الأربعاء، 20 أبريل، 2016

عبدالله حبيب...وحرّية التعبير


عبدالله حبيب..وحرية التعبير

يقول لي أحد زملائي مستنكرًا: "أوتريدني أن أتضامن مع عبدالله حبيب؟ ما كتبه عن انفصال ظفار كريهٌ وبغيضٌ ولا يمكن أن أدعو لحرّيته في قول شيء كهذا". فقلتُ له: "بل لهذا السبب تحديدًا يجدر بك أن تتضامن معه؛ فلا معنى لأن تتضامن مع حرّيته إن كنتَ توافقه على رأيه. وإن تضامنتَ معه لأي سببٍ آخر (لأنّه كاتب وسينمائي كبير، أو لأنه يمكنك تفسير ما قاله بحسن نية، أو لأنه صديقك) فيجدر بك أن تراجع نفسك فورًا، وتنسحب من مهنة التدريس الجامعي!".

لا يكادُ يكون هناك معنى لـ"حرية التعبير" إن لم يكن ذلك التعبير خارج المألوف والمقبول؛ فنحنُ إنّما نختبرُ إيماننا بالحرية حين يكون المستفيدُ منها هو الآخر الذي نختلف معه ولا نرتاح لما يقوله. أمّا إنْ كنا نسمح بحرية التعبير لمن يوافقنا الرأي ويسير على نهجنا، فنحن في الحقيقة ندعو لشيء آخر لا يمكننا أن نسميّه "حرية".

بإمكانك أن تفسِّر ما قاله عبدالله حبيب كما تشاء، وأن تصفه بما تشاء، فمن حقّك أن تعتبره كلاما غيرَ مسؤول، أو غيرَ منطقيّ، أو حتى سخيفًا، من حقّك أن تعتقد فيه ما تشاء، ما دام هذا رأيك أنت، دون أن تحتاج إلى من يفكّر عنك أو يحميك من ذلك "الرأي" الذي طرحه عبدالله حبيب. فهو (أي عبدالله حبيب) لم يدخل عقلك ليفرض رأيه، ولم يحمل سلاحًا أو يحرّض على عنفٍ كي تحتاج إلى حكومةٍ تحميك منه.

وإن كنتَ ترى أنّ حرية التعبير لها حدود وأنّ الدولة من حقها أن تمنع انتشار بعض الآراء التي تعتبرها خطيرة، فأنتَ في حقيقة الأمر لا تنظرُ إلى مجتمعك إلا على أنه مجموعة من الأطفال الذين ينبغي حمايتهم أو السُذّج الذين ينبغي حمايتنا من حماقتهم. إن كنتَ تخشى من انتشار فكرة، فلأنك تشعر بعجزٍ من مواجهتها ودحضها بفكرة أخرى أقوى منها، أو لأنك تعلم أنّ هناك عقولا مستعدة لتقبّل تلك الفكرة، وهنا ينبغي أن تشغل نفسك بتصحيح الفكرة وليس بإسكاتها.

بعد ستة وأربعين عامًا من التعليم في عُمان، ليس من المشرّف أبدًا أن نشعر بحاجةٍ إلى من يحمينا من الأفكار والآراء، وليس من المشرّف أبدًا اعتقالُ صاحب رأي. قُل ما تشاء، ولديّ عقلٌ أميّزُ به، عقلٌ يحميني وليس جهاز أمن.

أتضامنُ مع حرية عبدالله حبيب، احترامًا لعقلي أولا.
   

  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق