ الفضاءات الشخصية للفرد مرةً بعد مرة يُصبح التعبير عن الذات شبه مستحيل. فمثلا، نينا (طالبة هندسة معمارية) هي الأكثر هدوءا في هذه المجموعة وقد أعربت عن افتتانها بالطريقة التي تعبّر بها الشخصيتان عن ذاتهما الداخلية وكيف تدخلان "المناطق المحرّمة". تشعر نينا بالحاجة إلى فتح أكثر الأجزاء خفاءً في ذاتها، وفي نبرتها تيّار تحتيّ يجري، تَوقٌ إلى الإثارة، إلى "المشي على حبل رفيع". زيبا معجبة بجرأة الشخصيتين على التعبير عن ذاتهما وتقول "عادةً ما أمارس رقابةً على نفسي". لكنّ الأغلبية لا يتفوّهون بكلمة عن هذا الجانب، إذْ اعتادوا على حياةٍ غير خاصّة، حياةٍ كلّ ما فيها يُراقَب: من لون الملابس التي يرتدونها إلى هُوية الشخص الذي يضحكون معه في الشارع وحتى الموسيقى التي يسمعونها في سياراتهم والأفلام التي يشاهدونها في الفيديو. فضاءاتُهم الخاصة تداعت، حطّمها التدخّل الخارجي المستمر. كيف لهم أن ينخرطوا في حوارٍ دون أن ينمّوا أولاً ذاتًا حقيقيةً غير معطوبة؟ كيف لهم أن يتخاطبوا مع نصٍ حين لا يواجهونه كاملا؟ وكيف لهم أن يكتشفوا الفجوات في النص؟ تلك الفجوات التي تطابق فجواتٍ موجودة في ذواتهم الداخلية.
       من هنا يبدو أنّ لا مبالاتهم بشكل الرواية له ما يبرّره. فبالنسبة لهم يُعدّ محتوى رواية الهوية هو الجانب الأهمّ، حتّى أنهم يعتبرون الشكل غير مهم أساسا. يُشيرُ بعضهم إلى غياب البِنية في الرواية، وبعضهم يصفها بأنها مُلغزة، والبعض الآخر لا يشير إلى ذلك أبدا، وهكذا تتضاءل المتعة الجمالية للرواية خلف نقاشاتهم التجريدية. والأكيدُ أنّه بالنسبة لتلك الأيادي التي تقطع أو تتلاعبُ بأجزاء الرواية فتحذف فصولا أو تدمج فقرات غير مترابطة، لا وجود لشيء اسمه البنية الجمالية، بل إنّ الكتاب نفسه يُقدَّمُ على أنه عديم الشكل. هكذا هو أيضا تلقّي هؤلاء القرّاء للرواية، متشظٍّ ولا شكل له، كالنصّ الذي يواجهونه. لا عجب إذًا أن يكون شكل الرواية هو الجانب الأقل أهمية في نظرهم، ولا عجب أنهم لا يشتبهون في وجود فجوات في الرواية، أو ربما يعتبرون ذلك أمرًا بديهيا.          
       لا أحد يتحدّث عن الكتاب بوصفه كيانًا منقوصًا. لا أحد يشيرُ إلى غرابة العلاقة بين الشخصيتين. لا أحد يذكر حتّى ذلك الإبهامُ الذي خلّفتْهُ الأجزاء المتلَفَة. بل إنهم يبرّرون الغموض الذي يكتنف تلك الفصول بأنه "تعقيد" الرواية، أو مراوغة ضرورية من الكاتب نفسه. يعتقد هؤلاء أنّ ملء تلك الفجوات يقع ضمن مسؤوليتهم كقرّاء.
       هكذا أدخلُ الحوارَ كشخصيةٍ أخرى. فأنا أيضا عالقةٌ في هذا العالم المزيّف. أنا أيضا استمتعتُ به. وبلغت متعتي أنني قررتُ شراء النسخة الأصلية من الرواية وإعادة قراءتها مرات ومرات، على أنّ هذه المتعة تحطّمت بالكامل. من حطام تلك المتعة ظهرت حكايتي التي أرويها هنا، الحكاية التي لي أنا أيضا دورٌ فيها. في ليلة شتوية ظلماء أدخل الحوارَ لأحدّث أولئك القرّاء عن تجربتي مع الرواية، فأفكّكها وأكشفها كلّها بما فيها تلك الأجزاء المحذوفة والمحرّفة. هنا بدأ العالم المتخيّل "الحقيقي" للرواية ينكشف. رغم ذلك، وباستثناء بَهَار (طالب هندسة معمارية) الذي صُدم بعد أن أعدّ دراسة مفصّلة للرواية، ظلّ البقيةُ غير مبالين بشيء.     
       يقول رامين الذي يؤمن إيمانا جازما بأنه يستطيع أن يملأ تلك الفجوات بنفسه: "معرفةُ تلك الأجزاء لن تفتح لي بابا جديدا، ولن تسلّط ضوءا جديدا على الرواية". أما أحمد الذي يفضّل الحديث عن كل مدرسة فلسفية بدلا من الحديث عن ذاته وانطباعاته فيقول على مضض: "حتى لو قرأتُ تلك الأجزاء فلن يتغيّر الكتاب بالنسبة لي. الشيء الوحيد المهمّ في تلك الأجزاء جانبُها التعليمي. فبقراءتها نعرف ما ينبغي ألا نفعله". وأما سهى فترى أنّ الأجزاء المحذوفة "مُقرفة" للغاية، وتضيف قائلة قبل أن تغيّر الموضوع بسرعة: "أفضّلُ أن أقرأ النسخة المترجمة كما هي، وإلا فلا أدري ما إذا كان بإمكاني أن أحبّ الرواية". وأما زيبا فلا تلتفتُ كثيرا إلى ما تحمله تلك الأجزاء من صراحة صارخة، إذْ تراها "دُنيوية" جدا. تقول زيبا: "سمعتُ أنّ هذه الرواية هي الأنقى أخلاقيا من بين روايات كونديرا، فهي خالية من أية إشارات غير أخلاقية، وإن وُجدت فلا تزيد على النطاق اللفظي".
       يُنهي كاوَه هذا النقاش حين يندفع قائلا على نحو متهكّم: "هكذا قرأنا الروايات لسنوات، وهكذا سيظلّ الوضع. فلماذا نكبّر الأمور؟". صمت. صمت. صمت.  
*
في جانبٍ واحدٍ من الحوار ثمة صوتٌ يبحث عن آخر. في بعض الأحيان يكون هذا الصوت الباحثُ (وهو في هذه الحالة صوت القارئ) قانعًا بما يسمعه، أو لا خيار لديه سوى أن يشعر بالرضى. وهذا الرضى لا يتحقق بلقاء صوتٍ آخر بل -إلى درجةٍ معينة- بترديد صدى ذاتِهِ معتقدًا أنه صوتُ "الآخر". إذًا فالحوارُ الذي كان من المفترض أن يشكّل هُويةً، ويضفي حسًا من الوعي بالذات عبر اللقاء بالآخر يتحوّلُ إلى مونولوج يصوغه المترجمُ والرقيب، فما اللذان يواجهان "الآخر" بهيئته الحقيقية غير المألوفة، سابقَين على القارئ قيِّمَين عليه إذْ لهما الحقُّ في إعادة تشكيل عالم "الآخر". عندها يُقدَّم إلينا هذا العالمُ المشوّه على نحوٍ تبدو فيه آثارُ العمل الأصلي مزعجةً، أو غير ضرورية، أو أقلّ جاذبية. عبر هذا التخاطب المختلّ إذًا يبقى الطرفُ الآخر بعيدًا في الجانب القصيّ من الحدود سليمًا كما كان قبل أن نُخلع عليه لباسا تنكّريا في جانبنا، في إيران.      
       لا يؤخذ من تلكِ الهوية (الآخر) إلا أجزاء صغيرة، صورة تمثيلية لكائن حيّ. على هذا الجانب من الحدود قارئٌ يتشوّفُ إلى أن يلتقي بكائنٍ غير مألوف كما هو بكلّ أجزائه، لكنّه لا يجده ولا يستطيع التخاطب معه لو وجده. كلا الطرفين يبقى كائنًا وحيدًا على جانبٍ من شبه جسر. ثمة وهمُ حوارٍ لا أكثر، مع أصوات تبقى غير مسموعة أو مسموعة بطريقة خاطئة. هنا قارئٌ يتخاطب مع شظايا حُطامٍ يُسمّى روايةً مُترجَمة.    
       في الفصل الأخير من رواية الهوية يُنهي الراوي القصةَ على نحوٍ محيّر، يتثنّى بين الحلم والواقع. يسأل قائلا: "حُلُمُ مَنْ كانت هذه القصة؟". ليس لديّ جواب، وبالنظر إلى نفسي وإلى الشخصيات المتبقية أجد أننا عالقون جميعًا بين صفحات كتابٍ لم نشأ أبدًا أن نكون جزءًا منه. حُلُمُ مَنْ نحن؟ هل ننتمي إلى ذلك الحلم؟ هل يتملّكنا ذلك الحلم؟ أو هل هناك حلمٌ مختلف لكل واحدٍ منا؟
       تتراءى لي رؤية، تبدو كضوء خافق. تبدو كالندى المتلاشي الذي لا يمكنك لمسه أبدًا مهما اقتربت. وأودّ أن أنهي حكايتي بأشكال لا يُعرف عددُها أراها في قطرة الندى الصغيرة التي وجدتُها في يومٍ من الأيام.
الفصلُ التالي من حكايتي سيكون حكايةً خرافية.




1 هذا المقال مأخوذ من كتاب: Azam Zanganeh, Lila (ed.) (2006). My Sister, Guard Your Veil; My Brother, Guard Your Eyes: Uncensored Iranian Voices. Boston: Beacon Press.
2 شاعرة إيرانية ومترجمة وباحثة في الأدب. وهي تلميذة سابقة للكاتبة والأكاديمية المعروفة آذر نفيسي.
3 الكاردينال (جمعه كرادلة) منصب لرجل دين في الكنيسة الكاثوليكية، يرتدي حلّة حمراء شديدة الحُمرة، وهنا يشبّه ميلان كونديرا فوران الدم في جسد الحبيبة واستثارتها باللون الذي يمثّله الكاردينال، (المترجم).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق